تابع ومضة من السيرة

الباب الثالث

بناء المسد النبوي:

النبي في دار ابي ايوب: دار أبو أيوب علّيّة من غرفتين، أراد أبو أيوب أن ينزل النبي في الطابق الثاني فرفض النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزل في الطابق الأسفل وقال: (لك بيتك، فهذا أسهل وأرفق علينا، وعلى من يأتينا ضيف) وكان أبو أيوب كل يوم يلح على الرسول، نخاف من مشينا أن يتساقط عليك شيء من التراب أو في الليل أن نتحرك فنزعجك إصعد للطابق الثاني فيقول له النبي: (لا، لك بيتك يا أبا أيوب) وفي ليلة باردة إنكسر الحب أي جرة الماء من يد زوجته، فأسرع هو وزوجته يجففوا الماء في غطاء لهما بسرعة لكي لا يؤذي النبي، فجففوا الماء، وناموا تلك الليلة بلا غطاء يرجفان من البرد، فلما كان الصباح قال: (كيف كانت ليلتكم يا أبا أيوب) فقال: وقع من أمرنا كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وسلم: (نصعد نحن إلى الأعلى وتنزلوا أنتم إلى الأسفل). قال أبو أيوب: كنا نرسل للنبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة عشائه فإذا رد علينا القصعة، تلمسنا مواضع أصابعه فنأكل من مكانها تبركاً، وفي يوم رد علينا القصعة وليس لأصابعه فيها أثر، ففزعت وقلت للنبي بأبي وأمي رددت إلينا قصعتك وليس ليدك أثر، فإنا كنا نلتمس أثر أصابعك أنا وزوجتي فنأكل منه تبركاً. لما لم تأكل عشائك يا رسول الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: (أحسب أن فيها من هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي، أما أنتم فكلوا منها)، فلم نعد نضع له الثوم في طعامه صلى الله عليه وسلم، وأمضى النبي في دار أبي أيوب سبعة أشهر حتى تم بناء المسجد وحجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم.

أصبح في اليوم الثاني كل أهل المدينة ينتظرون ما هو برنامج عمله، خرج على الصحابة، وأخذ رمح وإقترب إلى موقع الناقة، ثم غرس الرمح فيه، ثم قال: (هنا نبني المسجد إن شاء الله) ثم قال: (لمن هذا المكان؟)قالوا: لغلامين يتيمين هم في كفالة فلان فقال: (أين الغلامين وأين الكفيل؟) فلما حضروا تحدث مع الغلامين، (أننا نريد أن نبني مسجد في هذا المكان حيث بركت الناقة، فكم تريدون ثمن هذه الأرض؟) قالوا: الله أكبر هي لك يا رسول الله من غير ثمن بيت لله ومنزل لك، قال: (لا يكون إلا بالثمن، ولا يكون الثمن إلا ما تريدون وتطلبون)، فطلبوا الثمن فدفع النبي صلى الله عليه وسلم من مال أبي بكر وأذن ببناء المسجد، فلما بدء بالبناء، خلع ردائه صلى الله عليه وسلم، وأخذ المعول وشرع بالعمل، فنبش القبور القديمة واخرج ما بها ودفنها في مكان آخر، وقطع أعجاز النخل الباقية، وسوى الأرض ثم بدء بالبناء هو وصحابته بالطوب الترابي المعروف، وكان البناء متواضع بسيط إرتفاعه على طول الرجل أو يزيد قليلا، أعمدته من جذوع النخل وسقفه من ورق النخيل، فخرج منه رجال دوّخوا أعظم دولتين كسرى وقيصر. وفيه تعلموا دينهم فأصبحوا أساتذة الأخلاق والسلوك ومنه تعلموا الجهاد فخرجت السرايا والكتائب. قال تعالى:{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}

المآخاة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إليّ يا معشر المهاجرين، إليّ يا معشر الأنصار) حتى إجتمعوا إليه قال: (فلتتأخوا في دين الله أخوين أخوين، فلينزل كل مهاجر في منزل أنصاري أخوين في دين الله يرث أحدهم الآخر)، فجمع بين الغني والفقير الأبيض والأسود الحر والعبد، فتعلموا الإسلام من اخوتهم، وحل جميع مشاكل المهاجرين السكنية، والاقتصادية وزال عنهم الاحساس بالغربة، واندمجوا في المجتمع.

وثيقة المدينة وتاسيس السوق:

خرج صلى الله عليه وسلم يوما يتفقد المدينة، وينظر فيها، فوجد أن السوق يملكه يهود فمنهم الصاغة، ومن يصنع السلاح، فأدرك أن اليهود تسيطر على إقتصاد المدينة، فجاء إلى موقع عند باب السلام مقابل المسجد النبوي ثم قال: (يا معشر المؤمنين هذا سوق المسلمين لا يملكه أحد، السوق لمن سبق، ولا يبيع فيه أحد على بيع أخيه) واشرف عليه بنفسه فراقبه، ويوماً كان الطقس ماطراً فجاء ووضع يده في كومة قمح فوجد داخله مبلول فقال:(هل لا جعلت ما أصابته السماء على وجهه كي يراه الناس، من غش فليس منا)

ثم قام صلى الله عليه وسلم في وضع وثيقة المدينة من (٥٢) بند منها (٢٥) بند خاص بالمسلمين و (٢٧) بند خاص بعلاقتهم مع جيرانهم من المشركين واليهود، وقد كفل لأصحاب الأديان الأخرى جميع الحقوق الانسانية كحرية الاعتقاد، وحرية اقامة شعائرهم، والمساواة والعدل، ومن بنود الوثيقة في حالة مهاجمة المدينة من قبل عدو فعليهم أن يتحدوا جميعا لمواجهته، بهذا حل جميع المشاكل المعقدة جدا التي واجهته ولم يتهرب منها، صلى الله عليه و سلم، وبقية المؤاخاة حتى نسخ حكمها بقوله تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}.

هجرة عائلة النبي:

هجرة عائلة النبي صلى الله عليه وسلم، لما إستقر بالمدينة صلى الله عليه وسلم، أرسل مولاه أبو رافع وزيد بن حارثة والدليل إبن أريقط ليأتوا بعائلة أمنا سودة بنت زمعة زوجته وبإبنتيه أم كلثوم وفاطمة، فأتوا بهم، وخرج بصحبتهم آل الصديق زوجة أبو بكر أم رومان، وامنا عائشة، وأسماء زوجة الزبير بن العوام رضي الله عنهن، وكانت اسماء حامل بإبنها عبد الله، فما أن وضعت قدمها في المدينة المنورة وضعت مولودها، فكان أول مولود من المهاجرين في المدينة.

مشروعية الاذان:

بعد بناء المسجد النبوي كانوا يحضرون إلى الصلاة عند وقت الصلاة، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لنتخذ وسيلة تعلن وقت الصلاة) فاقترحوا اقتراحات كلها رفضت، فقال قائل: نبعث من ينادي في الطرقات الصلاة جامعة، فإستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، مبدئيا وأمر أربعة ينادون في وقت الصلاة من جهات المسجد الأربعة، ومضت هذه الطريقة أيام، ويوما اقبل الفجر، وإذا بعبد الله بن زيد الأنصاري يطرق باب النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذن، فخرج إليه النبي، فقال عبد الله: بأبي وأمي يا رسول الله، لقد رأيت رؤيا أعظمتها فلم أملك نفسي بأن أبقى إلى الفجر، فأتيتك من الساعة فأعذرني يا رسول الله قال: (هاتِ ما ورائك يا إبن زيد؟) فاخبره بالرؤيا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (رؤيا حق يا إبن زيد إنتظر حتى يكون الفجر وتمليها على بلال، فإنه أندا منك صوتاً). وعلمها لبلال فوقف ينادي بها، فما أن كبر تكبيرتين حتى جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأقبل على النبي يقبل رأسه ويقول: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل هذا الليلة، وكنت أريد أن أحدثك به بعد الصلاة، فقال له النبي: (لقد سبقك بها عبد الله بن زيد، ولقد سبقكما بها جبريل، فلقد جاءني ولقنني إياها)، فتم الأذان، وليس فيها عبارة (الصلاة خير من النوم). ويوما قال بلال: حي على الفلاح وهو رافع بها صوته، تذكر أن الناس نيام ، فإجتهد من عنده وقال: الصلاه خيرٌ من النوم، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بعد أن أتم الأذان: (نِعما ما قلت يا بلال إجعلها في الفجر دائماً).

اسلام عبد الله بن سلام:

قال عبد الله بن سلام: جئت لأنظر إلي النبي وأنا أعرف وصفه كما أعرف أبنائي، ووقفت بالباب دون أن أعرّف بنفسي، ونظرت إليه وهو يكلم أصحابه، فسمعته يقول: (أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)، فنظرت في وجهه فقلت وربِ موسى وعيسى ما هذا بوجه رجل كذاب، إنه هو وأخذت أتفرسه حسب ما أعرف، فأيقنت أنه هو، فدخلت وسلمت ثم قلت: يا محمد أنا عبد الله بن سلام، وإني لأجد نعتك وصفاتك في كتبنا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولكن يا رسول الله، لا تعلن إسلامي، وادعوا إليك كبار يهود فإنهم أهل بهت وكذب وفجور، فادعوهم واسألهم عني واسمع ما يقولون بي، فقبل النبي مشورته، وأمر أبو أيوب أن يدخل عبد الله بن سلام في حجرة داخل البيت، وأرسل صلى الله عليه وسلم، يدعوا أحبار يهود، فلما أقبلوا وجلسوا، قال لهم: (يا معشر يهود، تعلمون أنه بقي نبي من أنبياء الله تختم به شرائع الله؟ وإني رسول الله إلى الناس كافة، فإتقوا الله وآمنوا ولا تأخذكم العزة بالإثم)؟ فقالوا: لا لست أنت المنتظر، نحن أعرف به منك، فقال: (أيكم عبد الله بن سلام الذي يرجع إليه القوم؟) قالوا: ذاك ليس فينا، قال: فما هو فيكم؟ قالوا: هو سيدنا وإبن سيدنا، وأعلمنا وإبن أعلمنا، وأشرفنا وإبن أشرفنا، وإليه ترجع علومنا، قال: (فإن أسلم وصدق أنني النبي المبعوث، فماذا تقولون؟) قالوا: حاشاه أن يسلم ويؤمن بك، قال: (فإن آمن بي؟) قالوا: حاشاه أن يؤمن بك وأنت لست النبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يااا ابن سلام) فخرج وقال: لبيك يا رسول الله، ثم نظر إلى يهود وقال: يا معشر يهود كنت أحدثكم زمنا عن نبي بقي لم يبعث، به يختم الله شرائعه، وقد عرفتكم وصفه وكلكم يعرفه وإني أشهد أنه هو هذا محمد رسول الله، فقالوا: أنت أكذبنا وإبن أكذبنا وأنت أسقطنا وإبن أسقطنا وأنت لا علم لك ولا شرف ولا نسب فينا ،فلماذا نسمع قولك؟ فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه للنبي: أسمعت يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى عبد الله بن سلام).

حجرة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

– كانت حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شرقي المسجد ، كان لها باب واقعا داخل المسجد النبوي على جهة الغرب ، و كأنّ المسجد النبوي صار فناء لها . وعرضها 6 أو 7 أذرع جدرانها من الطين ، و سقفها من جريد النخل قصير يناله كل من يقف ، مغشاة من الخارج بمسوح الشعر ؛ لكي تكون وقاية من المطر . – وكان للباب مصراع واحد من عرعر أو ساج ، وكان في جنبها مشربة ( أقام فيها النبي صلى الله عليه و سلم شهرا زمن الإيلاء ) . – تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جهاز حجرتها فتقول : ” إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه أدما ، حشوه ليف ” .ولم يكن في بيتها غير فراش واحد في أول الأمر ، ثم رُزقت فراشًا آخر ، وضمت بعد ذلك إلى أثاث حجرتها بعض الوسائد ، – ولم يكن في بيتها مصباح رضي الله عنها وأرضاها . – لم يكن لأمنا عائشة إلا ثوب واحد ، وكان عندها درع ثمين غال ثمنه خمسة دراهم ، وكانت النساء تستعرنه منها ليلبسنه عرائسهن ليلة زفافهن . – من نصائح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للنساء ، قولها لإحداهن : ” إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مُقلتيك فتضعيهما أحسن مما هما فافعلي” رضي الله عنها وعن امهات المؤمنين وارضاهن

فصل

الباب الاول:

العهد المدني:

إنتقل صلى الله عليه وسلم من العهد المكي، إلى بداية العهد المدني: أصبحت السيرة تأخذ طابع جديد، فقد أصبح صلى الله عليه وسلم صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في المدينة، فقد إبتلاه الله بأخس خلق الله وأحقرهم وأسفههم اليهود ولحسن خلقه وسعة صدره صلى الله عليه وسلم وليحقق قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} واليهود من العالمين فوسعهم بحلمه ، وصبر عليهم وبدأ مشواره معهم في المدينة فدعاهم إلى الله، فعرفوه فساء صباحهم أنه من ولد إسماعيل، فكانوا ينتظرون أن يكون من ولد إسحاق ويعقوب، ولما سمعوا بمبعثه تيقنوا الخبر ومع ذلك كله، رغب النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، ولكن لم يؤمن إلا آحاد يعدوا على الأصابع، وكفروا ولا إكراه في الدين، لم يلزمهم ويجبرهم على الإسلام، ولكن جعل بينه وبينهم معاهدة، فكتب معاهدة تجمع الأوس والخزرج المؤمنين جانباً، واليهود الذين يجاوروهم ثلاث قبائل جانبا آخر، ذات بنود طويلة، وملخصها لهم الحق أن يعيشوا في المدينة كأهل المدينة لا قيود عليهم أبداً، يبيعون ويشترون ويعبدوا ما يشاؤون، لهم حقوق وعليهم واجبات، حقوقهم أن تعيشوا معنا بأمان ، وواجبكم إذا هاجمنا عدو، أن تدافعوا عن المدينة كما ندافع نحن، وإذا وقعت بينكم وبين أحد منا دماء الحكم فيها لله، ولكن اليهود والعهود ضدان لا يجتمعان أبداً، ولن تجد أوفى عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد إلتزم معهم بالعهود بكل ما يرضي الله، واليهود لم يوفوا له ببند واحد قط، وهذا طبعهم وسورة البقرة مدنية نزلت في المدينة وأكثر الآيات فيها تخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خبث يهود ومكرهم وملخصها أن يهود وعهود ضدان لا يجتمعان ابداً.

قصة حيي بن اخطب:

لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، وانتهى الأمر أن إختار النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، وتزوجها، أسلمت، ولما دخل الإيمان قلبها، وإطمئنت، وأصبحت زوجة للنبي فقال لها: (حدثي أصحابي)، قالت أم المؤمنين صفية بن حيي رضي الله عنها: يا رسول الله لقد كان أبي سيد بني النضير وإليه مرجعهم، وكان عمي أبا ياسر حبر من أحبارهم، فلما سمعا بمبعثك إعتراهم هم كبير، فما زالوا يترقبوا أخبارك، حتى قدمت إلى قباء فلما سمعا بقدومك، خرجا إليك مغلسين، وكنت أحبّ أبنائهم إليهما، إذا خرجا وعادا ولقياني هششت لهما، فأخذاني من دون أبنائهما قالت: فخرجا يوم قدومك إلى قباء مغلسين اي الصبح فما عادا إلا مع سقوط القرص، عادا فاترين كسلانين، ساقطين يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما نظر إلي واحد منهما قالت: فسمعت عمي، يقول لأبي حيي يسأله أهو هو؟ هل تيقنت منه كما نجده في كتبنا؟ قال له: أجل والله هو هو، وربِ عيسى وموسى هو الذي كنا ننتظره قال: هل عرفته بصفاته ونعته؟ فقال له: أشد من معرفتي بإبنتي هذه، تقول صفية وأشار إليّ بأصبعه، فقال عمي أبا ياسر: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته ما حييت، فأمسك عمي أبا ياسر بيدي أبي وقال: يا أخي أطعني في هذه وإعصيني بما شئت، لا تناصب الرجل العداء ما دام نبياً ورسولا فيهلكنا الله فصاح وقال: لا لا عداوته ما حييت، لما بعثه الله من العرب؟ ويكفينا قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}

المنافقون في المدينة

بعد ما أصبحت المدينة تحت رعاية النبي صلى الله عليه وسلم، بيئة جميلة، وقوة فتية وصلبة يهابها الاعداء، يتنزل الوحي فيها، وكتاب الله يطبقه الصحابة كأنما هو حي يدب على الأرض، ومع جمال هذه البيئة لم يمنع أن يكون بين صفوفهم منافقين، كإبن سلول رئيسهم، يصلي بالصف الأول في المسجد، فإذا ما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخطبتين يوم الجمعة؛ وقف ابن سلول وإستدار إلى المصلين، فيخاطب قومه ويقول: يا معشر الأنصار، يا معشر من آمن بالله ورسوله إسمعوا، وأطيعوا، وأنصروا ترحموا، يرحمكم الله، حتى نزل القرآن يفضحه، ويذكر كلماته، كلمة كلمة قال تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} سماه الله منافق، ومع هذا لأن المنافق لا يستحي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لم تستحي فاصنع ما شئت). وبعد نزولها قام أيضاً في الجمعة ليكمل نفاقه وقال: يا معشر وقبل أن يتم كلامه كان رجل من الأنصار من قومه، ويعتبر إبن سلول سيده وأميره جذبه من ثوبه، حتى أنزل ركبتيه إلى الأرض قال له: إجلس قبحك الله ألا تستحي؟ ماذا تقول بعد أن نزل فيك قرآن يتلى أترى أحد يثق بك أو يصدقك؟ فغضب، ونفذ صبره لأنّه منافق فقام، وتخطى الصفوف، وهو يشتم ويلعن وخرج من المسجد والنبي على المنبر، حتى لقيه رجل من قومه على باب المسجد قال له: ويحك أين تخرج ورسول الله يخطب؟ قال: قمت أؤيده وأشد أزره، كما أفعل كل جمعة فقام أصحابه يتجاذبوني من ها هنا، وها هنا فقال له: ويحك إرجع يستغفر لك رسول الله قال: لست بحاجة إلى إستغفاره، وأدار وجهه فقال له: إني لأرجو الله أن ينزل في لوية عنقك هذه، قرآن يتلى إلى قيام الساعة، وما هي إلا أن إنتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الجمعة، وإذ بجبريل يهبط بالقرآن: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون، سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} هذا المجتمع الذي إذا تمنى فيه أحد المسلمين الصادقين أن ينزل آية، أنزلها الله كما يريد. فأي مجتمع هذا؟

الاذن بالقتال واعداد المجاهدين:

وصلت أخبار للنبي صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم، أن قريش وضعت يدها على كل أملاك المهاجرين من مكة، حتى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إستولى عليه عقيل بن أبي طالب وباعه، فاستأذن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كحمزة، وعلي وغيرهم، أن يقاتلوا قريش ليأخذوا أموالهم، وكان رد النبي: (إن الله لم يأذن لي). وبعد مرور سبعة أشهر أذن الله لهم بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}.

الغزوة يكون على رأسها النبي صلى الله عليه وسلم وعدد لا يقل عن ثلاثمئة مقاتل واما السرية يولي عليها من يختاره من الصحابة بعدد لا يتجاوز الثلاث مئة رجل، أخذ يجهز أصحابه منذ أن نزلت الآية، فقرر صلى الله عليه وسلم، أن يقطع على قريش طريق تجارتها، جزاءً بما كسبوا فأموال المهاجرين أصبحت في أيديهم فأرسل أول سرية في رمضان، ولم يفرض الصيام بعد، فإختار صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وعقد له اللواء وبعث معه ثلاثين رجلا كلهم من المهاجرين، ليعترضوا عير لقريش، ووصل إلى منطقة سيف البحر ليعترضها، وكان في حماية القافلة أبو جهل وثلاثمئة رجل، فلما إصطفّوا للقتال وإستعد الفريقان خرج مجدي بن عمرو، وكان قد إلتقى الفريقان في أرضه، فوقف وحجز بين الفريقان وأقسم عليهم أن لا يتقاتلوا، وقد شعرت قريش بالخوف، وظنوا أن هذه السرية مقدمة لجيش المسلمين وأن عددهم أكبر من ورائهم، فقبلت قريش الرجاء، وإنصرف الفريقان من دون قتال، فكانت تمرين من الله للمسلمين على القتال، فلما رجعوا وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، شكر لمجدي هذا الصنيع لقلة عدد الصحابة، وبعدهم عن ديار المسلمين فلا يصلهم المدد. وفي آخر رجب عقد صلى الله عليه وسلم لواء لابن عمه عبيدة بن الحارث في ثمانين رجلا أيضاً من المهاجرين وأرسلهم إلى سيف البحر ليقطعوا تجارة اخرى لقريش فما أن وصلوا وتراشقوا بالنبل، كان أول سهم رماه الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد أصابوا من بعضهم، وظنت قريش أيضاً إنما هو طليعة لجيش، فهربت وكان على رأسها أبو سفيان ومعه مئتي رجل، فهذه السرية أعطت معنويات للمسلمين، وتوالت السرايا والغزوات وشاعت الأخبار، فأصبح الناس يتحدثون أن محمد وأصحابه قد قطعوا تجارة قريش وهزموهم يوماً من الأيام، ففي عام واحد خرج بنفسه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وعقد لأصحابه اللواء ست مرات واجهوا فيها قريش، بعضها وقع فيها التناوش وبعضها فلتت العير وكان هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يظفر بتجارة قريش لا طمع في المال فقط ولكن إضعافا لقريش، ونصرة لأصحابه، وتعويضا لهم عما فقدوه.

سرية الاستطلاع قبل غزوة بدر:

قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فالسيرة هي الترجمة العملية لهذا الدين ممثلة بسلوك النبي وأخلاقه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. ففي رجب في السنة الثانية للهجرة، عقد صلى الله عليه وسلم لواء لثمانية رجال من المهاجرين، وكان أميرهم عبدالله بن جحش، ولم يعين الجهة لأنها بدأت طوالع الجد الآن، فقال لعبد الله بن جحش: (إمضي وهذا كتابي، تسير من المدينة يومين، لا تفتح الكتاب، حتى إذا قطعت السير يومين عن المدينة، إفتح الكتاب وأنظر أمري فيه). خرج بإتجاه مكة، ومضى يومين ففتح الكتاب وإذا مكتوب فيه، (إذا قرأت كتابي ونظرت ما فيه، فإنزل نخلة وارقب لي قريش، وأعلم لي أخبارها ولا ترغم أحد من أصحابك على ذلك، وخيرهم بالمضي معك أو الرجوع إلى المدينة)، فقال: سمعاً وطاعة يا رسول الله، فقال: رسول الله يخيركم وليس أنا، فمن شاء فليمضي معي، ومن شاء فليرجع فقالوا: نمضي لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضوا كل إثنان معهم بعير، وفي ليلة ضاع بعير سعد بن أبي وقاص وصاحبه، فذهبا يبحثان عنه فأضاعوا الركب، وضاع البعير وضلوا طريقهم عن الركب، فمضى عبدالله ومن بقي معه، ونزل نخلة، فكانت قافلة لقريش قادمة من اليمن وطريقها من نخلة، فيها الخير الكثير، ورجالها قليل، وأميرها عمرو بن الحضرمي. فإجتهدوا وتشاوروا وقالوا انه آخر رجب إذاً لا بأس أن نغزو القافلة، أغاروا عليها وأسرع رجل من الصحابة، فقتل عمرو الحضرمي وهجموا عليهم فأسروا إثنان وهرب الباقي، وأخذوا القافلة بما فيها، فكانت أول غنيمة من قريش، واستطلعوا الاخبار فعرفوا ان هناك قافلة لقريش ستأتي من الشام، قد تصل في رمضان أو نهاية شعبان، فرجعوا، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بخبرهم، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، أقاتلتموهم في رجب أم قاتلتموهم في شعبان؟ فتبين أنه آخر يوم في رجب، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأوقف العير بما فيها ، لا يأخذ منها درهما واحد وأمسك بالأسيرين.

القتال في الشهر الحرام:

أرسلت قريش تشيع في العرب ان محمد الذي يدعي التوحيد، يحاربنا في الشهر الحرام، وثقل على النبي صلى الله عليه وسلم كلام قريش، حتى اليهود اهل الفتن، قالوا: كيف يقاتل محمد وهو يزعم أنه نبي في الشهر الحرام. وأرسلت قريش تطلب فداء الأسيرين، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (حتى يرجع صاحيبينا سعد بن أبي وقاص وصاحبه)، فرجعا مشي على الأقدام إلى المدينة، ولم يكونا اسيرين فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش أننا نقبل فداء الأسيرين. وإذا بالله عزوجل يؤدب أهل الكتاب من اليهود وإخوانهم من كفار مكة، ويشفع للصحابة، ويدافع عنهم، فأنزل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ووصل وفد قريش من أجل الأسيرين فقالوا: نريد القافلة والاسيرين، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزل الله علينا وأذن لنا أخذ تجارتكم وقتالكم). فأخذوا الأسيرين ولم يرجع لهم تجارتهم وكان أحد الأسيرين يكتم إيمانه، وعندما علم أن قريش ستفديه، أراد أن يستفيد المسلمين من الفداء فلما تم الفداء، وخرج مع قريش وقف على باب المسجد فنظر للنبي وقال: أما أنا يا رسول الله فإني لا أريد أن أرجع إلى الكفر وانا اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله، واعلن إسلامه فساء ذلك قريش ورجعوا بأسير ، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة على أصحابه.

الهدف من السرليا والغزوات:

هو ان الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يفرض حصار اقتصادي ويستفز قريش ويحاربها، لأن قريش تحتل بلد الله الحرام، وتمارس الكفر فيه. ولان بيت الله الحرام ملك للمسملين ويجب أن تكون تحت حكم المسلمين. ولأن قريش تمنع المسلمين من زيارة بيت الله الحرام للعمرة والحج. ولانها تستغل هذه المكانة في الدعاية ضد المسلمين، وتشويه صورتهم، وتخويف العرب من الدخول في الاسلام، ولانها قد تفكر في مهاجمة المسلمين في المدينة، ولأنها تحبس عدد من المستضعفين من المسلمين، وتعذبهم وتفتنهم عن دينهم، ولرفع هيبة المسلمين بين القبائل المحيطة بالمدينة وغيرها. وكانت أفضل تدريب على القيادة والغزو والقتال. وفي هذه الايام كانوا يصوموا بعض ايام، وأول صيام كان لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، فوجد اليهود صيام في يوم عاشوراء، فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) وصامه صلى الله عليه وسلم، وأمر اصحابه بصيامه، ثم فرض الرسول صلى الله عليه وسلم صيام ثلاثة أيام من كل شهر الأيام البيض لأن القمر فيها يكون مكتملا، ثم فرض الله صيام شهر رمضان وكان تخيير ايضا، ثم بالتدريج انتقل صيام شهر رمضان من التخيير الى الفرض فنزل قوله تعالى:{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.

مراقبة قوافل قريش:

قرر صلى الله عليه وسلم أن يترقب قافلة قريش، عند عودتها من الشام، وعلم أنها قافلة ضخمة جداً قوامها ألف بعير، وحراستها ضعيفة لا تزيد عن سبعين رجل، وأنها بقيادة أبو سفيان ومعه عمرو بن العاص. وقف صلى الله عليه وسلم بين اصحابه وقال: (هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا اليها، لعل الله أن يغنمكموها)، وقال: (من كان ظهره حاضرا فليركب معنا). فبعض الصحابة اسأذنوا النبي في أن ياتوا بدوابهم من خارج المدينة، فلم يأذن لهم وقال: (لا إلا من كان ظهره حاضرا). وكان ممن لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لأن زوجته السيدة رقية بنت النبي كانت مريضة مرضا شديدا حتى يرعاها. خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة في الثاني عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وجعل على المدينة من يدير شؤون أهلها أبو لبابة رضي الله عنه، وإستخلف عبدالله بن أمي مكتوم ليصلي بالناس اماما في الصلاة. وكان معه ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار منهم فارسين الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود على فرسيهما، وسبعين جمل كل ثلاثة أو أربعة مشتركين على جمل، حتى وصلوا الى طرف المدينة لبيوت السقيا، وهي آبار عذبة، وقف يستعرض اصحابه، فوجد فيهم غلمان فأرجعهم، وكان منهم عمير بن ابي الوقاص عمره ستة عشر سنة، فرآه النبي فقال له: (أرجع يا عمير) فأخذ يبكي بكاء شديدا، فلما رأه بهذا الوضع ووجد فيه جدية ورجولة مبكرة سمح له.

غزوة بدر:

ثم قسم الجيس الى فرقتين ميمنة على رأسها الزبير بن العوام، وميسرة على رأسها المقداد بن عمرو، ثم جعل لهم لوائين واحد للمهاجرين حمله علي والآخر للأنصار حمله سعد بن معاذ وكان لونهما أسود، ثم قال صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: (قف واحذر أصحابنا حتى إذا غاب أحدهم تفقدناه، أو تخلف أحدهم تفقدناه) فوقف وعدهم، فقال يارسول الله عددهم، ثلاثة عشرة وثلاث مائة رجل، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر عدة أصحاب طالوت لن يهزموا ابدا)، ثم مضى الركب على بركة الله، ونظر الرسول إلى المدينة وبسط كفيه ودعى لها وقال: (اللهم إن نبيك إبراهيم قد دعى لمكة وحرم مكة وإني محرم المدينة، اللهم كما باركت لأهل مكة فبارك لأهل المدينة ضعفي ما باركت لأهل مكة) ثم دعى لأصحابه ثم مضى على بركة الله. ومازال يمشي ويترقب الأخبار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، معه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة يتناوبوا في الركوب، كان إذا جاء دوره بالمشي قالا له: ابقى راكبا يقول لهما صلى الله عليه وسلم: (ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا أغنى منكما عن الأجر، أركب إذا جاءت نوبتي وأمشي إذا جاءت نوبتي) حتى وصلوا إلى الروحاء، وهو موقع لبئر ماء يبعد عن المدينة المنورة ستين كم، كلها بساتين وفيها موقع ماء، فعلم النبي أن أبا سفيان قد علم بخروجه، وذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج لإعتراض القافلة، أسرع اليهود وارسلوا واحد منهم يخبر أبو سفيان فأخذ يستنفر قريش لنجدته. فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليستنفر قريش للدفاع عن أموالهم ويخبرهم بأن محمداً قد يهاجم القافلة.

معلومة: [وعند هذا البئر الروحاء سيقبض عيسى المسيح عليه السلام بعدما ينزل إلى الأرض، بعد أن يحج في آخر أيام عمره وهو راجع من مكة بعد حجه، يقف يستريح عند الروحاء فياتيه ملك الموت، ويشيعه المسلمون من بئر الروحاء إلى المدينة حتى يجهز ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب عمر بن الخطاب لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: (كيف بك يا إبن الخطاب إذا بعثك الله يوم القيامة بين نبيين وصديق)].

رؤيا عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم،

رأت قبل قدوم ضمضم الى مكة بثلاثة أيام رؤيا عجيبة، رأت راكبا أقبل على بعير حتى وصل مكة وهو ينادي بأعلى صوته: ألا تنفروا لمصارعكم يا آل بدر، فاجتمع الناس حوله ثم دخل المسجد ووقف على ظهر الكعبة وصرخ بمثلها، ثم صعد جبل أبي قبيس وصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة كبيرة فقذف بها، فأقبلت تهوي، حتى اذا كانت بأسفل الجبل تفتت فما بقي بيت من بيوت مكة الا دخلتها منه فلقة، الا بيوت بني زهرة، ففزعت من هذه الرؤيا، فأرسلت الى أخيها العباس وقصتها عليه فقال: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج فلقي صديقه الوليد بن عتبة بن ربيعة، فذكرها له وقال: لا تخبر بها أحد، فذكرها الوليد الى أبيه فانتشر الحديث في كل مكة، وبينما رهط يجلسون عند الكعبة يتحدثون في الرؤيا وفيهم أبو جهل، اذ أقبل العباس يطوف بالبي فقال له أبو جهل: يا عباس أما أرضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، فقال: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة فقال: ما رأت شيئاً قال أبو جهل: والله يا عباس ان تمض ثلاث ولم يكن من ذلك شيئا، لنكتب كتاباً نعلقه في الكعبة أنكم أكذب بيت في العرب، ولم تمر ثلاثة أيام حتى تحققت رؤيا عاتكة، وجاء ضمضم بن عمرو الغفاري يصيح في مكة.

ما أن وصل ضمضم الى مكة، شق قميصه وجدع انف بعيره، ووقف تحت رأس البعير، حتى سالت الدماء على رأسه وملابسه، ودخل مكة على هذه الهيئة، ثم وقف فوق بعيره ببطن الوادي وهو يصرخ: يا معشر قريش اللطيمة، اللطيمةَ أموالكم قد عرض لها محمد، لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث، فاشتعلت قريش وهاجت وماجت وثارت وقالوا: أيظنوا أنها كعير ابن الحضرمي؟ كلا، والله ليعلمن غير ذلك، وبدأت تتجهز للخروج سريعا، فتجمع الف وثلاثمئة مقاتل فيها مئتي فارس وعدد كبير من الجمال، وخرجوا سريعا والمغنيات يضربن الدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وتردد الكثير من قريش في الخروج ومنهم أمية ابن خلف لان سعد بن معاذ قال له بعد ما غضب منه عندما وقف ضده مع أبي جهل: فوالله لقد سمعت رسول الله أنه قاتلك قال: إياي قال: نعم فقال: أهو قاتلي في مكة؟ فقال: لا أدري، ولكنه قاتلك فخاف امية واصفر وجهه من الخوف، وبال في ثوبه وقال: والله إن محمدا لا يكذب إذا حدّث ورجع امية الى بيته، يرتجف من الخوف فقالت له زوجته:ما الأمر؟ فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي: زعم أنه سمع محمداً، يزعم أنه قاتلي فقالت: فوالله إن محمد لا يكذب ابدا، فلما جاء النفير إلى بدر تذكر امية هذا الموقف، فأراد أن يتخلف وأراد أن يرسل مكانه رجل مثلما فعل أبو لهب، فجاءه أبو جهل ومعه عقبة بن ابي معيط، واحد يحمل مجمرة والآخر يحمل مكحلة وقال: إكتحل يا سيد قومه وإستجمر فإنما أنت مع النساء، فغضب ورمى المكحلة والمجمرة وقال: قبحكم الله وقبح ما جئتم به واضطر للخروج، وكان ممن خرج مكرها العباس، وأبو العاص بن ربيع زوج السيدة زينب بنت النبي، وكذلك بعض المسلمين الذين لم يستجيبوا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة لأنهم خافوا على أموالهم وديارهم، واختاروا الدنيا على الآخرة، فخرجت قريش بقضها وقضيضها بكبريائها، تحاد الله ورسوله، وخرج صلى الله عليه وسلم بإيمانه وبخشوعه مع أصحابه يريدون أن ينتصروا للحق ولدين الله عزوجل.

استطلاع ارض بدر:

قبل ان يصل النبي صلى الله عليه وسلم الى بدر أرسل اثنين من الصحابة الى بدر ليستطلعا الأمر؛ وصلا فسمعا جاريتين تتحدثان، أحدهما تطالب الأخرى بدرهم لها وترد الاخرى بأنها سترده عند وصول قافلة قريش غدا او بعد غد، فرجعا واخبرا النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد للرسول صلى الله عليه وسلم، أن العير في طريقها بالفعل الى بدر، واستطاع تقدير المسافة التي بين عير قريش وبين بدر. وعندما اقترب أبو سفيان من بدر، أوقف القافلة بعيدا، وتقدم بنفسه الى بدر وسأل من عليها هل رأيتم جيشاً؟ هل رأيتم محمد؟ هل رأيتم أحد من قريش؟ قالوا ما رأينا شيئا، إلا إننا قد رأينا راكبين أتيا ثم استقيا وانصرفا، فقال أبو سفيان: أين أناخا فرسيهما؟ قالوا: هناك، فجاءه فأخذ من روثها وفركه في يده، وفتته فوجد فيه نوى التمر فقال: هذه علف يثرب؛ هذه والله عيون محمد وأصحابه، ما أرى القوم إلا قريبا منا، فرجع الى القافلة مسرعا، ثم اتجه بها الى الساحل، وهو طريق لا تسلكه القوافل، لأنه غير معبد، واستطاع أن ينجو بالقافلة، ولما اطمئن أرسل الى جيش مكة أنه قد نجا بالقافلة، ولأنه زعيمهم، طلب منهم الرجوع الى مكة، فجاء الخبر أن عيرها قد سلمت وأن أبو سفيان يقول: إرجعوا لا حاجة لنا بالقتال، وإستعدوا للرجوع وأعجبهم الرأي، لأنهم قد خرجوا لحماية القافلة، وقد نجت.

قام ابو جهل وأصر على استكمال السير، وقال في كبريائه وغطرسته، والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا، فقام حكيم بن حزام وهو من عقلاء قريش، فذهب إلى عتبة وقال له: يا أبا الوليد أنت أسن رجل في قريش، وسيدها المطاع إعدل بالناس عن الحرب فلا حاجة لنا بمثل هذه الحرب، قال: أجل سأفعل، ولكن من يضمن لي إبن الحنظلية (أبو جهل) قال حكيم: قم حدث الناس فلن يغلب رجل كثرة، فقام عتبة وقال: أيها الناس قد سمعتم أن تجارتكم في أمان وإن الذي أرسل يستنصركم هو الذي أرسل إليكم عدم الخروج للحرب، فإني أرى أن نرجع فإنها حرب لا أراها إلا قرون، ينظر الرجل في وجه الرجل يكرهه يقول هذا قتل أخي وهذا قتل أبي وهذا قتل عمي فإنما هم أهلكم، وأتركوا محمد ومن معه للعرب، فإن أصابوه فقد كفيتم منه، وإن ظهر محمد فعزه عزكم، فقام أبو جهل وقال كلمات إستفز فيها عتبة، فغضب عتبة ونفخ الشيطان في أنفه، فأقسم عتبة أنه أول من يخوض الحرب فحمي وطيس الحرب وأبطلت حكمة عتبة بن ربيعة فمضوا بإتجاه بدر، الا بنو زهرة عادوا الى مكة، ولذلك كانت رؤيا عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، أن الصخرة عندما تفتت دخل في كل بيت من بيوت مكة منها فلقة، الا بيوت بني زهرة، فلما انسحب بنو زهرة قل عددهم فأصبح تسعمئة وخمسين رجل.

وصلت اخبار للنبي صلى الله عليه وسلم، بأن ابا سفيان قد هرب بالقافلة من جهة الساحل، وانه استنجد بقريش وهي في طريقها الى بدر، وصلت قريش الى العدوة القصوى فأناخوا بها وإستراحوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى العدوة الدنيا، وكان بينهم تلال لا يرى من خلالها أي فريق الآخر، خرج صلى الله عليه وسلم بنفسه، وإصطحب أبو بكر رضي الله عنه، ليستطلع الأخبار فجاء على شيخ من شيوخ العرب يقال له: الضمري وسأله: (ماذا عندك من خبر قريش وعيرها؟ ومحمد وصحبه؟) فقال: ممن أنتما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخبرتنا أخبرناك) فقال الشيخ: هذه بتلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم) قال: أما وقد كان فإني سمعت أن محمد وأصحابه، خرجوا بغية عير قريش في يوم كذا وكذا فإن كان قد صدق من أخبرني، فإن محمد وأصحابه اليوم في مكان كذا وكذا وسمعت ايضا، أن أبا سفيان أرسل يستنصر قريش، وخرجت كلها لتحمي عيرها في يوم كذا وكذا، فإن كان الذي حدثني صدقني، فإن قريش اليوم ستكون في مكان كذا وكذا، قال وأما أبو سفيان، فقد علم الخبر، فساحل بعيره، فلا أعرف أين اليوم كان، ها أنا قد أخبرتكم فأخبرني ممن أنتما؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء،) ومضى، قال أبو بكر: فنظرت إلى الرجل يقلب كفيه ويقول: من ماء؟ أي ماء؟ أمن ماء العراق هما؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أبا بكر ووجده مستغربا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا أبا بكر قد أجبناه وصدقناه، قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ} فنحن من ماء).

فلما كان المساء أرسل الى بدر كتيبة استطلاعية (علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص) فوجدوا عند ماء بدر غلامين لقريش، يملئون أسقية قريش، فقاموا بأسرهما وذهبا بهما الى معسكر المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فأخذ المسلمون يستجوبوهما، فقالا لهما: بعثتنا قريش نسقيهم من الماء، فأخذوا يضربوهما حتى اضطروا أن يقولا لهما: نحن لأبي سفيان فتركوهما، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من صلاته قال للصحابة: (إذا أصدقاكم ضربتموهم، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش) ثم قال لهما: (أخبراني عن قريش) قالا: هم والله وراء هذا الكثيب. فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم (كم القوم‏) قالا‏:‏ كثير، قال‏:‏ (ما عدتهم‏؟‏‏) قالا‏:‏ لا ندري قال‏:‏ (كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏) قالا‏:‏ يوما تسعا ويوما عشرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏) ثم قال لهما‏:‏ (فمن فيهم من أشراف قريش‏؟) قالا‏:‏ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود وغيرهم من سادة قريش، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وقال‏:‏ ‏‏(هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها)، فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ليعرف مدى استعدادهم للقتال ليستشيرههم. لمواجهة جيش مكة. جمعهم وصارحهم صلى الله عليه وسلم بالخبر وقال: (أشيروا علي أيها الناس) فقال بعضهم: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير، وقال آخرون: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، فظهرت الكراهة في وجه النبي وقال: (ما ترون في قتال القوم؟ أشيروا علي أيها الناس)، فقام أبو بكر فقال خيراً، فأثنى عليه النبي بخير، ثم قام عمر، فقال خيراً فأثنى عليه النبي بخير ثم قال:

(أشيروا علي أيها الناس) ثم قام المقداد بن الأسود وقال: يا رسول الله امضِ لما أُمرتَ به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول: اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيا، لنقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك حتى لو وصلت بنا إلى برك الغماد فأثنى عليه النبي ودعى له بخير،

ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أشيروا علي أيها الناس)، ففطن لذلك الصحابي الجليل سيد الأنصار سعد بن معاذ، فوثب قائماً وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال: (أجل) فقال سعد بعد أن حمد الله: يا رسول الله لقد آمنا بك، وصدقناك وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، وإنك خرجت تريد أمراً، ولعل الله أراد غيره، أمضي يارسول الله، لما أراك الله، فوالله ما نكره بأن تلاقي بنا عدونا غداً، ولو إستعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك، صِل حِبال مَن شئت، اقطع حبال من شئت، سالِم مَن شئت، عاد من شئت، خُذ مِن أموالنا ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للّذي تأخذه من أموالنا أحب إلينا من الذي تدعُهُ لنا، وإنا لصبر بالحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، وما تخلف رجل منا عنك قط، فامضِ بنا على بركة الله يا رسول الله. قال الصحابة: فتهلل وجهُ النبي صلى الله عليه وسلم وأشرق وسرّ وقال: (أبشروا وسددوا وقاربوا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر الى مصارع القوم)، ومضى صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام رضي الله عنهم، ووصلوا الى بدر قبل قريش. وهذا الموقف يظهر مدى شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وحنكته السياسية لأسباب: لأن المسلمون في حاجة ماسة لتثبيت هيبتهم في الجزيرة، وكل الأنظار مركزة عليهم، وانسحابهم ستستغله قريش في الدعاية لنفسها ضد المسلمين، وسيضعف جدا من هيبتهم وسيجرىء القبائل على المسلمين، وربما انسحابهم يشجع قريش لتهاجمهم في عقر دارهم في المدينة.

تحكم المسلمين في مياه بدر:

مضى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه أن يأتوا أقرب ماء من آبار بدر ويعسكروا فيه، فجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم شاب من الأنصار، جندي شجاعا وجريئا ومتكلما اسمه الحباب بن المنذر بن الجموح رضي الله عنه، قال: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة فماذا ترى؟) قال: فإن الماء يلعب دور في الحرب، أرى أن تمشي بالناس، حتى نكون أقرب ماء من الجيش، وإني يا رسول الله أعلم هذه البئر وغزارته، نبني عليه حياض ثم نغور غيرها من الآبار (نردم) فنشرب ولا يشربون، قال صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي فإنهضوا على رأي أخيكم، فقاموا ونزلوا على رأي الحباب بن المنذر، تقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه، الى اغزر بئر فيه ماء، وجعل كل الابار خلف ظهره، وردمها وبنى حوضاً على هذا البئر وملؤها بالماء ووضعوا حولها المغارف وهكذا تحكم المسلمون في مصدر المياه واستخدم النبي صلى الله عليه وسلم هذا السلاح الهام جدا، خصوصا في تلك البيئة الصحراوية، لتحقيق ميزة نسبية كبيرة للمسلمين في مواجهة جيش مكة، تقدم جيش قريش حتى نزل في الجهة الأخرى من الوادي، وقد صور لنا القرآن جغرافية ميدان المعركة بصورة رائعة فقال تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} أي المسلمون بجانب الوادي الاقرب من المدينه، وقريش جانب الوادي الابعد، والعير التي تحمل تجارة قريش مع أبي سفيان أسفل بمحاذاة ساحل البحر.

الاستعدادات الاخيره:

وقف سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال: يارسول الله إني أرى أن نبني لك عريشا على هذا التل فتكون بعيد عن ساحة المعركة مشرفاً عليها، وأن نضع عندك الراحلة، ثم نلقى عدونا فان أظهرنا الله عليهم كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على الراحلة ولحقت بإخوان لنا بالمدينة، ما تخلفوا عنك رغبة، ولو كانوا يعلمون أنك تلقى عدوا ما تخلف منهم رجل قط، فإستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، وبني وجلس فيه وإتخذ أبا بكر الصديق صاحبا له، وكان سعد بن معاذ هو الحارس على العريش. هذا يدل على فقه الصحابة وحسن فهمهم لسنن الله تعالى في كونه، بأن التوكل هو اعتماد القلب على الله بعد الأخذ بجميع الأسباب، فكان قرار حكيم عدم اشتراك النبي بالقتال لانه سيربك الصحابة ويفقدوا التركيز لقلقهم عليه، ولتجمع الجيش في نقطة واحدة حوله للدفاع عنه يسهل محاصرتهم، وباتوا تلك الليلة، (ليلة الجمعة سبعة عشر من رمضان). مشرفين على بدر، ثم نام جميع الجيش، وكان في ذلك راحة لأجسامهم، وآية أخرى من الله تعالى، لأن الإنسان اذا كان قلقا فان هذا القلق يمنعه من النوم. اما النبي صلى الله عليه وسلم وقف يصلي ويدعو: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الارض، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم) ويتضرع ويبكي حتى اخذته سنة من النوم، ثم أفاق وقال: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه). وفي هذه الليلة أصاب بعض الصحابة الجنابة فهبت ريح، ودخل الرعب نفوس البعض، ونزل مطرا خفيفا كالندى فتطهروا ولبد الأرض تحت أقدامهم ليسهل عليها المشي، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} فلما أصبح الصحابة أصبحوا نشيطين

بشرى النصر:

طلع فجر الجمعة فنادى في المسلمين: الصلاة عباد الله فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الروح المعنوية للمسلمين عالية جدا وقام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فيهم ويشجعهم ويبشرهم بالنصر، ويقول لهم: (أن الله تعالى قد وعده احدى الطائفتين، العير أو النفير)، (وأن عددهم هو نفس عدد جند طالوت عندما هزموا جالوت، وقال تعالى فيهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}). نظر النبي صلى الله عليه وسلم، من بعيد فكان أول رجل جسيم يتقدم قريش على جمل أحمر ومن بعد المسافة لا يعرف من هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن يكن في القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر يا علي قل لحمزة يعلم لنا من صاحب الجمل الأحمر من قريش) فتقدم حمزة، وكانت العرب رغم كفرها ذات أخلاق تقدم ولم يؤذيه أحد ونظر من قريب على الرجل وإذا هو عتبة بن ربيعة، فصاح بعلي وقال له: أخبر رسول الله صاحب الجمل الأحمر عتبة بن ربيعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم أقل لكم فهو أعقل رجل في قريش؟). كانت قد ارسلت قريش عمير بن وهب الجمحي يستطلع لهم اخبار المسلمون، فدار بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع الى قريش وقال: هم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد فانطلق في المنطقة المحيطة ببدر، يبحث اذا كان هناك بقية لجيش المسلمين، فلم ير شيئا فرجع الى قريش وقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضحُ يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم، حتى يَقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فأنظروا رأيكم، فقام عتبة بن ربيعة وقال: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم، لا يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فصاح فيه أبو جهل وقال لعتبة: جبنت حين رأيت محمدا وأصحابه، فقال له عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قوما كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجههم السيوف، فهذا فعل الله بهم، قال تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} هكذا دب الرعب في قلوبهم ووقع الخلاف بين قريش؛ وتزعزعت صفوفهم الداخلية.

تنظيم صفوف الجيش:

قام النبي صلى الله عليه وسلم، يرتب الجيش استعدادا للقتال فجعل الجيش يقف على هيئة صفوف. وكان هذا أسلوب جديد تماما، للتفوق العددي الكبير لجيش المشركين، فأراد أن يكون القتال معهم موزعا وليس مركزا في مكان واحد، وحتى يضيع عليهم فرصة الإحاطة بالمسملين أو حصارهم. وكان بيده صلى الله عليه وسلم، عصا تشبه العود، وبرز سواد من الصف معجب مدهوش من النبي، فقال النبي: (إستقم يا سواد وأدخل في الصف) فصاح مرة أخرى: (إستقم يا سواد) فإقترب منه النبي صلى الله عليه وسلم ووكزه بالعود في بطنه وابتسم وقال: (إستقم يا سواد) وسواد لا يلبس إلا إزار وعاري الصدر ومستعد للحرب قال سواد: يا رسول الله قد أوجعتني بعودك هذا فأقدني من نفسك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم العود وهو يعلم أن له شأن، فقال: (إستقد يا سواد) فأخذ العود وقال: يارسول الله لقد وكزتني وأنا عاري الصدر وأنت تلبس الثياب، فإكشف لي عن بطنك حتى نكون سواء، فتعجب الصحابة أيعقل هذا، فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه حتى بان بياض بطنه، فرمى سواد العود في الأرض، وضم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يقبل بطنه ويبكي ويبكي ويقول فداك ابي وامي يارسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما حملك على هذا يا سواد؟) قال: بأبي وأمي يارسول الله، لقد رأيت ما حضر من قريش، وقد يكون هذا اليوم آخر عهدي بالدينا، فأحببت أن يكون آخر عهدي بها أن يمس جلدي جلدك، وفاز بها سواد وكان من شهداء بدر رضي الله عنه. ثم قام صلى الله عليه وسلم ، بتنظيم صف رماة الأسهم في مقدمة الجيش، وصف بعده لحملة الرماح لصد هجوم الفرسان المتوقع في بداية المعركة وارباك العدو، واحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوفه مع بداية المعركة، هكذا استطاع صلى الله عليه وسلم بهذا التنظيم المبتكر أن يقلل من آثار تفوق جيش المشركين على المسلمين سواء من ناحية عدد المقاتلين، أو من ناحية امتلاكهم عدد كبير من الفرسان، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عريشه.

ساعة بدء المعركة:

أخذ الرسول يدعو ربه في عريشه ويقول: (اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلها وخيلائها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، فما زال يدعوا ويدعو، ويلح على ربه بالدعاء، حتى سقط ردائه عن منكبيه وهو لا يشعر به، وأبو بكر يلزم الصمت، ومشفق عليه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فما راعني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلي وقد أشرق وجهه بالنور، وقال: (أبشر أبا بكر هذا جبريل قد هبط على رأس كبكبة من الملائكة يقاتل في صفوفكم)، وأطلت قريش وكانت تريد الماء، فوجدوا المسلمين قد سبقوهم إليه، وإلتفوا حوله وذهلت لما صنعه النبي وأصحابه، فلما نظرت ورأت أن الماء قد أحاط به أصحاب محمد، أقسم رجال ليقتحموا حوض المسلمين، ويشربوا من الماء فلما إقتربوا من الصحابة رشقوهم بالنبل فقتلوهم قبل أن يقتربوا منهم. بعد أن أخذ ساعة البدء وكان قد قال: (لا تحملوا عليهم حتى أئذن لكم)، خرج صلى الله عليه وسلم مسرعا، يبشر اصحابه بنزول الملائكة، نظر إلى الزبير بن العوام وقد أعتم بعمامته الصفراء فقال: (يا زبير هذه الملائكة قد نزلت على سيمتك وأعتموا بعمامتك يقاتلون في صفوفكم) وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، يحرض الجيش على القتال، ويثير حماستهم، ويعمل على رفع روحهم المعنوية ويعد من يموت شهيدا بالجنة ويقول: (والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة، عرضها السموات والارض)، فقال عمير بن الحمام للنبي صلى الله عليه وسلم وهو متعجب: يارسول الله، جنة عرضها السموات والارض؟ فقال النبي: (نعم يا عمير)، وكان بيد عمير تمرات يأكل منها فنظر الى التمرات بيده، ثم نظر الى قريش وقال: بخٍ بخٍ ما بيني وما بين دخول الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، إنها لحياة طويلة حتى آكل تمرات فرماهن من يده وألقى بنفسه في داخل صفوف العدو يقاتل بقوة وحمية وشراسة، حتى مات شهيدا في سبيل الله، نأخذ صورة أخرى عن نفسية الصحابة قبل بدء المعركة وحرصهم على القتال والشهادة، عوف بن الحارث يقول: يارسول الله ما يضحك الرب من عبده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غمسه يده في العدو حاسراً)، فخلع درعه وألقى خوذته، وأنطلق في قلب جيش الكفار، وهو تصرف يلقي الرعب في قلوب العدو، وأخذ يقاتل ويقاتل ويقاتل، حتى مات شهيدا، فعلمنا أن نربط حبالنا في السماء ونعتمد ونتوكل على الحي الذي لا يموت، فبهذا الإيمان من الصحابة والثقة بالله، نشروا دين الله.

اول بدايه للمعركة:

قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا تحملوا عليهم حتى امركم، فإن أكتنفوكم فانضحوهم النبل فان الخيل لا تُقبل على النبل، ولا تسل السيوف حتى امركم)، ثم دخل على العريش يدعو ويناجي ربه، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

بدأت المعركة: فخرج من قريش أحد فرسانهم المشهورين الأسود بن عبد الأسد، فصرخ: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه فأنطلق الى اتجاه حوض المسلمين، فتصدى له حمزة اسد الله ورسوله وتبارزا، وضربهُ حمزة ضربة اطارت ساقه قبل ان يصل للحوض فوقع على ظهره، فأخذ يزحف للحوض، فضربه حمزة ضربة قضت عليه، قبل أن يصل، واقبل نفر من قريش حتى وصلوا للحوض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (دعوهم) فشربوا منه، وكان من بينهم حكيم بن حزام، وكل الذين شربوا من الحوض قتلوا إلا حكيم بن حزام ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه ، فكان إذا أراد ان يحلف يمين يقول لا والذي نجاني يوم بدر. خرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ومن أبطال قريش، فلما توسطوا بين الجيشين طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، عوف بن الحارث وأخوه معوذ وعبد الله بن رواحة، وكان عوف ومعوذ صغيرين بالسن، ولكن كانا وعبد الله بن رواحة من أشد الصحابة حماسة للقتال، وحبا للشهادة فقالوا لهم: من أنتم قالوا: رهط من الأنصار فقالوا: كفءٌ كرام ولكن ما لنا بكم حاجة، يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من بني عمنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث(عمه وابني اعمامه) فقاموا واصطف الفريقان فقال حمزة: اقرب الناس، لرسول الله فهل نحن اكفائكم؟ قال عتبة: أجل اكفاء كرام، فبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، وبارز عبيدة عتبة، حمزة وعلي لم يمهلا خصميهما طرفة عين، فما هي الا رفعة سيف ونزلة، حتى اطاح كل واحد بخصمه، فضجت ساحة المعركة بالتكبير، اما عبيدة فجرح كل واحد صاحبه، فحمل حمزة على خصم عبيدة فأجهز عليه وقتله، فرفعت معنويات المسلمين، وأحبطت المشركين وحملوا قتلاهم.

حمل حمزة عبيدة جريحاً، الى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه افرشه قدمه فنظر عبيدة لوجه النبي وذرفت عيناه بالدموع وقال: يارسول الله ما بكيت جزعاً من الموت، واني لأعلم انها الشهادة، ولكن تذكرت ابا طالب وقصيدته يوم الشعب اذا قال:

(كذبتم وبيت الله نبزي محمدا // ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله // ونذهل عن أبنائنا والحلائل)
وددت يا رسول الله، لو أن ابا طالب حي ليرى أني أحق منه بقوله هذا فلا والله لا يصلوا اليك، وفينا عين تطرف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أشهد أنك شهيد)، ورجع الرسول ساجداً يقول: (يا حي يا قيوم) ويدعو الله حتى جاء علي وقال: يارسول الله لقد اكتنفنا القومفوقف ينظر فاذا بجبريل على راس الملائكة فقال لاصحابه: (قوموا الى جنة عرضها السموات والارض، فوالذي نفسي بيده، لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل مقبل غير مدبر محتسباً، لله صابراً إلا أدخله الله الجنة) فأخذ صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى وألقاها في اتجاه المشركين وهو يقول: (شاهت الوجوه)، للاخذ بالاسباب، فما من رجل من قريش الا قال: شعرت برمال تدخل في عيني قبل المعركة، واخذوا يفركون عيونهم، وقال من اسلم منهم بعد ذلك، انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس، فشعرنا ذلك في أفئدتنا ومن خلفنا وكان ذلك من أشد الرعب علينا. قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

ثم صاح في المسلمين؛ (شدوا) فانطلق المسلمون كالسيل وهم يصيحون أَحَد أَحَد، هجمت قريش وكان فرسان المسلمون في المقدمة، فلما اقترب جيش المشركين بفرسانهم، استقبلهم المسلمون بالسهام كما أمروا، ثم بالحراب، لارباك جيش قريش وكسر حماسهم في البداية، اصبح صليل السيوف في كل مكان، الغبار يغطي أرض المعركة إحتدم القتال وتعانقت السيوف، قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، اولا معية الله، هو معهم بعلمه وارادته ونصرته وقدرته، هو الذي يدير المعركة سبحانه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ليس مشرفا على المعركة فقط، يقول ابو بكر: فما راعني إلا والنبي يسل سيفه ويثب في درعه وهو يصيح ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}. والاية نزلت ونحن في مكة فوالذي بعثه بالحق ما علمت تؤيلها الا يوم بدر. وهكذا بدأت معركة بدر بهذا الحماس والأيمان المطلق بالله ، والتوكل عليه والاخذ بالاسباب.

صور من معركة بدر:

اوصى النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه قبل بدء المعركة، فقال: (إن رجال خرجوا في هذا الجيش مكرهين لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم العباس بن عبد المطلب، فلا يقتله بل يأسره، من لقي أبا البختري بن هشام، فلا يقتله)، فقال ابو حذيفة: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ولا يقتل العباس بن عبد المطلب؟ والله لأن لقيت العباس لألجمنه السيف ألجاماً، وسمع النبي مقالته، فنظر النبي في وجه عمر وقال: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟) قال عمر: والله إنه لأول مرة يكنيني النبي بأبي حفص فقال: يا رسول الله دعني اضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: (لا يا عمر إنه لم ينافق ولكنها ذلة لسان قُتل ابوه في المبارزة). وقاتل الصحابة رضوان الله عليهم بكل شجاعة وإيمان. ومن الصور يلتقي ابو عبيدة بن الجراح مع ابيه وجها لوجه، وتحرك الدم في عروقه، فأبتعد عنه، أما إن قتله غيره لا بأس، فسمع ابو عبيدة ابوه يصرخ في المعركة، أين محمد؟ دلوني عليه لا نجوت اذا نجا؟ فغضب ورجع مسرعاً الى والده وقال: يا عدو الله تنشد رسول الله، تريد قتله، فرفع سيفه واطاح براسه. ويقتل عمر خاله ابن المغيرة، فلم تمنع القرابات والارحام، بين ان ينتصر المؤمنون لله، وكان ابو بكر في جوار النبي صلى الله عليه وسلم في العريش، فلما نزل النبي لساحة المعركة كان بجانبه فسمع ابو بكر ابنه (عبد مكة) وكان مع المشركين ينادي أين محمد؟ يريد قتل النبي، فقال ابو بكر: دعني له يارسول الله، فامسكه النبي وقال: (متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم بأنك سمعي وبصري). ولحكمة يريدها الله يؤسر عبد الكعبة، ثم يفدى، ثم يدخل في الاسلام، ويصبح من خيار الصحابة فلما اسلم غيّر النبي اسمه لعبد الرحمن.

وقتل المجذر رضي الله عنه ابا البختري، فجاء المجذر للنبي وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت على أسره وآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني، فقتلته. ولما أرادوا حمل والد حذيفة الى قليب بدر مع القتلى نظر النبي لأبو حذيفة واذا هو قد تغير فقال: (يا أبا حذيفة، ادخلك شي من قتل ابيك) قال: لا والذي بعثك بالحق، ولكن كنت اعلم من ابي رأي وحلم، فاحببت ان يكون في الاسلام، فكرهت ما مات عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لابي حذيفة بخير، ومع ذلك يقول ابو حذيفة: ما زلت اتخوف تلك الذلة، واقول لا يكفرها الا شهادة في سبيل الله، فما كانت معركة إلا يكون اول الصفوف، حتى مات في معركة الردة يوم اليمامة رضي الله عنه وارضاه.
وقال الله تعالى فيهم: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخِر يُوادّون مَن حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويُدخلهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون}.

انتهاء المعركة:

اصيب قتادة بسهم في عينه، فسالت حدقته على خده، وهمَّوا أن يقطعوها، فصاح بهم رجل اذكروها لرسول اللهقالوا: يارسول الله سالت حدقة أنقطعها؟ قال: (لا ، لا تقطعوها، ادنوه مني) فوضع كفه اليمنى فردها الى مكانها، ثم تفل فيها قال قتادة: والله لا أدري اي عيني التي اصيبت؟. ويرى بلال رضي الله عنه امية ابن خلف فيقول: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ويوقعه على الارض، فصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، ثم غرس سيفه فيه. وجاء غلامان يقال لهما: ابنا العفراء معاذ ومعوذ يسألا عبد الرحمن بن عوف: يا عم اين ابا جهل؟٠ بلغنا انه كان اشد قريش ايذاء لرسول الله فنريد قتله، وإذا هو يصيح بالناس، فقال: اترون هذا الذي يصيح هذا هو، فتقدما إليه وقالا: يا ابا جهل، انتبه اننا نريد قتلك، فضحك وقال: لم يبقى عند محمد إلا هذه الصبية، قالا: لا تسخر اننا قاتلوك، فضربه الاول فلم يأثر فيه شيء، ثم الاخر ضربه فسقط عن بعيريه،

وانتهت المعركة، وقال صلى الله عليه وسلم: (إلتمسوا فرعون هذه الامة في القتلى فانه مقتول لا محالة) فاخذوا يبحثون عنه، فوجده عبد الله بن مسعود وعرفه وهو يواري وجهه بين القتلى، فقال اي عدو الله، أخزاك الله قال: وما أخزاني لا، هل انا ما عدا رجل قتلتموه، ولكن اخبرني لمن الدائرة قال: الدائرة لله ولرسوله وعلى رؤسكم يا اعداء الله فخشيت ان يكون به قوة فيعاجلني، فطفت حوله فلما رأيت لا حراك به رفعت خوذته ونقرته فيها فقال: يا رويعي الغنم لا تعذبني بسيفك هذا دونك خنجري على جانبي خذه فاقطع به عنقي، فاخذته ثم وكزته برجلي، ووضعت رجلي على صدره وقلت: تذكر يا اباجهل، ها انا رجلي على عنقك، واحز راسك بيدي الم اقل لك اني سأذبحك قال: لقد رقيت مرقاً صعبا يا رويعي الغنم، فحززت راسه، وعجزت عن حمله فخرمت اذنه بالخنجر ثم ربطته بحبل وجررته على الرمال، حتى جئت به للنبي وقلت: يارسول الله ابشر هذا رأس ابو جهل فقال النبي: (آالله حقا ما تقول) فلما نظر النبي الى راسه، خرا ساجدا لله، ونظر لابن مسعود وابتسم وقال: (يا ابن مسعود أرضيت الأذن بالأذن والرأس زيادة) ثم نادى: (أين عمار؟) فأقبل وقال له النبي: (ابشر يا عمار، فلقد قتل الله من قتل امك).

انتصار المسلمين:

بدأ القتال في الصباح، واستمر للظهر، وانتهى بأنتصار المسلمين، وفرار المشركين، وأخذوا يطاردونهم ويأسروا منهم، ويمر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير وهو أسيراً مقيد في يد انصاري فقال مصعب: شد يديه، فان أمه ذات متاع وسترسل في فدائه مال كثير، فقال له أخيه: يا مصعب أهذه وصاتك؟ قال مصعب: إنه أخي دونك. واستشهد أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعين وأسر سبعين كلهم من سادة قريش، وقاموا بدفن الشهداء، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين، فسحبوا وألقوها في أحد الآبار، يقول الصحابة: نظرنا فوالذي بعثه بالحق، ما من رجل ذكر مصرعه قبل المعركة ما تعدى موقع اشارة رسول الله، فلما أرادوا حمل أمية بن خلف كان بديناً يلبس درع قد انتفخ وملئ درعه فتفتت في ارضه، فأمر النبي ان يُحفر له حفرة بجانبه ثم يلقى فيها ويهال عليه، ولا تترك جثة بالعراء، ثم وقف صلى الله عليه وسلم، على القليب واخذ يناديهم بأسماءهم، وقال: (بئس العشير كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، واخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، سيهزم الجمع ويولون الدبر، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟) فقال بعض الصحابة: يا رسول الله أتنادي ناسا أمواتا؟ قال: (ما انتم بأسمع منهم ما أقول). وأقام النبي والمسلمون في بدر ثلاثة ايام وكانت هذه هي عادة العرب في حروبهم أن المنتصر يظل في مكان المعركة ثلاثة ايام، ويعتبرون أن هذا هو دليل انتصاره، ثم أرسل عبدالله بن رواحة وزيد بن حارثة الى المدينة المنورة ليبشرهم بالنصر، وكان اليهود والمنافقون قد اشاعوا أن المسلمين قد هزموا وأن الرسول قد قتل، فلما وصلت البشرى بانتصار المسلمين، ارتجت المدينة بالتهليل والتكبير، بينما وصلت أنباء الهزيمة لقريش، ونزلت عليهم كالصاعقة، وعلت أصوات النياح على قتلاهم، ثم منعوا النواح بعد ذلك حتى لا يشمت فيهم المسلمون.

اخذ الصحابة بجمع الغنائم، وساقوا الاسرى بين ايديهم مكبلين بالحبال، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى فقال: (فكوا وثاقهم واحسنوا صحبتهم، وقاسموهم زادكم)، فقال قائل: يا رسول الله لو كنا اسرى بين أيديهم لفعلوا بنا اكثر من ذلك، فقال النبي: (لسنا كمثلهم)، فكان الصحابة يعطون للأسرى أطيب طعامهم، ويأكلون الطعام الرديء، ويجعلونهم يركبون وهم يمشون الى جوارهم، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، هؤلاء اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ الذين هم قبل ساعات ضربوا اعناق الاباء والابناء والاهل والعشيرة، لانهم كفار والان بتوجيه من النبي يؤثرونهم على انفسهم بلقمة وهم كفار ايضاً، إنه دين الله عزوجل، دين الحق والعدل والرحمة، فلكل مقام مقال، المسألة عندهم دين وليست امور شخصية. وفي طريق العودة نزلت سورة الأنفال، تناولت الكثير من أحداث غزوة بدر كما تناولت كيفية توزيع الغنائم على المسلمين، رجعوا وسط أجواء من الفرحة والبهجة عمت المدينة كلها حتى غطى عليهم حزنهم بوفاة بنت النبي رقية زوجة عثمان بن عفان، وقد ماتت وعمرها اثنان وعشرين عاما، وتركت ابنها عبد الله وعمره أربعة أعوام. وهذا أمر الله، لنعلم جميعاً أن هذه الدنيا فانية، ولأنه قدوة صلى الله عليه وسلم، كانت رسالة ودرس لنا جميعاً، ففي نفس وقت أعظم انتصار في التاريخ الاسلامي كله يوم الفرقان، يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم مصيبة فقدان الإبن، والدنيا مهما كانت عظيمة ينغصها أمران الخوف أن تفارقك هذه النعمة، أو انت تفارق هذه النعمة بالموت. فالدنيا لم نخلق لنخلد فيها، فاليوم نزرع وغداً نحصد.

قرار اخد الفداء:

وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وجمع الاسرى بساحة المسجد النبوي، خرج المهاجرين يشهدون من يوجد بالاسرى، ومنهم ام المؤمنين سودة، فوقع بصرها على سهيل بن عمرو، فقالت: أسهيل هل لا متم كراماً وخيرا من أن تعطوا أيدكم للأسر، تقول: فما راعني إلا ورسول الله يقول بملء فمه رافعاً صوته:(ياسودة أعلى الله ورسوله تحرضين؟)، فصككت وجهي وقلت: معذرة يا رسول الله، والله ما أدري ما قلت حين رأيت سهيل بينهم، استغفرلي يارسول الله، فقال: (يغفر الله لك). فاستشارهم في الاسرى، بين ايدينا سبعين من صناديد قريش، نظر في اصحابه وقال: (ماذا تقولون في هؤلاء الاسرى؟) فقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، لعل الله أن يهديهم بك فان منّنت فهو خُلقك، وإن قبِلت الفداء استغنى به الفقراء، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا، فرأيه فيه جانب الرحمة، فقال عمر بن الخطاب: ما أرى ما رأى أبو بكر يا رسول الله، هؤلاء أئمة الكفر، وصناديد قريش، كذبوك وآذوك وأخرجوك وقاتلوك، فإني أرى أن تشرد بهم من ورآئهم، ودعني اضرب عنق ابن عمي فلان، ثم قل لعمك حمزة فليضرب عنق اخيه العباس، ثم قل لأبن أخيك علي أن يضرب عنق اخيه عقيل، ولا تبالي بما فعلته بهم بعد ذلك، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، فكان رأيه شديد الحسم، رأيان كلاهما مختلف عن الآخر، أخذ الفدية وأيده جماعة، او قتل الأسرى وأيده جماعة، فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم ودخل الى بيته، فغاب ساعة ثم خرج فقال: (إنما مثلك يا أبا بكر كمثل ابراهيم عليه السلام قال: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وإنما مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}) ثم قال: (إنكم عيلا، وأرى ان تقبلوا فيهم الفداء تستعينون به، ويكن لكم يد في قريش). وشاع الخبر بقريش في قبول الفداء، فكان حسب غنى وفقر الاسير لم يجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في رتبة واحدة، فأعلاه أربعة آلاف درهم من الفضة، وادناها ألف درهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن لا يجد فداء، ويعلم القراءة والكتابة، فليُعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ومن كان لا يعرف فهو طليق)، فكان أول من شرع محو الأمية رسول الله صل الله عليه وسلم،

فداء العباس عم النبي:

قال العباس عم النبي، يا رسول الله، لقد أُخذ مني بالمعركة ٤٠ وقية ما بين ذهب وفضة ألا تكون فداء لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يا عباس ذلك شيء انفلنا أياه الله فعليك فداء نفسك، وفداء ابني اخيك) نوفل بن الحارث وعقيل بن ابي طالب كل واحد أربعة الاف درهم، قال: إذن جعلتني أفقر قريش ما حييت، قال له الرسول: (لا يا أبا الفضل، وأين المال الذي وضعته تحت عتبة الدار ليلة خروجك؟ وأوصيت أم الفضل ان لا تخبر به أحد وقلت لها: إن انا قُتلت، فهذا يغنيكِ ما حييتي انت وابنائك، وإن انا رجعت فاتركِ كل شيء في مكانه)، فقال العباس: أشهد أنك رسول الله، والذي بعثك بالحق ما علم بحديثنا غيرنا إلا الله، ثم قال العباس: يا رسول الله أنت تعلم بأني مؤمن أكتم ايماني وما أُخرجت الا كرهاً، قال له النبي: (ولكن يا أبا الفضل، كان سيفك بالظاهر علينا وقد أسرك أصحابنا)، فجاء الأنصار يتوسطوا إلى الرسول صل الله عليه وسلم في عمه، وحاولوا أن يسامحوه، فقد كانوا قمة في الأخلاق فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه، ولكن رسول الله اصر على اخذ الفداء. أسلم وكتم اسلامه فكان عيناً على المشركين، يبعث بأخبارهم للنبي، هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة ومعركة حنين وممن ثبت وبفضل صوته الجهوري رجع وثبت المسلمون. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنه: (من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه). أما عقيل تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وشهد حنينا، وكان ممن ثبت فيها، وشهد معركة مؤتة، ومن أعلم الناس بأنساب قريش، شديد الذكاء مشهورا بالجواب المسكت، اما نوفل كان يتاجر في الرماح وأسلم ومات في خلافة عمر بن الخطاب، ومن الاسرى السائب بن عبيد من ابناء عمومة النبي، فدى نفسه، ثم أسلم وحسن إسلامه، ويكون جد الإمام الشافعي رحمه الله.

فداء ابو العاصي ابن الربيع واسلامه:

هو زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحبها حبا كبيرا، خالته ام المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكان رجلا شهماً مشهور بالأمانة، ذهبت قريش اليه ليقنعوه أن يطلقها ويزوجوه من يشاء فقال: لا وربِ هذه البنية، لا افارق صاحبتي فليس بيني وبينها ما يدعو ذلك، ولم أرى من محمد إلا خيراً، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وبقية معه في مكة على اسلامها وهو على شركه. خرج لبدر مكرهاً فوقع بالاسر، فأمره النبي بأن يفدي نفسه، فأرسل الى قريش يطلب الفداء فوصل الخبر لزوجته زينب، من عمتها عاتكة فجمعت ما معها من مال فلم يكفي للفداء، فنزعت قلادتها من عنقها وهي هديتها من امها خديجة رضي الله عنهما ، ووضعتها على مال الفداء، فنظر النبي في المال فوقع نظره على قلادة خديجة فخفق قلبه، وذرفت عينه الدموع شوقا لخديجة اولاً وتذكر بنته زينب، فسأله اصحابه ما يبكيك يا رسول الله؟ فكفكف دمعه وقال: (لقد تذكرت هذه القلادة لأمكم الأولى خديجة ألبستها لزينب ليلة زفافها) فقالوا: ماذا ترى يا رسول الله؟ قال: (إن شئتم فاقبلوا الفداء، وإن شئتم اطلقوا زوجها وردوا عليها قلادتها) فقال الصحابة: نفعل يا رسول الله، فاستوقفه النبي وقال له: (يا ابا العاص لقد فرق الله بين المؤمنين والكافرين فزينب لا تحل لك زوجة بعد اليوم، فاذا بلغت مكة فارسلها الينا)، فقال: نعم ثم استدار عائدا لمكة، فخرجت زينب على أبوابها لاستقباله، فلما رآها قال بألم: يا زينب عودي إلى أبيك فجهزها ولأنه لا يستطيع فراقها، امنها مع أخيه عمرو ليوصلها، فخرج في وضح النهار، فلحقه أبا سفيان وقال: لقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس، وعيوننا ترى، وقد عرفت العرب جميعها أمر نكبتنا في بدر، وما أصابنا على يدي أبيها محمد، فإذا خرجت رمتنا القبائل بالجبن ووصفتنا بالهوان والذل فارجع بها، واستبقها في بيت زوجها أياما حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها، فسلها من بين أظهرنا سرا وألحقها بأبيها، فرضي بذلك، وأعادها ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلاً بعد أيام، وأسلمها إلى رسولي أبيها يدا بيد كما أوصاه أخوه. بقية زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات على أمل أن يعود إليها زوجها. ويوما التقت سرية من المسلمين بقافلة تجارية لقريش، فأصابوا كل ما معهم وكان او العاص فيها فهرب منهم وتسلل ووصل إلى بيت زينب، فلما رأته، سألته بلهفة أجئت مسلما؟ قال: لا بل جئت هارباً مستجيراً، فقالت: لا تخف مرحبا بابن الخالة، مرحبا بأبي علي وأمامة. خرجت زينب من صفة النساء، وهم في صلاة الفجر وقالت: أيها الناس، أنا زينب بنت محمد، وقد أجرت أبا العاص فأجيروه، فلما سلم النبي، التفت إلى الناس وقال: (هل سمعتم ما سمعت؟) قالوا: نعم يا رسول الله، فقال: (أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم)، وصمت فجاءت إليه زينب وقالت: يا رسول الله إن أبا العاص، إن بعُد فابن الخالة وإن قرُب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله، فقال النبي: (يا أيها الناس إن هذا الرجل ما ذممته صهرا، وإن هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله، وأن تتركوه يعود إلى بلده، فهذا أحب إلي. وإن أبيتم فالأمر إليكم، والحق لكم ولا ألومكم عليه). فقال الناس: بل نعطه ماله يا رسول الله، فقال النبي: (قد أجرنا من أجرتِ يا زينب) ثم ذهب إليها وقال لها: (يا زينب أكرمي مثواه فإنه ابن خالتك وإنه أبو العيال، ولكن لا يقربنك، فإنه لا يحل لك) فقالت: نعم يا رسول الله. فلما ذهب لمكة وقف أمام الكعبة، يوزع أموال التجارة على أصحابها. وبعد أن فرغ قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ فقالوا: لا. فقد وجدناك وفيا كريما، قال: إذن فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم رجع ودخل المدينة فجرا وتوجه إلى النبي وقال: يا رسول الله أجرتني بالأمس واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله هل تأذن لي أن أراجع زينب؟ فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (تعال معي). وقال: (يا زينب إن ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أن يراجعك فهل تقبلين؟) فأحمرّ وجهها وابتسمت رضي الله عنهما. توفي ابنهم علي وهو صغير أما أمامة عاشت إلى خلافة معاوية رضي الله عنهما. كان النبي يحبها ويعطف عليها ويحملها أثناء الصلاة، واهدي إليه قلادة من خرز ملمعة بالذهب، ونساؤه مجتمعات، وامامة تلعب والرسول الله ينظر إليها بحب وحنان، فأبتسم وقال: (كيف ترينَ هذه؟) فقلن: يا رسول الله ما رأينا أحسن من هذه ولا أعجب، فقال: (ارددنها إلي) فلما وضعها في حِجره قال: (والله لأضعنّ هذه القلادة في رقبة أحب أهل البيت إلي) تقول امنا عائشة: فأظلمت عليّ الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا قد أصابهن مثل الذي أصابني، ووجمنا جميعا، ثم قام بوضعها في رقبة أمامة، فسُرِّيَ عنّا، ماتت زينب رضي الله عنها، فبكاها زوجها بكاء شديدا، ورغم حزن النبي صلى الله عليه وسلم على فراق بنته، اخذ يهون على ابو العاص حزنه ويمسح بيده الشريفة عليه، لأنه فجع بها لشدة محبته لها، ويقول والله يا رسول الله ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب، فمات بعد سنه من موت زينب لم يتحمل فراقها.

===

وصف ملابسه:

لم تكن ملابسه مميزه عن باقي الناس، يلبس ما يتيسر له والتي كانت معروفة في قومه، يضع على رأسه عمامة، وقلنسوة وأحيانا بغيرها. وللعمامته ذؤابة تنزل للخلف على ظهره بين كتفيه، وكان له عمامتين بيضاء وسوداء وربما خضراء وألوان أخرى، ولم تكن كبيرة يؤذيه حملها، ولا صغيرة لا توفي الرأس حقه من الوقاية والحماية، بل كانت وسطا بين ذلك. وكان اكثر لبسه للجلباب، ويلبس الجبة والقميص، ويلبس السروال تحت ملابسه، كان يلبس جميع انواع القماش إلا الحرير، وكان يحب الثياب المصنوعة من القطن ، وكان يحب اللون الابيض في اللباس.

– كان يلبس في قدميه النعل، ويلبس الخف، – يلبس في خنصره خاتم من فضة مكتوب عليه محمد رسول الله، من أسفل الى أعلى، لأنه لم يحب أن يعلو اسمه على اسم الله، ويلبسه في يده اليسرى أحيانا، وفي اليمنى أحيانا. – يحب الطيب واسم عطره (الغَالِيَةُ) تركيبه من مسك وعنبر وعود وكافور، وكان احياناً يتطيب بالمسك وحده. – يشرب ثلاثا وهو جالس، يتنفس بينهم، ويبعد الاناء عن فيه ونفسه. – كان قليل الأكل، يأكل على الارض، يجثو بركبتيه او ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى، ويأكل بأصابعه الثلاثة، الإبهام والتي تليها والوسطى، وأحيانا باصابعه الخمسة، ولا يتكلف في الأكل بل يأكل ما يقدم اليه، واذا لم يحبه لا يأكله ولا يعيبه، قالت عائشة رضي الله عنها: لم يشبع يومين متتاليين، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة لا يجد عشاءاً، قالت فاطمة رضي الله عنها: ناولت النبي صلى الله عليه وسلم كسرة خبز، فقال: (هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام).

– كان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير، فراشه ووسادته من جلد محشو بالليف. – كانت مشيته كأنه ينحط من صبب فيها جدية. – كان يتبسم في حديثه، قالت عائشة رضي الله عنها عن كلامه: لم يكن يسرد الحديث كسردكم، يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه. – كان إذا التفت، التفت بجميع جسده، وليس برأسه فقط، يُقبل بوجهه على كل من يحدثه، ولا ينصرف عنه بوجهه، حتى ينصرف الذي يحدثه، واذا صافحه احد لا يكون هو اول من يسحب يده، ويظهر الإهتمام بكل الناس، حتى أن كل واحد يعتقد أنه خير القوم وأحبهم اليه، لدرجة ان عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني من خير القوم فقلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر؟ قال: (أبو بكر)، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عمر؟ قال: (عمر) قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان؟ قال: (عثمان) قال: فصدقني، فوددتُ أني لم أكن سألته.

– كان صلى الله عليه وسلم دائم التبسم، وضحكه التبسم روي الترمذي عن عبد الله بن الحارث قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم. – كان اذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكان بكائه من جنس ضحكه، بلا شهيق وبلا رفع صوت، كثير البكاء من خشية الله تعالى، وربما زار مريضا فبكى رحمة له. – كان هادئا رزيناً وقورا، له هيبة، إن صمت فعليه الوقار، وان تكلم سما وعلاه البهاء وكان من وقاره أنه لا يضحك بصوت مرتفع، ولا يبكي بصوت مرتفع، ولا يكثر المزاح. والصحابة يجلسون في مجلسه كأن على رؤسهم الطير، ولا يستطيعون التمعن في وجهه من شدة هيبته وانواره، قال عبدالله بن عمرو: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيماً له، ولو قيل لي صفه لما قدرت. ولقد رأته قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها جالسا في المسجد فأخذت ترتعش، ودخل عليه اعرابي، فلما رآه اخذ يرتعش بشدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هون عليك فإني لست بملك ولا جبار، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)

===

اللقب: حواري الرسول

الاسم: الزبير بن العوام سبب

التسمية: في يوم الخندق قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :

” مَنْ رجلُ يأتينا بخبر بني قريظة ؟” فقال الزبير : أنا فذهب ،

ثم قالها الثانية فقال الزبير : أنا فذهب ، ثم قالها الثالثة فقال الزبيـر : أنا فذهب ،

فقال النبـي صلى الله عليه وسلم : “لكل نبيّ حَوَارِيٌّ، والزبيـر حَوَاريَّ وابن عمتي ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *