اسلام عمير بن وهب:
قبل الهجرة كان عمير بن وهب من أشد قريش عداوة للإسلام، اشترك هو وابنه وهب في بدر، وهرب واسر ابنه، وفي مكة كان حزين مهموم، وكذلك صفوان بن أمية كان من الفارين، وقد رأى مصرع ابيه، جلسا معا في حجر الكعبة يتحدثان عن مصابهم فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير، فقال عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله غيلة بين اصحابه، فإن لي عنده اسير اتحجج به، فقال: اي عمير انا علي دينك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم فأنفذ ما تقول، قال: إذن اكتم علي، فقال: قد فعلت فتعاهدا على ألا يعلم أحد، فجهز عمير سيفه وشحذه وسمَّه، وركب دابته وذهب للمدينة، وأناخها على باب المسجد، وهو متقلد سيفه، فرآه عمر رضي الله عنه فقال: هذا شيطان قريش، والله ما جاء إلا لشر قالوا: يا عمر إن له أسيرا، قال: والله ما لهذا قدم، فدخل على النبي، وقال: يا رسول الله هذا عمير شيطان قريش ينيخ بباب المسجد. قال: (ادخله علي يا عمر)، فأمسك به عمر وأخذ سيفه وعلقه في عنقه، وجذبه عمر جذبة شديدة، وأدخله على رسول الله بهذه الهيئة، فلما رآه النبي متمكن منه، قال: (أرسله يا عمر، أدنو يا عمير)، قال: أنعم صباحا، فقال له النبي: (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير؟) قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: (بل أصدقني يا عمير لماذا جئت؟) قال: ما جئت لغير هذا. قال: (فما بال السيف الذي في عنقك؟) قال: قبحها الله من سيوف، إنه سلاح المسافر، فنهض النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وجذبه من ثيابه ورضه على الارض على ركبتيه، وصاح به وقال: (أجلس أمامي، وأصدقني لما جئت؟) قال: ما جئت يا محمد إلا لهذا، قال: (بل انا أخبرك بما جئت؛ بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بن أمية بالدين وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك). فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، لقد كنا نكذبك يا رسول الله، بالخبر يأتي من السماء لأننا لا نعرفه أما هذا؟ فوالله الذي لا إله غيره، ما أطلع عليه ثالث، فمن انبأك به إلا الله، فإني اشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله، فمسح النبي بيده على صدره وقال: (فقهوا أخاكم في دينه وأطلقوا له أسيره) وقال: أذن لي يا رسول الله أن أقدم مكة، وأدعوهم إلى الإسلام؛ لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فاذن له فانطلق إلى مكة. وأخذ يدعو إلى الإسلام. وأسلم على يديه الكثير من قريش، وظل كذلك حتى فتح مكة، واسلم صفوان بن أمية.
الباب الثاني:
بداة مرحلة جديدة بعد بدر:
أصبح للدولة الإسلامية هيبة كبيرة في قلوب العرب ورفعت من الروح المعنوية للمسلمين، وغيرهم في ألم وغمة وقهر. وكأن شيء أصابهم في سويدة قلوبهم لا يحبون محمداً أطلاقاً قد قالها أحبارهم، فهم أصحاب غدر ونكث للعهود، فما أن جاءت اول مناسبة، كشفوا النقاب عن حقيقتهم، فاخذوا ينالون من المسلمين في الاسواق بألسنتهم، ويلمزون ذماً بالنبي صلى الله عليه وسلم، على اسماعهم ويتألمون على قتلى قريش ويضيقون سبل المعيشة على المسلمين، فمثلا مر شاس بن قيس بنفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون فيه، فغاظه جدا ما وجده من ألفتهم وجماعتهم لم يعجبه هذا الاجتماع، فجلس اليهم، وأخذ يذكرهم بيوم بعاث، وأخذ الصحابة يذكرون تلك الحرب، وذكروا بعض الشعر عن ذلك اليوم فأشتد النقاش واخذتهم الحمية، فغضب الفريقين، وقالوا الحرب بيننا وانصرفوا ليستعد للحرب، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقام مسرعاً إليهم مغضباً ووقف بين الفريقين، ورفع يديه باعد بينهما وقال: (يا معشر المسلمين، الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم) ثم تركهم ومشى مغضباً. فبكى الصحابة ندماً، وقاموا وتعانقوا، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم، انه من فعل يهود، أنهم يريدون غدراً، وأحتار في أمرهم، والمدينة الآن في أمس الحاجة للإستقرار الداخلي اكثر من أي وقت، فأخذ يفكر بحل هذه المشكلة معهم، فأنزل الله عزوجل: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} فأرسل صلى الله عليه وسلم، الى سادتهم أن اجتمعوا في سوقكم وسط المدينة، فأجتمعوا فقدم اليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فما راعه إلا تجهمت وجهوهم وقالوا: يا محمد ارأيتنا مثل قومك؟ لا يغرنك أنك لقيت قوم لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة والله لإن حاربناك ، لتعلمن أن نحن اهل الحلقة، فأنزل الله على نبيه فوراً: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريش، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، فقاموا من مجلسه وتركوه يتكلم، فحذر النبي المسلمون منهم، وأمرهم أن يأخذوا حذرهم من بني قينقاع،
اليهود تنقض وثيقة المدينه:
في اليوم الثاني، تأتي إمراة مسلمة الى سوقهم، تريد ان تبيع أو تشتري، فجلست عند دكان صائغ، فأخذوا يهزئون بها وبلباسها، وأخذوا يراودونها عن نفسها، وقام الصائغ بغفلة منها وهي جالسة فشكل ثوبها بشوكة الى بين كتفيها، حتى إذا رأت منه سوء، قامت مغضبة فانكشفت عورتها فضحكوا منها بصوت مسموع، فأنتبهت لنفسها وسدلت ثوبها، ثم صاحت بأعلى صوتها، وااا ذُلاه فسمعها رجل مسلم من الانصار، فأنقض بسيفه على الصائغ فقسمه نصفين، فتجمع اليهود وتكاثروا على المسلم وقتلوه، فوصل الخبر الى النبي فأخذ قراراً سريعاً وحاسماً، وهو ضرورة قتال يهود بني قينُقاع، فنادى في المسلمين لحصار يهود، وما أن سمعوا أن محمد جمع رجاله، اغلقوا أبوابهم ودخلوا حصونهم، فأمرا النبي صلى الله عليه وسلم بمحاصرتهم، وأن لا يصل لهم ماء، ولا طعام، ولا يخرج رجل منهم إلا قتل، واستمر هذا الحصار أسبوعين، وقذف الله في قلوبهم الرعب فأستسلموا، لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي بتكتيفهم، وقتل جميع الرجال المحاربين، لأنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ولأن كراهيتهم وعدواتهم وحربهم للمسلمين لن تتوقف، ولتحقيق الاستقرار للدولة الاسلامية. فقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يا رسول الله انهم حلفائي قبل الاسلام، وإني ابرء الى الله ورسوله منهم، ومن حلفهم فاصنع بهم ما شئت لا عهد بيني وبينهم. اما المنافق عبدالله بن ابي سلول تحدث الى النبي بفظاظة وقال : يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه يتكلم ومشى، فلحق بالنبي وامسك به من جيب درعه يجذبه إليه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أحمر وجهه، فقال النبي: (أرسلني) قال: لا أرسلك، قال النبي: (ويحك أرسلني) قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي، أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في ساعة واحدة، لا والله لا أرسلك حتى تعطيني عهداً، أن لا تقتل منهم رجلا واحدا، فنفض الرسول يده من نفسه وقال: هم لك ولكن لا يجاوروني في مدينتي ابداً. وارسل إليهم عبادة بن الصامت، ان انزلوا على حكم رسول الله خير لكم، تخرجوا من المدينة فقط، بأنفسكم وأهليكم لا مال ولا سلاح، تتركوا كل شي، وتخرجوا بأنفسكم فقط، فتركوا ديارهم وخرجوا الى أذرع في جنوب سوريا، واستقبلهم الوباء بيد القدرة ، فما اكملوا عام حتى دفنوا جميعاً، ولم يبقى من بني قينقاع احد.
خطبة فاطمة الزهراء وزواجها من علي:
تقدم ابو بكر الصديق رضي الله عنه لخطبة فاطمة، ويسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرد عليه، فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه قال: خطبت الى رسول الله ابنته فاطمة، ولم يرد علي بشي، فقام عمر وتوجه الى النبي، وخطب إليه ابنته فاطمة، ففعل النبي معه كما فعل مع الصديق لم يرد عليه بشي، فذهبا لعلي بن ابي طالب وقالا له: يا علي لقد خطبنا فاطمة الى رسول الله، فلم يرد علينا بشيء فانت أقرب الناس إليه رحماً وأنت أولى بها فقال علي: إذا كان ردكما، وأنتما شيوخ الصحابة، فماذا عسى ان يقول لي؟ قالا له: انت غيرنا أنت منه بمكان، فأنطلق إليه واذكرها قال: وماذا عندي اقدم لبنت رسول الله؟ قالا له: اذكرها ولا عليك، فانطلق فجلس الى النبي، على استحياء ولم يتكلم إلا انه سلم وجلس فنظر اليه النبي وابتسم وقال: (ما حاجة ابن ابي طالب؟) قال: يا رسول الله ذكرت فاطمة، وانا ابن عمها فقال له النبي: اهلاً ومرحباً فسكت علي، ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن وخرج متلعثم، قالا: ما بك يا علي؟ قال: ذكرتها عليه، فقال: اهلاً ومرحباً، فقالا: يا أبن ابي طالب واحدة منهما تكفيك من رسول الله لقد رحب بك صهراً، يقول لك اهلاً ومرحباً فعاد في اليوم الثاني، وأخذ يتكلم علي مع سعد بن معاذ على مقربة من النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا سعد ذكرت فاطمة لرسول الله بالأمس فلم يزد على أن قال لي اهلاً ومرحباً، فأبتسم سعد وقال: احدهما تكفيك لقد ارتضاك صهراً، قال علي: فما راعني إلا ورسول الله يرفع رأسه ويقول: (يا علي وماذا عندك لتقدمه لفاطمة) فتقدمت إليه وقلت: بأبي وأمي يارسول الله والله لا أملك شيء، فقال: (أين الدرع التي اعطيتك يوم بدر) قال: هي عندي، قال: (أمهرها لفاطمة)، فقال عثمان رضي الله عنه، وانا اشتريتها يا رسول الله ب (٤٨٠) درهم فأخذ النبي شي من هذا المال بأصابعه وقال: (خذ يا بلال ، فأشتري به طيب للعروس) ثم أخذ مثلها وقال لأنس: اعطيهم لأم سلمة، وقل لها تهيئ جهاز للعروس، فكان جلد كبش، وقطيفة ذات خمل، ووسادة من جلد محشوة بالليف، وحجر رحى، وجرة ماء، هذا الزواج كان بمنتهى البساطة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا)
تم تجهيز العروس؛ فجاء علي والصحابة رضي الله عنهم حول النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون كلام النبي بالزواج، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: (إني قد زوجت علي بن ابي طالب ، من فاطمة بنت محمد رسول الله) ثم قدم لهم وعاء فيه تمر ضيافة وتم العقد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(غداً بعد العشاء ان شاء الله) فلما كان، قال النبي: (لأزواجه اصّحبنا فاطمة الى منزل علي) ثم قال لعلي: (تصلي العشاء معنا وتنطلق لبيتك، ولا تحدث شيئاً، حتى أتيكما)، تقدم علي وانتظر وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهما جالسين على استحياء، وقال: (يا علي إلي بقدح ماء)، فقرأ عليه شيء من القران، ثم قال: (اشربا منه وتوضئا بفضلته) فشربا وتوضئا، فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم من وضوئهما بيده ونثر عليهما وقال: (اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما وارزقهم الكثير الطيب)، ثم ودعهما. وكانت حجرتهما ملاصقة لحجرات ازواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان اذا خرج من حجراته يريد الصلاة لا سيما صلاة الفجر وقف بباب علي، واخذ بعضدي الباب وقال: (السلام عليكم اهل البيت، الصلاة الصلاة) وبقيت فاطمة تحت ناظريه. والعروسان بشر، فوقع بينهما ما يقع بين الزوجين اكثر من مرة قال الصحابة: قام النبي من الصلاة يوماً، ومر من أمامنا ويُرى في وجهه الغضب ثم دخل حجرة علي فجلس فيها ما شاء الله له أن يجلس، ثم خرج ووجه متهلل مشرق يضيء كأنه القمر فقلنا: يا رسول الله فداك أنفسنا لقد قمت الى بيت علي، ويُرى في وجهك عدم الرضا، ثم خرجت متهللاً فهل من شيء، قال: (كيف لا أسُر وقد أصلحت الى احب اثنين الى قلبي). زار النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة في بيتها يوماً، فلما علم أن هناك خلاف بينها وبين علي فقال لها: (أين ابن عمك؟) فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج فلم يقِل عندي، فخرج صلى الله عليه وسلم مسرعاً، وقال لأحد أصحابه: (انظر أين هو)، فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقِّه فأصابه التراب، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بجانبه، واخذ يمسح التراب عنه وهو يقول لعلي: (قم أبا التراب ، قم أبا التراب) فنظر علي فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فوق راسه يبتسم في وجهه ثم تركه ومضى،ففهم الرسالة علي وانطلق ودخل الى بيته واصطلح مع فاطمة.
السيدة فاطمة رضي الله عنها، رغم نحالة جسمها وضعف بنيتها ورقتها، فمنذ ذلك اليوم لم ترى يوم هادئ البال، وهي مشغولة بأبيها فبعد الزواج أصبح عليها واجبات ومسؤوليات في بيت الزوجية، فهي تطحن وتعجن وتخبز، وتكنس وتطبخ، وتغسل الثياب، فرأها علي ذات يوم وهي منهكة، مع أنها شابة في العشرين من عمرها فقال لها: يا فاطمة لقد جيء بسبي عند رسول الله من غزوة غزاها، فلو ذهبتِ لرسول الله وسألتيه خادماً أو خادمة يكفيكِ عمل مؤنة البيت قالت: أفعل إن شاء الله فلما فرغت، دخلت الى النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، فهش لها ورحب بها وسلمت عليه وقبلت يده وأجلسها، فنظر في وجهها، فعلم انها جاءت بحاجة، فأنتظرها تتكلم، فلم تتكلم فقال: (ما حاجتك يا فاطمة؟) قالت: جئت اسلم عليك واطمئن عليك يا رسول الله، قال: (أو غير ذلك؟) قالت: لا، فجلست قليلاً ثم استأذنت وخرجت ورجعت وسألها علي: هل اعطاكِ خادماً؟ قالت: لم اطلب، قال: وما منعك ان تسأليه، وما ذهبتِ إلا لذلك؟ قالت: منعني الحياء من رسول الله قال علي: قومي بنا فأنا أساله فمشى بصحبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم، وجلسا فرحب بهما وقال: (مرحبا بإبن أبي طالب، ما حاجتكما؟)، قال: يا رسول الله إنك ترى فاطمة قد أجهدها عمل البيت، وان الله قد جاء بسبي، فلو أعطيتنا خادماً او خادمة يكفينا مؤنة العمل، قال: فما راعنا إلا ورسول الله، يحمر وجهه ويقول بيده هكذا، (لا والله لا أعطيكما خادماً، وادع اهل الصفة تتلوى بطونهم جوعاً، بل أبيع من هذا السبي، وانفق عليهم) قالت فاطمة: فأنكمشنا واستأذن علي، وعدنا الى البيت، وإذا بخطوات رسول الله يتبعنا، فلما دخل، قمنا في وجهه، فقال: (مكانكما على ما أنتما عليه)، فجلس بيننا وتربع وضمنا بكلتا يديه وقال: (ألا أعلمكما شيئاً تقولانه، هو خير من خادم)، قلنا: بلى يارسول الله، قال: (لقد جاءني جبريل ، وعلمني أن أقول دبر كل صلاة، سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله اكبر، فسبّحا واحمدّا وكبّرا بعد دبر كل صلاة عشراً، فإذا أويتم الى فراشكما فسبّحا ثلاثا وثلاثين، واحمّدا ثلاثا وثلاثين، وكبّرا ثلاثا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم)، ونظر لفاطمة وقال: (يا فاطمة، إن من الذنوب ما لا يكفره صلاة ولا صيام، ويكفره العناء والتعب). فقالا: رضينا يا رسول الله، قالت فاطمة: فوالله ما أصابني عناء ولا تعب بعد ان ألتزمت بهذه التسابيح.
ابناء علي من فاطمة:
عندما ولدت فاطمة الحسن، أرسلت الى جدّه صلى الله عليه وسلم فحضر فرحاً مسروراً ليرى هذا الحفيد، فجاء علي رضي الله عنه، ووضعه في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه وأذن في أذنه ، ومسح على وجهه بيده المباركة وتلا ماشاء الله له، من القران ودعا له ثم قال: (ما أسميتموه يا علي؟) قال علي: حرب، فأبتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (بل هو الحسن)، ولما بلغ الاسبوع ختنه وعق عنه كبشين املحين أقرنين، ثم حملت فاطمة، وضعت ولدها الثاني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اين أبني أرونيه؟)، فجاء علي ووضعه في حِجره، ثم قال: (يا علي ما أسميتموه؟)، قال: حرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هو الحسين يا علي)، ثم حملت وولدت، جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما أسميتموه يا علي) فقال: حرب فقال: (بل هو المحسن يا علي)، فحملت فلما أنجبت كانت انثى، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصنع لها ما صنع مع أخويها من القراءة والأذان والدعاء ثم قال: (ما أسميتها ياعلي؟) فسكت علي وقال: ما كنت لأسبق رسول الله، فقال: (سميها زينب) ثم ولدت البطن الخامس ام كلثوم. ورغم حبه لفاطمة يجري عليها ما يجري على نساء العالمين، فيوم أن سرقت المخزومية، وأمر النبي: بقطع يدها، أرسلوا الحبّ بن الحبّ أسامة بن زيد قالوا له: اذهب واشفع لها عند النبي، فلما تقدم ليشفع على أن تعدل لعقوبة اخرى، غضب النبي وأحمر وجهه من الغضب ونظر في وجه اسامة وقال: (يا اسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ والذي نفسُ محمد بيده، لو أنها فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). كان هذا الزواج مبني على المودة والرحمة والحب، يدخل علي يوماً على فاطمة رضي الله عنهما فيرى المسواك في فمها،
فيقول لها: (حظيت يا عود الأراكِ بثغرها // أما خفت يا عود الأراك أراكَ
لو كنت من أهـل القتال قتلتك // ما فـاز منـي يا سِواكُ سِواكَ).
ثم مضت السنوات وتوفي محسن وهو رضيع، وكانت السيدة فاطمة إذا زارت ابيها صلى الله عليه وسلم، قام إليها وقبّلها وامسك بيدها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا زارها صلى الله عليه وسلم، قامت إليه واخذت يده وقبّلته وأجلسته في مجلسها، جاءت يوماً الى بيت أبيها ببرمة فيها حريرة، طعام يحاس على النار من الدقيق والسمن والحليب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها ويوصي بصنعها للمفؤد فإنها تشد الفؤاد، ووضعتها بين يديه وقالت: هذه حريرة يا رسول الله قال: (اين زوجك علي؟) قالت: هو في البيت فطلب منها ان يأتي، فلما دخل علي رضي الله عنه، اجلسه على يمينه وفاطمة على شماله ثم وضع الحسن والحسين في حجره، وكانت هذه الحادثة في حجرة ام المؤمنين ام سلمة رضي الله عنها، فرفع رأسه لأم سلمة وقال: (يا ام سلمة اين بردي اليماني؟ قالت: هو ذا يا رسول الله، فقال: (اعطنيه) فأعطته، فوضعه، على راسه ثم جمع طرفيه بيديه الشمال ثم اخرج يده اليمنى من تحته وقد ستر به علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين واخذ يدعو ويقول: (اللهم إن هؤلاء هم أهل بيتي، وحامتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، وكان هذا اثر نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، تقول ام سلمة لانها راوية الحديث والحديث متفق عليه: فجئت ودسست رأسي في الكساء فدفعني صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى، دفعاً يسيراً قلت: ألست من أهل بيتك يارسول الله؟ قال: انتِ ام للمؤمنين، وانتِ على خير هؤلاء هم اهل بيتي، اذن التبعية بالدم أصل، ولكن التبعية بالدين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يوم حجة الوداع عند باب الكعبة، وهو ماسك بعضدي الباب بعد حديث طويل، ثم ينادي: (يا فاطمة بنت محمد) قالت: لبيك يا ابتي، كررها ثلاثا، فنظر المسلمون، ماذا سيقول لفاطمة؟ (يا فاطمة لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، فإني والله لا أغني عنك من الله شيئاً) النسبة بالاتباع لذا يقول صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا اهل البيت)
غزوة السويق وغطفان:
من ردود فعل قريش الإنفعالية بعد بدر، أن سيدها أبو سفيان أقسم ألا يمس امرأة إلا بعد أن يغزو المدينة فجمع مئتي مقاتل من قريش، وانطلق بهم إلى المدينة ليبر بيمينه، فلما وصل إلى أطراف المدينة، حرق بعض النخيل، وقتل اثنين من الصحابة، فوصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فخرج في طلبهم في مئتين من الصحابة، ففر جيش قريش، وأمر أبو سفيان أن يلقوا الطعام حتى يتخففوا من أحمالهم والهروب سريعاً. فقاموا المسلمون بجمعه وأخذوه كغذاء للمدينة، فسمية (غزوة السويق). فسألوا الصحابة: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة؟ قال: (أجل) . وفي بداية السنة الثالثة من الهجرة، أخذت قريش تكيد للمسلمين، فقامت بعمل تحالف مع بعض القبائل العربية حول المدينة المنورة من أجل أن تحمي هذه القبائل تجارتها من المسلمين. فما أن سمع رسول الله القائد صلى الله عليه وسلم عن هذا التحالف، قام إلى غطفان أكبر قبيلة منهم وقائدها كان اسمه دعثور، فخرج على رأس مئتي مقاتل من أصحابه، وباغتها في عقر دارها فهربوا لسماعهم الخبر، فذهب زعيمهم إلى القبائل المجاورة، وجمعهم لغزو المدينة، فسمع الرسول بحملته، فخرج إليهم مرة أخرى على راس اربع مئة أو يزيد، فلما سمعت القبائل بقدومهم، تزلزلت قلوبهم من الخوف والفزع، وتفرقت فهرب دعثور ومن معه إلى الجبال، وترك أهله وغنمه، فلم يجد النبي حرباً، فسمية (غزوة غطفان أو غزوة ذو أمر)،
اسلام دعثور:
: بعد غزوة غطفان عسكر النبي عند بئر يطلق عليه ذو أمر، فنزل عليهم مطر كثير فابتلت ثيابهم، فاخذ النبي طريقه إلى شجرة مُتنحيَّة، ليعصر ثيابه وأبتعد عنه اصحابه أدباً، فنزع ثوبه وعصره وعلقه على الشجرة ليجففها. ونام تحتها ليستريح، وتفرق المسلمون لشؤونهم. فكان المشركون يراقبون من رؤوس الجبال، فلما أبصروا النبي لوحده، قال دعثور: قتلني الله إن لم أقتل محمداً، وأخذ يتسلل خلسة وخفية، ومشى بكل خفة، حتى أقترب من النبي، ثم أشهر سيفه على رأس النبي، وقال: يا محمد أنا دعثور، كعادة المتكبر إذا رأى نفسه منتصراً، أراد أن يتفاخر أمام النبي، قل من يمنعك الآن مني؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: (الله) فأرتعد دعثور، وسقط السيف من يده، فأخذه النبي ورفعه في وجهه وقال: (أنت يا دعثور من يمنعك الآن مني؟) قال: لا أحد، فأنزل النبي السيف من يد، وعكسه وأعطى قائمه لدعثور قال: (قد أنتصرت عليك وعفوت عنك، خذ سيفك وانطلق). نظر دعثور للنبي مندهش مذهول، وقال: من أنت يا محمد؟ قال: (أنا محمد رسول الله)، فقال دعثور: وأنا أشهد أنك رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فأشهد يا دعثور أن لا اله إلا الله)، قال: أشهد ان لا إله الا الله. لو كان هناك آلهة غيره لحمتني ونفعتني الآن، وقال: إئذن لي يا رسول الله، أن أدعو قومي لهذا الدين. قال: (انطلق فأدعهم). فانطلق فدعى قومه فقدموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام،
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة:
توفي زوجها الصحابي خنيس السهمي، وأنتظر عمر حتى أنقضت عدتها فجاء إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجلس إليه وتحدث معه، وعرضها عليه فلم يرد عليه بشيء، فغضب وجاء إلى أبي بكر فحدثه بما كان، وعرضها عليه، وكذلك لم يرد عليه، فكاد عمر أن يفقد صوابه، وطال اِنتظاره وأبوبكر صامت مطرق رأسه يتصبب عرقاً، فقام عمر وقد زاد غضبه وزادت الحيرة بردة فعلهما. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في شدة الغضب، فجلس إلى النبي، فقال النبي: (ما بك يا عمر؟) قال: يا رسول الله، جئت أشكو إليك صاحبيك الصديق وابن عفان، فقال: (بما تشكوهما؟)، فقال له ما كان فضحك النبي في وجه عمر وربت على كتفه وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر، ولعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفص)، وقال: رضيت يا رسول الله، ونسأل الله أن يختار لنا الخير، فقام من عند النبي ورجع إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، ذهبت أشكوكما إلى رسول الله، فذكرت ما كان، فهش لي وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر)، فرفع رأسه ابو بكر مشرقاً متهللاً مبتسماً وقال: وقد قال لك رسول الله ذلك؟ قال: أجل، قال: هنيئاً لك يا عمر، ومبارك عليك مصاهرة رسول الله، فمن ترى يا عمر خير من أبي بكر وعثمان غير رسول الله؟ قال: فهمت هذا، ولكني لم أطمئن حتى آتي إليك. فقال: والآن اقول لك لِما لم أرد عليك بشيء، فإني كنت عند رسول الله يوماً، فسمعته يذكر حفصة وهي ما زالت في عدتها، فعلمت أنه يريدها، ويريد أن يكرمك يا عمر بمصاهرته، كما أكرمني من قبل، فعندما جئتني، لم أكن لأفشي سر رسول الله، فما أستطعت أن أرد عليك بشيء، قال: وعثمان؟ قال: ولعل عثمان سمع ما سمعت، فما أحب أن يفشي سر رسول الله، فرجع إلى عثمان، فجلس عمر وقال: يا عثمان لم ترد علي بشيء حينما ذكرت لك حفص، قال: وأين ذهبت؟ قال عمر: ذهبت وشكوتك لرسول الله قال: فماذا قال لك رسول الله؟ قال: قال لعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفصة ويزوج حفص من هو خير من عثمان، فوثب عثمان قائماً فرحاً مسروراً، وقال: لهذا خير يومٍ مر علي، منذ أن أعتنقت الإسلام، أقالها رسول الله يا عمر؟ قال: نعم، قال: يا عمر ما كنت لأفشي سر رسول الله، إني سمعته يوماً يذكر حفص ولكنه لم يعلن فعندما كلمتني، ما كنت لأفشي سر رسول الله، ولكنك زدتني واحدة، أقال رسول الله يزوج عثمان من هي خير من حفص؟ قال: نعم، فقال: وهذه بشرى أخرى فإن رسول الله مصاهري مرة أخرى، فما راعنا إلا ورسول الله يطرق الباب، فجاء النبي وجلس ووجد عمر عند عثمان فقال له النبي: (يا عمر أتزوج محمد رسول الله من ابنتك حفصة؟) فقال عمر: يا رسول الله لقد أكرمتني اِكراماً، ما كنت لأحلم به قط فحفص لرسول الله، فقال النبي: (يا عمر أمهرتها اربعمئة درهم كعائشة وكسودة من قبل).
زواج عثمان من ام كلثوم:
ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، وقال: (إلى متى تبقى بلا زوجة يا عثمان؟)، قال: يا رسول الله من يزوج عثمان؟ قال له النبي: (يقول محمد رسول الله: والذي نفسي بيده لو أن لي عشر بناتٍ، لَزوّجت عثمان واحدة تلو الأخرى حتى تنفذ العشر، يا عثمان أزوجك أم كلثوم على مثل صداق أختها)، وهكذا تزوج عثمان بن عفان من السيدة أم كلثوم ولذلك يطلق عليه ذو النورين تم بعد ستة أشهر من وفاة أختها رقية. وعمرها اثنان وعشرون عاما، وكان له ولد من رقية اسمه عبدالله سبط النبي صلى الله عليه وسلم. فكانت أم كلثوم تتولى تربيته ورعايته، ولكنها لم تنجب، فركزت كل عواطف الأمومة بداخلها على ابن أختها اليتيم، وعندما كان عمره ستة أعوام نقره ديك في وجهه، قرب عينه، وتلوث الجرح ومات بسبب ذلك. حزن النبي وحزن عثمان لوفاة ابنه الأول والوحيد في ذلك الوقت. وحزنت أم كلثوم لوفاته والذي كان بمثابة الابن لها، ولكن استمرت الحياة؛ لأن الحياة لا تتوقف على موت أحد. فالسيرة للتأسي، والزواج شعيرة دينية، نرجع فيه الى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم،
زواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة:
أصبح في بيت النبوة الآن سودة وعائشة وحفص، رضي الله عنهن، وكانت عائشة المدللة، لأنها بنت الصديق ولصغر سنها، فأخذت حفص تقلد عائشة بدلالها على النبي. فكانت عائشة تراجع النبي القول، وكذلك حفصة تراجع النبي القول أيضاً، وبعض الأحيان يغضب النبي، ويبقى سائر اليوم مغضباً، ولكنه يغفر لهما لصغر سنهما، وتسرب خبر تقليدها لعائشة إلى أذن عمر، وقد غضب منها النبي مرة أو مرتين، فحمل عمر العصاة، وجاء إلى بيت حفص وهو يعلم أن اليوم ليس دورها، فقرع الباب ودخل وعلاها بالعصاة، وقال: لولا أنك تحملين اسم أم المؤمنين، وأنك زوج لرسول الله، لشججت رأسك شجة منكرة يا حفص، أنسيتي من هو رسول الله؟ مالك ولتقليد عائشة؟ إن عائشة حديثة سن، وإن مكانتها عند رسول الله من مكانة أبيها، فأين أنتِ وأين أبيك؟ إني أحذرك غضب الله ورسوله، فلئن غضب رسول الله، ليغضّبن الله لغضبه، ووالله لولا خُلق رسول الله، لطلقكِ فأين يكون أبوكِ إذا طُلقت أبنتهُ من رسول الله؟ ومضت الأيام حتى إذا ثقل ذلك على النبي من حفص طلقها يوماً. فبقيت حفص في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل الخبر إلى عمر؛ فامضى عمر طوال تلك الليلة، وهو يحثوا الرمل على رأسه، ويقول: ما يعبأ رب عمر بعمر بعد اليوم، وقد طلق النبي ابنته، حتى إذا كان منتصف الليل، أهبط الله جبريل إلى النبي، وقال جبريل: يا رسول الله، إن الله يأمرك أن تراجع حفصة الليلة رحمة بعمر، ولأن حفصة قوامة صوامة وهي زوجتك في الجنة. وكانت معروفة بكثرة عبادتها وصيامها رضي الله عنها. فأرجعها النبي، وأعلم عمر في صلاة الفجر أن حفص زوج لرسول الله لن يطلقها بعد اليوم أبداً فهي زوجه في الدنيا وزوجه في الاخرة، وتبعث يوم القيامة أم للمؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. وفي رمضان من السنة الثالثة من الهجرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت خزيمة، وكانت قد تزوجت مرتين، الاولى في الجاهلية وبعد موته تزوجت عبيدة بن الحارث، واستشهد أثناء المبارزة في بدر، ولم تكن رضي الله عنها ذات جمال، ولكنها كانت طيبة القلب، شديدة العطف على الفقراء والمساكين، حتى أطلق عليها، أم المساكين، ولذلك كان زواجه منها جبراً لخاطرها، ومواساة لها، كما كان زواجه من السيدة سودة بنت زمعة، وهكذا كان النبي يضرب مثلاً لكل الصحابة، أن يكون لهم دور اجتماعي في الزواج من الأرامل اللاتي يفقدن أزواجهن، وقد يكون معهن أبناء، ولا مهنة لهن ولا معيل، خصوصاً أن النبي يعلم بحسه السياسي أن الدولة مقبلة على عدد كبير من المواجهات، سواء مع قريش أو غيرها من القبائل، ولابد أن تخلف ورائها أرامل وأيتام وإذا لم يقم الصحابة بالزواج من هؤلاء الأرامل دون النظر لاعتبارات الجمال والمال والنسب، ستنشأ في المدينة مشكلة اجتماعية خطيرة
الباب الثالث
سبب غزوة احد:
كان انتصار المسلمين في بدر، ونجاحهم في قطع طرق التجارة على قريش، كارثة اقتصادية عليها، واخدت تبحث عن طريق آخر لتجارتها، فقررت أن تسلك طريقاً جديداً تماما، إلى نجد شرقاً، ثم إلى العراق شمالا، ثم بعد ذلك تتجه إلى الشام غرباً، وكان هذا الطريق طويل جدا، ولا تعرفه قريش، ومخاطره كبيرة، وتكلفته كبيرة، وكل هذا يعني أن تقل أرباح قريش من تجارتها، ومع ذلك لم تجد قريش حلاً غير هذا لاستمرار تجارتها. وبالفعل انطلقت تجارة ضخمة لقريش فيها كثير من الفضة بقيادة أبو سفيان وسلكت هذا الطريق، في هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يبث العيون ترقب قريش في حركاتها وتجارتها، فبلغه خروج أبو سفيان وصفوان ابن أمية، فعقد النبي اللواء لمولاه زيد ابن حارثة وأرسل معه مئة مقاتل وقال: (أرقب تجارة قريش ثم أغنمها). فخرج زيد، وراقب الطريق، حتى إذا دنت القافلة أحاطوا بهم ففر أبو سفيان وصفوان ومن معهم، ومن عجز عن الفرار كان من ضمن الغنيمة في التجارة فغنموها، وعادوا إلى المدينة، ولأول مرة يغنم المسلمون غنيمة ذات قيمة، فلما خمسها النبي، كان خمسها خمسة وعشرين ألف دينار ذهبية. وهكذا قطع الرسول صلى الله عليه وسلم، كل طرق التجارة على قريش، وكانت هذه السرية سبباً مباشراً لوقوع غزوة أحد. فكرت قريش جدياً في السير إلى المدينة لحرب المسلمين وهدفها الأساسي هو قتل النبي، لإسقاط الدولة الإسلامية، وإنقاذ تجارتها مصدر أموالها الوحيد. فأخذت قريش قرارها بجعل أرباح القافلة التي نجت يوم معركة بدر، لتجهيز جيش ضخم لحرب المسلمين والثأر لهزيمتهم المُرة في بدر، ونزل في ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}.
جيش الثأر لقريش:
بعد غزوة بدر وطوال هذا العام قامت قريش بشن حرب إعلامية مكثفة تشجع القبائل على الانتقام من المسلمين، والثأر لقتلاهم، وعلى رأس المحفزين على القتال الأسير المحرر الشاعر أبو عزة الجمحي، الذي منّ عليه النبي، وأطلقه من غير فداء، بشرط أن لا يهجو المسلمين ، ولا يرفع سيفه عليهم،
حكاية ابو عزة الشاعر:
هو من شعراء قريش، وكان يؤذي المسلمين كثيراً، ولكنه فقير، وكان في اسرى بدر ؛ نظر للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد تعلم عيلتي وكثرت عيالي من للصبية يا محمد؟ فأمنن جُزيت خيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نمُن عليك، شريطة ألا تحرك علينا بشعرك ابداً، ولا تسل سفيك في وجهنا بعد اليوم ابداً). قال: لك ذلك، يا محمد واقسم على ألا يستعمل لسانه، ولا سيفه ضددهم، وذهب الى اهله آمنا سالماً، وذكرها يد بيضاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يتحدث بها في مكة، فما أن أتم الحول حتى خرجت قريش لاخذ ثأرها يوم غزوة أحد، فكان أول من حرك الناس بشعره ضد المسلمين وخرج الى المعركة في أُحد، وبعد ان أختل ميزان المعركة وهرب الأسرى من يد المسلمين، وفي اليوم الثاني ما زال الصحابة يضمضون جراحهم أمر بلال أن ينادي بباب المسجد، من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليخرج في اثر قريش، ولا يخرج إلا من كان معنا بالأمس، فخرجوا ودمائهم تنزف، وبعضهم يزحف، حتى سمعت بخروجهم قريش، فهربت سريعاً، فادرك فلولهم في حمراء الاسد، فامسك بعض اصحابه بأبي عزة الشاعر، فأتوا به الى النبي صلى الله عليه وسلم هذا ابو عزة يا رسول الله، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه قال: (أين عهدك يا أبا عزة؟ ألم نمنن عليك، لقاء عهداً، بأن لا تحاربنا، ولا تحرض علينا)، قال: معذرةً وعفواً، يا محمد، أمنُن ولن أعود إليها ابداً، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والله لا تمسح عارضيك بمكة، وتقول: خدعة محمداً مرتين، لا يُلْدَغُ المؤمِنُ مِن جُحْرٍ مَرّتَين، اضرب عنقه يا علي)، فضرب عنقه.
وبدأت قريش بحشد قواتها من داخل مكة، ومن كنانة، وثقيف والأحابيش، فجمعت جيشا كبير بكامل عتاده، وخرج الجيش بقيادة أبي سفيان في أواخر شهر رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، أي بعد بدر بعام كامل. فكان خالد بن الوليد على ميمنة الفرسان، وعكرمة بن أبي جهل على ميسرة الفرسان وصفوان بن أمية على المشاة، وعبد الله بن ربيعة على رماة السهام، وأعطى اللواء لبني عبد الدار، وخرجت مع الجيش خمسة عشر امرأة من زوجات أشراف مكة على رأسهن هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان ومعهن الدفوف يضربن بها، وكان من ضمن الجيش وحشي، كان عبدًا لجبير بن مطعم فقال له: إن أنت أصبت حمزة بن عبد المطلب فأنت حر، وقالت له هند: أشّفي وأسّتشفي، وأعدك بوزنك ذهباً وفضة، إن أنت مكنتني من كبد حمزة. فلما وصلوا إلى الأبواء قالت هند للجيش: لو بحثتم قبر أم محمد، فإن أسر منكم محمداً أحدا، فديتم كل أسير بجزء من أجزائها، فرفض أبو سفيان رأيها وكذلك سادة قريش.
استنفار المسلمون:
كان النبي صل الله عليه وسلم، في قباء فوصل اليه كتاب من عمه العباس الذي كان يكتم إيمانه في مكة مع رجل من غفار وأوصاه أن لا يسلم الكتاب الا ليد النبي؛ أستلم النبي الكتاب، ودفعه الى أبي بن كعب ليقرأه عليه، وفيه ان هناك جيش ضخم، وأنه مسلح تسليحا جيدا، قادم من قريش وهو في طريقه إليكم، فظهرت على وجهه ملامح الهم والغم، فأنطلق للمدينة واستكتم ابي بن كعب على الخبر، ثم جمع اصحابه وعرض عليهم المشورة، ثم أعلم صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك فأصبحت المدينة في حالة طوارئ واستنفار عام، فحمل الرجال السلاح حتى وهم في الصلاة، وتم حراسة مداخل المدينة، وكانت هناك فرقة لحراسة النبي، ودوريات تتجول حول المدينة، اجتمع النبي بالصحابة ليستشيرهم، وكان ذلك في صباح يوم الجمعة بعد صلاة الفجر، السادس من شوال من السنة الثالثة من الهجرة، وأخبرهم برؤيا رآها، قال: (رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلَمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدَيَّ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ) قالوا: فما أولتها يا رسول الله قال: (فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل)، وكان السؤال هل يخرج المسلمون لملاقاتهم؟ أم يتحصنون داخل المدينة؟
قرار الخروج لاحد:
كان الرأي الأول: من عبد الله بن أبي سلول هو عدم الخروج، والتحصن في المدينة، والتاريخ يشهد أن الهزيمة هي نصيب كل من يتجرأ ويدخل المدينة، وافق النبي صلى الله عليه وسلم، وعدد من كبار الصحابة اصحاب الخبرة العسكرية. أما الرأي الثاني: رأي الشباب من الصحابة؛ أرادوا الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة، على رأسهم حمزة بن عبد المطلب وقال: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة، وكذلك شباب الأنصار المتحمس للقتال، الذين فاتهم القتال في بدر، وقالوا: يا رسول الله إنا نخشى أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا، فكان رأيهم الأغلبية، ونزل النبي على رأي الأغلبية، وحثهم وحضهم في خطبته على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، ثم أمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس وتجمع الناس بملابس الحرب، ثم دخل النبي الى بيته ليرتدي ملابس الحرب،
فأخذ بعض الصحابة يلومون الشباب وقالوا: لقد استكرهتم رسول الله على الخروج، فشعروا بالندم، فخرج صلى الله عليه وسلم، وقد لبس عدته فركب فرسه، قال الشباب وهم نادمين: يا رسول الله نرى إننا استكرهناك على الخروج ولا ينبغي لنا ذلك فأصنع ما شئت، فقال: (دعوتكم الى ذلك فأبيتم ما ينبغي لنبي إذا لبس أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه). فخرج الجيش من المدينة بعد صلاة الجمعة، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم راكباً فرسه، وكان سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يعدوان أمامه، وصلى بهم النبي العصر في الطريق.
خذلان المنافقين:
سار الجيش قليلاً، وفيه كتيبة كثيرة السلاح عددهم حوالي مئة مقاتل، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (من هؤلاء؟ فإنهم ليسوا من أصحابنا) فقال الصحابة: إنهم حلفاء من اليهود لأبي بن سلول، فقال النبي: (هل أسلموا؟) قالوا: لا، فقال: (إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك)، وردهم ورفض الاستعانة بهم، فغضب لرجعتهم ابن سلول وقال كلمته القبيحة: عصاني وأطاع الولدان، وما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا، ارجعوا أيها الناس واستجاب له ثلاثمئة من جيش المسلمين من المنافقين، فقام لهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو ابن حرام فقال: يا قوم أذكركم الله أن تخذُلوا قومكم ونبيكم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتالا، واصروا على الإنسحاب، قال لهم: أبعدكم الله، أعداء الله، قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} وقال تعالى: { إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. في الطريق وقف الرسول صلى الله عليه وسلم، يستعرض الجيش، فوجد بين الصفوف صغار بالعمر فردهم وكان هناك غلامين فلما ردهما قيل للنبي: يا رسول الله إن رافع رامياً جيداً، قل أن يخطئ، فلا بأس يا رسول الله لو انك أجزته، فبكى سمرة فقال: أجاز النبي رافع وردني وأنا اصرعه إذا تصارعنا فسمعها النبي فسُر له وأبتسم وقال له: (أأنت تصرعه؟، تصارعا أمامي)، فتصارعا فصرع سمرة رافع فأجازه النبي، فرغ النبي من استعراض الجيش وقد غابت الشمس فأذن بلال لصلاة المغرب، فصلى بأصحابه، ثم أذن بالعشاء فصلى بهم، واختار النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلاً ليحرسوا المعسكر يتجولون حوله، وكان هناك حراسة خاصة للنبي صل الله عليه وسلم
الاستعدادات قبل القتال:
وبعد الاستراحة ساروا بإتجاه جبل أحد ووصلوا قبل طلوع الفجر، وتمركز بجيشه، وجيش مكة أصبح فاصلا بين المسلمين والمدينة، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى جيش قريش أمامهم، تفحص ساحة المعركة ببصيرته، فجعل جبل أحد خلف المسلمين وعن شمالهم، ليكون هناك مكان آمن في الجبل يمكن أن ينسحب اليه المسلمون، اذا وقعت الهزيمة بالمسلمين، ولا يلجئوا الى الفرار من أمام العدو، فيتعرضوا للقتل أو الى الاسر. ورأى ان في جيش قريش مئتي فارس يقودهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن ابي جهل، تنحوا عن الجيش، فعلم النبي أن مهمتهم فقط تطويق المسلمين والألتفاف حولهم، فكون النبي كتيبة الرماة من خمسين رجلا بقيادة عبد الله بن جبير ومعلم بثياب بيضاء ثم أوصاهم: (قفوا على هذا التل، ولا تشاركونا في القتال وعليكم أن تنضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا فإن الخيل لا تقدّم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، فإن رأيتمونا نظهر عليهم، وندخل معسكرهم، ونغنم غنائهم فلا تبرحوا مكانكم، حتى أكون انا الذي أرسل إليكم، وان رأيتموهم يظهروا علينا وتخطفنا سيوفهم خطفاً فلا تدافعوا عنا، لا تبرحوا مكانكم ولا تشاركونا القتال، بل ألزموا مكانكم، حتى أكون أنا الذي أرسل إليكم) ثم قال: (اللهم إني أشهدك عليهم)ثم يختمها بقوله: (لا نؤتينا اليوم من قبلكم). وليقومون برمي السهام في اتجاه خيل المشركين، وبذلك يقلل من آثار امتلاك قريش لعدد كبير من الفرسان، لأن الخيل تخاف وتتراجع أمام النبل، ثم جعل المسلمون صفا واحدا في أضيق مسافة بين جبل الرماة وجبل أحد، وبذلك تحارب قريش بنفس عدد المسلمين تقريبا، ليستطيع التقليل من آثار التفوق العددي لجيش قريش. هكذا تمركزوا في أفضل مكان في أرض المعركة، مع أن قريش وصلت قبل وفيها ما فيها.
مخالفت الرماة ونزولهم :
بدأت المعركة ورجحت لصالح المسلمين، وقد قامت كتيبة الرماة بدورها في صد هجوم الفرسان، حيث حاولوا أن تتسلل الى ظهر المسلمين، بثلاثة هجمات، وكان فريق الرماة يرمونهم بالسهام، حتى فشلت هجماتهم الثلاث، وظلت كتيبة الفرسان بلا أي دور تقريبا طوال المعركة، واستشهد حمزة رضي الله عنه، اسد الله ورسوله، واصبحت المعركة واضحة، والمسلمون الآن مقبلون على نصر ساحق آخر على قريش، لا يقل روعة عن نصر بدر، وأخذت صفوف قريش تتقلص، وبدأت تتراجع وتنسحب وولت أدبارها وسقط لوائهم، يقول الزبير بن عوام رضي الله عنه: واني لأنظر الى هند بنت عتبة، ونساء سادة قريش يجرين مشمرات، وبدأ المسلمون يتتبعون المشركين، يقتلونهم ويجمعون الغنائم، فلما تحقق النصر للمسلمين، هنا وقع الرماة في غلطة فظيعة قلبت الوضع تماماً، هذا النصر جعلهم يطيشون فرحاً وقالوا: نشارك اخواننا في جمع الغنائم الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ ولكن قائدهم عبد الله بن جبير ذكرهم بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم ترك أماكنهم، صاح بهم وقال: اتقوا الله، واتقوا وصية رسول الله ألم يخبركم أن لا تبرحوا مكانكم حتى يكون هو من يرسل إلينا، فهل أرسل؟ قالوا: لا ولكن ما أراد رسول الله هذا، أن نبقى على الجبل وقد انتهت المعركة، ولكن لم يستجب لعبد الله بن جبير الا ستة فقط، وهو سابعهم، ونزلوا الى أرض المعركة، نظر خالد بن الوليد وقد مر به ابو سفيان منهزماً يقول لخالد: قد خسرنا المعركة يا خالد، قال: لا ليس بعد قال له: هؤلاء قومك يولون الأدبار قال: ليس بعد، وعينه الى جبل الرماة، وكان لا يزال على فرسه في ارض المعركة، فلما شاهد الرماة قد تركوا أماكنهم انتهز الفرصة، وأخذ قراره السريع فهاجم بكتيبته من بقي من الرماة فقتلهم جميعا مع أميرهم عبدالله بن جبير ودار بفرسانه خلف جبل الرماة، وأحاط بالمسلمين وانقض عليهم من خلفهم. أخذ فرسان المشركين ينادون بقية الجيش بشعارهم يا للعزى يا لهبل، وشعر المشركون المنهزمون بالتطور الجديد، فقاموا بهجوم مضاد ضد المسملين، وهكذا أحيط بالمسلمين من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي رحى، وجائت امرأة من المشركين فرفعت لواء قريش من التراب، فتجمع جيش قريش مرة أخرى حول لوائهم، وكان المسلمون في هذه اللحظات، يجمعون الغنائم ويجرون خلف فلول قريش فجائهم خالد من الوراء ووضع السيف فيهم فذهلوا فألقوا ما بأيديهم من غنائم وشرعوا بالسيوف مرة اخرى، ولكن هيهات تفرقت الصفوف، وأصبح القتال في ساحة المعركة في مكانين الأول: جيش المسلمين المحاصرين امام جبل أحد من الامام ومن الخلف، هنا ذهل المسلمون واخذوا يضربون بعضهم بعضا، بلا وعي يظنونهم من قريش وسادت الفوضى والإرتباك والإضطراب في الجيش، حتى تاهوا وسط المشركين، في وسط هذا الأرتباك حصل هذا الموقف مع صحابيان اليمان وثابت بن وقس، لم يخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهما كانا شيخين كبيرين فقالا: ماذا ننتظر، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله لعل الله يرزقنا الشهادة، فخرجا حتى دخلا في المعركة من جهة المشركين، فقتل المشركون ثابت وأحاط المسلمون باليمان يقاتلونه لاعتقادهم أنه من المشركين فصاح حذيفة: أي عباد الله أبي أبي، انه أبي، ولكنهم لم يسمعوه وقتلوه، فلما علم المسلمون ان الذي قتلوه والد حذيفة بن اليمان، حزنوا حزن كبير فقال لهم حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، ثم انطلق بسيفه واستكمل القتال، وهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ،أن يدفع له الدية فأبى حذيفة وجعلها صدقة على من قتله من المسلمين، ذُهل المسلمون وطاشت عقولهم منهم من فر من ساحة المعركة حتى وصل لبساتين المدينة فأستقبلته النساء وهن يقلن: خذ المغزل وهاتِ سيفك كيف ترجعون ورسول الله في ساحة المعركة؟ فاستحوا ورجعوا والثاني: كان حول رسول الله كان في مؤخرة الجيش وحوله مجموعة من الصحابة لحراسته، عددهم تسعة، ووجدت قريش أن هذه هي فرصتهم لتحقيق حلمهم والهدف من غزوتهم، قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
===
اسلام سهيل بن عمر:
لما رآه عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله دعني انتزع ثنيتيه حتى لا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم، فقال النبي: (لا يا عمر لا أمثل بأحد، فيمثل الله بي ولو كنت نبياً، وما يدريك لعل سهيل، يقف في يوم من الايام، موقفاً تشكره عليه)، وتمضي الايام ويفتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ويقول النبي لأصحابه: (من لقي منكم سهيل بن عمرو في الطريق فلا يحدّ النظر إليه فإنه رجل حيي)، وتبلغ الكلمة أُذن سهيل. ويخرج الناس الى حنين بعد فتح مكة، وسهيل على كفره وعمر يقول: متى أرى له موقفاً؟ فأسلم سهيل بعد حنين وحسن إسلامه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً حجة الوداع فكان سهيل هو الذي يقرب للنبي بدنه فقرب له ثلاثة وستين بدنة والنبي ينحرها بيده حتى اذا اتمها قال: (قم يا علي واتمم المئة) حتى الان موقف لا يشكر عليه، نريد منه خطاباً كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجلس سهيل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع والحلاق يحلق راس النبي والنبي يعطي شعره لابي طلحة الانصاري ويقول له: (قسمه بين أصحابنا)، فكان نصيب الصحابة، من اخذ شعرتين وثلاث، أما سهيل فكلما وقعت شعرة من النبي على الارض اخذها ثم قبّلها ووضعها على عينيه، ثم أعطاها لأبي طلحة، وتمضي الايام وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم، الى الرفيق الاعلى ويستخلف الصديق وطار الخبر الى مكة، فقام سهيل متوشحاً سيفه وخطب بالناس، وهو أفصح قريش، فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ثم قال: أما والله، إني لأعلم بأن دين الله سيبلغ مشرقه ومغربه، ولقد جمع الله أمركم على خيركم ألا وهو الصديق، الذي أثبت الله صحبته لنبينا بنص قرآني ألم تقرؤا قول الله تعالى {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ففاز بمعية الله ورسوله، من دون أصحاب النبي، فامضوا على ما أنتم عليه، فوالله الذي لا إله إلا هو، ومن بعث محمداً نبياً ما أرتد رجل في مكة إلا ضربت عنقه، وسل سيفه فأجمعت مكة كلها على الاسلام. فكان سببا لمنع مكة من الردة، وجاء الخبر للمدينة فنظر الصديق الى عمر وقال: ها يا عمر؟ هل جاءك خبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فبكى عمر وقال: أشهد أنه رسول الله حياً وميتاً