لَمّا حَضَرَتْ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ الوَفَاةُ، جَمَعَ بَنِيهِ، فَقَالَ:
أَيُّكُمْ يَكْفُلُ دَيْنِي؟ فَسَكَتُوا. فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَكَلَّمُونَ؟
فَقَالَ عَمْرُو الأَشْدَقُ (وَكَانَ عَظِيمَ الشِّدْقَيْنِ): وَكَمْ دَيْنُكَ يَا أَبَه؟
قَالَ: ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ: فِيمَ اسْتَدَنْتَهَا يَا أَبَه؟ قَالَ: فِي كَرِيمٍ سَدَدْتُ فَاقَتَهُ، وَفِي لَئِيمٍ فَدَيْتُ عِرْضِي مِنْهُ.
فَقَالَ عَمْرُو: هِيَ عَلَيَّ يَا أَبَه. فَقَالَ سَعِيدٌ: مَضَتْ خَلَّةٌ، وَبَقِيَتْ خَلَّتَانِ.
فَقَالَ عَمْرُو: مَا هُمَا يَا أَبَه؟ قَالَ: بَنَاتِي، لَا تُزَوِّجْهُنَّ إِلَّا مِنَ الأَكْفَاءِ، وَلَوْ بِفَلْقِ الخُبْزِ الشَّعِيرِ. قَالَ: وَأَفْعَلُ يَا أَبَه.
قَالَ سَعِيدٌ: مَضَتْ خَلَّتَانِ، وَبَقِيَتْ خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا أَبَه؟
قَالَ: إِخْوَانِي إِنْ فَقَدُوا وَجْهِي فَلَا يَفْقِدُونَ مَعْرُوفِي. قَالَ عَمْرُو: وَأَفْعَلُ يَا أَبَه.
فَقَالَ سَعِيدٌ: أَمَا وَاللَّهِ، وَلَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي حَمَالِيقِ وَجْهِكَ وَأَنْتَ فِي مَهْدِكَ. ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ: مَا شَتَمْتُ رَجُلًا مُنْذُ كُنْتُ رَجُلًا، وَلَا كَلَّفْتُ مَنْ يَرْتَجِبُنِي أَنْ يَسْأَلَنِي؛ لَهُوَ أَمَنُّ عَلَيَّ مِنِّي عَلَيْهِ إِذَا قَضَيْتُهَا لَهُ إِذْ قَصَدَنِي لِحَاجَتِهِ. [أقوال وحكم خالده من افواه السلف الصالح]