الباب الاول:
الفصل الاول: طفولته
رضاعته في ديار بني سعد: قالت: أتيت وزوجي إلى مكة على اتان لي هزيله وناقة قد جف ضرعها، فكان الركب يسبقوني وينتظروني ويقولون يا حليمه لقد اعييت الركب، قالت: وصلنا ولم اجد الى هذا اليتيم، فاخذته ورجعت إلى راحلتي، فعرضت عليه ثديي الأيمن فاهتز صدري وانفجر فيه اللبن، فشرب حتى ارتوى، ففرحت واعطيته ثديي الآخر فلم يأخذه حتى طيلة السنتين، فعرضته على ابني فرضع وشبع، ثم قام زوجي إلى الناقة واذا ضرعها قد امتلأ باللبن، وقال وهو فرح الم اقل لك ان هذا الصبي بركة، فحلبها وشربنا، ونمنى بخير ليلة، وفي الصباح تجهزنا للعودة إلى الديار، فلما ركبت وحملت محمدا، وإذ بها انطلقت وكأنها تسابق الركب، وصاحباتي يقلن لي اتعبتنا في طريقنا لمكة ونحن ننتظرك لتلقي بنا، والان اتعبتنا ونحن نلحق بك، أليست اتانك التي أتيت بها، قالت: بل هي، قلن: فعلا أن أمرها لعجيب، حتى اقتربنا من سوق عكاظ.
في سوق عكاظ، رأى أحبار يهود قافلة بني سعد وهي مقبلة فوقها غمامه تسير معهم وتقف إذا وقفوا، فاندهشوا وقال أحدهم ورب موسى أن هذه القافلة تحمل احمد، فعرضوا أنفسهم على القافله على انهم عرافين، فتهافت الناس عليهم، فقلت لاحدهم: اريد ان إريكم هذا المولود، فلما أخذوا يتفحصوا صفاته، ارتسمت على وجوههم الدهشة، وأخذوا ينظرون لبعض ثم ينظرون على محمد، فقالوا لي: ما هذه الحمرة التي في عينيه، قلت: هذه في عينيه منذ ولادته، فقالوا: ايتيم هو؟ فخفت عليه منهم وقلت: ليس يتيما وهذا ابوه واشرت إلى زوجي، فقال احدهم: اتراه هو، فقال: أي ورب موسى وعيسى هو، ثم صرخ في الركب اياها الناس اقتلوا هذا الصبي، فإنه أن بلغ مبلغ الرجال ليسفهن احلامكم وليبدلن دينكم، وليكفرن ما مضى من آبائكم، ويل للعرب من شر قد اقترب، فصرخت في وجهه وقلت: ويل لك انت اطلب لنفسك من يقتلك انا لا نقتل ولدنا، فقال لصاحبه الم تقل لك انه ليس يتيما، فقال: لو قالت لقتلته، ولما سمعت ما قالوا ضممته على صدري وهربت واختفيت عنهم، وتأكدت أنه تدور حوله أمور غير عاديه، فلما وصلنا ديارنا فاح فيها ريح العود، فما بقي بيت إلا وفاح منه ريح العود وذلك كل يوم.
قالت حليمة: كانت ارضنا عجفاء، والاغنام هزيله وليس فيها لبن، فلما قدمنا بمحمد، أصبحت تعود من مرعاها وقد امتلأ ضرعها باللبن، ونرى الخضرة على افواهها، فيصرح أصحاب الاغنام برعاتهم، ويحكم اسرحوا حيث تسرح أغنام حليمه، الا ترونها ترجع وقد شبعت والخضرة في افواهها،فيقول الرعاة والله انا لنسرح معا، ولكن نرى أغنام حليمه لا ترفع رؤوسها وهي تاكل وتمضغ، وليس في الأرض نبته، قالت حليمه: كنا نحلبها ولا نترك أهلنا وفاض الخير على كل الديار، واصبحوا يتفاءلون بمحمد، يأخذوه ليضع يده على مريضهم حتى على دوابهم، فيبرؤا بإذن الله. قالت حليمة: وأخذ محمد يشب في يوم ما يشب غيره في شهر حتى إذا بلغ عمره عاما وكأن عمره عامين، فلما رأينا هذا الخير والبركة وعند بلوغه عامين رغبت أن يبقى عندي عامين وكنت قد وعدت أمه آمنة أن نرجعه بعد عامين، فعزمت أن ارجعه، وفي نيتي أن استأذن امه في عامين اخريين، فرجعنا به إلى مكة،فلما رأته امه وجده وكأنه غلام جعفر، سروا بحسن التربية ونموه السريع.
الفصل الثاني:
تجديد مدة اقامته: قالت حليمة: فأخذتُ أحدث آمنة وجدّه عن محبتنا له وحبهُ لنا فقالت آمنة: ماشأنك يا حليمة؟فسكتت حليمة ثم قالت: أحببناه يا آمنة؛ ولا نتحمل فراقه، وإنا رأينا البركة فيه، وإنا نُحب أن يبقى عندنا عامين آخرين نأمن عليه من وباء مكة، وظلت حليمة تقنع آمنة، فمازالت تحدثها وتقنعها، حتى وافقت آمنة ثم قالت آمنة: ياحليمة ألا أخبرك عن ولدي هذا؟ يا حليمة، إحرصي عليه فإن لإبني هذا شأن إحرصي عليه يا حليمة، رجعت حليمة وأخذت النبي صلى الله عليه وسلم، ليقيم عندها عامين آخرين. قالت حليمة: ونحن في طريقنا، مررنا بركب من الحبشة، وفيهم أهل الكتاب، فعرضته عليهم بغيت، أن أتأكد وأتعرف، فعرضته على راهب فيهم فقلت له: ألا ترى ولدي هذا؟ قال الراهب ما به؟قلت له: إن له أمور غريبة، أنظر إلى حمرة عينيه هذه، فنظر الراهب وأخذ يتفحصه فقال متعجباً: ما هذه الحمرة أيشتكي شيء في عينيه؟ فقلت له: لا هي ترافقه منذ ولادته،ثم نظر إليه، وإستمر في تفحصه ثم قال: ما إسمه؟ قلت له: محمد. فقال وهو مندهش: هل ولد يتيماً؟ تقول حليمة: فأحببت أن أصدقه الحديث قلت له: نعم قد ولد يتيماً تقول فأخذ الصبي يقبلّه وقال لمن معه: إي وربِ عيسى إي وربِ عيسى، إنه نبي فأقبل من معه مسرعين، وأمسكوا الصبي، ثم أخذوا يقبلوا رأسه، ويضموه إلى صدرهم ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام،فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن، نحن نعرف أمره.قالت حليمة: فلم أكد انفلت به منهم.
حادثة شق صدره: قالت حليمة رضي الله عنها: أخذ يشب شبابه مع إخوته في الرضاعة، نطق مبكراً، وكان أفصح الصبيان بالنطق والكلام. بعدما فطمته عن الرضاعة جاء في يوم من الأيام فقال لي: يا أماه مالي لا أرى إخوتي في النهار؟فقلت له: يا بني، إنا لنا أغنام يسرحون بها، إلى الليل. فقال: إني أحب أن أراهم في النهار في اليوم الثاني ، أراد إخوته الخروج ، لرعاية الأغنام فقال: يا أماه، هل تأذني لي أن أرعى الغنم معهم؟ فقلت له: يا بني، أنت صغير. فقال إخوته: يا أماه يا أماه، دعي محمد يسرح معنا، نحن نرعاه، لا تخافي عليه سنعتني به، فخرج معهم، وكان لم يُكمل السنة الثالثة من عمره، صلى الله عليه وسلم فأصبح يخرج ويسرح معهم بالأغنام، حتى أصبح لا يفارق اخوته. فلما كاد أن يتم الرابعة من عمره، وفي يوم من الأيام، خرج معهم كعادته فما أن إنتصف النهار حتى جاء إبني عبد الله ومعه أخ له وعدد من الصبية يركضون ويصرخون يا أماه يا أماه، أدركي أخي القرشي، فلا أراكي تدركينه، ففزعت وقمت أنا وأبوه بسرعة وقلنا مالخبر ما بال محمد؟ قالوا: ونحن بين الأغنام، جاء إلينا رجلان، طوال القامة، عليهم ثياب بيض، أخذوا محمداً من بيننا، ثم صعدوا به أعلى الجبل، فلحقناهم ماذا تريدون منه، أتركوه، إنه ليس منا أتركوه، إنه قرشي إبن سيد مكة، فلم ينطقوا بأي كلمة، ولم نستطيع اللحاق بهم ورأيناهم من بعيد قد أضجعاه في طشت معهم، وأخذوا يشقوا بطنه، قالت حليمة: فأنطلقت أنا وأبوه بسرعة مفزوعين وأخذت اصيح بأعلى صوتي واضعيفاه، يا وحيداه، يايتيماه، فرأيناه جالس على قمة الجبل، منتقع لونه أصفر، ينظر الى السماء، فأنطلقت نحوه مسرعة، ثم أحتضنته وقبلته، ثم إحتضنه أبوه قلت يا بني: مالذي جرى لك، أخبرني؟ قال: إني بخير، بينما أنا بين إخوتي أقبل إلينا رجلان عليهم ثياب بيض فأخذاني من بين الصبية قال أحدهم للآخر أهو؟ فقال له: هو؛ قال اختمه بختم النبوة قال فوضع شيء كأنه النجمة بين كتفيّ، ثم وضعاني في شيء معهما بكل لطف ثم شق أحدهما من صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مساً، وأخرج أحشائي ثم أخرج منها شيء لا أعرفه ثم غسلها بالثلج، ثم أعادها مكانها فقال له صاحبه: قد قُمت بما وكّل إليك فتنحى ثم جاء الآخر فوضع يدهُ على صدري ومسح عليه فرجع صدري وإلتحم وكشف لهم عن بطنه أي انظروا، فلما نظروا رأوا مثل جرح وكأنه ملتحم جديد ثم قال لصاحبه: زنه بعشرة من قومه، فوضعوني في شيء ووضعوا عشرة رجال في شيء آخر فوزنتهم فقال له: زنه بمئة، فوضعوا مئة رجل فرجحتهم وطاش الميزان قال: زنه بمئة ألف فوضعوا مئة ألف في كفة، فلما وضعوني في الأخرى، فرجح الميزان، وتتطاير الرجال في السماء، فرأيتهم كأنهم يتساقطون عليّ فقال له: دعه، فوالله لو وزنته بأهل الأرض لرجحهم جميعا ً ثم قالوا: لا تخف يا حبيب الله فإنك لو تعلم ما يراد منك لقرة عينك ثم ضموني لصدرهم وقبلوني ثم طاروا في السماء وها أنا أنظر إليهم يا أمي فلن يعودوا. (كيف خُتم بخاتم النبوة؛ في حادثة شق صدره؟ قال صلى الله عليه وسلم: قال أحد الملائكة للآخر اختمه بختم النبوة، قال: فوضع شيء كأنه النجمة بين كتفيّ، فأصبح صلى الله عليه وسلم يشعر وكأن بين أكتافه خاتم. يصف الصحابة رضوان الله عليهم، خاتم النبوة قالوا: من نظر إليه، هو لحمٌ بارز وفيه شعرات، والشعرات التي في هذا اللحم، من تأملها وأمعن النظر في ترتيب الشعرات يقرأ فيها (منصور) بمعنى أنك يارسول الله صلى الله عليه وسلم ، منصور وأمرك ظاهر. وهو من بعض العلامات الموجودة عند أهل الكتاب، من وجدت بين كتفيه فهو نبي آخر الزمان وخاتم الأنبياء والمرسلين.)
قالت حليمة: فأخذناه وحدثنا قومنا في بني سعد فخافوا عليه من الجن والشيطان وقالوا يا حليمة: أحضري له كاهنًا يرى ما القصة، فأخذناه، ومحمد يقول (مالي ومال الكاهن ليس بي شيء أنا بخير)، دخلنا على الكاهن، وأخذت أقص عليه، ما رأى محمد من أمور غريبة فقال: اُصمتي يا امرأة، ودعيني أسمع الصبي ونظر إلى محمد، وقال حدثني يا غلام ماذا جرى لك؟ فحدثه كما حدثنا من قبل، فلم يزد كلمة ولم ينقص، فلما سمع الكاهن حديثه قام من مكانه فزع ووقف على قدميه، ثم أمسك بمحمد، وضمه إليه وصاح بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب من شرٍ قد اقترب، اقتلوا هذا الصبي، واقتلوني معه، لئن تركتموه، وبلغ مبلغ الرجال ليبدلن دينكم، وليسفهن عقولكم، وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا به، اقتلوه واقتلوني معه. قالت حليمة: فانتزعت الصبي من بين يديه، وصرخت في وجهه، أجّن أعتّه اُطلب لنفسك من يقتلك، أما نحن فلا نقتل ولدنا، ثم أخذت محمدا، وخرجت به مسرعة، فما زال يصرخ، اُقتلوه لا تدعوه اقتلوه واقتلوني معه حتى وقع مغشياً عليه، وقد هلك،
قالت حليمة: رجعت بمحمد، إلى ديار بني سعد، ففاح ريح المسك، أكثر مما كنا نجد من قبل، وأصبحنا نتخوف على محمد بعد تلك الحادثة، فقال قَََََومُنا أبا كبشة: نرى أن ترجع الصبي لأهله قبل أن يظهر منه شيء يا أبا كبشة، فقد انتهت مدة كفالته قالت حليمة: وأنا لا أريد أن أرجعه، فقد تعلق قلبي به ولكن قومنا غلبونا وخوفونا من الأمر فقررنا أن نرجعه، فلما كنا على مشارف مكة غفلت عن محمد ساعة فلم أجده، بحثنا عليه بين الركب فلم أجده، بحثنا حولنا فلم نجده حتى كادت أن تغيب الشمس، وأنا أصيح وأقول وامحمداه فقال أبوه: لنذهب إلى مكة، ونخبر جده بما حدث. رجعنا بهِ إلى مكة،
فلما دخلوا مكة، وجدوا عبد المطلب جالساً في حجر الكعبة فقلنا: لقد قدمنا بمحمد، ولكن أضللناه في مشارف مكة، ضاع منا فلا ندري أين هو، فوثب عبد المطلب على قدميه مفزوعاً، ثم وقف على باب الكعبة الملتَزَم، وذرف الدموع الغزيرة. ثم رفع يديه وقال: لاهما رُدّ لي محمداً، رده لي، ثم اتخذ عندي يداً. أنت الذي سميته محمداً، فسكت، ووضع أذنه على باب الكعبة، ثم قال: هااا، أين نجده؟فقلنا ما الأمر يا شيخ مكة؟ قال: عرفتُ أين محمد، فسمع الصوت نفسه يقول: بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فأسرع عبد المطلب وركب فرساً وركب خلفه ورقة بن نوفل وانطلقا وانتظرناهم عند البيت، لما وصل رآه يمسك بغصن شجرة يسحبه ويتركه، يسحبه ويتركه فقال عبد المطلب: من أنت يا غلام؟ قال: (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب شيخ مكة)فبكى عبد المطلب، وذرفت دموعه على خديه وقال: وأنا جدك يا حبيبي، فداك نفسي، ثم اقترب منه وحمله، وحضنه، وأخذ يقبّله، وأجلسه في مقدمة فرسه في حضنه، ثم رجع وهو يحمد الله، ثم نحر عشرون ناقة وعدداً من الغنم وأولم وليمة ودعا أهل مكة كلهم بفرحه برجوع محمد صلى الله عليه وسلم، قالت حليمة: ونمنا تلك الليلة في ضيافتهم وأكرمونا. فقالت آمنة: يا حليمة لِم تعجلتِ بعودة محمد ولمّا تنتهِ مدة كفالته؟كُنتِ حريصة على أن يمضي عندك عامين أو أكثر ولما يمضِ العامان بعد؟ قالت حليمة: قد أدّينا ما علينا وأحببت أن أرده إليكِ سالماً معافى، لأن الأم تشتاق لولدها! فضحكت آمنة وقالت: ما هذا شأنك أبداً، يا حليمة لن أدعك تتركي هذا المنزل حتى تخبريني خبر محمد، قلت سأحدثك: ولكن ما جرى ليس لنا به شأن، فحدثتها بكل ما جرى فهو خارج إرادتنا. ثم التفتت آمنة لمحمد وقالت: ما الذي جرى معك يا ولدي؟ فحدثها القصة كاملة صلى الله عليه وسلم. فضحكت آمنة وقالت: يا حليمة؛ وتخوفتِ عليه من الشياطين؟ قالت آمنة: يا حليمة؛ ألم أخبركِ خبر حملهِ وولادته، وإن لإبني هذا شأناً وأني لمّا حملت به قيل لي قد حملتِ بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتِه فسميه محمداً. يا حليمة: إن لإبني هذا شأناً لا سبيل للشياطين عليه أبداً، دعيه عنك وارجعي راشدة. قالت حليمة: فأكرموني أكثر ما يكرم قومٌ مرضعاً فرجعنا ونحن نفرح أن محمداً الذي ربيناه سيكون له شأن، أكثر من فرحتنا بالعطايا التي أعطونا إياها.
معلومة عن حليمة السعدية رضي الله عنها وأرضاها، فقد أسلمت هي وزوجها أبا كبشة وإبنها. قالت حليمة: فما رأيت محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا مرتين، بعد زواجه بخديجة رضي الله عنها، جئت أبارك زواجه، وشكوت إليه ضعف حالنا، فكلم خديجة رضي الله عنها فأعطتني عشرين ناقة وأعطتني خيراً كثيراً، ورأيته يوم حُنين حين ظفر بأعدائه، جلس يقسم غنائم حُنين فأقبلت إليه، فلما رآني وثب قائمً على قدميه وفتح ذراعيه مرّحباً وهو يقول: أمي أمي مرحبا بأمي، وافسح لي ثم خلع ردائه عن كتفيه ووضعه على الأرض وأجلسني عليه وأكرمني غاية الإكرام صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثالث
كفالته عند جده: كانت بركة الحبشية أم أيمن رضي الله عنها، من العبيد في مكة،يملكها أبو النبي، وانتقلت في الوراثة للنبي صلى الله عليه وسلم، بركة صحابية جليلة ،كانت من الأوائل من العبيد الذين أسلموا. فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وزوّجها، لزيد بن حارثة رضي الله عنه، أنجبت لزيد أسامة الصحابي الجليل رضي الله عنه، وكانت حاضنة للرسول صلى الله عليه وسلم، تقوم برعايته وخدمة أمه آمنة، وكانت تلازمهم دائماً. أصبحت آمنة ترى من إبنها خصال فيه تتعجب منها قالت آمنة: كان ينظر إلى السماء أكثر من نظره إلى الأرض، خلوته أكثر من جلوته، إذا وُضع الطعام لا يبدأ ويمد يده قبل أحد، ينتظر إذا قيل له كُل مدَّ يده وأكل،وهكذا ما زالت آمنة ترى خصائصه، وحتى أصبح في عمر السادسة. قالت بركة: قالت آمنة لعبد المطلب يوماً: ألا تأذن لنا يا شيخ مكة أن نذهب إلى يثرب فنزور أنا ومحمد قبر عبد الله وأعرّفه على قبر والده؟ قال: نعم، ولكن حتى أجد قوم آمن عليكم معهم أرسلتكم. قالت: فلمّا خرج قوم من أشراف مكة إلى يثرب، جهّزنا وأرسلنا معهم. حتى وصلوا يثرب، ذهبت القافلة تكمل تجارتها ونزلت آمنة والرسول صلى الله عليه وسلم وبركة ضيوفاً عند بني النجار أخواله، أخذت آمنة بيد إبنها محمد ووقفت عند قبر أبيه، وقالت له: يا بني هذا قبر والدك، فقال لها: لِمَ يا أمي لا يكلمنا فقالت: يا بني إنه قد مات، والذي يموت، لا يتكلم أبداً، ولا يرجع إلى أهله، يا بني هذا مكان جسده، ولكن لن نلتقي به أبداً، جلسوا في يثرب حوالي شهر، وكان يخرج صلى الله عليه وسلم، يلعب مع الصبيان من بني النجار وتعلم السباحة عندهم، كان يلعب كما يلعب الصبية، ولكن كان مميز بينهم بأدبه وأخلاقه، وكان اليهود منتشرين حول يثرب، فلفت انتبهاهم أمر غريب،كانوا يسمعون صراخ الأطفال وهم يلعبون، ها قد جاء محمد المكي، محمد القرشي ذهب، كأي أطفال يلعبون، ويعلو صوتهم، ومعروف في كتبهم، بهذه الأسماء من صفات نبي آخر الزمن؛ محمد المكي المدني القرشي. ولاحظ اليهود غمامة تظلهم وهم يلعبوا وإذا انفرد محمد لوحده، أصبحت الغمامة فوق رأسه، فأصبح أهل الكتاب ينتبهوا ويتابعوا أخبار هذا الصبي.
قالت بركة: كنت لا أفارقه بوصية من أمه،فرأيت أهل الكتاب، يترددون إليه كثيرا ويسألونها عنه كيف ينام؟كيف يأكل؟ ماذا يعمل؟ يسألوها عن أحواله، فجاء إليه حبران من اليهود فقالوا: ما إسمك يا غلام؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قالت:فأخذوا ينظروا في عينيه ورأسه وتفحصوه كثيراً ثم كشف أحدهم بين كتفيه فوضع يده على خاتم النبوة وقال: هو،هو، وربِ عيسى وموسى إنه هو، فقال الآخر: أأنت واثق مما تقول؟ قال: نعم وهذا خاتم النبوة بين كتفيه،ثم إنصرفوا، ثم رجعت به إلى أمه قالت: فلم ينتصف النهار حتى جاء رهط منهم إلينا، قالوا يا بركة: أخرجي لنا أحمد، قلت: ما عندنا أحمد، قالوا: هذا الذي تقولون عنه محمد فقلت: إسمه محمد وليس أحمد قالوا: محمد أو أحمد شيء واحد، أخرجي لنا محمد، فقلت: إنه نائم، ولم أخرجه لهم وأخبرت أمه بالأمر وبما أسمع من أهل الكتاب فأخبَرت آمنة أخواله من بني النجار، فخافوا عليه من اليهود وسمحوا لها أن ترجع إلى مكة وكان في قافلة راجعة لمكة ركبت معهم، وفي الطريق عصفت الريح والرمال،فتوقفت القافلة أيام وأصاب آمنة المرض وأخرت القافلة، فإستأذنوا الناس بالقافلة بالرحيل وتركوا معها بعض الناس يرعوها وكان مرضها في قرية يقال لها الأبواء.
مرض امه ووفاتها: قالت بركة: فمكثنا أيام نعالج مرضها، وذات ليلة أخذ المرض يشتد بها أكثر وأكثر فعلمت آمنه أنها ستموت فقالت: يا بركة قربي مني محمدا، فقربته، فوضعت يدها على رأسه تتلمسه وهي تنظر إليه وتقول:
(بـارك فيك الله مـن غلام ؛؛ يا إبن الذي من حومة الحمام
نجا بعـون الملك المنعـام ؛؛فُودي غداة الضرب بالسهام
بمائـة مـن إبـل سـوام ؛؛ إن صح ما أبصرت في منامي
فأنـت مبعوث إلى الأنـام ؛؛ من عند ذي الجلال والإكرام)
وهي تنظر إلى أبنها وكأنها تودعه ثم قالت: يا بركة لا تغفلي عن محمد، فإن أهل الكتاب يعتقدون أنه نبي مبعوث، وإن ألد أعدائه يهود فأنا لا آمنهم عليه فلا تجعليه يغيب عن ناظرك ثم قالت: يا بني، كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكري باقي وقد تركت خيراً وولدت طهراً، ثم ماتت ويدها على النبي صلى الله عليه وسلم، قالت بركة: وأخذ محمد يكلمها فلا ترد عليه، وعلمت أنها ماتت فأغمضت عينيها وضممت يدها إلى صدرها، وحاولت أن أبعده عنها ولكنه تمسك بها وهو يقول وينادي: أمي أمي ثم نظر إليّ وقال: لما لا ترد أمي عليّ، فأضررت أن أقول له لقد ماتت يا بني، فذرف دمعاً غزيراً وهو متعلق بها، فحاولت أن أبعده عنها فقال القوم الذين معي: دعيه يا بركة بجانب أمه، فبقي طوال الليل بجانبها لم ينم، يضمها ويبكي لا نسمع إلا بكائه وتنهده. فكنت اتي إليه، كي أُدير وجهه عن أمه، من شدة البكاء،كي لا يراها، فلما كان النهار شققنا لها قبر في الرمال، واخذنا نحفر وهو يحفر معنا ويبكي، فلما هممنا بدفنها،تعلق بها وأصر أن ينزل معها في حفرتها ولما أتعبنا قال القوم: لا بأس أنزلوه في حفرتها قليلاً، فنزل وتمدد بجانبها بالحفرة وضمها إليه وهو يبكي، ثم أخرجوه من الحفرة ووضعوا عليها الرمال وأخذت ام ايمن يده لتذهب فقال لها: نأخذ امي معنا، حتى اذا وصلت مكة توجهت الى بيت جده فطرقت الباب فإذا عبد المطلب يفتح الباب ثم نظر للصبي، وقال: أين أمك يا محمد؟ فبكى واخذ يردد ماتت، ماتت. بعد عودتنا الى مكه قالت بركة: احتضن الصبي، وبكى، ثم أخذنا وأسكننا في داره وقال: يا بركة لا تدعي محمد يغيب عن نظرك ليلاً ولا نهاراً فإني لا آمن عليه أهل الكتاب، قال العباس رضي الله عنه: فَرَقَّ له رقة لم نعهدها من قبل، وصب به صبابة لم يصبها بولد من أبنائه. أصبح عند جده عبد المطلب كل شيء بحياته تعلق فيه كثيراً، فكان إذا وضع الطعام لا يقربه إلا إذا جاء محمد ووضعه في حجره وأعطاه أفضل طعامه. قال العباس رضي الله عنه: كان لعبد المطلب سيد مكة فِراش في حجر الكعبة يجلس عليه ولا يجلس عليه غيره حتى حرب بن أمية ومن دونه، يجلسون على الأرض حول الفراش وعبد المطلب يجلس على الفراش فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام يافع فيجلس عليه، فيذهب أعمامه يبعدونه،فيقول عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف، وأرجو من الله أن يبلغ من الشرف مالم يبلغه عربي قبله ولا بعده، ثم يجلس عبد المطلب ويجلسه على يمينه يمسح على ظهره ورأسه ويقول: إن لإبني هذا شأن فاعرفوه يا أبنائي،
شهادة اسقف نجران: قال العباس رضي الله عنه: كان عبد المطلب جالس يوم في حجر الكعبة وعنده ضيف وهو أسقف نجران من أهل اليمن، فقال لعبد المطلب: إنا نجد في كتبنا صفة نبي من ولد إسماعيل، في هذا البلد مولده وإن من صفاته كذا وكذا، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمره(ثماني سنين) دخل على جده، فنظر الأسقف إليه فقام وأخذ يتفحصه وينظر إلى عيونه وظهره وقدميه، قال له عبد المطلب: ما الأمر؟ فقال: هو ذا، هو ذا، يا شيخ مكة قال عبد المطلب: ما هو؟ قال: هو ذا الذي أحدثك عنه نبي هذه الأمة يا عبد المطلب: من يكون هذا الغلام قال: هذا إبني قال الأسقف: لا؛ إنه يولد يتيماً. فقال عبد المطلب: نعم إنه ابن ابني عبد الله قال: ما فعل أبوه؟ فقال له: مات وأمه حبلة به قال الأسقف: الآن أنت صدقتني، إنا نجد في كتبنا أنه يولد يتيماً ويموت أبوه وهو في بطن أمه. يا عبد المطلب هل تضاعف يتمه؟ ألم يفقد أمه؟ قال: بلى ماتت أمه وهو الآن في حضانتي فقال: أنظر يا عبد المطلب إلى قدم هذا الصبي، ثم أنظر إلى قدم جدكم إبراهيم التي في المقام, فهل تجد قدم أشبه بها من قدم هذا الصبي؟ قالوا: فنظرنا فوجدناها تشبهها، مع فارق الحجم فنظر عبد المطلب إلى أولاده وهم واقفين وقال: يا أبنائي تحفظوا على ابن أخيكم محمداً ألا تسمعون ما يقال فيه؟ فقال الأسقف: إني أوصيك يا عبد المطلب أن تحذر عليه يهود.
وفاة جده: قالت بركة: غفلت عنه يوماً واذا بعبد المطلب عند رأسي يصرخ بي بأعلى صوته يا بركة ألم أقل لك لا تغفلي عن محمد؟ قلت: هو ذا يلعب عندي، قال: أين هو؟ أتعلمي أين وجدته؟ وجدته عند الصبية عند السدرة، ألم أقل لك أني لا آمن عليه يهود؟ لا تجعليه يا بركة يغيب عن نظرك، مرض عبد المطلب، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بقى جالساً عند سريره لا يفارقه شعر شيخ مكة عبد المطلب بدنو الأجل، فأرسل لأولاده وبناته الستة، ووقفوا حول سريره تسعة رجال ومحمد صلى الله عليه وسلم واقف عند رأسه، ثم نظر إليهم وبكى بكاءً مُراً ، فقال له أبو طالب: ما هذا الخوف يا شيخ مكة ما عهدناك كذلك؟ قال: يا بني إني لا أخاف الموت فإن الموت مصير كل حي، لقد مات إبراهيم وإسماعيل وهما عند الله خير مني ولكن الذي يحزنني ويؤلم قلبي هذا اليتيم، إني أوقن أن له شأن وأنّا كل أهل الكتاب رأيتهم يجمعون أنه نبي منتظر ليتني أدرك ذلك الزمن. فقال أبو طالب: لا تحزن نحن نعاهد الله ونعاهدك أن يكون محمداً أحب إلينا من أولادنا وأنفسنا، فوكّل عبد المطلب كفالة محمد إلى أبو طالب، ومازال عبد المطلب حي على سريره، ثم نظر عبد المطلب إلى اليتيم الذي تعلق فيه كثيراً، الذي كان يبلغ من العمر 8 سنين ووضع يده على رأسه ومسح عليه وهو ينظر إليه ثم خرجت روحه ويده على رأسه وعينيه تنظر إليه. قالت بركة: فبكى بكاءً مُراً، وأنا أنظر إليه يقف عند سرير جده يصب دمعاً غزيراً فما إستطعنا أن نبعده عنه. ثم دفن في الحجون.
انتقال كفالته الى عمه أبو طالب: (اسمه عبد مناف ملقب أبا طالب)، كان قليل المال، وصاحب شرف في قومه، وكرم نفس، وقد حرم الخمر على نفسه، وكان محبوباً للجميع، فورث الزعامة واصبح شيخ مكة. وانتقل صلى الله عليه وسلم، الى دار عمه ابو طالب، وعاش بينهم كأنه واحد من أولاده، وكان يعزه، أكثر من أولاده، لا يقبل أن ينام إلا أن ينام النبي صلى الله عليه وسلم بجانبه، ويفضله على جميع أولاده، قالت بركة(أم أيمن): كان إذا وضع الطعام إنتشلت الصبية الطعام إنتشال حرصاً على الشبع، وكانوا إذا شربوا لبنا من القعب، شربوه بسرعة ولم يشبعوا لأن اللبن قليل، وما كانوا يشربوه دائماً، وكان أبو طالب يؤثر الحجيج وزوار البيت على أولاده، فلما كان صلى الله عليه وسلم يأكل معهم يشبعوا جميعاً، ويزيد فضلة من الطعام وإذا أكلوا ولم يكن موجود معهم لم يشبعوا ولم يكفيهم الطعام،لاحظ أبو طالب هذا الشيء، فأصبح يضع الطعام فطور وغداء وعشاء،ثم يقول لأولاده، مكانكم لا تأكلوا حتى يمد محمد يده، لأنه كان صلى عليه وسلم، لا يمد يده قبل أحد، فإذا بدأ وأكل شبعوا جميعاً وزاد من الطعام،ويحضر ابو طالب، القعب من اللبن، ويعطيه لمحمد اولا يقول له: أشرب يا بني،فيقول له صلى الله عليه وسلم: بل أنت يا عم فيقول له أبو طالب: لا أنت أولاً، إنك نسمة مباركة، فإذا بدأ بالشرب، شربوا جميعاً وشبعوا، وبقي من اللبن زيادة، وإذا شربوا قبله لا يشبعوا فكان يقول أبو طالب: إن محمداً صبي مبارك. تقول(ام ايمن) بركة: كان يصبح الصبية كعادتهم شعثاً رمصاً، وكان محمد صلى الله عليه وسلم من دون كل الصبية، يصبح كحيلاً دهيناً طيب الرائحة كأنما الدهن على رأسه. وما زلنا نلتمس من بركاته صلى الله عليه وسلم كلما تقدم بالعمر، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم في كفالة عمه إلى أن بلغ الرجولة، ولم ينفصل إلا بعد زواجه بالسيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، وسنه 25 سنة.
عمله في رعي الغنم: (قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: كنا نرعى الأغنام خارج مكة، فإذا كان الليل أتينا أطراف مكة ورجعنا بالأغنام ثم نسرح بها في اليوم الثاني فسمعنا يوماً عزفا، فقال صاحب لي: يا محمد اعتني أنت بغنمي حتى أسمر مع من يسمرون، وسمعنا عزفاً على الغرابيل، وجاء يحدثنا سمعت وسمعت وكان عرساً لأحد أبناء مكة، فتشوقت للذهاب وأنا شاب في السادسة عشرة من عمري فقلت له: في الليلة الثانية اعتني أنت بأغنامي لعلي اذهب إلى مكة واسمر كما سمرت، فذهبت حتى إذا كنت عند أطراف مكة بمكان أكاد أسمع منه الصوت، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس فلما رجعت قال لي صاحبي: ماذا صنعت، قلت: لا شيء ضرب الله على أذني فنمت قبل أن أصل قال: لا عليك لعلك كنت متعب، فلما كانت الليلة الثانية فذهبت فلما وصلت إلى نفس المكان، ضرب الله على أذني فنمت في مكاني ولم أصل إليهم، فلما رأيت ذلك علمت أن الله لا يحبه لي، فلم أرجع إليه أبداً). ومازال صلى الله عليه وسلم يرعى الأغنام ويعمل بها، وينشأ النشأة الصالحة من مكارم الأخلاق حتى بلغ من العمر(25 سنة) إلى أن بعثه الله سبحانه وتعالى.
استسقاء قريش به: استسقاء قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم: قال أبو طالب فيها أبيات شعر تجاوزت المئة بيت، والابيات مشهورة من بعضها(وأبيض يستسقى الغمام بوجهه // ثمال اليتامى عصمة الأرامل). روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت إلى مكة وقريش في قحط فسمعت قائلاً منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزة وقائل يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى من أجل الاستسقاء، فقال شيخٌ وسيمٌ حسنُ الوجهِ: أنّى تؤفكون وفيكم بقية ابراهيم وسلالة اسماعيل فقالوا له: كأنك تقصد أبا طالب؟ قال: نعم، فقاموا بأجمعهم إلى بيته، فدقوا عليه باب بيته، فخرج عليهم رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثأروا إليه، قالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال فاستسق لنا كما كان يفعل أبوك. قال: فخرج أبو طالب ومعه غلام وكان كأنه شمس دجنة تجلت عليها سحابة قتماء، وكان ابو طالب حوله أغلمة، فأخذه من دونهم، فطاف به في البيت سبعا ثم ألصق ظهر الغلام بالكعبة ولاذ بأُضْبُعِي الغلام فأخذ أبو طالب يدعوا، وأخذ الغلام يحرك أصبعيه، فأقبل السحاب من ها هنا، وها هنا، وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب له النادي والبادي. وسقى الله عز وجل قريش، ببركة حبيبه صلى الله عليه وسلم.
رحلته في التجارة مع عمه: جزء من قصة الراهب بحيرا: فلما اجتمعوا يوم السفر، كان أبو طالب على رأس هذه القافلة، فوقف يودع أهله. قال العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم : بدأ بالنبي (فعانقه صلى الله عليه وسلم، وتعلق بعنقه، وتمسك فيه وصب دمعاً غزيراً قال:يا عم لمن تتركني في مكة؟) فقال له: لقد أصبحت رجلاً يا محمد، قال:(ولكن لا أحب أن أفارقك، وأحب أن أرحل معك وأتعلم التجارة)، قال العباس: فرق له أبو طالب وقال له: لا والله لن أدعك لأحد وإني عند عهدي لعبد المطلب، ستذهب معي يا محمد، فودع الاهل وأركب محمدا أمامه على البعير وانطلق به قال العباس: فو الله الذي لا إله إلا هو، ما أن خرجت القافلة من أرض الحرم والموسم صيفا حتى رأينا غمامة جاءت من بعيد وأظلت البعير الذي يركبه أبو طالب ومحمد، إذا مشى تمشي الغمامة معه، وإذا توقف توقفت فوقه، فعلمت قريش أن هذه الغمامة تظل محمد، وحتى إذا دخلوا الى بصرى الشام (بصيرة جنوب الاردن) وكان هناك راهب من النصارى إسمه جورج ولقبه بحيرا، وعنده علم الكتاب الحق، فمرت القافلة التي تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم من جانب صومعته ،فكان يجلس فيها ويراقب القوافل، فلما قدمت قافلة مكة، نظر بحيرا فرأى قافلة قريش فوقها غمامة، تمشي إذا مشوا، وتقف إذا وقفوا، تذكر بحيرا ما كان يقرائه عندهم(أحمد المظلل بالغمام نبي آخر الزمان)ورأى الشجر كل ما مرت القافلة من عنده يسجد، تتدلى أغصانها إلى الأرض اي تهبط، كأنها تقول: مرحباً بك يا نبي الله، مرحباً بك يا حبيب الله، مرحباً يا خير خلق الله،(صلى الله عليه وسلم).
الجزء الثاني من قصة بحيرا: فنزل مسرعاً يسلم عليهم ويستكشف فقال: من شيخ القوم فيكم؟ قالوا: أبا طالب فقال: يا أبا طالب يا سيد قومه، قد صنعت لكم الطعام وأريد أن تحضروا جميعاً، ولا يتخلف منكم احد قالوا: يا بحيرا إن لك شأن في هذا اليوم، لقد مررنا بك أعواماً فما عهدناك تقري ضيفاً أو عابر سبيل، قال: أنتم أهل الحرم وأحببت أن أكرمكم، فأجيبوا دعوتي فقال أبو طالب: قد أجبنا جهز طعامك، جلسوا واستراحوا تحت شجرة الى أن حان وقت الضيافة، فقاموا جميعاً،(فقال النبي: اعذروني سأبقى عند الركب). ولما دخلوا صار بحيرا يتفحصهم فلم يرى أحداً منهم ينطبق عليه وصف نبي آخر الزمن، فقال:يا أبا طالب أقسمت عليكم بربكم أن لا يتخلف أحد عن وليمتي هذه قال له: لم يتخلف منا أحد إلا غلام صغير لم يبلغ مبالغ الرجال بقي عند الركب فقال: أحلفك بربك أن يأتي هذا الغلام، قال: قم يا زبير فأحضر إبن أخيك،(فقام صلى الله عليه وسلم) وبحيرا كان واقف ينظر ويراقب فلما(تحرّك النبي صلى الله عليه وسلم تحركت الغمامة فوقه وإذا بها تظله حتى إذا دخل وجلس بجانب عمه) ثم وضع بحيرى الطعام.
وبعد رجوعه لمكة روى لهم قال: جلس محمد وبحيرا لا يرفع نظره عنه يراقبه في كل حركة في أكله وشربه في جلوسه في قيامه حتى إذا انتهى القوم من الطعام وقاموا لغسل أيديهم، إقترب بحيرا من محمد، فدنوت منه كي أسمع ما يقول بحيرا لإبن أخي قال: يا غلام إني أسألك باللات والعزة فأصدقني بالإجابة؟ (فغضب محمد وقال له: لا تسألني باللات والعزة، فما كرهت شيئاً ككرهي لهما)، قال: إنما سألتك بهما لأنهما آلهة قومك(فقال: آلهة قومي وليست آلهتي) قال: إذاً هل أسألك بالذي خلق السموات والأرض؟ قال:(نعم إسأل ما بدا لك) قال: أسألك بالذي خلق السموات والأرض، إلا ما صدقتني بكل ما تجيب فقال:(ماعرفت الكذب قط، ودونك قومي فسألهم)، فسأله كيف ينام وكيف يرى الرؤيا؟ فقال:(ما رأيت رؤيا إلا جاءت في اليوم الثاني كفلق الصبح)، وكيف يلعب مع الصبية وعن تدبره وتفكره وعن معتقاداته، ومحمد يجيبه، ثم قال: ما هذا منك يا أبا طالب؟ فقلت: هذا إبني قال لا: أنت سيد قومك فأصدقني، ما ينبغي أن يكون أباه حياً، وهذا الغلام لا يجتمع بأبيه ولا بيوم واحد، فقلت: وما علمكم بهذا؟ ما شأنكم يا أهل الكتاب، ما رأه أحد إلا يقول لا أب له، يولد بلا أب، فقلت هذا إبن أخي، فقال: وماذا فعل أبوه؟ قلت: هلك وأمه حبله به فقال بحيرا: الآن صدقتني، إننا نجد وصفه في كتبنا يولد يتيماً، ثم ماذا فعلت أمه؟ قلت: ماتت وهو إبن ست سنين، قال: هو ذا يا أبا طالب، هو ذا، ثم قال بحيرا: هل تسمح لي أن أنظر إلى إبن أخيك؟ قلت: ها أنت تنظر إليه، قال: لا ليس هذا ثم رفع قميص النبي ووضع يده بين كتفيه فوجد خاتم النبوة، فصاح بأعلى صوته، قدوس قدوس سبووح سبووح رب الملائكة والروح، وربِ موسى وعيسى، إنه المنتظر.ثم أمسك بحيرا برأس النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يقبّل رأسه، فقال: يا أبا طالب أعزيز عليك إبن اخيك قالت: هو أعز عليّ من نفسي قال: فاسمع مني وارجع به إلى أرض الحرم وإياك أن تدخل به أرض الشام. فقلت: لماذا؟ قال: لقد بقي نبياً يبعثه الله إلى هذه الأمة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وربِ موسى وعيسى، إن إبن أخيك هذا خاتم الأنبياء والمرسلين، وانظر وكشف عن القميص وقال: هذا خاتم النبوة بين كتفيه، وربِ موسى وعيسى لإن رأه يهود، ليكيدوا له الشر فإن ألد أعدائه يهوود، وتعجلت الرجعة للحرم.
الفصل الرابع
عمله صلى الله عليه وسلم بالتجاره وزواجه من امنا خديجه:
أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. هي بنت خويلد الأسدية، يلتقي نسبها بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع جده الخامس قصي بن كلاب. كانت إمرأة فاضلة حازمة وشريفة،وعندها أموال كثيرة كانت لا تخرج مع رجال مكة في رحلة الشتاء والصيف للتجارة بل كانت تستأجر الرجال في تجارتها، وكانت أموالها تعادل أموال تجار قريش جميعاً، كان نصف التجارة لقريش ونصفها لخديجة وكانت تعطي الرجل الذي تستأجره لتجارتها سهم، فلما إستعدت قافلة قريش لرحلة الصيف، فأخذت تفكر من تختار في تجارتها لهذا العام، وكان قد إنتشر خبر عن الرجل الصادق الأمين، ومناقبه وجمال أخلاقه صلى الله عليه وسلم، قريش كلها أندهشت، بصدقه وخُلقه الرفيع، فلم يرى أحد منه ولو كذبة واحده، ولا أخلف موعد، ولم يروا منه همزة، ولا لمزة، ولا غمزة. فأخذت خديجة تستشير من حولها، لو أني عرضت تجارتي على محمد بن عبدالله فهل يقبل. قالوا لها: إلى اليمن نعم، أما إلى الشام فإن عمه أبا يخشى عليه الذهاب إلى الشام، لأن الأحبار أُخبروه أن اليهود يكيدون له. أرسلت خديجة شخص يعرض عليه الامر، فلما سمع صلى الله عليه وسلم أن خديجة تريده أن يخرج في تجارتها إلى الشام، إن كان له رغبة في ذلك؟ عرض الموضوع على عمه فقال له: إن كنت لا أحب لك الشام وأخشى عليك من اليهود، ولكن رزقٌ ساقهُ الله إليك، فلا ينبغي أن أمنعك إذهب يا بني على بركة الله ولكن إصطحب معك خيار القوم، ولا تبتعد عنهم وأسرع في تجارتك وربُ البرية يحفظك يا بني. فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر لخديجة بالقبول، ففرحت. وأرسلت معه خادمها ميسرة وأوصته أن يكون خادم لهذا السيد الأمين في هذه الرحلة، ويراقب لها تصرفاته في كل أحواله حتى إذا رجع يخبرها عن جميع أحواله وأخلاقه. فلما تحرك الركب من ساحة الحرم، حتى شهدوا أن غمامة إقتربت من السماء، وأظلت البعير الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم، وتعجب الناس، فعندما خرج مع عمه أبو طالب، وهو غلام عمره ١٢ عام ، فظنوا أنها تكريم السماء له لأنه يتيم والآن قد بلغ من العمر ٢٥ عام ، فما سر الغمامة التي تظل محمدا” عن غيره؟ وفي الطريق تفاجأ ميسرة، فلقد خرج ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يخدمه ويعطف عليه ويعامله كالأخ، ومضوا في طريقهم نحو الشام
تجارته للشام: خرج ميسرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، يرافقه ليخدمه، ورأى من خصاله وصفاته الشيء الكثير، فحفظ كل شيء رآه، ليخبر السيدة خديجة، قال ميسرة: إقتربنا من أرض الشام، جلسنا نستريح في ظل شجرة، جاءنا راهب وقال: من الذي بالقافلة؟ فقلت: رجال من قريش، قال: كنت أنظر إليكم من بعيد رأيت غمامة تظل الركب ما رأيتها من قبل، تمشي إذا مشيتم وتقف إذا وقفتم، فمن موجود بالركب من الأشراف؟ فقلت: محمد بن عبدالله، هو من الاشراف وهو الذي يتاجر لخديجة في هذا العام فقال الراهب نسطور: هل تدلني عليه؟ قلت: ولكن ماذا تريد منه؟ قال: أحب أن أراه فأقترب وسلم عليه، وصار ينظر لمحمد ويتمعن فيه ثم قال: هل تسمح لي بكلمة، فأخذني الى جنب وقال: هذه الحمرة التي في عيني صاحبك هل ظهرت له بالسفر؟ قلت: لا هي ملازمة له منذ أن ولد إلى أيامنا هذه، قال: هل ولد صاحبك يتيماً؟ قالت: أجل قال: وماذا صنعت أمه؟ قالت: ماتت وعمره ست سنين قال: هل يقسم صاحبك باللات والعزة؟ قالت: إنه يكرههما كرهاً شديداً وإذا استحلفته بهما لم يسمع إليك فقال:احفظ عني ما أقول، ورب السماوات والأرضين، وربِ موسى وعيسى، إنا لننتظر نبي يُختم به الأديان ورسالات السماء الذي بشر به موسى وعيسى وإنه هو هذا، صاحبك الذي معك نجد إسمه عندنا أحمد، يا ميسرة: ما معنى إسم محمد في لغتكم؟ قلت: إسم محمد هو الذي لا أحد يذمه أبداً قال: هو ذا أحمد ينطبق بنفس المعنى، قال: إحرص على خدمته وإذا قال لكم: إني رسول الله إياك أن تكذبه، ولا تخبر أحد من القوم بما قلته لك، فإن له أعداء، واحرص عليه من يهود لا تجعله يخلوا بأحد منهم أبداً.
قال ميسرة: فوعيت ذلك كله وكتمت الأمر حتى أُخبر خديجة قال ميسرة: واتجهنا إلى السوق فأقبل إليه راهب، فاشترى من محمد ثم أخذ يجادل محمد يقول له: لا ليس هكذا إتفقنا، فلما احتدَّ النقاش، قال له الراهب: إحلف باللات والعزة أن القول قولك، فقال له صلى الله عليه وسلم:(ما كرهت شيئاً ككرهي للات والعزة، لا تستحلفني بهما وخذ بضاعتك والقول قولك) فلما رأى الراهب هذا قال له: من أنت أيها الرجل؟ قال: محمد بن عبدالله بن عبد المطلب،) ثم أكمل صلى الله عليه وسلم بيعه للناس، فالراهب ذهب لميسرة، قال الراهب: يا ميسرة من هذا منكم قلت: سيدنا وابن سيدنا، قال: يا ميسرة إحرص على صاحبك فإنه خاتم الأنبياء والمرسلين يا ميسرة القول قوله، وهو صادق ولكن أردت أن أستوثق منه بعض الأشياء فأصطنعت هذا الذي رأيته بيني وبينه حتى أستحلفه باللات والعزة قلت: وكيف عرفت أنه نبي آخر الزمن قال الراهب: كنت جالس في الصومعة ورأيت عير قريش إقتربت من بعيد ، والغمامة تظله من بين كل الناس وهذه الغمامة لا تظل أحد من الخلق إلا نبي. قال ميسرة: فوعيت ذلك كله. وعدنا إلى مكة وكان ربحه أضعافاً، فلما إقتربنا من مكة، قلت لمحمد: ألا تسبق الركب يا محمد وتبشر خديجة بهذا الربح؟ لعلها يا محمد تضاعف لك العطاء، فقال صلى الله عليه وسلم:(ما خرجت من أجل المضاعفة لقد إتفقنا وانتهى، ولن أفارق العير حتى أدخل بها مكة) قال ميسرة: وهنا زادت عندي خصلة من خصاله الكريمة أنه لا يطمع بالمال.
رغبة زواج امنا خديجة منه: قال ميسرة: وصلنا الى مشارف مكة، كانت امنا خديجة تجلس على شرفة منزلها تنظر وتراقب قدوم القافلة، قالت أمنا خديجة رضي الله عنها وارضاها: فرأيت غمامة تظل الركب فلما ذهب الناس، ميمنة وميسرة، وبقي محمد وبقيت الغمامة فوقه حتى وصل صلى الله عليه وسلم، فانصرفتِ الغمامة من فوق رأسه، وقد علمت بالربح الذي ربح، فقلت له: يا محمد لقد اتجر لي قريشٌ كثيرا، ما ربحت ربحاً كما ربحته أنت في هذا العام على يدك ووجهك، قال لها صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله) ولم ينسب الفضل لنفسه، فلما ذهب جلس ميسرة يحدثها بالذي حدث معهم في الطريق، وأخبار الرهبان، وأخلاقه العظيمة، هنا رجعت بذاكرتها للوراء لقصة حدثت معها منذ زمن بعيد،كان هناك صنم، تجتمع حوله نساء قريش يغنين ويرقصن فكنا في يوم مجتمعات نغني ونرقص فقدم إليهنا حبر من يهود، وقال: يا معشر نساء قريش يوشك أن يُبعثَ في أيامكن هذه نبي آخر الزمن، فمن استطاعت منكن أن تكون فراشاً له فلتفعل، فإن هذه أيامه، فحصبنه بالحصباء. هذا الرجل من أهل الكتاب ويتكلم بعلم، ويوصي أن نبي آخر الزمن هذا وقته ويوصي من استطاعت أن يكون زوجها فلتفعل، فأحتفظت رضي الله عنها الكلام،
فلما أخبرها ميسرة بما رأى وسمع، كان أملها أن يكون النبي المنتظر. قالت: ذهبت إلى إبن عمٍ لي يقال له: ورقة بن نوفل وهو رجل من أشراف العرب، كان قد سئم من أصنام قريش، فأخذ يبحث عن دين إبراهيم فما استطاع أن يجد شي يفهم منه دين ابراهيم عليه السلام، فذهب يستفسر عند أهل الكتاب وقرأ الكتب واعتنق النصرانية بعدها تعمق بالنصرانية وترهبن وأخذ يدرس كتبهم وأصبح عنده علم بنبي آخر الزمن، وانه سيكون من أرض الحرم، وأنه من ولد اسماعيل عليه السلام فلما حدثته خديجة قالت: يا ابن عمِّ لقد درستَ الكتاب وتعلمتَ فأسمع ماذا أخبرني ميسرة في رحلته مع محمد بن عبدالله قال لي: كذا وكذا وكذا، فأخبرته بكل ماحدث قال يا خديجة: إني أعلم أن هذا وقت نبي آخر الزمان وإني لست غافلاً عن محمد بن عبدالله وأنا أراقبه من سنوات طويلة منذ فداء أبيه بمئة من الإبل وأخذ ورقة بن نوفل يروي لخديجة المواقف التي مرت عليه، ولما كان مع جده عبد المطلب، لما ضاع من حليمة، وسمع جده هاتف من داخل الكعبة(لا تخافوا على محمد فإن له رب يحميه) وكل الأحداث التي مرت عليه ثم قال ورقة: الآن يا خديجة، لا نستطيع أن نتكلم بهذا الأمر، إنما نحن الآن نراقب، وهذا أمر السماء لا نستطيع أن نحكم به، ونجزم قالت له خديجة: يا ابن عم هل ترى خيراً إن عرضت نفسي عليه فيتزوجني محمد؟قال خيراً تصنعين فإن كان محمد هو النبي المنتظر كنتِ أنتِ أشرف نساء الدنيا والآخرة فلا تترددي يا خديجة.
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها: أرسلت خديجة رجلاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد ما يمنعك من الزواج؟ قال: (لا أجد ما أتزوج به) فقال له: إذا دعيت إلى الشرف والجمال والحسب، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأين ذلك؟) قال: خديجة بنت خويلد لقد دعاها سادة قريش ووجهائها من مكة فأمتنعت عن الزواج ورفضت كل سادات قريش. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن كُفيتُ هذا فنعم الزواج)، وصل الخبر لخديجة بموافقته ففرحت وتهلل وجهها بالسعادة فقالت: أخبر محمداً أن يُحضِرَ أعمامه وسأحضر عمي، فلما حضروا قام أبو طالب وخطب وقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرعِ إسماعيل وجعل لنا بلداً حراماً وبيتاً محجوجاً وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي لا يُوزنُ به فتىً من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً وكرماً وعقلاً وإن كان في المال قِل، فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وقد خطب كريمتكم خديجة رغبةً، ولها في مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ، فقام عمها عمرو بن أسد وقال : محمد هو الفحل الذي لا يُقدع أنفه، اي موافقين بكل فخر، وعمل أبو طالب وليمة ودعى الناس إليها وقدّم عشرين ناقة صداق لها وتم الزواج.
أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم من أم المؤمنين خديجة، رضي الله عنها، إلا ولده ابراهيم من مارية القبطية رضي الله عنها، وخديجة هي أول من أسلم من النساء وكانت سنداً له ومعيناً وتوفيت رضي الله عنها وأرضاها قبل أن تفرض الصلاة وبعد الخروج من شعب أبي طالب بأيام، وكانت تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على ملة إبراهيم عليه السلام ركعتين أول النهار، وركعتين آخر النهار، (وجاء جبريل إلى بيت النبي يوماً وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أقرِئ سلامه لخديجة، وبشرها بأن لها عنده بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) خديجة بنت خويلد، التي ما نسيها النبي صلى الله عليه وسلم أبداً لما تزوجها صلى الله عليه وسلم، تزوجها في مجتمع يكره البنات، حتى أنهم كانوا يدفنونهن بالتراب وهن أحياء، قال تعالى:{وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون}، ويقدر الله أن تنجب خديجة رضي الله عنها أربع بنات على التوالي لا يفصل بينهن ذكر واحد، الاولى (زينب رضي الله عنها) ففرح بها النبي صلى الله عليه وسلم وذبح لها وصنع لها وليمة وأطعم الناس فتعجبت قريش كلها يذبح لبنت ويفرح، والثانية (رقية رضي الله عنها) فضاعف الرسول الذبح بدل الكبش إثنين ، وصنع لها وليمة واطعم الناس، والثالثة (أم كلثوم رضي الله عنها) فضاعف لها الذبح الى ثلاثة، وصنع لها وليمة واطعم الناس. والرابعة (فاطمة رضي الله عنها) وقبل أن تلدها حدث حدث كبير في قريش، وهو تجديد بناء الكعبة، وذلك قبل نزول الوحي بخمس سنين.
===
الباب الثاني
الفصل الاول:
تجديد بناء الكعبه: امرأة من قريش، بيدها مبخرة وهي تطوف وتبخر الكعبة طارت شرارة من الجمر، فاشتعلت واحترقت كسوة الكعبة، وسقفها وعمدانها من الداخل، وبقيت الجدران لأنها من الحجارة، فتصدع وضعف بالبناء، فلما انتهوا من مسألة الحريق، وبعد شهر وكان موسم شتاء، فجاءت الأمطار وتشكلت السيول وتدفقت للكعبة، لأنها تقع في وادي، قال تعالى:{بوادي غير ذي زرع} فنزلت من جميع جبال مكة حتى دخل السيل لداخل الكعبة فتصدعت وبدأت تنهار وقد تساقطت بعض الحجارة منها، فصار أهل مكة يخافون الطواف حولها، وكان للكعبة بابان، الباب الحالي، والثاني مقابله عند الركن اليماني، فدخل فيها لِص من خزاعة ليسرق كنز الكعبة فسقط في بئر كنزها ولم يستطع الخروج وأخذ يصرخ على الناس حتى سمعوه وأخرجوه من البئر. فأجمعوا على تجديد بنائها ورفع بابها ولغي الباب الثاني حتى لا يُسرق كنز الكعبة مرة ثانية.كان بناؤها حجارة فوق بعضها البعض، فخافوا من هدمها وتذكروا عام الفيل، وحادثة أبرهة وجيشه وماذا حدث لهم لما أرادوا ان يمسوا البيت العتيق بسوء فخافوا من الاقتراب منها.
هيأ الله لهم الأسباب، سمعوا أن هناك سفينة أرسلها قيصر الروم، وكان فيها نجار محترف، وقد تحطمت على الساحل، وسقطت كل امتعتها، فخرجوا مسرعين حتى إلتقوا بهذا النجار. فحدثوه بالموضوع فقال: السفينة تحطمت ومن الصعب أن أكمل المشوار وهذا عذري عند قيصر الروم، قالوا نشتري منك هذه الأخشاب واتفقوا معه ورجعوا، فقاموا يعبروا عن فرحتهم ، وعرفوا أن الله يريد تجديد بناء الكعبة، فقسموا الكعبة أجزاء، الجدار الذي فيه باب الكعبة اخذته قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد مناف، والجدار الذي فيه حِجر إسماعيل أخذته قبيلة بني عبد الدار، والجدار الذين بين الركن اليماني والحجر الأسود أخذته قبيلة بني مخزوم، والجدار الرابع أخذوه باقي عشائر قريش. فأنزلوا حجارة جدران الكعبة على الأرض، حتى وصلوا لقواعد البيت، وأزالوا الغبار عنها فوجدوها، حجاره خضراء كالربيع تماما واشكلها كأسنمه البخت يعني وما كانت سوداء مثل حجاره الكعبه وهي تنسب لسيدنا إبراهيم عليه السلام لرفع بناء الكعبة عليها. قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}.
قواعد البيت موجودة قبل سيدنا إبراهيم عليه الصلاة السلام، والذي وضعها هو جبريل عليه السلام قبل أن يخلق الله آدم، بأمر من الله تعالى، فلما شرعت قريش في تجديد الكعبة، أنزلت الحجارة على الأرض، قال رجل منهم: اسمعوا قولي إياكم أن ندخل في بناء الكعبة إلا المال الطيب الحلال، فلا يدخل في بنائها ربا ولا مظلمة أحد من الناس، فصار كل واحد يخرج من ماله الحلال، نفقة لبناء الكعبة، فكل مكة لم تجمع من المال الذي يكفي بناء الكعبة، لما رأوا أن الأموال التي جمعوها قليلة أختصروا بناءها وأخرجوا، حِجر إسماعيل منها، فصنعوا جدار بشكل نص دائرة ليعلم الناس أن الطواف من خلف القوس لأن هذا جزء من الكعبة، وسم بحجر إسماعيل؟ لإنه أوصى أولاده إذا مات أن يُدفنَ داخل الكعبة، فكان قبره وقبر أمه هاجر موجودٌ في هذا الحجر داخل الكعبة مضوا في بناء الكعبة، وكان صلى الله عليه وسلم يعمل مع أعمامه، فأخذ يحمل الحجارة، وينقلها مع عمه العباس رضي الله عنه، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: “لما بُنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: إجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال إزاري إزاري فشُدَّ عليه إزاره”(فتحت عينيه إلى السماء أكثر من طبيعتها) وأخذوا يبنون الكعبة، حتى وصلوا لوضع الحجر الأسود بالزاوية المخصصة له، هنا وقع خلاف كبير، تنازعت كل القبائل على وضع الحجر الأسود في مكانه ووقع الشر بينهم، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد إنسحب من بينهم ولزم بيته لأنه لا يحب الخلاف، وتعطل البناء،
في اليوم الثاني كل قبيلة إتجهت للكعبة ولا أحد يعلم بنوايا الآخر، فبدأ النزاع واشتد الغضب، فقام كبيرهم بالسن قال: نجلس جميعاً وننظر إلى باب بني شيبة وأول رجل يدخل منه رضينا بحُكْمه، فقالوا جميعهم بصوت واحد: رضينا، كان صلى الله عليه وسلم ملازماً بيته، وحضرت ولادة خديجة رضي الله عنها فحضرت النساء، فترك البيت من أجل أن ياخذن راحتهن، وخرج يستطلع أخبار قريش، فإذا بهم، بالطلعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بوقاره وهدوئه يُطِلُّ عليهم، فوثب الجميع ووقفوا فرحين وصرخوا بصوت واحد محمد هذا ابن سيد قومه، هذا الصادق الأمين، كلنا نرضى بحكمه، وقالوا: أيها الصادق الأمين لقد بلغ من القوم كذا وكذا، فاتفقنا ان نحكِّمَ اول داخل، فقال لهم: (وكلكم ترضون حكمي؟) قالوا: نرضى بما تحكم (فقام صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم بأي كلمة، فاخذ ثوباً ووضعه على الأرض ومدّه وحمل الحجر بيديه الشريفتين ووضعه على الثوب ثم قال: فليقم إليّ شيخ كل قبيلة فيكم) فقاموا قال:(ليأخذ كل واحد منكم بطرف من أطراف الثوب فقال: إنهضوا به جميعاً) وإقتربوا بالحجر إلى البيت) أخذه صلى الله عليه وسلم ووضعه مكانه) فصاح القوم كلهم وهم فرحيين بأعلى صوتهم بوركت يا محمد بوركت يا محمد، بوركت من عاقل بوركت أيها الصادق الأمين، لقد فطم الله على يديك الشر، وأصبح له فضل على قريش كلها صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى بيته،فوجد السيدة خديجة قد ولدت بنتاً (فأمسك بها صلى الله عليه وسلم ثم ضمها إلى صدره ثم قبلها ثم شمها وقال هذه ريحانة، وسماها فاطمة) لأن الله فطم الشر بين القوم ساعة مولدها رضي الله عنها وأرضاها .
ما هو الحجر الأسود: هو حجر ليس مثل أي حجر بالدنيا، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ”..[رواه الترمذي] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ”. [رواه الترمذي] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي، وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا”. [مسند احمد].
كان الحجر الاسود في الجنة وهبط عليه آدم عليه السلام إلى الأرض وكانت الكعبة موجودة وأمره الله أن يسعى إليها ويطوف بها تقرّب إلى الله، فطاف بها وغفر له خطاياه ثم بقي الحجر الاسود في داخلها، فلما أمر الله إبراهيم عليه السلام تجديد بناء الكعبة، أمره الله أن يضع هذا الحجر في هذه الزاوية تماماً، من أجل أن يكون منه بدء الطواف ومن عنده ينتهي الطواف. وإن هذا الحجر يبعث يوم القيامة و يشهد لمن إستلمه من أهل التوحيد .
الفصل الثاني:
بدء البعثه: نزول الوحي: حُبب للنبي صلى الله عليه وسلم الإختلاء، في بيته او بالحرم يجلس في حِجر إسماعيل، وفي شهر رمضان للتعبد والتحنث على ملة ابراهيم عليه السلام خارج مكة في غار حراء، على قمة جيل النور، وهو تجويف بين الصخر وسقفه صخر متراكب على بعضه، يتسع لرجلين واقفين، وارضه لأربع رجال جالسين، يبعد عن مكة مسافة (5) كيلومتر، صعوده فيه مشقة، وكان يجلس ويتفكر ، في خلق السماوات والأرض والكون، وكان يأخذ طعامه وشرابه ويبقى فيه عدة أيام ثم يعود لبيته، وكانت امنا خديجة تأتي وتبقى مع بعض الوقت. وتشعر أن له شأن عظيم، وكان ورقة بن نوفل يسألها ويستطلع عن أحواله، فمهد الله له بالرؤية الصادقة، تأتي كفلق الصبح، وكان ينادى في منامه يا محمد يا محمد يا رسول الله، ويسمع الاحجار والاشجار تسلم عليه، تقول: السلام عليك يا رسول الله، فيلتف حوله فلا يجد أحد، للتمهيد والتدريب قبل نزول الوحي وليتحمل مقابلة جبريل عليه السلام امين وحي السماء، وصار صلى الله عليه وسلم يشعر من نفسه أن له شأن وأنه يراد به أمراً. لما أتم من العمر اربعين عاماً قيل في ٢٧ رمضان، وفي ليلة مظلمة، لا ضوء للقمر فيها سمع صوت من مكان بعيد ومرتفع يناديه: يا محمد ألتفت صلى الله عليه وسلم، من الذي ينادي؟ فقام من مكانه ووقف على باب الغار يلتفت حوله فسمع: يا محمد فنظر إلى الأعلى، فإذا بجبريل بين السماء والأرض على صورة إنسان فقال له: أنا جبريل، وأنت رسول الله فرجع للخلف، وجلس وهو يرتعد من الخوف وكرر جبريل عليه السلام: يا محمد انا جبريل وانت رسول الله، حتى نزل ووقف على باب الغار امامه وقال: السلام عليك يارسول الله أنا جبريل وانت محمد رسول الله فنظر إليه النبي، فإذا بيده قطعة من حرير، وقال: وعليك السلام قال: يا محمد اقرأ قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني وغطني غطة شديده حتى خشيت أن أنفاسي تذهب، ثم أرسلني وقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فغطني الثانية، ثم أرسلني وقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة ثم أرسلني وقال: اقرأ فقلت له: ماذا اقرأ فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}. ثم أرتفع جبريل عليه السلام ثم أخذتني الرعدة وشدة خوف، وخشيت أن يكون تلبس الشياطين فنزلت من الغار، فرأت ما به خديجة، فقالت: ما الخبر يا ابن عم؟ قال: دثروني دثروني ، زملوني زملوني، وأحضرت الغطاء ووضعته عليه، فلما ذهبت عنه الرعدة، وخديجة تنظر إليه لا تعلم ما الأمر ثم سألته مالخبر؟قال: يا خديجة أخشى الجن والشياطين وأخشى أنه يلبّس علي أو إني أتخيل كما يصنع بالكهنة، قالت له: مالخبر؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم ما حدث بالتفصيل، قالت: فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلَّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر،ثم قالت: أبشر أنت رسول الله إلى هذه الأمة قال النبي: لما سمعت كلام خديجة ،هدأت نفسي، ثم قالت: يا ابن عمِّ إن ورقة بن نوفل قد تنصر وقد حدثني عن أمور أهل الكتاب الكثير، فهل تأذن أن نذهب إليه فنسأله عن إسم جبريل، وكان ورقة شيخ كبير أعمى قد فقد بصره، فلما دخلا عليه، قالت: يا ابن عم إسمع من إبن أخيك محمد، فقال ورقة: هاتِ يا محمد وتكلم يا خير قومه، فحدثه صلى الله عليه وسلم كل التفاصيل، فلما سمع ورقة قول النبي صلى الله عليه وسلم، قام ووقف على قدميه، إجلالاً للرسول ورفع يديه إلى السماء وصاح قدوووس، قدوووس، هذا الناموس الأعظم الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهما السلام، ثم أخذ يتلمس رأس النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ يقبّل رأسه وقال: أشهد أنك رسول الله النبي المنتظر، ثم تنهد وقال: ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مُخْرِجيَّ هُم؟قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم أعلن ورقة إيمانه بالنبي وآمنت خديجة على الفور وشهدت أن لا إله إلا الله وأنك يا محمد رسول الله، فكانت اول من اسلم من النساء، وبعد ايام توفي ورقة وكان عمره قد تعدى المائة عام.وقد وصل ورقة بن نوفل لهذه المنزلة بفضل العلم الذي انعم الله به عليه بفضله، من دراسته وتعلمه اللغات وقراءته حتى فقد بصره من كثرة القراءة.
إرتفعت منزلة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حتى صار علم بين قبائل قريش وصارت شهرته بالصادق الأمين، ومن أخلاقه الحميدة كان لا ينسى من قدم له المعروف، نظر إلى عمه فوجده كثير العيال وقليل المال وضاقت أحواله، فذهب إلى عمه العباس فقال: (يا عم إن أبا طالب قد أكثر العيال وقل من المال فهل نخفف عنه) فقال العباس: كيف؟ قال: (نذهب إليه وآخذ احد أبنائه وتأخذ احدهم، فيكونا في كفالتنا) قال: نِعمَ الرأي، فأخذ العباس جعفر، وأخذ الرسول صلى الله عليه وياك علي)وهذا قبل الوحي، فنشأ علي في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
(يا أيها الأمّي حسبك رتبةً // في العلم أن دانت لك العلماءُ) فسبحان من علم نبيه بالوحي علماً، لا باللوح والقلم، قال اقرأ فما زال صلى الله عليه وسلم يكررها، اقرأ ،اقرأ ،اقرأ فنقش الله في قلبه علوم الكون كله، وبهذا يشمل تعليم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كل العلوم من اول الخلق الى ان يشاء الله، فلا نستغرب ما اخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات التي حدثت، والتي لم تحدث بعد، ومنها في الدنيا ومنها في الاخرة، من اهوال القبور والبعث والنشور، وعن عذاب النار والحساب والسراط والجنة والكثير الكثير من العلوم.
ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء، وأخذ ينتظر وينتظر ولم يأتِ الوحي، وكل يوم يزداد شوقاً لرؤية جبريل عليه السلام، حتى خشي أن يكون قد خُدعو ولَعبتْ به الشياطين، ومضى أربعون يوماً، والحكمة ليشتد شوقه للوحي ، وتثبيتاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتجهيزا لنفسه، وكسراً لحاجز الخوف بينه وبين الوحي، قال صلى الله عليه وسلم: (ذهبت إلى غار حراء على أمل أن يأتيني جبريل، فبينما أنا في الطريق وعندما هممت أن أصعد الجبل إلى الغار، وإذ بمنادٍ ينادي من السماء يا محمد، فنظرت الى اعلى، وإذا بجبريل بين السماء والأرض، قد سد الأفق، تذكرت ما صنع بي في الغار، جلست على ركبتي حتى اقترب مني وأخذ بيدي وأنهضني) فرجع النبي إلى بيته يقول: (دثروني دثروني،) فأسرعت امنا خديجة ووضعت عليه الغطاء، (فنظر فرأى جبريل عنده) قالت: ما الأمر يا ابن عمِّ قال: (يا خديجة هذا الذي رأيت، هذا الذي رأيت، ويشير لجبريل وخديجة لا تراه، فوقف جبريل، وقرأ عليه كلام الله، {يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر} فتجلت الانوار الإلهية على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأخرج لنا نور لطيف يستطيع البشر تحمله،
فالله عزوجل، يصلي على النبي ويمده بهذه الأنوار التي لا يتحملها غيره والملائكة تصلي على النبي، تستمد منه هذه الأنوار مخففة لطيفة كل ملك على قدر استطاعته، والمؤمنون يصلون على النبي ليستمدوا منه هذه الانوار الإلهية ويسلموا تسليما لتصل لقلوبهم سليمة لطيفة يستطيعون تحملها، فهو صلى الله عليه وسلم باب الله الوحيد بينه وبين خلقه قال تعالى: { وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين}
الفصل الثالث:
بدء الدعوة سرا ثم الامر بالصدع بالدعوة: اسلام ابي بكر الصديق رضي الله عنه: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول سره لأقرب الناس له، فذهب إلى أبي بكر، فوجده يطوف بالكعبة، فأخذه في خلوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر هل تصدقني إن حدثتك؟) قال: يا محمد لم أجرب عليك الكذب قط وإنك فينا الصادق الأمين، فقال له: (هل تذكر إذ أنا أرغب عن آلهة قومي وأبحث عن ملة إبراهيم، ورب هذه البرية) قال: بلى أذكر قال: (يا أبا بكر إن الله أكرمني، وهداني إلى ملة إبراهيم وأوحى إلي،واختارني أن أكون رسول الله لهذه الامة) فقال دون تردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، لا أظن أن هذه الأصنام تنفع أو تضر، ماذا يصنع من أراد الدخول في هذا الدين؟ قال له: (لقد دخلت يا أبا بكر)، قال: وها أنا يا رسول الله أكررها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال له:(حسبُك حسبُك يا ابا بكر)، لما علم أن هذا الدين نجاة من النار ورضى الرحمن وبشرى بدخول الجنة، ذهب مسرعاً، الى أحب الناس إليه من اصدقائه، الذين يثق بهم، عثمان بن عفان، فأسلم، والى عبد الرحمن بن عوف فأسلم، وإلى أبي عبيدة دعاه فأسلم، وإلى الزبير دعاه فأسلم، ثم الى طلحة دعاه فأسلم رضي الله عنهم، أسلموا في يوم واحد، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، وجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فُرادَى، فأسلموا بين يديه، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وصارت الصحبة بالإيمان بالله، وبالمؤازرة في الشدائد، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه صاحبا له طوال حياته وقد لقب رضي الله عنه بالصديق لكثرة تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، ومضت الدعوة إلى الله في مهدها الأول، سرية وفردية، وقائمة على الاصطفاء والاختيار للعناصر التي تصلح أن تتكون منها الجماعة المؤمنة، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أعمدة هذه الدعوة.
، ثم حملت امنا خديجة رضي الله عنها فأنجبت غلاماً ذكراً سماه النبي صلى الله عليه وسلم القاسم وكني به أبا القاسم، وبلغ (18) شهرا ثم توفي، وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولدت امنا خديجة رضي الله عنها مولود سماه عبدالله، ولقبه الصحابة بألقاب جميلة مثل (الطيب والطاهر) ومات في عمر الرضاعة، وكانت امناخديجة حزينةً على موته، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (يا خديجة إن الله أبدله بمرضعٍ في الجنة) قالت: لو علمت هذا لخفف عني، قال: (يا خديجة أتحبين أن أسمعك صوته في الجنة؟) قالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، آمنت بالله وصدقت رسول الله. فكان كل أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من امنا خديجة ومن امنا مارية القبطية رضي الله عنهن بابراهيم، وُلِدَ في المدينة المنورة، وكان أشبه الناس خلقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاش (18) شهرا ثم مات عندما صار يمشي، ووقف النبي على قبره وكان حزيناً جداً، ويقول: (إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن وإنا على فراق إبراهيم لمحزونون)، حتى أبكى الصحابة من حوله، قالوا: يا رسول الله ألم تنهنا؟ قال: (ما عن هذا نهيتكم، إنما نهيتكم أن يضرب الرجل وجهه ويشق جيبه أو يقول ما يسخط الله).
إسلام علي وجعفر رضي الله عنهما: كان علي في كفالة النبي صلى الله عليه وسلم، وعمره (١٠) اعوام، دخل ورأى النبي صلى الله عليه وسلم
يصلي ولما إنتهى من الصلاة صلى الله عليه وسلم قال له علي: ما هذا يا ابن عم؟ قال: (هذه عبادة أبيك إبراهيم، وإني قد إختارني الله نبياً لهذه الأمة، ونزل علي الوحي جبريل بالرسالة، وعلمني هذه الصلاة، لا كصلاة قومك للأصنام)، فنظر علي وقال: من أراد أن يدخل في هذا الدين ماذا يصنع؟ قال له: (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فقال علي: أشهد ان لا اله الا الله وأنك رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تعجل يا ابن عمي، إستأذن أباك أبا طالب أولاً)، قال علي: يا رسول الله هل عندما خلقني الله الواحد هذا، هل إستشار أبا طالب ؟فأبتسم النبي وقال: (لا يا علي)، قال: إذا أردت أن أؤمن به فلا حاجة لي بإذن أبي طالب، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وذات مرة دخل عليه عمه أبو طالب يريد شيأ، وكان معه جعفر، فرآه يصلي وابنه علي على يمينه يصلي، قال: يا جعفر صِلْ جناح إبن عمك محمد فصَلِّ بجانبه الآخر، فوقف يقلد صلاتهم، حتى إذا فرغ النبي من صلاته، نظر إلى عمه وقال: (يا عم إن هذا دين أبيك إبراهيم، هذا دين الله ولقد أوحى الله إلي وكلفني بهذا الدين ولكنه لم يأمرني أن أدعوكم إليه، وها أنا أعرضه بين يديك)، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يعلم جعفر كيف يدخل في هذا الدين فاسلم، وكان جعفر أشبه الناس برسول الله خلقاً وخُلقا.
زيد بن حارثة رضي الله عنه: أراد حكيم أن يكرم عمته خديجة بخادم، كان قد اشتراه من سوق عكاظ، واختارته وذهبت به إلى دارها، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (من هذا؟) قالت: غلام أعطانيه إبن أخي هديةً، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه نظرة شفقة ورحمة قال: (يا خديجة إن هذا الغلام ليس أعجمي) ثم وضع يده على رأسه بكل لطف وشفقة وقال: (يا غلام أتعرف أباك؟) قال: نعم أنا زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي فنظر النبي إلى خديجة وقال: (أجل، إن دمه عربي وروحه تدل على ذلك) فقالت: إني أراه قد شد إنتباهك يا محمد وأنا أهبه لك وأجعل رقبته في يديك فأصنع به ما تشاء. فأخذه النبي ثم نظر إليه صلى الله عليه وسلم وقال: (يا غلام انت حر من اليوم) إن شئت أقم في بيت محمد معززاً مكرماً وإن شئت أن ترجع إلى أهلك فأرجع) لما رأى زيد هذه الرّقة والحنان والرحمة من رسول الله قال: بل أبقى معك، وتربى زيد وتعلم من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق فأحبه النبي كثيراً، فزيد رضي الله عنه كان خفيف الظل خفيف الروح، وكان مخلص في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم. ومضت الأيام، وجاء أبوه يبحث عنه، فدخلوا مكة، واخذ يسأل أين نجد محمد بن عبدالله؟ فذهب إليه، قال ابوه للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد يا إبن سيد قومه إنكم أهل حرم تفكوّن العاني، وتطلقون الأسير وتعينون على نوائب الدهر، ولقد أتينا نفدي ولدنا، فقال النبي: (وما ذاك؟) قال: إبني زيد أنا حارثة والده وهذا عمه، وقد علمنا يا محمد أنه عندك ونحن نفديه بالمال فأطلب ما شئت يا محمد،
قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا لكم في خير من هذا)، قالوا: وما هو؟ قال النبي: (نرسل إلى زيد وأنا معكم ثم نخيره فإن إختاركم فهو لكم، وإن إختارني فما أنا بالذي يختار على ما يختارني من شيء) فصاح عمه لزيد وقال: أنصفت وعدلت وزدت بالعدل فأرسل النبي شخص يحضر زيد، فلما جاء زيد نظر فرأى أبوه وعمه فعرفهم، فذهب مسرعاً نحوهم، وعانقهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا زيد أتعرف هؤلاء القوم؟) قال: نعم فقال له النبي: (إجلس يا زيد) قال: (يا زيد القوم قدموا لفدائك وأنا أخيرك بيني وبينهم فإن إخترتهم فأنت لهم بلا فداء، وإن إخترتني كان لي معك شأن آخر) فنظر الى والده واعمامه، ثم نظر الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما انا الذي اختار عليك أحدا، بل أختارك أنت، فصاح عمه وأبوه وقالوا: زيد لا أمك لك أتختار العبودية على الحرية؟ فقال لهم: لو عرفتم هذا الرجل وعشتم معه لاخترتم أنتم أن تكونوا عبيد عنده، هل تعلمون أنه أعطاني حريتي من اليوم الأول وأنا أعيش في بيته كواحد من أهله؟ ثم نظر للنبي وكرر قوله أختارك أنت يا أبا القاسم، (فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيد زيد وقام ووقف في صحن الكعبة ونادى يا معشر قريش ومن حضر من العرب يا معشر قريش ومن حضر من العرب إشهدوا أن زيد إبن محمد يَرثني وأرثه هو من اليوم إبني). تبناه قبل ان يوحى إليه، وسمع عمه وأبوه أن زيد إبنهم أصبح إبن محمد ففرحوا وقالوا: يا محمد لقد أكرمتنا أكثر مما توقعنا، ورجعوا إلى اهلهم. ولما نزل الوحي على رسول الله كان أول من أسلم مع الصحابة الكرام السابقين إلى الإسلام.
أتت عمات النبي لزيارته، وكان مهموماً كثيراً، فظنن أنه مريض فقلن: هل تشكو من مرض؟فقال: (ما اشتكيت شيئاً لكن الله أمرني ب: {وأنذر عشيرتك الأقربين} فأريد أن أجمع بني عبدالمطلب لأدعوهم إلى الله تعالى) فقلن: ادُعهم ولا تجعل ابا جهل فيهم، لان زوجة بذيئة اللسان وهو يطيعها بكل ما تقوله، فأَولَمَ وليمة ودعا إليها عشيرته كلها، فقالت زوجة أبي لهب: لِما يدعوكم محمد؟ قال: لا أدري لعله من أجل هذا الدين الجديد، قالت: إياك ثم إياك، خذ على يده قبل أن تأخذ على يده العرب، ثم قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا بني هاشم إن الرائد لا يَكذِبُ أهله، فوالله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، وإني رسول الله إليكم خاصةً وإلى الناس عامةً، والله الذي لا إله إلا هو، لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتُجْزَوُنَّ بالخير خيراً وبالشر شراً، وإنها لجنةٌ أبدا أو نارٌ أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم رجلاً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة)، فقاطعه ابو لهب وقال: إسمعوا يا بني هاشم خذوا على يده قبل أن تأخذ العرب على يده، فواللات والعزى لا ندعه يسفه دين عبد المطلب، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقامت صفية رضي الله عنها، عمة النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا أخي أيحسن بك خذلان ابن اخيك، فوالله ما زال الاحبار والرهبان يخبرون أبانا عبد المطلب، أنه يخرج من ضئضئه نبي وهذا هو، فقال: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء إذا قامت بطون قريش وقامت معها العرب فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فلما احتد النقاش، انصرفوا من دون نتيجة، وإستمر أبو لهب في إيذاء النبي من أول يوم دعي فيه إلى دين الله.
جاءه جبريل عليه السلام في أحسن صورة وأطيب رائحة وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسول الله الى الجن والإنس كافة، فادعهم الى قول: {لا إله إلا الله} وقال تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} فصعد النبي صلى الله عليه وسلم جبل الصفا، ثم نادى بأعلى صوته: (واصباحاه واصباحاه يا بني فهر يا بني كذا يا بني كذا،) على بطون قريش، فأخذوا يهرولوا إلى الصفا ويقولون: هذا صوت الصادق الأمين هذا صوت محمد، والذي عجز ارسل رجلاً آخر مكانه يستطلع له الخبر، حتى ازدحموا عنده، وفي من حضر أعمامه صلى الله عليه وسلم وكان ينظر فيهم ويقول: (يا معشر قريش، أرأيتم لو أُحدِّثكم أن خلف هذا الوادي خيل تريد أن تغير عليكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: ما جربنا عليك الكذب وإنك فينا لصادقٌ أمين، قال: فإني رسول الله إليكم)، فقاطعه أبولهب وصرخ بصوت عالٍ ألهذا جمعتنا؟ تب لك سائر اليوم، فلما سمعوا ذلك من عمه، انفضوا من المكان دون أن يكمل كلامه صلى الله عليه وسلم أو يوصل لهم أي فكرة، فوقف حزينا، وقبل أن يحرك قدمه وإذا بجبريل يتنزل بأمر الله، ويهبط على الصفا يتلو: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} إنه كلام الله الذي علمه مطلق، يعلم ما كان ، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. علم الله جل جلاله أن أبا لهب لن يهتدي ولا يمكن له أن يهتدي، وإنتشرت هذه الآيات بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وصار الناس يتناقلوها حتى الأطفال الصغار يرددونها.
ايذاء قريش للنبي واتباعه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الجلوس في حِجر الكعبة، فلما سمعت ترداد اسمها بحمالة الحطب، انطلقت في غاية السرعة والعجلة نحو الكعبة، ولها ولولة بذيئة الكلام لا يخرج من فمها إلا الفاحش، وفي غاية الغضب، وتحمل في كفها الفهر/ الهاون، كان صلى الله عليه وسلم جالسا وبجانبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فلما إقتربت، حجب الله بصرها عنه، فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك مذممٌ هذا؟ فسكت أبو بكر رضي الله عنه مندهش، أيهجوني صاحبك؟ فيُذكر إسمي على لسان الصغار في مكة، واللات والعزة إن رأيته لأضربن رأسه بهذا الحجر، أفي مثلي وأنا بنت سيد بني عبد شمس يقال الهجاء والسب، فقال ابو بكر: هل ترين عندي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي، ما أرى عندك احداً، قل لمحمد إذا رأيته، لأهجونه كما هجاني مذمما أبينا، ودينه قَلَينا، وأمره عصينا.ثم إنصرفت. فألتفت أبوبكر للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي أنت وأمي ألم تكن تراك؟ قال: (لا يا أبا بكر إن الله أخذ بصرها فلم تراني، عندما إقتربت ووقفت جاء جبريل ووضع جناحه بيني وبينها، ألم تسمعها يا أبا بكر لم يهدها الله للنطق باسمي فلقد قالت مذمماً وأنا محمدٌ ولست مذممٌ.) هكذا كان يعصم اللهُ رسولَه من أعدائه بالفعل والقول فلم تستطع ان تصل للنبي صلى الله عليه وسلم بأي شيء.
من بعض ما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى: روى كثير من الصحابة بعد ما أسلموا ذلك. أنه كلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس، يأتِ أبو لهب ويقول: يا معشر الناس تعلمون أني عمه وأنا أعلم الناس به، إن به مس من الجن، إن به جنون، إنه كذا وكذا، فينفر الناس من حوله.
ممن أسلم على يد الصديق الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهما، بعد ما ازداد عدد المسلمين، اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لدعوته في دار الارقم يجتمعون فيها عند الصفا، ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ما أُنزل من القران، ويعلمهم اخلاق هذا الدين، يدعوهم الى صدق الحديث،وعدم وَأد البنات والإبتعاد عن الزنا والحرام، ويربيهم صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق ويأمرهم أن يكتموا الأمر ولا يخبروا إلا من يثقون به، ومن أراد أن يصلي يذهب إلى شعاب الجبال والأودية كي لا يراه أحد. وعندما نزل الوحي {وأنذر عشيرتك الأقربين … هو السميع العليم} سورة الشعراء، وهي الامر الصريح بالدعوة جهراً ، بدأت هنا الدعوة جهراً، وان يبدا بعشيرته صلى الله عليه وسلم
الرسول صلى الله عليه وسلم اخذ يتعرض لحملات تشويه لا تنتهي، حتى خارج مكة وصلهم اخبار انه خرج في مكة ساحر عظيم، قريش تضيِّق عليه ولا تعطي الفرصة لأحد حتى يستمع الى القرآن وكانوا يصفرون، ويصفقون، ويصرخون لكي لا يسمعه الناس، ورغم كل هذا كان يبذل كل جهده، ولا يتوقف لحظة واحدة كان يدعو في موسم الحج والأسواق، وتحمل أذى المشركين، وكان كل ما أقبل صلى الله عليه سلم أو ذهب ومر من جنبهم يسمعوه كلام إستهزاء، يسمع كلامهم ويسكت، ويرجع إلى بيته بعد نهار متعب في الدعوة إلى الله وهو حزين من أفعال قومه، فيجد خديجة رضي الله عنها فتتكلم معه وتصبره فلا تتركه حتى ترى الإبتسامة على وجهه رضي الله عنها وأرضاها، إلى أن إشتد الوحي وبدأت الآيات تأمر النبي أن يدعوا قومه ويبين لهم سخافة هذه الأصنام وسفاهة آبائهم وإنهم كانوا قليلي عقل، وقالوا: أيشتم آلهتنا؟ ويشتم ابائنا؟ هنا قريش لما سمعوا القرآن ينال منهم ومن أصنامهم وآبائهم أخذتهم حمية الجاهلية، فاشتد غضبهم وجمعوا شيوخ قريش وذهبوا إلى أبي طالب.
أشتد غضبهم وجمعوا شيوخ قريش وذهبوا إلى أبي طالب وقالوا له: يا أبا طالب إما أن تمنعه أو يكون لنا معه شأن آخر؟ فتذكر وصية أبيه فخاف على النبي أن يصيبه شر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا إبن أخي إن قومك كلموني فيك أكثر من مرة وقد حمي أمرهم اليوم فهم يرجون مني أن آخذ على يدك وأمنعك، او سيعادونني وإياك حتى يهلك أحد الفريقين يا ابن اخي: قد لبثت من العمر ما لا يخفى عليك فلا تكلفني من الأمر ما لا أطيق، فقال له صلى الله عليه وسلم: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) فقال له: إمضي يا محمد لما أمرت به فوالله لن يصلوا إليك بسوء حتى أوسد في التراب، فجن جنون قريش فإجتمعوا واتفقوا على ان كل عشيرة تعذب من تحت يدها، اذا دخل في دين محمد حتى يرجعوا عن هذا الدين.
آل ياسر: أول اسرة اسلمت وجهرت بالاسلام، فكان نصيبها من التعذيب على يد فرعون هذه الأمة الملقب (بأبي جهل) أذاقهم صنوفاً كثيرةً من العذاب. وكان يلبسهم الدروع من الحديد تحت اشعة الشمس الملتهبة، فلما أخبر الله النبي بأن آل ياسر سيكونوا شهداء في هذا اليوم، جاء ووقف أمام ياسر وزوجته وهما يعذبان
فقال: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). فجاء إليهم أبو جهل وقد يئس ومل من تعذيبهم، فإما أن يرضوه بكلمة فيطلق سراحهما أو يقتلهما قال: قل بعزة اللات أطلق سراحك، قال ياسر: لا إله إلا الله، ويقول له: قل بعزة هبل، وياسر يقول: لا اله الا الله قل: كلمة واحدة تنال بها من شرف محمد، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، فلما يئس منه، أخذ الحبل ووضعه على عنقه وأخذ يجدله، حتى شد الحبل على عنقه فخرجت روحه مع قوله محمد رسول الله. وجاء إلى سمية، أمرها أن تكفر بدين محمد فلم تستجب، طلب أن تنال من النبي، فوضع صنمه في فمها ودلكه من شدة غيظه، قولي هبل، سبي محمد، أطلق سراحك، فبصقت في وجهه وصرخت يا عدو الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فاشتعل غضبا وامر عبيده ان يربطوا إحدى رجليها ببعير والأخرى ببعير ، ثم اخذ حربته وطعنها في مكان عفتها، وهي تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ففاضت روحها الى باريها.
خباب رضي الله عنه، اشترته أم أنمار الخزاعية، كانت تأمر غلمانها ان يضعو الجمر على ظهره بعد تعريته، فيغيب رضي الله عنه عن الوعي ثم تقول: إرفعوه فلما صحى من الغيبوبة ذهب إلى رسول الله، وكان جالساً في حِجر الكعبة و أبو بكر الصديق بجانبه قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إلى متى نعاني هذا ألا تستنصر لنا، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم واحمرَّت عيناه، وقال: (ماذا لقيتم في سبيل الله يا خباب، لقد كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة ثم يوضع المنشار على رأسه حتى يخرج إلى ما بين فخذيه لا يرده ذلك عن دينه، كان يؤتى بالرجل فيمشط بأمشاط الحديد لحمه وعصبه دون عظمه وهو حي إلى أن يفارق الحياة لا يرده ذلك عن سبيل الله، فماذا لقيتم أنتم؟ والذي نفسي بيده لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج المرأة أو يخرج أحدكم من حضرموت إلى البيت الحرام لا يخشى إلا الله والذئب على الغنمه، ولكنكم تستعجلون) وهذا ليرفع من تحملهم، قال أبو بكر: فما راعني إلا والنبي رفع يديه إلى السماء حتى بان بياض إبطيه والدموع في عينيه وقال: (اللهم أنصر خباب، اللهم أنصر خباب، اللهم أنصر خباب) وبعد ثلاثة أيام أصيبت أم أنمار بمرض الصرع، فصارت تعوي مثل الكلاب فأحضروا لها الكاهن، قال: في داخلها جني لا يخرج حتى تُحمّى جفنة من نحاس وتوضع على رأسها، ونفذوا فإنفجرت دماغها وسقطت ميته.
قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: أنا اسمعهم القرآن، فذهب إلى الكعبة، وفي الطريق كان ينادي يا آل فلان يا آل فلان، قالوا: هذا إبن أم عبد لعله ارتد عن محمد، فانطلقوا خلفه فرحين، هاتِ ما عندك يا ابن مسعود ما الأمر؟ فوقف على باب الكعبة وصعد اول الدرج، قال: إسمعوا مني، {بسم الله الرحمن الرحيم، الرَّحْمَن عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ … إلى آخر الآيات} قالوا: ما يقول هذا؟ كأنه يقرأ كما يقرأ محمد، فقام إليه أبو جهل وكان أقواهم على الشر وأحبهم إليه، فإقترب منه، تراجع ابن مسعود وصعد للاعلى ليكمل القراءة، فلحقه أبو جهل، فأمسك بأذنه وقال: يا إبن أم عبد، يا رويعي الغنم، لم نسمع هذا من محمد بن عبد المطلب حتى نسمعه منك أنت؟ ثم إنتشله فخرجت أذنه بيده وسقط جسده على الأرض، ثم ألقى إليه أذنه وقال: خذ هذه لعل محمد ينفعك، فحملها وجاء بها إلى النبي والدماء تسيل على خده، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يستقبله ضاحكاً وقال: (هاتِ يا إبن مسعود)، فأعطاه إياها والحزن على وجهه فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وهو يبتسم وقال له: (ألا يرضيك الأذن بالأذن والرأس زيادة؟) قال: بلى يا رسول الله رضيت، قال له: (إنك فتىً معلمٌ من الله)، وأخذ صلى الله عليه وسلم الأذن واعادها الى مكانها ثم بل إصبعه الشريف بريقه ومشى به على آثار الجرح فالتأم الجرح فوراً.
قال أبو جهل: يا محمد لقد فارقت دين آبائنا، وسفهت أحلامنا، وعبت آلهتنا، فلماذا تصلي عند كعبتنا؟ فأنا أنهاك أن تصلي وإن رأيتك نالك مني ما لا ترضى، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وزجره وتوعده: (إن أعدت تهديدك يا ابا جهل مرة أخرى لأنالنَّ منك ما لا ترضاه)، فغضب وقال: يا إبن أبي كبشة يا يتيم أبا طالب يا راعي الغنم لقومه، أنت تهددني وأنا أكثر قريش نادياً وانصرف، وبلغ قريش تهديده؛ ان رأيته لأخذن حجر أرضخ به رأسه. وفي اليوم الثاني كان النبي يصلي، فقالوا: يا أبا جهل أين وعدك؟ فقام إلى حجر كبير واقترب منه، ورفع الحجر، واذا بأبي جهل يرجع القهقرى فتشنجت يداه ولا يستطيع أن يلقيه وانتقع وجهه وتيبس في مكانه ولم يملك بوله فسال على ساقيه. فقالوا: ويلك ما هذا؟ فقال لهم: بل ويلكم أنتم ألم تروا ما رأيت؟ عندما اقتربت رأيت عند رأس محمد فحل فاتح فاه لو إقتربت خطوة لإبتلعني أنا والحجر له أنياب لم أرَ مثلها لفحل قط، ثم هب بيني وبينه وادٍ من لهب، فيه فَراش يطير كله له زبانية. فقالوا: قد سحرك محمد، ثم رجع إلى بيته وهو يرتعد من الخوف. واخبر من كان مؤمن ويكتم إيمانه النبي بما حصل فتلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى؛ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى؛ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى؛ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ؛ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ؛ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ؛ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}. كانت قد نزلت أمس.
ومن رعب ابو جهل: باع رجل إبله لابي جهل، وقال: في الغد أعطيك، فماطله، وطلب الرجل من قريش ان تنصفه، فقالوا للرجل: لا يأتي إليك بالمال إلا ذلك الرجل محمد الذي عند الكعبة، يريدون الإستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وكلمه بشأن المال، فذهب معه إلى بيت أبي جهل، فلما قرع الباب، قال أبو جهل مَن بالباب؟ قال: (محمد أخرج إلي)، قال الرجل: فخرج أبو جهل منتقعٌ لونُه يرتعد ويرتجف وقال: نعم يا إبن سيد قومه، نعم يا إبن عبد المطلب ما حاجتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطِ هذا الرجل حقه)، قال: نعم وأبيك لا تنصرفا حتى أعطيه، وأعطاه المال، فاشهد يا محمد أني أعطيته حقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (إذهب فقد أخذت حقك). فقالوا: ابا الحكم، ويلك أرسلنا محمداً إليك لتنال منه فكيف حدث ذلك؟ قال: لو رأيتم ما رأيت واللات والعزى وأنتم تعلمون أني لا أخشى أحداً، يا قوم ما أن قرع محمد الباب، حتى إهتز البيت كله كأنها زلزلة فقلت من؟ قال: أنا محمد، فدوى صوته في بيتي كأنه صاعقة وكأنه صوت مئة رجل أتذكرون ذلك الفحل الذي حدثتكم عنه؟ كان مع محمد على الباب فاتحٌ فاه ينتظر، لو قلت له لا لالتقمني، فلماذا تلمونني، فضحك القوم من أبي جهل، وقالوا: قد سحرك محمد،
ومن الاذى طلاق بنات النبي:
بعض من أذيتها للرسول صلى الله عليه وسلم: رجعت مسرعة الى اخيها ابي سفيان، محترقة ومشتعلة من الغضب وصرخت: ويحك يا أخمس، فجعلته يغلي من الغضب قال: ما الأمر؟ قالت: أما تغضب أن هجاني محمد؟ فقال: انا سأكفيك إياه، فسل سيفه وخرج، فما ان خرج حتى عاد سريعاً، وقد تغير لونه، قالت له: ما الأمر؟قال: يا أخية أيسرك أن رأس أخيك في فم الثعبان، قالت: لا، قال: فقد كان ذلك. فقبل ان اصل لمحمد رأيت ثعبان فاتحٌ فاه، واللات والعزة لو تقدمت شبرا لالتقم رأسي، فقالت له بأستهزاء: لقد سحرك محمد، ثم انصرفت الى زوجها مغضبة وقالت: يا أبا لهب أيرضيك أن محمد هجانا ، وظلت تحرضه حتى اجبر أولاده ، فطلقوا زوجاتهما بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فحزن لحزنهن، وقد تهجم عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم وشق قميصه وقال له: يا محمد إني كافر بما انزل إليك، وفارقت بنتك ولا تحبني ولا أُحبك ثم بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ورد عليه بنته، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال: (اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) ومضت الايام وخرج عتيبة مع أبيه مسافرا الى الشام فوصلوا الى منطقة الزرقاء، وهم نيام جاء أسدٌ ووثب فإذا هو فوق رأس عتيبة، فأستيقظ عتيبة، فصاح: هذه دعوة محمد انتقم مني، هو في مكة وانا في الشام، ففتح الاسد فمه وضغمه ضغمة طحن فيها رأسه.
اسلام عم النبي حمزه:
إسلام سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه: كان من عادته صلى الله عليه وسلم إذا دخل يطوف بالبيت، ويصلي ويجلس على الصفا، يذكر الله وينظر إلى الكعبة. فجاءه أبو جهل فأخذ يسبه ويشتمه ويهدده والنبي لا يقول إلا: (حسبي الله ونعم الوكيل)ثم إنصرف، فسمعت كلامه جارية مسلمة وتكتم إسلامها، لم تتحمل، فانتظرت حتى يقبل احد من بني هاشم وإذا بحمزة عم النبي، فإستقبلته وبدأت تلطم واذُلاه يا بني عبد مناف أين أنتم يا بني عبد المطلب، فصرخ حمزة: ما الأمر يا امرأة تكلمي؟ قالت: لو كنت حاضراً وسمعت أبا جهل وهو ينال من إبن أخيك محمد وهو خير قريش، قال: وماذا قال له محمد؟ قالت: لم يرد عليه فهو الصادق الأمين، فإشتعل حمزة غضباً، فتوجه إلى نادي قريش وأبو جهل جالس، ضربه على رأسه فشجّه شَجّة منكرة، ثم قال: يا أبا جهل أتشتم محمداً وأنا على دينه رُدَّها عَلَيَّ إن إستطعت، ثم نظر إلى الجالسين، ألا يواجهني فيكم رجل؟ ثم إنصرف، قال: ثم جلست أفكر يا خالق السموات والأرض يارب إبراهيم يا رب البرية هل أنا أخطأت أم أصبت، إن كان دين محمد على حق فاشرح صدري له، ثم نمت، ثم مضيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت يا إبن أخي انت تعلم ما كان امس وأنا في حيرة لقد قلت أنا على دينك، إقرأ علي شيئاً من الذي أُنزل عليك فإني أحب أن أسمع منك، فقرأ عليه. فقال أشهد أنك الصادق ، فوالله ما أُحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
الفصل الرابع:
المفاوضه مع النبي والهجرة الى الحبشه:
بعد عجز قريش عن الصد، عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم التفاوض، فذهب ابو الوليد الى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بلغة التودد يا إبن أخي إنك منا حيث علمت حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم ودينهم، وكفّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني يا محمد أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل مني بعضها، يا إبن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. فقال له صلى الله عليه وسلم: (فرغت يا أبا الوليد؟فاسمع مني، بسم الله الرحمن الرحيم {حم، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فهب عتبة من مكانه فزعاً، وجلس على ركبيته ووضع كفه على فم النبي وقال: أنشدك الله والرحم يا محمد إلا كففت، ثم قال:هذا آخر ما عندك يا محمد؟ قال: (نعم لقد استمعت إليك يا أبا الوليد وأنت هاقد استمعت لي فأنظر ماذا ترى؟) فقام ورجع لهم، قالوا: لقد رجع أبا الوليد بغير الوجه الذي قد ذهب به، قال: يا قوم والله لقد سمعت كلاماً ما هو بالشعر ولا هو بالكهانة ولا هو بالسحر، وإني سمعت منه لنبأً عظيماً. يا قوم اجعلوها لي، أتركوا الرجل بينه وبين سائر العرب، فإن ظهر فعزه عزكم، وإن أصابته العرب أصيب بغيركم، أتركوا الرجل وإعتزلوه، قالوا: لقد سحرك محمد يا أبا الوليد قال لهم: ها قد قلت لكم رأيي وقد حذركم محمد وأنتم كلكم تعلمون صدقه وأمانته، فقد أنذركم محمد صاعقة كصاعقة عاد وثمود، فتفرق القوم،
جلس وجهاء قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقاش، ويسمع عروضهم ويرد عليهم، عل الله يُلَيِّن قلب واحد منهم فيؤمنظ، فجاء عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه رجل فقد بصره ويحمل عصاه في يده يدك بها على الأرض، فسأل عن النبي، وكان يريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزداد إيماناً، اشتاق لكلام الله، ولما سمع صوت النبي يتكلم معهم قال: السلام عليك يا رسول الله، علمني مما علمك الله، في هذه اللحظة كره النبي هذه المقاطعة، لأنه يحاول أن يستميل قلوب قريش لعل الله يهديهم،واستمر بحديثه كأنه لم يسمعه، ولم يعطيه إهتمامه، فأدار جانبه لجهة ابن أم مكتوم، وإستقبل سادة قريش، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بعتاب الله بسورة تصف حال المشهد، سماها عبس، فكانت درسا للمشركين قبل المؤمنين. فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَن شَاء ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ}، فكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا كان جالسا ًودخل عليه إبن أم مكتوم وقف وإبتسم وفتح ذراعيه وقال: (يا مرحباً يا مرحباً بمن عاتبني فيه ربي) وكان يكرمه غاية الإكرام ويجلسه بجانبه، وكان كثيراً ما يقرأ في صلاته الجهرية عبس وتولى. ويقول له إبن أم مكتوم: تمنيت أن الله لم ينزلها، من أنا حتى يعاتبك الله فيَّ يا رسول الله؟ فكان النبي إذا أراد أن يخرج إلى غزوة يوليه على المدينة.
انتهت المفاوضات دون اتفاق، فرجعت قريش للغة القسوة والتعذيب لكل من اسلم على يد أهليهم، فأعلن بنو هاشم أننا درع لحماية محمد، فرأى صلى الله عليه وسلم أن يتفرقوا في البلاد حتى يأذن الله بجمعكم، قالوا: أين نذهب يا رسول الله؟ قال: (إلى الحبشة فإن فيها ملك لا يُظلم عنده أحد) فخرج من كان يقدر على الخروج فكان أولهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، خرج بزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فتشجع باقي الصحابة للهجرة الاولى إلى الحبشة فكانوا خمسة رجال وزوجاتهم كلهم من ألاشراف باستثناء عامر بن ربيعة وزوجته ليلى، وخمسة رجال وخمس نساء. وكان عمر يعيش في صراع داخلي مع نفسه قبل إسلامه، فقد تأثر بصلابة ضعفاء المسلمين في مواجهة بطش قريش، وقالت ليلى: ذهب زوجي عامر يتفقد الطريق، ووقفت عند المتاع فإذا بعمر بن الخطاب يمر بدارنا وكان أشد قريش لنا إيذاء قلت: سلم اللهم سلم، فلما رآني ونظر إلى المتاع وقف وقال: عمتم مساء قلت: وأنت يا إبن الخطاب، قال: ما الخبر، قلت: آذيتمونا في الله وفي ديننا فنحن نريد أن نضرب بالأرض، فرقّ عمر رقة لم نعهدها عليه من قبل وقال: صحبكمُ اللهُ يا ليلى، فرجوت أن يسلم تلك الساعة، ثم جاء زوجي قلت: لقد مر بنا عمر بن الخطاب فجفل زوجي، فقلت: لا عليك لا تخف لقد رأيت منه طيبة لم أرها عليه من قبل لو رأيته، ورِقَّته وحزنه علينا قال: أطمعتِ فى إسلامه؟ فلا يُسلم الذي رأيت حتى يُسلم حِمَارُ الخطاب، ثم انطلقوا مهاجرين فحفظهم الله ووصل الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم فشكر الله على سلامتهم.
قال الوليد ابن المغيرة: ألا أكفيكم محمداً قالوا: بلى، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يفاوضه ويجادله، فلما إنتهى، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أفرغت يا أبا خالد؟فاسمع مني) وقرأ عليه آيات من القرآن الكريم، فخرج الوليد متغير اللون متأثر، وذهب اليهم، فقالوا: ما الخبر؟ قال: يا قوم لقد سمعت من محمد كلام ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، قالوا: لقد سحرك محمد. فتركهم وذهب إلى بيته، فقال أبوجهل: أنا سأتصرف فذهب اليه فقال: يا عم كم حزنت من كلام سمعته من قريش، يقولون عرضنا على محمد المال والملك فرفض ونظن أن الوليد ذهب لمحمد، ويطمع بالمال فيكون من أتباع محمد، فيتقاسمه مع محمد. فغضب وقال: قم بي إلى قريش، فقال: تزعمون أن محمداً مجنونٌ او كاهنٌ، او شاعرٌ، او كاذبٌ فقالوا: أوجز، قال: أعتقد أن محمدا ساحر لنبعث لأهل مكة والقبائل خارج مكة رجالٌ، ونقول: أن محمداً ساحر، وقد تفوق على جميع السحرة. فحزن النبى صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام، فأنزل الله عز وجل جبريل بالآيات. {بسم الله الرحمن الرحيم، ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا}، إلى قوله تعالى، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}. فلما سمعها قال: ألا يعلم محمد أني أشرف ألاشراف. فأنزل الله فيه من سورة القلم: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، إلى قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} فلما سمعها ذهب الى أمه ووضع السيف على رقبتها قولي: من أبي وإلا قطعت عنقك، فقالت له الصدق: هو الراعي فلان، فأرجع السيف لغمده ثم خرج، ومع هذا أصر على الكفر، وتحقق فيه وعد الله بالوسم، فيوم غزوة بدر جاء أحد الأنصار، وضربه بالسيف فقطع أرنبته أنفه فبقي حتى مات.
قالوا: يا محمد إن لم تأتِنا بمعجزة لا نؤمن لك أبداً، فقال لهم: (وماهي؟) هذا القمر إسأل ربك أن يقسمه نصفين، نصفه عند جبل غار حراء، والآخر عند جبل أبي قبيص، قال: (إن شاء ربي فعل، وإن فعلت ذلك هل تؤمنون؟) قالوا: نعم، فقال: (ربِّ إنك تسمع ماذا طلب قومي اللهم أعطهم آية، وأشار بإصبعه إلى القمر)، فانقسم القمر كما طلبوا، فذهلت قريش كلها. ثم نادى: (يا بني كذا اشهدوا، يا بني كذا اشهدوا، يا بني كذا اشهدوا) ينادي على قبائل قريش، فقالوا: هل يستطيع ربك أن يرده كما كان؟ قال: (نعم) فقال: (اللهم رده) فرد القمر كما كان حتى أصبح بدراً . فصرخ أبو جهل: هذا سحر يؤثر واللات يا قوم لقد سحركم محمد. اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي، فان أخبروا بانشقاقه فهو صحيح ، والا فقد سحر محمد أعيننا فجاء أهل البوادي فاخبروهم أنهم في ليلة كذا في ساعة كذا انشق القمر نصفين. فقال المشركون: هذا سحر مستمر، فانصرفوا مكذبين. وحزن النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه : بسم الله الرحمن الرحيم {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}.
اسلام عمر :
عمر بن الخطاب كان شديدا على من أسلم، ويتبع النبي لينفر منه الناس، التفت اليه النبي وقال: (يا عمر ألا تتركني، تتبعني ليلا ونهارا). وفي يوم كان للنبي صلى الله عليه وسلم، يصلي، فجلس خلفه حتى يكمل صلاته، فسمع ما تلى النبي. قال عمر: فجعلت أعجب منه هل هو شاعر، فقرأ الرسول {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} قلت بل هو كاهن، فقرأ الرسول {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فوقع في قلبي شيء من الاسلام، وقد بعث النبي خباب الى بيت سعيد وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب يعلمهم القرآن، فقرر عمر أن ينهي صراعه بنفسه، فحمل سيفه وانطلق يبحث عن النبي، فقابل رجل من دار الخطاب اسمه نعيم وكان ممن يخفي اسلامه فسأله: الى أين يا عمر؟ فقال: أريد محمدا لأقتله. فقال: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ ابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة قد أسلما، فانطلق الى بيت أخته، فقرع الباب بشدة وصرخ افتحوا الباب وإلا كسرته، فقام إليه سعيد وإختبأ خباب، وفتح الباب فقال عمر: ما هذه الهيمنة التي سمعتها؟ وقد بلغني أنكما إتبعتم دين محمد، ثم رفع يده وبطش بسعيد،فلما رأت فاطمة ما فعل بزوجها، قامت ودفعته عن زوجها بقوة، فرفع يده ولطمها لطمة شديدة حتى شج وجهها وسال منه الدم ، فصرخت فاطمة فيه، نعم يا عدو الله أسلمنا وإتبعنا محمد فإصنع ما بدا لك، فكر عمر وهو واقف أمام أخته، ثم قال: يا أختاه أعطيني هذه الصحيفة أنظر إلى ما كنتم تقرأون، أليس فيها ما تقولون أنه نزل على محمد؟ قالت: يا أخي وهي تمسح الدم عن وجهها، إنك مشرك نجس لا تعرف الطهارة وهذا كلام الله لا يمسه إلا المطهرون، فلو أنك إغتسلت أعطيك إياها
ثم قال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ألسنا على الحق إن حيينا وإن متنا؟ قال له: (والذي نفسي بيده أنتم على الحق إن حييتم وإن متم) قال عمر: لِمَ نخفي أنفسنا وديننا يا رسول الله؟ فلنجهر به في طرقات مكة، ولنطوف معك بالبيت يا رسول الله، ولنصلي على أنظار سادة قريش كلها
قال صلى الله عليه وسلم: (يا عمر نحن قليل، وقد رأيت ما لقي إخوانك من أذى قريش)،
فقال: والذي بعثك بالحق ، لا أدع مجلساً جلسته بالكفر يؤذيك ويؤذي أصحابك إلا رجعت وجلست فيه بالإيمان أؤذي به قريشاً وسادتها، إنهض بنا يا رسول الله، فسُرّ النبي بشهامته فخرج النبي بهم، قال وخرجنا صفين في كل صف (٢٠) رجلاً على رأس الصف الأيمن حمزة بن عبد المطلب وعلى رأس الصف الأيسر عمر والنبي يتوسط الصفين، وهم يذكرون الله حتى وصلوا للكعبة فطاف النبي بها سبعةً مع المؤمنين، ثم إستأذن عمر وذهب إلى نادي قريش ونظر إليهم ولم يكلمه أحد، ولم يرى أبو جهل فذهب إلى داره قال عمر: فقرعت الباب. فخرج وفتح الباب وقال: مرحبا بإبن أختي ما الذي جاء بك؟ قال له: جئت أعلمك أني آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما أنزل على محمد، فأغلق الباب في وجهي وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به، فذهب عمر لمن يشيع الخبر، لجميل بن معمر، فقال: ألم تدري، أنا أسلمت وتبعت دين محمد، وأسرع يجري إلى نادي قريش ورجليه تضرب بظهره، وصاح بأعلى صوته يا معشر قريش، إن إبن الخطاب قد صبأ. قال له النبي: (أنت الفاروق يفرق الله بك بين الحق والباطل) فإعتز المسلمين بإسلام عمر وأخذ الإسلام ينتشر بشكل أوسع، فجن جنون قريش.
لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حماية من أهله، خاف على الصحابة الذين ليس لهم عشيرة تحميهم، وكان الذين هاجروا أول مرة رجعوا بعد إسلام عمر بن الخطاب ووجدوا الأمور أسوأ من قبل، فأمرهم بالهجرة الثانية الحبشة ووضع عليهم أمير ابن عمه جعفر رضي الله عنه، فخرج (83) رجل وبضعة عشرة امرأة. وعاشوا في الحبشة وأخذوا يعملون فيها وكانت أخلاقهم رفيعة، ومعاملتهم طيبة، وأحترموا قوانين البلاد، وأهلها؛ فأحبهم أهل الحبشة، وعاملوهم معاملة طيبة، ووصلت الأنباء من الحبشة إلى مكة أن المسلمين في أمن، واستقرار، وحياة طيبة، فاغتاظت قريش، وجن جنونها. قالوا نرسل رجلين يحسنان السياسة، إلى النجاشي محملين بالهدايا لإقناعه بأن يطرد المسلمين من الحبشة، ويردهم إلى مكة فاختاروا عمرو بن العاص، وعبد الله بن ربيعة. فلما وصلوا للحبشة، ووزعوا الهدايا على البطاركة قالوا لهم: أن هؤلاء سفهاء من قومنا فارقوا ديننا، وإنا نريد أن نكلم النجاشي، فأنتم أقنعوه أن يسلمهم لنا دون أن يستقبلهم ويسألهم. لانهم يعملون بالسحر، فإذا قابلوا النجاشي سحروه؛
فلما إجتمعوا قال النجاشي: ما الأمر يا عمرو تكلم؟ قال إن فينا سفهاء خرجوا عن دين الآباء والأجداد ولا دخلوا في دينك أيها الملك. وإبتدعوا دين لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد أرسلنا أشراف قومنا، حتى تردهم إلينا، فأهلهم أعلم وأولى بهم. فقال البطاركة كلهم بصوت واحد: نعم صدق أيها الملك. فصاح بهم بئس ما شهدتم به، كيف أحكم بنعم قبل أن أسمع الطرف الآخر؟ ثم صاح بالجند أرسلوا إليهم حتى أسمع منهم، فإذا سمعت قضيت؛ فلما حضروا قالوا: يا جعفر أنت المتكلم فينا، ولما دخل الملك ركع الجميع له، إلا الصحابة بقوا واقفين، فنظر النجاشي لهم. وقال: ألا تركعون لنبيكم؟ قالوا: لا، لقد علمنا أننا؛ لا نركع إلا لله، فقال: كيف تسلمون على نبيكم؟ قالوا: نقول له السلام عليك يا رسول الله، فسكت النجاشي، ونظر إلى عمرو وقال: هاتِ يا عمرو تكلم. فأخبره نفس الكلام، قال: قد سمعت منك، ثم قال: وأنتم، من المتكلم فيكم؟ فتقدم جعفر أمام النجاشي قال: أيها الملك كنا قوم أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، و نسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، وندفن البنات أحياء، ونأتي كل الموبقات، حتى بعث الله إلينا رسولاً، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن، وآباؤنا، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً. وعدد له أمور الإسلام؛ فتعدى علينا قومنا فعذبونا، وضيقوا علينا، حتى قال لنا نبينا إذهبوا إلى الحبشة. إن فيها رجل لا يُظلَم عنده أحد. قال النجاشي: وهل تحفظ شيئا مما أُنزِل على نبيك؟ قال: نعم، وقرأ عليه شيئ من القرآن فدمعت عينا النجاشي واعن البطاركة.
فقال النجاشي: إن الذي جاء به نبيكم، وجاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة. إنطلقوا أنتم الآمنون، ثم نظر لعمرو، وقال: لن أسلمهم ولا بجبل من ذهب، وانفضوا. وفي اليوم الثاني، قال: أيها الملك جئت أودعك، ولكن لما بيني وبينك من ود لا أريد أن أسكت عن شيء، إن هؤلاء يقولون عن المسيح قولاً لا ترضى به أبداً، سمعتهم يقولون أن عيسى بشر كسائر البشر، فغضب النجاشي، وأرسل إليهم مرة ثانية؛ فتشاور الصحابة، ماذا نقول له؟ قال جعفر: والله، لا أقول له إلا ما أنزل الله، لا نغير في ديننا شيء فحضروا، قال النجاشي: يا جعفر ماذا تقول في المسيح؟. قال: أقول فيه ما أنزل الله على نبينا، قال: وهل نزل في المسيح شيء على نبيكم؟ قال: نعم، فقرأ جعفر من سورة مريم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} الى قوله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، فجهش النجاشي بالبكاء، حتى إبتلت لحيته من الدموع، وبكى البطاركة ممن حوله، ثم قام النجاشي، وخط بعود في يده على الأرض وقال: لم يتعدى المسيح هذا الخط، ثم قال: إنطلقوا في أرضي سالمين آمنين من سبكم غرم. وإلتفت إلى البطاركة وقال: أرجعوا لعمرو هداياه، وقال: إرجع لقومك، والذي نفسي بيده، والذي وهبني المُلك من غير رشوة؛ لا آخذ رشوة بعبد من عباد الله. قال: يا عمرو هؤلاء الرجال خير عندي من جبال الأرض ذهباً.
بعد اسلام عمر تغير الميزان لصالح المسلمين، فقدمت قريش عرضاً للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ان نعبد ما تعبد انت، بالمقابل انت تعبد ما نعبد، ونسجد لآلهك في مقابل أن تسجد لآلهتنا، فهبط جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، قالوا: يا محمد اطرد الفقراء والعبيد من المسلمين ولا تجلس معهم، إن طردتهم لعلنا نتبعك، قال ابو طالب: يا ابن اخي اقبل بهذا الشرط لننظر ماذا يريدون، فيهبط جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. ولم يقدم لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي تنازلات، وكان على الدوام الطرف الأقوى لأن الله معه قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} أي تلين. وفشلت كل مفاوضات ولم تحقق شيئ، بينما الاسلام يتقدم وينتشر ويكتسب مساحة جديدة كل يوم، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي جعل في امتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام)، فجُنَّ جنون قريش.
قرار المقاطعة: قد علموا أن قبائل قريش تريد قتل النبي، فجمعهم ابو طالب فقال لهم: كل واحد منكم يحمل سيفه، ويخفيه في ملابسه، وأمرهم أن يقف كل واحد خلف رجل من سادة قريش، وأخبرهم عن علامة معينة، عندما ترون مني العلامة، كل واحد منكم يرفع سيفه فوق من يقف خلفه. فقام أبو طالب، وأبناء عمه إلى الكعبة، ودخلوا بين أستار الكعبة، وجدرانها ،وعاهدوا الله أنهم لن يسلموا محمد لشيء يكرهه، ما دامت فيهم عين تطرف. ثم أخذ أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم من يده، ووقف معه عند الكعبة، فنادى يا معشر قريش، فأجتمعت عند الكعبة، فقال أبو طالب: يا معشر قريش أتدرون ما هممت به؟ قالوا: لا ثم اشار إلى بني هاشم، فأخرج كل شاب من بني هاشم السلاح من بين ملابسه ، و نظر سادة قريش فوجد كل منهم شاباً قوياً يحمل سلاحاً فوق راسه،
ثم صاح فيهم: والله لو قُتِل محمدا؛ لأقاتلنكم حتى نتفانى نحن، وأنتم. هنا قريش قررت أن تقاطع بني هاشم مسلمهم وكافرهم كلهم سواء بالمقاطعة، ولم يتخلى عنهم إلا أبولهب، وكانت بنود تلك المقاطعة لا نزوجهم ولا نتزوج منهم ، ولا نبيعهم ولا نشتري منهم ، ولا نساعدهم ولا نقبل منهم الصلح حتى يسلموا إليهم محمد للسيف. وإجتمعوا كلهم في شعب أبي طالب
بدأ الحصار، في أول يوم من السنة السابعة من البعثة، وظل بنو هاشم و بنو عبد مناف متجمعين في الشعب وأنفق الرسول صلى الله عليه وسلم كل ماله، وكذلك أمنا خديجة رضي الله عنها، وأبو بكر رضي الله عنه، وكل بنو هاشم، فأكلوا ورق الشجر؛ حتى تشققت شفاههم. وبكاء أطفالهم يرتفع من شدة الجوع، ومرض الكثير وماتوا. وكانت قريش تقوم بعمل دوريات حراسة على مداخل و مخارج الشعب؛ حتى لا يتم دخول أي طعام، وكانت تؤذي من أرسل شيئا من الطعام، ثلاثة سنوات كاملة لا يصل إليهم طعام، إلا ما يهرّب إليهم من خلال بعض المتعاطفين معهم، وخصوصا من تربطهم بهم صلة النسب من البطون الأخرى من قريش. وبعض من لهم نخوة، فمثل هذا الحصار ضغط نفسي كبير جدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطال الحصار، فقام رجال عندهم نخوة وقالوا: إلى متى نأكل ونشرب، وأبناء عمنا يموتون جوعا إلى متى؟ كيف يموتون جوعاً، ونحن ننظر؟ وإتفقوا أن يجلسوا في نادي قريش، ورجل منهم يدخل يعترض على المقاطعة، ثم يقومون بمساندته أمامهم. فدخل زهير ووقف قالوا: إجلس فقال: لا والله لا أجلس إلى متى نأكل ونشرب، وبنو هاشم يموتون جوعاً؟ والله لا أجلس حتى تمزق هذه الصحيفة الظالمة فقام أبو جهل وقال:كذبت والله إنما كتب وعلقت بإجماع من سادة قريش، فقال رجل: بل كذبت والله، ما وافقنا ولا رضيناها، ولكنكم أجبرتمونا عليها، فقام الثالث وقال: صدقتم يا قوم، فقام الرابع، والخامس، فقال أبو جهل: هذا أمر دبر بليل. وإشتد الجدال.
كان أبو طالب جالسا يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الضيق، والحصار. فقال: (لا عليك يا عم، إن صحيفتهم الظالمة، قد أرسل الله عليها الأرضة فلحست كل ما فيها إلا ذكر الله)، فقال: يا محمد هل ربك الذي يوحي إليك، هو الذي أخبرك؟ قال: (أجل). فقال: إنك لصادق فو الله إنه لا يدخل عليك أحد، وأنت لا تكذب أبداً. فوثب أبو طالب من مكانه مسرعاً، قال النبي: (إلى أين يا عم)؟ قال: سأواجه قريش كلها وكان لا يعلم بموضوع الرجال الخمسه، فدخل لنادي قريش، وهم يتجادلون، نمزقها لا نمزقها
فسكتوا، فقال: لقد مضت بيننا وبينكم أعوام ثلاثة، فليجتمع كل سادة قريش، فإجتمعوا قال: أحضروا الصحيفة، فأحضروها من الكعبة، قال: يا قوم لقد أخبرني محمد، وكلكم يعلم أن محمد لا يكذب لقد أخبرني بأن الله، قد أرسل على صحيفتكم الأرضة فلحست كل ما فيها إلا اسم الله ولم يبقَ من ظلمكم وقطيعتكم شيء. فضحكوا وصاروا يسخرون من كلامه، قال: لا تعجلوا يا قوم، وإسمعوني إن كان محمداً صادقاً فيما قال، فعلينا أن ننهي هذه القضية، وإن كان قد كذب؛ فيما قال، أسلمه إليكم الآن تضربوا عنقه فوافقوا، والصحيفة أمامهم ملفوفة ومختومة، ففتحوها ووجدوا انه لم يبقَ من الكتابة إلا (باسمك اللهم) والختم عليها.
فقالوا: هذا من سحر ابن أخيك فقام زهير، وسلّ سيفه ومعه باقي الرجال وقالوا: والله لا نبرح هذا المكان حتى نمزق هذه الصحيفة ويخرج بنو هاشم، فمزقت وخرج من الحصار.
إنتهى الحصار ورجعوا إلى حياتهم الطبيعية يمارسون كل نشاط في مكة، مرض ابو طالب وبلغ سادة قريش أن أبا طالب على فراش الموت، فخافوا على السيادة، فحضروا إلى بيته؛ فأحب أبو طالب أن يعمل صلح بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته، فأرسل إلى النبي، فوثب ابو جهل كالشيطان وجلس بالمكان المخصص للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبقَ للنبي مكان للجلوس فلما حضر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يجد مكان إلا أن يقف عند عتبة الباب، فرفع أبو طالب رأسه إليه، وقال: يا محمد يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قريش وسادتها فقد نزل بي من الأمر ما ترى، وأنا أحب أن أرى بينكم صلح قبل أن أفارق الدنيا. فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم يا عم، أريد منهم كلمة واحدة لا سواها تدين لكم بها العرب، وتتبعهم العجم). فقال أبو جهل: نعم وأبيك نعطيك عشرة إذا أردت ويتم الصلح. فقال: (قولوا لا إله إلا الله وتخلعون عبادة الأصنام). فقال أبو جهل وهو يضحك: واللات إن هذا الرجل لن يعطيكم شيء، فنظر أبو طالب إلى النبي، وقد تأثر النبي من فعل القوم. فأراد أن يخفف عنه، فقال: يا محمد يا ابن أخي، والله ما أراك طلبت منهم شحطة (اي المستحيل) فطمع صلى الله عليه وسلم بإسلام عمه، فقال: (أنت يا عم قلها أشهد لك بها عند الله، وأشفع لك بها)؛ فلم يعلن أبو طالب إسلامه، وفاضت روحه وحزن النبي صلى الله عليه وسلم موته ودفن في مقبرة مكة (الحجون)، فزاد شر قريش على النبي صلى الله عليه بعد موته.
بعد شهر من موت عمه، ماتت أمنا وسيدتنا خديجة رضي الله عنها، فهي سيدة نساء الجنة، وشيعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقبرة الحجون، ونزل في قبرها ودعا لها، ماتت السكن والطمأنينة والمودة والصدر الحنون الذي كان داخل بيته صلى الله عليه وسلم، رحلت خديجة، ورحل أبوطالب عم النبي، وتكالبت عليه قريش بالإيذاء. وحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وأطلق على هذا العام اسم عام الحزن، ولكن الله الذي اختار هذا التوقيت الذي يعتبر من أصعب وأحرج فترات الدعوة؛ وكأن الله تعالى يلفت نظر النبي صلى الله عليه وسلم، ويلفت أنظارنا نحن جميعا إلى معنى هام، بأن النصر من عند الله تعالى هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
في العهد المكي هناك نهي من الله أن يكفوا أيديهم، فلا يوجد إذن من الله أن تدافع عن أخيك المسلم هكذا إرادة الله عز وجل، لتربية الصحابة تربية روحية، قبل التربية الجهادية، لانهم حجر الأساس، فلم يدخل في الدين إلا كل صادق إيمان مستعد للموت في سبيله، ومن صور الايذاء للنبي صلى الله عليه وسلم، قام سفيه من سفهاء قريش، فقذف في وجهه التراب والرمال، ويوما قام عقبة بن ابي معيط، بلف عباءته حول رقبة النبي وخنقه بها حتى سقط على ركبته،
ويوما احضر عقبة كرش جزور وقلبها على ظهره وهو ساجد، وسادة قريش يضحكون، فأنطلق رجل قد أخفى إسلامه وأخبر فاطمة، فجاءت مسرعة رضي الله عنها وازالته عنه،
وطاف يوما بالكعبة فألتفوا حوله، وتهجموا عليه، وأخذوا يدفعونه ويتجاذبونه من ملابسه ويقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ انت الذي تقول كذا؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: نعم. فجاء أبو بكر مسرعا؛ ليدفع المشركين فضربوه فسقط على الأرض، وخلعوا نعالهم وضربوه على وجهه رضي الله عنه؛ حتى انتفخ وأغمي عليه، وحمل إلى بيته ولم يفق إلا في الليل، فسأل: ماذا فعلوا برسول الله؟ فقالوا: هو بخير، فقال: والله لا آكل ولا أشرب حتى أنظر إليه، فحملوه وأطمئن عليه، فقال: الحمد لله وقام إليه النبي وأحتضنه وهو حزين، فقال: يا رسول الله ليس بي شيء إلا ما أصابني في وجهي، قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}.
الباب الثالث
الفصل الاول: الدعوى الى الله خارج مكة
في السنة العاشرة من البعثة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى الله في مكان آخر فاختار الطائف، لأهميتها بعد مكة، تبعد عنها (120) كيلمتر فتوجه إليها، فخرج ليلاً متخفياً، مشياً على الأقدام متسللا، وخرج معه زيد بن حارثة. فكان خبره عند اهلها فلم يسمعوا له، واغروا صبيانهم وطردوه بالحجارة وادموه، فجلس تحت ظل شجرة، وأفاق من الصدمة والأزمة التي مر بها، والأوجاع والدماء تسيل منه، وكان هذا الموقف من أشد المواقف التى مر بها النبي صلى الله عليه وسلم. ثم رفع طرفه إلى السماء ودعا: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربُّ؛ المستضعفين، وأنت ربّي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني، أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخره، من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ عليَّ سخطُك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك). فنظر صلى الله عليه وسلم فإذا بغمامة تهبط عليه من السماء تظله، وقال: (عليها جبريل، ومعه رجل لا أعرفه، فاقترب جبريل وسلّم) وقال: يا محمد هذا ملك الجبال أرسله الله إليك ليطيعك فيما تأمره، فأمره بما شئت، فتقدم ملك الجبال وقال: السلام عليك يا رسول الله، إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمرني، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، وإن شئت دمدمت عليهم فلا ترى بعد ذلك منهم عدو، وإذا به يضم ملك الجبال إلى صدره ويقول: (لا، لا يا أخي، إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً) فنظر إليه جبريل وقال: صدق من سماك رءُوفٌ رحيم، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
أقبل عداس، وقال: أيها الرجل أرسل إليك سيدي، بهذا تفضل، وكُل منه فمد صلى الله عليه وسلم يده، وقال: (بسم الله الرحمن الرحيم). فتعجب عداس فقال: من أنت، وماذا تقول؟ والله هذه الكلمة لا يعرفها أهل هذه البلاد أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما اسمك، ومن أين أنت؟) قال: أنا عداس رجل نصراني من نينوى فابتسم النبي وقال: (من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟) فقال عداس بلهفة ودهشة: وما أدراك والله لقد خرجت منها منذ سنين، وليس فيها عشرة رجال يعرفون مَنْ يونس بن متى؛ فمن علمك به، وأنت في بلد الأُميين؟ فقال صلى الله عليه وسلم وهو مبتسم: (ذلك نبي وهو أخي، وأنا نبي مثله)، وأخبر صلى الله عليه وسلم عداس خبره مع قومه، وقرأ عليه قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}. فقال: أشهد أنك رسول الله المنتظر خاتم الأنبياء وهبّ يقبل رأسه ويديه وقدميه، وعتبة وشيبة ينظران ولما شاهداه قال أحدهم: أما غلامنا فقد أفسده محمد، فرجع إليهم. قالوا له: ويحك؟ أرسلناك تطعم الرجل وتسقيه قمت تقبِّل رأسه وقدميه ما الذي دهاك؟ قال: والله ما على وجه الأرض كلها، خير منه، قالوا: ويحك سحرك محمد يا عداس، قال: بل هداني إنه نبي، وأخبرني بأمر لا يعرفه إلا نبي، ورجع صلى الله عليه وسلم ولم يلقَ من أهل الطائف أي خير،
رجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ولما وصل الى بطن نخلة بالقرب من مكة، جلس يتدبر أمره، فأرسل زيد بن حارثة إلى عبدالله بن أريقط، وقام صلى الله عليه وسلم يصلي،
اسلام وفد الجن: والنبي قائم يصلي استمع نفر من الجن لما تلى من القرآن فيها، وجاء اميرهم وتشكل بشكل آدميٍّ وقال: سمعتك تقرأ كلام لا هو كلام الجن ولا الإنس. وأنا أمير من الجن ومعي إخوتي وقفوا بعيداً كي لا يفزعوك، فقال: (إدعُهم فليأتوا).فأسلموا ووعدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن يخبروا قومهم ويحضروهم إليه كي يبايعوه على الإسلام ثم إنطلقوا إلى أهلهم. قال تعالى: {وإذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} وفي اليوم الثاني، جاء أمير الجن واسأذن ودخل فقال: يا رسول الله إنا دعونا قومنا كما أمرت، فاستجابوا لله ورسوله وهاهم قد قدموا كلهم إليك يريدون مبايعتك، فقال: (أين هم؟) قال: تركناهم عند جبل الحجون، قال: (ليمكثوا في الحجون، وأنا أذهب إليهم).
فجاء عبد الله إلى النبي، فطلب منه أن يذهب إلى المُطعَم بن عدي. وهو سيد قومه، وابن عمومة النبي، ويقول له: أن محمد بن عبد المطلب يريد أن يدخل مكة في جوارك، حتى لا تعتدي عليه قريش. فكانت هذه رخصة منه للضعفاء من أمته، أن يستجير بمشرك إذا لزم الأمر، من باب الأخذ بالأسباب الطبيعية لإنه قدوة لكل الأمة. فقال المطعم لعبد الله: قل لمحمد فليأتي، فقد قبلت أن يدخل إلى جواري. فدخل دار المطعم بن عدي فاستقبله وأكرم ضيافته، ولما أشرقت الشمس أخذ المطعم بن عدي سيفه، وقال: قم يا محمد، فتقدم المطعم، وجعل اثنين من أولاده على يمين النبي، واثنين على يساره، واثنين خلفه، حتى وصل الكعبة. فنظرت قريش إلى المطعم فجن جنونهم ، و أعتقدوا أنه قد دخل في دين محمد، فقام أبو سفيان وقال: يا مطعم أمُجير أم تابع؟ قال: بل مُجير. فقال: نعم قد أجرنا من أجرت، و لما أتم النبي الطواف ذهب إلى داره،
قال ابن مسعود: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا إقتربنا من الحجون، خط لي برجله في الأرض وقال: (إجلس هنا ولا تتجاوزه، ولا تُحدِثنّ شيئاً حتى آتيك، لا يروعونك). فاستقبَله رؤوساءُ الجنِّ وأخذ يصافحهم ،وجلس إليهم، ثم جاءت أفواجهم كأنها سحاب قال كأنهم الزط، سود يركب بعضهم فوق بعض حتى إقتربوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فازدحموا عنده وحجبوه عني فلم أعد أره، ركوب فوق بعضهم البعض، سواد فوق سواد إلى السماء، وأمضى الليل كله معهم حتى الفجر، فسمعت لهم أزيزاً وأصواتاً، وأخذوا ينقشعون كأنهم سحابة تتلوها سحابة، وبايعوا الرسول على الإسلام، وودعوه ووقف أميرهم عمرو ممسكاً بيد النبي لا يريد أن يفارقه، فقال له: (إذهب يا عمرو فإن الله سَيَمُدُّ في عمرك وتموت في أرض فلاة ويدفنك خير رجل في أمتي آنذاك)، فلما تقدم مني رسول الله مددت يدي كي أصافحه فوجدت يده حارة جداً فقلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما هذا؟ قال: (من مصافحت إخوانك من الجن، فإنهم مخلوقون من نار) فقال: يارسول الله سمعت أزيزاً، وسمعت أصواتاً، قال: (أمّا تلك الأصوات فسلامهم عليّ، وهم يودعونني مرتحلين إلى بلادهم)، قال: سمعتك تقول ولكم كل عظم وروث، فقال: (أخبرتهم بعد إسلامهم، أنه لا يحل لهم أن يعتدوا على طعام مسلم فيأكلوا منه، فقالوا: يا رسول الله يضيق بنا الرزق، (فقلت لهم: لكم كل عظم وروث، أما كل عظم، فلكم أن تجدوه مكسواً لحماً كما كان)، ثم أخذني النبي وأراني مباركهم ، وآثار نيرانهم، فقد صنعوا طعاماً وشربوا شرباً في جلوسهم عند النبي صلى الله عليه وسلم.
ومضت الأيام إلى خلافة عمر بن عبد العزيز. كان في طريقه إلى الحج فرأى زوبعتان بالهواء ثم إنكشفت عنه حية ضخمة ميتة، فعرف بفراسته أنها ربما قتيل من الجن بعد عراك، لأنها من خلق الله، فشق من عمامته قطعة من قماش، وإكراماً لها لفها بها وحفر بالتراب ودفنها. ثم مضى، وفي الليل سمع منادٍ ينادي: (جُزيت خيراً يا إبن عبد العزيز، والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لعمرو تموت في أرض فلاةٍ ويدفنك في ذلك الزمن خير رجل في أمتي) قال: من أنت يا عبدالله؟ قال: أنا من إخوانك المؤمنين من الجن ممن بايع بالحجون وهذه الأفعى التي دفنتها هي عمرو أمير من الجن الذي أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخلة ونزل فيه قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
الفصل الثاني:
الإسراء والمعراج أمر معجز وعظيم، كأنها جاءت مواساة، لِما لاقاه من اهل الطائف وقريش،
بعد إيمان الجن لم تمضِ ليلتان أو ثلاث، وعندما كان يبيت في بيت أم هانئ جاءه جبريل، في منتصف الليل وسلم عليه وقال: يا محمد إستعد للقاء الله. الله يدعوك لزيارته. الله يدعوني لزيارته؟ قال: نعم الله يدعوك لزيارته ليطلعك من ملكوته ما شاء، لإظهار كرامتك عنده، وكل الخلق في الملأ الأعلى، ينتظرون قدومك. عليه الصلاة والسلام
بعد تلقيه الدعوة قام النبي صلى الله عليه وسلم واغتسل، ثم طلب منه جبريل أن يعتم بعمامةً سوداء لها ذؤبتان، ثم مشى مع جبريل إلى الكعبة فطاف بها سبعا ثم صلى ركعتين ثم قدم له البراق وهو دابة فوق الحمار ودون الفرس لونه أبيض، له بين يديه وفخذيه جناحان يطير بهما، يضع حافره عند منتهى طرفه. فجعل يتفلت فقال له جبريل: أتصنع هذا بمحمد؟ والذي نفسي بيده ما ركبك أحد أفضل منه فسكت وإنصبّ عرقا، فركبه وسرى به حتى إذا كان في سماء المدينة المنورة، أمر جبريل البراق أن يهبط في ذلك المكان فهبط البراق ونزل إلى الأرض.
هبط البراق في يثرب، فقال جبريل: صل ها هنا يا محمد سيكون لك مسجداً هنا، فصلى ركعتين، ثم إنطلق به البراق وسرى حتى إذا جاء بيت المقدس، هبط به إلى الصخرة قال جبريل: إربط البراق هنا فربطه،ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم قدم له ضيافة، طبق فيه كأسين واحد من لبن وآخر من خمر فأخذ صلى الله عليه وسلم. كأس اللبن وشرب، فقال جبريل: هُديت إلى الفطرة، وأخذتها لأُمتك، ثم عُرج به إلى السموات، لما وصل للسماء الدنيا استأذن جبريل قيل: من معك؟ قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجدت في السماء الأولى رجل ينظر عن يمينه، فيرى سواداً عظيما فيضحك،
وينظر عن يساره، فيرى سواداً عظيماً، فيبكي) قلت: (ما هذا يا جبريل)؟ قال: هذا ابوك آدم، ينظر الى أبنائه من أهل الجنة فيضحك، وينظر الى ابنائه من أهل النار فيبكي، فسلم النبي على سيدنا آدم عليه السلام، يقول له آدم: مرحبا بالإبن الصالح، والنبي الصالح، والأخ الصالح. وفي السماء الثانية كان عيسى ويحيى عليهما السلام، ابني الخالة، وفي الثالثة يوسف عليه السلام وفي الرابعة ادريس عليه السلام، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السابعة ابراهيم عليه الصلاة والسلام، مسنداً ظهره الى البيت المعمور ليستريح، وهو فوق الكعبة مباشرة، يتعبد اليه أهل السماء السابعة، وبعد أن سلم ابراهيم عليه السلام على رسولنا قال: أقرأ أمتك مني السلام وقل لهم: ان الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر. ثم وصل إلى مكان سدرة المنتهى، فإذا بجبريل تتغير هيئته ويأخذ صورته الملائكية العظيمة له (٦٠٠) جناح إذا نشر جناحين من اجنحته غطى هذا الكون بأكمله من مشرقه الى مغربه
لما تقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصل الى سدرة المنتهى، فإذا يتغشاها أمر الله والأنوار ما لا يعرف وصفه، قال النبي لأصحابه: (دنوت من سدرة المنتهى) قالوا: كيف هي يا رسول الله؟ قال: (وإذ ورقها كآذان الفيلة، فغشيها من أمر ربي ما غشيها، ثم عادت نوراً لا يستطيع أحداً أن يصفها). فما تدركه الروح لا يستطيع الجسد دركه، ولا اي عضو في الجسم ألا القلب على أن لا يكون مغلق فالقلب يستقبل من الروح ما رأت، وينقل المشهد للعقل فيقف عاجزاً عن ترجمة المنقول اليه، فيبقى الوصف عنده شعور داخلي، فيجد حلاوته في قلبه. وفي الجنة سيكون العقل كاملاً لا يحده شيء من القدرة، ليكتمل نعيم اهلها.
قال صلى الله عليه وسلم بعد سدرة المنتهى: ثم دنوت فسمعت صريف الأقلام، روي عن مقاتل بن حيان قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم زُجَّ بي في النور فخرق بي إلى سبعين ألف حجاب ليس فيها حجاب يشبه حجابا، غِلظُ (اي عرض) كل حجاب خمسمائة عام وانقطع عني حس كل ملك، فلحقني عند ذلك استيحاش، فعند ذلك نادى مناد بصوت أبي بكر فقلت: هل سبقني ابو بكر؟ فإذا النداء من العلي الأعلى ادنُ يا خير البرية، ادنُ يا أحمد، ادنُ يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال عز وجل: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} فدنوت فكلمني ربي بلا واسطة، ورحب به الله جل جلاله. (وللعلم لم يصرح الرسول صلى الله عليه وسلم بانه رأى الله جل جلاله رؤية إحاطة) أي رآى الله كما يريد الله، وكل ما خطر ببالك فالله غير ذلك، ولكن كيف؟ لا كيف، الله أعلم، كما يريد الله. الله جهز النبي وهيَّأه تلك الليلة لرؤيته، كما يريد الله ويليق بكمال الله سبحانه وتعالى.
عندها فرض الله الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، فهبط صلى الله عليه وسلم للسماء السادسة، قال له موسى: ماذا فرض ربك عليك وعلى أمتك؟ قال: خمسين صلاة في اليوم والليلة فقال: أمتك لا تطيق، وإني قد جربت بني إسرائيل من قبل، فإرجع إلى ربك وإسأله التخفيف، فناجى صلى الله عليه وسلم ربه، وسأله التخفيف وهو واقف أمام نبي الله موسى فأوحى الله إليه أني قد حططت عنك عشرة، فقال له: امتك لا تطيق فأسله التخفيف، فما زال يحط عنه عشرة ثم عشرة، حتى كانت العشرة الأخيرة من الخمسين، فرجع إلى الله يسأله التخفيف، فحط الله عنه خمسة، فلما رد الأمر إلى سيدنا موسى عليه السلام قال: قد أسقط الله عني خمس وبقي خمس فقال: أمتك لا تطيق، إسأله التخفيف، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد إستحييت من ربي ولقد راجعته كثيراً، رضيت بما فرض عليّ ربي، وإذا بالنداء من الله الحق مباشرة من غير واسطة جبريل، قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي هي بالفعل خمس وبالأجر خمسين. فهبط النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الانبياء عليهم السلام، وتبعه الملائكة ونزلوا إلى صخرة بيت المقدس، ونادى جبريل للصلاة، فأصطفت الأنبياء، ثم نادى جبريل بالملأ الأعلى فهبط كبار الملائكة ووقف الجميع، فتقدم جبريل وأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقدمه للإمامة، فصلى بهم ركعتين. وهذا إعلان بأن الدين عند الله هو الإسلام، ولكن تعددت الشرائع حسب طبع البشر في كل زمن.
ثم عاد من بيت المقدس إلى المسجد الحرام قبل طلوع الفجر. وعرف بيت المقدس بالتالي:
– المسجد الأقصى: لأنه ثاني مسجد بُني بعد المسجد الحرام، ولبعده عنه، وإشارة وبشارة لطيفة سيكون بين المسجدين مسجد أدنى وهو المسجد النبوي.
– القدس: لأن الله قال بارك فيه وحوله فأصبح مقدس.
– بيت المقدس: أي بيت الأنبياء، وفيه دفنوا
– مدينة السلام: لأن الله عزوجل جعل فيه الأنبياء، والسلام من الملائكة عليهم هابط وصاعد.
– قبلة الأنبياء: كل الأنبياء كانت قبلتهم إليه،
– أرض المحشر: من على صخرة بيت المقدس يقف اسرافيل وينفخ بالبوق، وينادي فتخرج من القبور وتتجمع ثم تنتشر.
– ثالث الحرمين: قال صلى الله عليه وسلم: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”
– موطن الحق: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم” أين هم يارسول الله؟ قال: “في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.
قالت امنا ام هانئ رضي الله عنها: فقدتك فلم أجدك أين كنت؟ قال: (يا أم هانئ لقد أسري بي الليلة، إلى بيت المقدس وعرج بي إلى السماء، واجتمعت بالأنبياء جميعهم، وفرض الله علي وعلى أمتي خمس صلوات في اليوم والليلة، وها أنا قد عدت إليكم) قالت: أمحدث قومك بهذا؟ قال: (نعم) قالت: لا تفعل فإنهم مكذبوك، فقال: (والله سأحدثهم ولو كذبونِ) فذهب إلى الكعبة فطاف وجلس مسروراً لتكريم الله له،مر به ابو جهل فقال: باستهزاء هل من جديد قال: (نعم، لقد أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، وإجتمعت بالأنبياء وصليت بهم)، قال: الليلة، وعدت إلينا قبل أن يطلع النهار؟ قال: (نعم) فذُهل وبقي واقف مكانه وقال: يا محمد وإن إجتمع قومك تحدثهم بما حدثتني؟ قال: (نعم). فصاح بأعلى صوته لكل قريش، فهرعوا وقالوا: ويحك ما بك قال: إسمعوا إلى محمد، قال: (جاءني جبريل هذه الليلة، وقدم لي دابة أكبر من الحمار ودون الفرس يقال لها البراق فأتيت بيت المقدس)، قالوا: وعدت إلى مكة قبل أن يطلع النهار؟ قال: (نعم)، فراع قريش الخبر، فهم بين مصفق ومصفر وواضع يده على راسه وبين واضع يده على خاصرته، وهنا أسرع أبو جهل لأبي بكر، قال: أبلغك ما يقول صاحبك اليوم؟ يزعم أنه قد أتى بيت المقدس الليلة ورجع في جزء من الليل قبل أن يطلع النهار، قال: أحدثك رسول الله في هذا؟ قال: نعم وهو الآن عند قومك يحدثهم هذا الحديث، فقال أبو بكر: إن كان رسول الله قد قاله فقد صدق فإني أصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء يأتي في غداوة أو رواحة. ومضى أبو بكر حتى جاءه، وأمسك برأسه وقبله وصاح وهو مبتسم هنيئا لك رحلتك المباركة يا رسول الله.
في اليوم الثاني جاء جبريل عليه السلام عندما زالت الشمس عن كبد السماء قليلا وقال: يا محمد قم فصلي وصلى به جبريل إمام وعلمه أن هذا الوقت وقت الظهر أربع ركعات ثم مضى، حتى إذا أصبح ظلُّ كل شيء مثله جاء جبريل وقال له: قم فصلي، فصلى به أربع ركعات وقال: هذا وقت العصر أربع ركعات ثم مضى، حتى إذا سقط قرص الشمس جاء إليه جبريل وقال: قم فصلي وصلى به ثلاث ركعات وقال: هذا وقت المغرب ثم ذهب، حتى إذا غاب الشفق وبدأت العتمة جاء فصلى به العشاء أربع ركعات ثم مضى، حتى إذا كان الفجر جاءه جبريل وأيقظه قال: قم فصلي فصلى به الفجر ركعتين ثم ذهب. في اليوم الثالث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره وقت الظهر، لم يأتي جبريل، وقبل العصر جاء فصلى به الظهر ثم ذهب، حتى كادت الشمس أن تسقط قبل الغروب بقليل وقت الإصفرار جاءه وصلى به العصر، فلما غابت الشمس تماماً جاء فصلى به المغرب ثم ذهب. حتى مضى ثلث الليل الأول وقارب على النصف جاءه وصلى به العشاء ثم ذهب، حتى إذا كان الفجر، لم يأتي جبريل حتى أسفر الضوء وأصبح الرجل يقول للرجل أصبحت أصبحت ولكن قبل شروق الشمس، فجاء وصلى به الفجر وقال: يا محمد هذا وقتك ووقت أمتك وبين الوقتين لك وقت. وهكذا إكتملت أوقات وعدد ركعات الصلاة المفروضة.
قال المطعم بن عدي: يا إبن أخي كل أمرك كان قبل اليوم أمّمة، أما اليوم فلا واللات لا أصدقك أبداً، لقد جاوزت العقل والمنطق، إنا لنضرب بطون الإبل صعوداً إلى بيت المقدس شهراً ورجوعاً شهراً فكيف تزعم أنك أتيتها في ليلة؟ فقاطعه أبو جهل قال: إن كنت جئته الليلة صفه لنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فكربت كربة لم أكرب مثلها من قبل، فإذا بجبريل يقف أمامي فيضرب الأرض بجناحه حتى إستوت، ثم قرب لي بيت المقدس، حتى أن بيت المقدس عند دار عقيل بن أبي طالب، فأخذت أنظر إليه واوصفه بابا بابا، وسارية سارية) قال: أبو جهل أما الوصف فنعم، ولكن أخبرنا إن لنا قافلة قادمة من الشام هل مررت بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم لقد مررت بها، إن لكم قافلتان أما القريبة عند التنعيم، والأخرى عند بئر الروحاء، أما قافلتكم عند التنعيم يتقدمها جمل أورق، عليه غرارتان أحدهما سوداء والأخرى بيضاء، وعندما مررت من فوقهم، جفلت العير من صوت البراق فوقع لهم جمل أحمر فكسر ساقه) قالوا: متى تصل القافلة إلينا؟ فقال: (تصل إليكم يوم الأربعاء عند شروق الشمس) فقالوا: إذن موعدنا شروق شمس يوم الأربعاء، فرجع النبي إلى داره وإنفض الناس وحديثهم الإسراء به إلى بيت المقدس، وفي الموعد أرسلوا إلى النبي فجاء ووقفوا ينظرون، وإذ برجل يصيح هذه العير قد اقبلت،فاسرعوا إليها، وإذ يتقدمها جمل اورق، فسالوهم هل من حدث قالوا: أجل لمّا كان الثلث الأخير من الليل مرت بنا ريح شديدة فجفلت العير، فوقع منا جمل أحمر فكسر، فقال أبو جهل: أشهد أنك لساحر.
الفصل الثالث
عرض الدعوى على القبائل:
اشتد ايذاء قريش للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال: (ما نالت منى قريشٌ شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب)، واصبح الوضع في مكة صعباً جداً، وبلغ الايذاء للمسلمين والنبي ذروته، حتى استطاعت قريش تشويه صورة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وخارجها، تخيل قام النبي بمساعدة عجوز، حمل عنها، فقالت له: يا بني ليس عندي ما أكافؤك به إلا أن أقدم لك نصيحة، قال: (ما هي؟) قالت: هناك في مكة رجل سيء الخلق اسمه محمد بن عبد الله، يفتن الناس ويسحرهم أياك ان تقترب منه ولا تستمع اليه، فلما وصلا الى بيتها، قالت له: ما أسمك؟ فابتسم لها وقال: (محمد بن عبد الله)، فذهلت قالت له: أأنت هو، هو؟ قال: (نعم أنا هو)، قالت : انت الذي تدّعي انك رسول من عند الله، قال: (نعم فأنا رسول الله) قالت: أشهد أنك لصادق وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وكانت قريش تحذر كل القادمين وتقول: هناك رجل ساحر اسمه محمد بن عبد الله، إذا سمعتم كلامه يسحركم، ويفرق بينكم وبين قومكم وبين آبائكم وزوجاتكم، وانتشر في الجزيرة كلها، ضاق الأمر فقرر النبي صلى الله عليه وسلم ترك مكة، ليُبلِّغَ الاسلام للناس كافة، فعرض الاسلام على رؤساء القبائل سرا في الليل، في موسم الحج والمواسم التجارية يقول: (هل من رجل يحملني الى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن ابلغ رسالة ربي؟) فوقف يوما وقال: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) .فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه، فأقبلت ابنته زينب رضي الله عنها، ومعها الماء فغسل وجهه ويديه، وهو ينظر الى الدمعة في عينيها وقال: (يا بنية لا تخشي على أبيك غلبة ولا ذلة). وذهب الى قبائل كلب وبني حنيفة وبني عامر وغيرهم، وقوبل بالرفض. كان من بينهم رجل اسمه مفروق، جلس ابو بكر معه وتحدثا، فقال: لعلك أخا قريش، فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا وقال: إلام تدعونا؟ فقال: (أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤوني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد)، فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا؟ فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلى رسول الله صلى الله عليهم وسلم بعضا من القرآن، فذهلوا وتأثروا فقال مفروق: دعوت الى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. فقال شيخهم هانئ بن قبيصة: قد سمعت مقالتك، وإن تركنا ديننا واتبعنا دينك، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر، ثم نظر هانئ الى المثنى بن حارثة وقال: هذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال: قد سمعت مقالتك والجواب فيه جواب هانئ، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَين أحدهما اليمامة والآخر السَّمامة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذان الصريان؟) قال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى، أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى هذا الأمر مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اعجب بكلامهم: (ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه) ثم بشرهم: (أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، تسبحون الله وتقدسون) فقالوا: اللهم فلك ذاك
عرض الدعوه على رهط من يثرب:
عرفوا اهل يثرب من اليهود أن هناك نبيٌّ سيبعث وإقترب زمانه، وعرفوا صفاته منهم. وعندما إلتقى صلى الله عليه وسلم برهطٍ من رجالهم، عرض عليهم دعوته، فوقفوا يستمعون له فقال لهم: (ممن القوم) قالوا: من يثرب فقال صلى الله عليه وسلم: (من الأوس أم من الخزرج)، قالوا: من الأوس فقال: (هل تجلسون أكلمكم؟) قالوا: ماذا عندك يا أخ قريش قال: (إني رسول الله إليكم وإلى الناس كافة، أدعوكم إلى لا إله إلا الله، ونبذ ما تدعون من دونه من آلهة تصنعونها بأيديكم)، فقال: بعضهم كلبعض أليس هذا الذي تحدثكم عنه يهود؟ ويستفتحون به عليكم؟ قالوا: ورب الكعبة إنه هو، فلا تسبقنا إليه اليهود، لنؤمن به، فآمنوا رضي الله عنهم وارضاهم على رأسهم اسعد بن زرارة أميرهم، لكن لا يوجد بيعة هنا ، وعلمهم شيئاً من الدين، فقال له أسعد بن زرارة: يا رسول الله، لقد جئنا وكنا نريد أن نحالف قريش، على إخوتنا بعد يوم بعاث، إن جمع الله قومنا عليك فلا أعز منك فينا، وإنطلقوا إلى قومهم دعاة إلى الله ، وشرح الله صدر البعض فجاؤوا في موسم الحج الثاني وبعد أن كانوا سبعة تخلف من السبعة إثنان وصحبهم من جديد سبعة رجال آخرين فأصبحوا اثنا عشر رجلا، فإجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة وقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارةً له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) فقالوا: قبلنا وبايعوه، وقالوا: اِنا نريد رجل من أصحابك يعلمنا القرآن ويكون إمامنا بالصلاة فإختار لهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، وإنطلقوا إلى قومهم.
نزل مصعب بن عمير رضي الله عنه ضيفاً عند أسعد بن زرارة، فكان في النهار يدعو، ويجتمع بهم بعد العصر في بستان، ليقرأ عليهم القرآن ويعلمهم تعاليم الدين،وإنتشر الخبر بالمدينة. ذهب أسعد بن زرارة يوما وأخذ معه مصعب، إلى بستانٍ قريبٍ من بستان سعد بن معاذ. وطلب منه ان يقرأ القرآن بصوت مسموع فاجتمع الشباب حوله، فنظر إليهم سعد من بستانه فغاظه ذلك، فقال لإبن عمه أُسيد بن الحضير: يا أسيد لا أب لك، ألا ترى ما يصنع إبن خالتي أسعد بن زرارة، واللات لولا صلة الرحم بيني وبينه لقمت ومنعته، ولكن لا أحب أن تخسر ذمتي. إذهب إليه فإمنعهم عما يفعلوا، فلما قدم إليهم أسيد ومعه حربته قال: ما شأنكما إعتزلوا هذا المكان إن كان لكم في أنفسكم حاجة، فنظر إليه مصعب وإبتسم وبكل هدوء ولطف قال له: أولك خير من ذلك؟ تجلس فتسمع فإن سمعت شيئاً يرضيك فهو ذا، وإن كرهته إبتعدنا وكفيناك ما تكره، فقال: أنصفت، فقرأ عليه من القرآن ودعاه إلى الإسلام فتأثر بكلام الله عزوجل، قال: بما يأمر دينكم؟ فأعطاه تعاليم الدين فقال: إنكم تدعون إلى شيء حسن، ماذا يصنع من أراد الدخول في دينكم؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،ثم تغتسل وتتطهر وتصلي ركعتين لله فقام وفعل وجلس يستمع.
اسلام سعد بن مهاذ: ثم إستأذن أسيد بن حضير، وذهب مسرعاً وهو يتمنى لو أن سعداً هو الذي أسلم،فنظر إليه سعدٌ من بعيد وقال لمن عنده: أقسم لكم لقد عاد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال: يا أسيد ما الخبر؟ قال: يا سيد قومه لا بأس عند القوم، وقد نهيتهم وقد وعداني أن يمتنعوا عما تكره، فلم يعجبه هذا الكلام، وقام من مكانه مغضباً وقال: ما كفيتني، فأخذ الحربة ومضى ولحقه أسيد، لأنه علم أن سعداً ذهب لقتالٍ وشرٍ، فقال أسعد: يا مصعب جاءك سيد قومه، والله لإن آمن سيسلم الأوس كلهم، يا مصعب أصدق الله فيه، فتوجه مصعب بقلبه إلى الله بالدعاء، فلما وصل قال: ما شأنكما؟ ألم أرسل إليكما نذيراً؟ فإبتسم مصعب رضي الله عنه وقال: يا سيد قومه ألا تجلس وتسمع، إن سمعت شيئاً يرضيك هو ذاك، وإن سمعت ما تكره كففنا عنك ما تكره قال: قد أنصفت وزدت في الانصاف قال: هاتِ ما عندك، فقرأ عليه من القرآن، وكان مصعبٌ حسن الصوت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { حم ، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} الى {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} فلما إنتهى دعاه إلى هذا الدين، فلما سمع سعدٌ كلام الله،قال: ماذا يصنع الذي يريد أن يدخل هذا الدين؟ فعلمه مصعب، فإغتسل ولبس ثياباً نظيفةً، ونطق الشهادتين وصلى ركعتين، ثم قال: ما واجب من يدخل هذا الدين؟ قال: أن يدعوا غيره إليه، فقام سعد بن معاذ وذهب الى قومه، فلما رأوه من بعيد قادم قالوا جميعاً: واللات لقد عاد إليكم سعد بن معاذ بوجهٍ غير الذي ذهب به، فوقف سعد بن معاذ وقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وإبن سيدنا، وأعقلنا وأحكمنا إذا أمرت فأمرك مطاع، فقال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونسائكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فدخل بنو عبد الأشهل كلهم في ليلة واحدة في دين الله، وقام سعد وأسيد إبن عمه يكسران الأصنام.
الفصل الرابع
بيعة العقبة:
إنتشر الإسلام في المدينة المنورة، ومصعب فيها سفيراً لرسول الله، يعلم الناس القرآن وتعاليم الدين، حتى صارت قلوبهم تتشوق لرؤيته صلى الله عليه وسلم وإنتشر الشوق بين المسلمين، فلما كان موعد الحج سبقهم مصعب إلى مكة وأخذ ينسق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: أن يختاروا منهم بعض الرجال، ونصحهم ألا يكون العدد كبيراً، فإتفقوا أن يكون عددهم سبعين رجلا فلا يلفت انتباه كفار قريش لهم من بين الحجيج. وكان موعدهم عند جمرة العقبة، قال يا مصعب: (قل لهم إذا مضى الثلث الأول من الليل، ونام الناس يتسللوا إلى العقبة تسلل القطا، لا ينتظروا غائباً ولا يوقظوا نائماً، الى الملتقى في الشِّعب الأيمن عند العقبة، بعيداً عن عيون المراقبين)، ولم يخبر صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أبو بكر الصديق وعلي وعمه العباس. قال كعب بن مالك: فما نمنا تلك الليلة ونحن نتشوق لرؤيته صلى الله عليه وسلم، فخرجنا نتسلل تسلل القطا لميعاده. جاء صلى الله عليه وسلم في موعده، ومعه العباس وأبو بكر وعلي فأرسل النبي أبا بكر إلى فم الشعب من ناحية وعليٌ إلى فم الشعب من الناحية الأخرى، ليعطيا إشارة للمسلمين إذا احسوا حركة مريبة أو مراقبة. فإستقبلناه وسلمنا عليه فقال لهم: (إجلسوا)، وإستأذن العباس من النبي وقال: يا معشر الخزرج إن محمداً منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفوه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسَلّموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.
فقال لهم النبي: (ليتكلم متكلمكم وليوجز فإن عليكم من قريشٍ عيناً) فقالوا: قد سمعنا كلام عمك، فتكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم: فحمد الله وقرأ شيئاً من القرآن الكريم، ثم قال: (أبايعكم على أن تؤمنوا بالله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبنائكم)، فقال احدهم: أجل يا رسول الله بايعناك، فنحن والله أبناء حرب وأبناء الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر، والذي بعثك بالحق لنمعنك مما نمنع منه أنفسنا، فمد يده أسعد بن زرارة وقال: بايعنا يا رسول الله فقام أحدهم وأمسك يد أسعد وأبعدها وقال: يامعشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس؛ يا رسول الله إننا بيننا وبين الرجال حبالاً فهل عفيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، هل يمكن هذا؟ فقال لهم: (بل الدم الدم ، والهدم الهدم أنتم مني، وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم) فقال: إن بايعناك على ما طلبت فماذا لنا؟ قال: (لكم الجنة) فقالوا: لِم التردد يا قوم؟ فقال الرجل: مهلاً تعلمون أنكم تبايعون على حرب العرب قاطبة، فإن علمتم أنكم صابرون على هذا فبايعوه وإلا فدعوه من الآن كما قال عمه فهو خيراً لكم في الدنيا والآخرة وأعز لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما جئنا إلا لنبايعه على ذلك. يارسول الله ابسط يدك نبايعك فبسط يده فبايعهم، رجلاً رجلاً، حتى إذا جاء دور المرأتين سأل عنهما قالوا: هذه أم عمارة، وهذه أم منيع، فبايعهما دون مصافحة.
اختيار النقباء: فقال صلى الله عليه وسلم للقوم: (أخرجوا إليّ منكم إثنا عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم). فكان النبي إذا أخرجوا رجلاً قال: (هل رجل غيره) قال: (هذا جبريل يشير إليّ أن ولّي عليهم هذا؛ وولّي عليهم هذا) فقال صلى الله عليه وسلم للنقباء: (أنتم على قومكم كفلاء، كفالة الحواريين لعيسى بن مريم؛ وأنا كفيل على قومي) ثم قال: (إنفضوا إلى رحالكم، سلل القطا كما جئتم لا يشعرن بكم أحدا). جاءت قريش تسأل الخزرج ما الأمر الذي إتفقتم عليه ليلاً مع محمد؟ قال كعب: وقام المشركون الذين أتوا معنا يقسمون لقريش باللات والعزى انه لم يكن شيء، لأنهم لم يعلموا، ثم توجهت قريش بالكلام لعبد الله بن سلول فقال: ما هذا يا قريش إني زعيم قومي، ولا يخفون عليّ أمراً مثل هذا، فواللات والعزى لم يحدث مما تذكرون شيئاً أبداً قالوا: صدقت يا إبن سلول. فأسرعوا بالخروج، ولكن إنتشر الخبر، شدَّ الأنصار رحالهم وصاروا على أطراف مكة، ولحقوا بهم فأمسكوا بسعد بن عبادة وأوثقوه بالحبال وأعادوه إلى مكة ضرباً وتوبيخا. فقال سعد: فبينما هم يُجرجرونني على الأرض ويضربونني، إقترب مني رجل فهمس في أذني: ويحك أليس بينك وبين احد من رجال قريش عهداً؟ فقلت: بلى والله إني كنت مجيراً للمُطعم بن عدي في تجارته قال: اذاً فناده بإسمه وأنا سأذهب وأبلغه، فهتفت بإسم المُطعم، ثم إنطلق وقال: يا مُطعم هناك رجل يصرخ بإسمك، ويسألك العهد الذي بينك وبينه، وهو الآن اسير قريش ويُضرَب، قال: ما إسمه؟ قال: سعد بن عبادة، فقام مسرعاً وقال بيده هكذا وهكذا، كأنما كش القوم كشاً قال: ويلكم أنسيتم أن الرجل من سادة يثرب، وأن تجارتكم لا تأتي إلا عليهم، إبتعدوا عن الرجل، ففك المطعم وثاقي وأطلقني ثم إنطلقت ليثرب سالماً.
خطبة وزواجه من امنا عائشة وامنا سودة :
مضى سنتين، من وفاة خديجة دون زواج ، حتى ذهبت إليه صحابية جليلة إسمها خولة بنت حكيم السلمية، وبكل رفق وأدب، كلمته وقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أرى قد دخلتك وحشة بعد خديجة قال لها: (أجل يا خولة) فقالت: بأبي وأمي ألا تفكر بالزواج؟ فأطرق رأسه وبكى حتى ابتلت لحيته وقال: (ومن بعد خديجة؟) قالت: بنت أقرب الناس وأحبهم إليك عائشة بنت أبي بكر الصديق أول من آمن بك وخير صاحب لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عائشة، ولكنها لم تنضج بعد يا خولة) قالت: أخطبها من أبيها ، وتبني بها بعد ذلك، فأطرق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: (ومن للبيت والعيال يا خولة؟) قالت: هناك أخرى يا رسول الله قال: (ومن؟) قالت: أحببت أن أقدم لك البكر أولا، فإن شئت فإمرأة ثيب قال: (ومن؟) قالت: سودة بنت زمعة، كانت مؤمنة هاجرت للحبشة مع زوجها، وعندهم ستة من العيال، وتوفى زوجها فرجعت إلى مكة فبقيت مع أطفالها عند أهلها وحيدة مقهورة وفقيرة، ولكن موت خديجة وهجرة الطائف والمصائب التي يتلقاها شغله عن حال هذه المسكينة، فلما ذكرتها له، نزلت دموعه كيف غفل عن هذه المرأة المسكينة؟ إمرأة بالسبعين من العمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لخولة بعد أن مسح دموعه عن لحيته،(وهل ترضى هي بالزواج؟) فقالت: كيف لا يا رسول الله، دعني أسألها قال: (إنطلقي)
فقالت خولة لها: أي خير وبركة أدخلهم الله عليكم يا سودة فقالت لها سودة: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله أخطبك عليه، فلم تملك نفسها، فدخلت خولة إلى أبيها وقالت: أي زمعة أي خير ساقه الله إليك والبركة تعم بيتكم، فقال: وما ذاك؟ قالت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنه يخطب إليك سودة قال: رجل كريم فهل ترضى سودة؟ قالت: نعم أخبرتها ومن الفرحة لم تملك نفسها فجلست إلى الأرض قال: إذاً أخبري محمد أني موافق على هذا الزواج، فسعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت والدها، ووضع يده في يده وزوجه سودة، وأعلن الخبر في مكة وإنتقلت سودة إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل عليها، وكان زواجه كفالة لها ولأبنائها، وانقاذاً لها ولأبنائها من الضياع، واحساساً من النبي بالمسئولية عن جميع المسلمين، وحتى يكون قدوة في هذا الأمر، وقد اعجب قومها وهم بنو عبد شمس فقابلوا هذه الالتفاتة من الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعجاب والثناء، لدرجة أنهم خففوا من عداوتهم للنبي لانه أنقذ واحدة منهم من الضياع، كانت السيدة سودة خفيفة الروح وطيبة جداً، وشديدة الكرم لدرجة كبيرة حتى تمنت السيدة عائشة رضي الله عنها ان تكون في اخلاقها، كانت دائماً تمازح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يضحك صلى الله عليه وسلم منها، قالت صلت يوماً خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي يطيل في صلاته في الركوع والسجود فلما انتهى من الصلاة، قالت صليت خلفك فركعت بي، حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وأرضاها.
ثم ذهبت خولة في نفس اليوم الذي تزوج فيه صلى الله عليه وسلم سودة، إلى بيت أبي بكر، فقالت: أي آل أبي بكر، أي خير وبركة ساقه الله إليكم وأدخله الله على داركم؟ قال لها: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله، أخطب إليه عائشة ابنتك، ودهش أبو بكر وقال: إني على عجلة من أمري، أمهليني وخرج مسرعاً، قالت خولة: ما الأمر؟ فقالت زوجة أبو بكر لخولة: إن أبا بكر ما قال قول إلا وصدق به، ذهب إلى المطعم مسرعاً، فاستقبلته زوجته قالت: يا أبا بكر أخاف إن زوجتُ ولدي من ابنتك أن تحمله على الدخول في دينك ويصبح من الصابئين، فغضب أبو بكر وألتفت إلى المطعم قال له: ماذا تقول هذه؟ قال: القول ما سمعت، وإنا لنخشى ذلك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: إذاً أنا في حِل، ورجع إلى خولة وقال: إستأذني رسول الله أن أتمم الزواج، وأعلن هذا الزواج في مكة، ولم يدخل بها صلى الله عليه وسلم.
هدفه من الزواج من امنا عائشه: خطب النبي صلى الله عليه وسلم، امنا عائشة رضي الله عنها وهي لم تنضج بعد، وترك الأمر إلى بعد الهجرة، وفي المدينة المنورة حتى بلغت الحيض، كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة، وهي صغيرة في السن له هدف هام جداً وهو نقل السنة إلى آخر أمة على وجه الأرض. وكان أمامها عمر طويل بعد وفاة النبي لتنقل هذا العلم، ولأنها تتمتع بذكاء حاد، وفطنة وقوة حفظ وحب للعلم والمعرفة، ولذلك اختارها صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة الجليلة، وقال: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) أي عائشة رضي الله عنها، وقد حدث ذلك بالفعل فأصحبت رضي الله عنها التلميذة النبوية النجيبة، وبلغت القمة في تفسير القرآن، وعلم الحديث، والفقه والشعر بل والطب، وكان ترتيبها الرابع في كثرة الرواية بعد أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، فقد روت (2210) حديث، وبلغ من فقهها وعلمها أن كثيرا من الصحابة كانوا يرجعون إليها، ويستفتونها، قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله حديث قط، فسألنا عائشة، إلا وجدنا عندها منه علماً. وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أعلم بفقه، ولا طب، ولا شعر من عائشة، حبيبة قلوبنا أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
الباب الرابع
الفصل الاول
الهجرة الى المدينة المنورة الاذن بالهجرة
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه مسرورا وقال: (قد أُريت دار هجرتكم، أرض سبخة ذات نخيل بين حرتين، لا أراها إلا يثرب، فانطلقوا إليها.) فأخذ أصحابه يهاجرون جماعات، وأفراد، فكان أول من هاجر من الصحابة أبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما، قالت أم سلمة كما روى البخاري: ما أعلم أهل بيت من المؤمنين أدخل الله عليهم، من البلاء ما أدخل علينا. أراد أبو سلمة الخروج، فجاء ببعير وأركب زوجته، ومعهم ولدهم سلمة صبي دون التمييز، ثم قاد بعيره، فرأه أهل أم سلمة فقالوا: يا أبا سلمة؛ أما نفسك فقد غلبتنا عليها أما ابنتنا هذه، فلا واللات لا ندعها لك، فأنت حر في نفسك، أما ابنتنا فدعها لنا. فأخذوها وولدها، ولم يلتفت أبو سلمة فتركهما ومضى في طريقه إلى يثرب، فلما رأى أهل زوجي ما فعل أهلي قالوا: فواللات والعزى، لا ندع الولد عندكم، نحن أولى به، فأخذوه مني، فصرخت وآ ولداه، فتجاذبته العشيرتين فهؤلاء يجذبونه، وهؤلاء يجذبونه حتى خلعوا يده فأصبح عند أهل أبيه لا أعلم من يرعاه وأنا محجوزة عند أهلي، فأصبحت أذهب إلى أبطح مكة أبكي ولدي وزوجي. وقال ابن عمي: ألا تشفقون على هذه المسكينة، فسمحوا لي بالخروج، فردوا علي ولدي، وأخذت بعيري وجلست عليه. فقالوا لي: مهلاً حتى تجدي قافلة تصحبك، فقلت: لا قد لين الله قلوبكم اليوم، فلا أدري ماذا يكون غدا، وأنطلقت لا أدري أين يثرب تقع؟ حتى إذا كنت في التنعيم، قابلني عثمان بن أبي طلحة، وكان مشركا، فقال: إلى أين يا ابنة زاد الركب؟ (لكرم أبيها مع القوافل) قلت: ألحق بزوجي الى يثرب. فقال: ألا يصحبك أحد؟ قلت : إلا الله فقال: مالي بهذا مترك، فأخذ حبل البعير، ومشى على رجليه يقود بعيري. فلا والله ما رأيت رجلا كان أكرم منه في صحبة ولا أجَلَّ خلقا، فكان يمشي بالبعير حتى إذا رأى وقت الراحة قد وجب؛ أجلسنا عند شجرة ثم إبتعد حتى أنزل عن البعير، فيرجع ويأخذ البعير إلى بعيد ثم يضطجع، ويعطيني ظهره، حتى إذا رأى أننا إسترحنا صفق بيده وقال: يا ابنة زاد الركب، أقدم لك البعير لتركبي، حتى إذا جلستْ، جاء وأنهض البعير ومشى؛ فما زال يصنع بي حتى رأى نخيل يثرب، قال: يا أم سلمة إن زوجك في هذه القرية وقد أبلغتك مأمنك، فانطلقي راشدة فترك بعيري ، ثم وقف ينظر حتى دخلت في نخيل قباء، فرجع ماشياً على قدميه. فلما وصلت وعلم أبو سلمة من أوصلني أثنى عليه بخير، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعلم بأمرنا وما حدث، وما زالت يد الولد مخلوعة، فأمسك يده، ووضعها مكانها، وبل يده بريقه ومسح عليها، فعادت يد الصبي أفضل مما كانت.
هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قال علي رضي الله عنه: عندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الهجرة، تنكّب قوسه وتوشح سيفه، وأمسك وتقلد كنانته، ثم تخصر بعنزة، ثم أتى وضح النهار، وقريشٌ في أنديتها، فطاف سبعاً طواف متمكن لا يلتفت لأحد، ثم ركع في المقام ركعتين، صلاة مطمئن لا يلتفت لأحد، ثم وقف وإستقبل أندية قريش، وإقترب منها واثق الخطوة، ثم قال: شاهت الوجوه، والله لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، يا معشر قريش إني راحل إلى يثرب فمن أراد منكم أن تثكله أمه أو تُرمل زوجُه أو يُيتم أولاده فليتبعني إلى بطن هذا الوادي. فو الله ما تحرك قرشي من مجلسه، ثم قال عمر: يا معشر المستضعفين من أراد أن يصحبني إلى الهجرة فليتبعني، فصحبه رهط. فوالله ما تجرأ قرشي أن يرد مستضعفاً خوفاً من عمر فكانوا (١٧) والبعض قال (٢٧). وهنا عمر يمثل نفسه وهو غير اسوة لكل من أسلم بعكس النبي صلى الله عليه وسلم القدوة والاسوة للكل. قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. لذا هاجر عمر علناً، وهاجر صلى الله عليه وسلم سراً، أخذ بالأسباب، رحمة بالمستضعفين من أمته.
اسلام عمر بن الجموح:
بدأت هجرة الصحابة إلى المدينة، وأخذ الإسلام ينتشر في المدينة المنورة، وبقي بعض القوم من سادة المدينة لم يسلموا، ومنهم عمرو بن الجموح: هو سيد من سادة بني سلمة، كان له صنم من الخشب سماه مناف يحبه أكثر من أهله وماله، وشديد الإسراف في تقديسه. فلما أسلم أولاده وزوجته وهو لا يعلم جاء اولاده يستشيرونه ما رأيك بهذا الدين الجديد، قد أتبعه الناس فما ترَ في إتباعه؟ فقال: حتى أشاور مناف فأَنظُر ما يقول، فوقف بين يدي صنمه ثم حمد الصنم وأثنى عليه ثم قال: يا مناف لا ريب أنك قد علمت بخبر هذا القادم، ولا يريد أحداً بسوء سواك، وينهانا عن عبادتك، فأشِرْ عليّ يا مناف ثم تركه وخرج، فلما أظلم الليل، جاء ابنه وصديقه معاذ بن جبل، وأتفقوا أن يذهبوا إلى هذا الصنم في الليل ويأخذوه ويرموه في حفرة فيها أوساخ الناس، فلما أصبح عمرو وذهب إلى صنمه فلم يجده فخرج يسأل من إعتدى على آلهتي الليلة؟ فوجده مُلقى في حفرة القذارات والنجاسات، فأخذه وغسله وطهره وطيبه ثم رجع به إلى داره. وفي الليلة الثانية تكرر الفعل، قال عمرو بن الجموح على مسمع الناس يخاطب الصنم: لو أعلم من يصنع بك هذا لأخزينه ولكني لا أعلم ولكن عندي رأي، فعلق سيفه في عنق الصنم وقال: هذا سيفي تتفاخر به أهل يثرب، فإن جاء من يعتدي عليك الليلة، فدافع عن نفسك. وهذه المرة أخذوا السيف وربطوا الصنم بحبل بجانب كلب ميت ونكسوه على رأسه في الحفرة، فلما جاء ونظر إليه، فتبين له الحق، فقال للصنم: والله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلب وسط البئر. الحمد لله العلي ذي المنن، الوهاب الرزاق ديان الدين، هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مُرتهن بأحمد المهدي النبي المؤتمن، ثم أسلم.
هجرة صهيب رضي الله عنه:
لما سمع صهيب بهجرة النبي، أراد أن يلحق به وأن يكون مدافع عنه إذا تعرض لخطر، قال: فأمسكني فتيان قريش، وحبسوني أيام عندهم، يتناوبون حراستي فقمت ليلة أتظاهر أني مريض فقال بعضهم لبعض: لقد شغله اليوم بطنه فناموا، قال: فتسللت وركبت بعيري، وخرجت ولم أتمكن من أن آخذ مالي فتركته تحت أسكفه، وشعر بي القوم فلحقوا بي ونادوني: إنتظر يا صهيب: جئتنا صعلوكا لا مال لك فعملت واصبحت اكثرنا مالا، فقال: يا أهل مكة كلكم تعلمون بأني أرماكم فو الله الذي لا إله إلا هو، لا أترك سهم في كنانتي إلا وضعتها في قلب احدكم، فإن أردتم مالي دللتكم عليه، قالوا: رضينا، فدلهم عليه فعلموا أنه صادق فتركوه ورجعوا، فقلت: الحمد لله الذي صرفهم عني بحطام دنيا. ثم مضيت ألحق برسول الله وكان صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى قباء قال: فلما إقتربت، إستقبلني رسول الله وهو يضحك ويقول: (بخٍ بخٍ، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى). فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا يسبقني إليك أحد هل جبريل أخبرك؟ قال: (نعم)، فبكيت وقلت: الحمد لله الذي جبريل يذكرني. فهبط جبريل عليه السلام، وما زال صهيب واقفاً امام النبي صلى الله عليه وسلم. فانزل عليه قرآن يتلى إلى قيام الساعة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد} فالمال للمؤمن كالماء للسفينة إذا كان تحتها وحولها فهو وسيلة لمشيها أما إذا دخل إلى قلبها أغرقتها. اللهم إحفظ قلوبنا من الدنيا وأهوالها
هجرة ابو بكر رضي الله عنه؛
جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يستأذن النبي أن يلحق بإخوانه المهاجرين فقال له النبي: (على رسلك أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي). قال ابو بكر: بأبي أنت وأمي أترجو ذلك؟ قال: نعم قال: إذاً الصحبة، فأشار إليه النبي برأسه أن نعم. فحبس نفسه عن الهجرة، لكي يصحب النبي صلى الله عليه وسلم. ومازال النبي ينتظر، هاجر كل المسلمين، ولم يبق الا الرسول وعائلته وابو بكر وعائلته، وكان علي رضي الله عنه ينتظر النبي، والنبي يطمئن على هجرة كل المسلمين، ثم يهاجر بعد ذلك. علمت قريش أن أصحاب النبي قد هاجروا، وأن يثرب أصبحت دار الاسلام، وكل أهل المدينة ينتظرون قدوم النبي إليها، فجُنَّ جنونها لانه لو هاجر النبي الى يثرب فهذا يعني تشكل نواة الدولة الاسلامية، لن يترك مكة تحت حكم قريش، وأن المدينة موقعها استراتيجي وهو طريق تجارة قريش، وتجارة قريش هي مصدر أموالها وقوتها فإذا قطع عليهم اهل يثرب تجارتهم ، ضاعت قريش كلها.
جاء وقت الظهر فقام صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوب وإتجه إلى دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليخبره، فلما رآه أبو بكر قال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما جاء بك بهذه الساعة إلا أمر حدث؟ قالت عائشة: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله قال له: (أخرج عَنِّي من عندك) فقال ابو بكر: فداك أبي وأمي إنما هم إلا أهلك ما الخبر؟ فقال: (إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة) فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، فقال له النبي: (نعم) تقول عائشة: فجهش أبو بكر بالبكاء، فلا والله ما علمت أن أحداً يبكي من الفرح، قبل أن رأيت أبا بكر يبكي يومها. وكان ابو بكر رضي الله عنه، عندما أراد الهجرة وقال له النبي: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً). اخذ يخطط ويستعد للهجرة، فذهب واشترى راحلتين، وجعلها عند رجل من المشركين ليرعاهما وهو عبد الله بن أريقط، لكي لا يلفت الانتباه. ثم قال: يا نبي الله هاتين الراحلتين قد كنت أعددتهما لهذا اليوم، خذ واحده منهما، فقال: (ولكن بثمنها يا أبا بكر)، قال: نعم رضيت فقال النبي: (وأنا قبلت كم ثمنها يا ابا بكر؟) قال: (٤٠٠) درهم، فقال: (هو لك في ذمتي). تقول اسماء بنته: كان ابي من الأثرياء يملك (٨٠٠ ألف درهم). فأنفقها على رسول الله والدعوة إلى الله وعلى المسلمين المستضعفين، فلما هاجر لم يكن معه إلا (٥ ألاف درهم)، فوالله لما هاجر اخذها معه ولم يدع لنا شيئا. عن أنس رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حب ابي بكر واجب على امتي).
خطة سير الهجرة:
وإتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع الصديق أن يختار غار ثور، في تلك الليلة وضعت الخطة، وطلب منه أن يختار دليلاً للطريق يكون خبيراً، فوقع إختيارهما على عبد الله بن أريقط، كان خبيراً بالصحراء محنكاً ومميزاً جدا بخبرته، رغم انه مشرك، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وقال لعلي رضي الله عنه: (يا علي إني مهاجر هذه الليلة، وعليك أن تبقى أنت من بعدي هنا، فإن لقريش عندي أمانات وودائع) جلس صلى الله عليه وسلم مع علي وقال: (هذه لفلان، وهذه ملك فلان، وهذه لفلان وفلان) اخذ معه وقتا طويلا حتى العشاء، وفي هذا الوقت جاءت قريش بشبابها الأقوياء كما إتفقوا ينهالون من كل مكان وأحاطوا بالدار إحاطة السوار بالمعصم. فحاصروا بيت النبي بالكامل. [ان الأمر لعجيب، هم يعلمون أنه الصادق الأمين، فصاحب الخلق عظيم يعلم أنهم قد وضعوا ايديهم على دار كل مسلم قد هاجر، وأخذت قريش أموالهم وممتلكاتهم، وسيأخذون داره، وقد فعلوا فلقد أخذها عقيل بن ابي طالب حينها وباعها، ومع كل هذا، رد الأمانات إلى أصحابها، ديننا يأمرنا أن نعامل الناس بما أمرنا الله، لا بما يعاملوننا به، فنحن المسلمين نعامل الله سبحانه].
مؤامرة قريش:
لما سمعت قريش بأقتراب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ جُن جنونها فعقدوا مؤتمر في دار الندوة، دعو اليه كل ذي شرف من القبائل وتكتموا على الخبر، فجاء إبليس لعنة الله عليه، ووقف على باب دار الندوة بصورة شيخ نجدي، فقال أبو جهل: من الرجل قال: شيخٌ من نجد، سمعت بمؤتمركم، فأحببت أن أشهده ولعلكم لا تعدمون رأياً عندي. قال: نِعمَ الرجل فدخل وجلس بصدر المجلس، وأخذوا يتداولون الرأي، فقال قائل: نحبسه حتى يموت فنكون قد قطعنا بينه وبين أصحابه. فقال إبليس: ما هذا لكم برأي إنكم لتعلمون حب أصحابهِ له، ولو سمعوا أنه محبوس جاؤوكم وقاتلوكم حتى ينقذوه. فقال آخر: نخرجه وننفيه من مكة، فإعترض إبليس هذا ما تخافون منه، سينزل على أهل يثرب وأصحابه وعند ذلك تقوى شوكته ويأتيكم ويغزوكم، فقال أبو جهل: إن لي رأياً نأخذ من كل قبيلة شاب قوي ذو نسب ثم يعطى كل واحد منهم سيفا صارماً، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على حربهم جميعاً ويرضون بالعُقل ( الدية) فإبتسم إبليس، وإنشرح صدره وصفق نِعمَ الرأي هذا، وفُض الإجتماع على العمل بهذا القرار. فجاء جبريل عليه السلام واخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤامرة، وقال: جهز نفسك في وسط النهار، ولا تنم هذه الليلة في فراشك، وإنتظر حتى يكون وسط الليل، فيكون الخروج.
حصار النبي في بيته: بعد أن أُحكم الحصار، يأتي جبريل ويقول للنبي: اخرج الآن، وخذ حفنةً من تراب وإقرأ عليها صدر ياسين {بسم الله الرحمن الرحيم، يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ثم اخرج وذر التراب على رؤوسهم فإنه لن يراك أحد. وقبل أن يخرج قال لعلي رضي الله عنه: (يا علي أنظر فإنهم يحيطون بالدار، وينظرون من خلل الباب فعليك أن تشغلهم عني ساعة، فعليك أن تنام بفراشي هذا يا علي، وأن تتغطى ببردي الأخضر هذا، حتى إذا كان الفجر علموا أنك علي. ثم ترد الودائع للناس وتلحق بي إلى يثرب). لما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم التراب بيده، وأراد أن يخرج، تكلم ابو جهل، يريد ان يسلي فتيان قريش، لكي لا يملوا ويناموا: يزعم محمد هذا، أنه إن آمنتم به وصدقتموه، بعثتم بعد موتكم، ولكم جنان كجنان الأردن والشام، وإن لم تؤمنوا به ولم تصدقوه، بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تلظى تحرقون بها، فضحكوا. سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله. فقال بأعلى صوته: (نعم أنا أقول هذا، وأنت واحد منهم يا أبا جهل) ثم خرج ووضع التراب على رؤوسهم واحدا واحدا فما ترك منهم فتى إلا ووضع التراب على رأسه. [ليعلم الناس كلهم كمال الإيمان وحسن التوكل على الله، وأن القرآن هو دستور حياة يُعمل به. فيه آيات يعرف كيف يواجه أعدائه بها، وحل لمشاكله.]
نام علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وطال الوقت على قريش، وأخذوا ينظرون. وكلما نظروا من شقوق الباب رأوا رجلا نائماً مغطى فيقولون: هذا هو محمد نائم فينتظرون خروجه للصلاة، إلا أنهم شكّوا في الأمر بعد ان لاحظوا تأخره، وعلي يتقلب بالفراش هم يعلمون طبع النبي عندما ينام يضجع على شقه الأيمن ولا يتقلب. فشكّوا في الامر، ولكن يعودون فيقولون هذا محمد نائم في برده، حتى إذا تأخر إنتظارهم، حدثوا بعضهم بعضاً قالوا: ألا نقتحم عليه داره؟ فقال بعضهم: ماذا تقولون؟ إنها السبة في العرب، أي عار هذا كيف إذا تحدثت العرب وقالوا: إقتحموا في الليل على بنات عمهم في خدورهن عيب وعار . قالوا: لا بل ننتظره حتى يخرج لصلاة الفجر انتظرت قريش، حتى إذا كان قبيل الفجر،. جائهم إبليس، بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم في منتصف الليل، بصورة رجل عادي، وقال: ويحكم ماذا تنتظرون؟ قالوا: ننتظر محمد حتى إذا خرج قتلناه بسيوفنا، فقال: لهم قبح الله وجهكم، قد خرج محمد منذ ساعة وما ترك رجل منكم، إلا ووضع على رأسه التراب، تلمسوا رؤوسكم. وإذا التراب على رؤوسهم قالوا: كيف خرج؟ قال لهم: قد خرج وأنتم نائمون قالوا: لم ننم أبدا، فانتظروا حتى كان الفجر فقام علي رضي الله عنه من الفراش ليتوضأ فلما قام رأوه إنه علي فدفعوا الباب وقالوا: إفتح يا علي ففتح علي الباب قالوا: يا علي أين محمد؟ قال: لا أدري فتركوا علياً وإنصرفوا.
توجه النبي الى جبل ثور:
توجه النبي صلى الله عليه وسلم، بسرعة لبيت ابي بكر الصديق وخرجا من فتحة في ظهر البيت، ثم وقف على مشارف مكة، ونظر إليها وقال: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله عز وجل، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت). وتوجها الى جبل ثور، وهما يصعدان الجبل أنزل الله آيات من سورة القصص،{وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} ليطمئن بوعد الله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي ستعود مرة أخرى لمكة يا رسول الله. قال ابو بكر رضي الله عنه: عندما وصلنا لغار ثور نظرت الى قدمي النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تقطر دماً من خشونة الجبل. فاصبح في مأمن. جن جنونهم وأخذت قريش تبحث عنه في كل مكة وأستخدموا خبراء آثار الاقدام. فقالوا الاثر لم يأخذ يمين ولا شمال، أثر واحد من دار محمد، إلى دار أبا بكر، ومن دار أبي بكر إلى اول الجبل أثر رجلان، فإشتعل أبو جهل من الغضب، وإتجه إلى دار أبي بكر لأن بيت أبو بكر أسهل من أن يصعدوا الجبل أولا، قرع الباب بشدة، ففتحت له اسماء وإذا أبو جهل يقف بالباب مغضباً قال: يا بنت أبي بكر أين ذهب أبوك قلت: والله لا أدري، فرفع يده ولطمني على وجهي. ثم اندهشوا لماذا جبل ثور؟ ووقفوا مذهولين، من أراد الذهاب ليثرب، يسلك طريق الغرب. وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع ابو بكر ثلاثة ايام في الغار، واسماء بعد ما علمت، كانت تحمل لهم الطعام كل يوم، ولانها كانت حاملا بعبد الله ابن الزبير في الشهر السابع، لا يمكن أن يشك فيها أحد.
لما أرادا أن يدخلا الغار قال الصديق: بأبي وأمي لا تدخله حتى أستكشفه لك فقال صلى الله عليه وسلم: (أتحب يا أبا بكر إن كان به شيء أن ينزل بك قبلي)؟ قال: نعم لا أراك تصاب بمكروه، فنزل وتفقده فلم يجد شيئ الا شقوق بين الصخور، فأخذ يمزق من ثوبه، ويحشوها ليمنع دخول كائنات مؤذية ثم قال: أدخل يا رسول الله فدخل وكان المكان مظلماً، ومن شدة التعب وضع رأسه على قدم الصديق ونام، وبقي الصديق سهران خوفاً على رسول الله حتى طلع الفجر وإنتشر النور، نظر النبي إلى أبي بكر، وعليه قطعة قماش تستر عورته فقط، قال: (يا أبا بكر أين ثوبك؟) فإستحى وقال: سددت هذه الشقوق خشيت أن يخرج منها ما يؤذيك فبكى النبي حتى إبتلت لحيته،ثم رفع يديه وقال: (اللهم إن الصديق قد أَوجَب اللهم إن الصديق قد أوجب، فإجعله معي في درجتي حيث كنت في الجنة)، عاد رجال قريش تبعا للاثر فصعدوا الجبل، في وضح النهار ، حتى وصلوا باب الغار،قال أبو بكر للنبي: بأبي وامي انت يا رسول الله، لو نظر أحدهم من موضع قدميه إلى فم الغار لأبصرنا،فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك بإثنين الله ثالثهما) .وقال تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} فسمع أبو بكر حديثهم يقولون لبعض ألا نفتش الغار وندخل فيه لنرى؟ فقال ابو جهل: ألا تروا ما بباب الغار؟ إن عليه نسيج عنكبوت من قبل أن يولد محمد؛ وأنظروا إلى الحمامتين لو كانا قد دخلا الغار، ألا تهجان؟ ألا يمزق نسيج العنكبوت؟ أحذركم وأياكم أن تدخلوا إلى الغار ولا تقتربوا منه فيكون فيه ما يؤذيكم إرجعوا وإبحثوا في غيره، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقد رأى الحمامتين وسمع ما يقول المشركون، رفع يديه وبارك عليهما ودعا لهما، فنزلت الحمامتان إلى الحرم.
الخروج من الغار ووعد سراقة :
بقيا في الغار ثلاثة أيام، الى ان خفّت حدت البحث فإطمئن النبي وقال لأبي بكر: (إنزل يا أبا بكر وأنظر موعد عبد الله بن أريقط)، فنزل وإختبئ حتى ظهر عبدالله أولاً وكان أبو بكر يراقب حتى إذا وجده ينتظر ، ظهر له أبو بكر وإستطاع أن يعرف منه صدق النية، فلما تأكد منه قال: إنتظرني ها هنا ثم غاب أبو بكر ورجع بالنبي صلى الله عليه وسلم وقدم إليه أحسن الناقتين فركبها صلى الله عليه وسلم وأطلق عليها إسم القصوى إنطلق صلى الله عليه وسلم يصحبه أبو بكر وخادمه والدليل عبدالله بن أريقط. فلما كانوا على بعد قليل من مكة أبصر بهم رجل من بني مدلج سيد قومه هو سراقة بن مالك المدلجي، وحديث بني مدلج محمد وصاحبه والجائزة (٢٠٠) ناقة من حمر النعم فجاء الرجل مسرعا يلهث، يا سراقة لقد أبصرت سواد في طريق الساحل بين الثلاثة أشخاص أو أربعة لا آراهم إلا محمد وأصحابه، فغمزته بعيني أن أسكت ثم قلت: لا ليس محمد وصحبه هذا فلان وفلان ذهبوا ونحن نعلم وهم يبحثون عن ضالة لهم وشغلت القوم بحديث بعيد عن الموضوع، ثم خرجت من مجلسي فلم يسألني أحد لماذا قامت؟ فدخلت الدار وأمرت خادمي أن يأخذ فرسي وأن يضعها بعيداً عن نظر القوم، ثم أخذت رمحي فجعلت زجه بالأرض وأخذت أخط برمحي الأرض، حتى وصلت إلى فرسي فركبتها فما زالت تقربني إلى طريق الساحل حتى رأيت محمد وصحبه فدنوت منهم حتى هممت أن أرمي برمحي فعثرت بي فألقتني عن ظهرها، فقمت فزجرتها ثم ركبتها حتى دنوت منهم وأصبحت أسمع قراءة محمد وهو يقرأ القرآن حتى لو ألقيت برمحي لأصبته فساخت يدا فرسي في الرمال وتوقفت. فعلمت أنه ممنوع فقلت: يا محمد أنا سراقة بن مالك وها أنا قد أدركت قف أكلمكم فسمعته يقول لأبي بكر ولم يلتفت (قل له يا ابا بكر ماذا تبتغي منا؟) فقال: أكلمكم قال: ماذا تبتغي منا؟قال: يا محمد قد علمت أن أمرك ظاهر، أريد منك كتاب عهد وميثاق ألقاك به يوم تفتح مكة، فقال رسول الله لأبي بكر: (أكتب له كتاب وألقيه إليه) فقلت: يا محمد يا إبن سيد قومه قف أكلمك، فوقف وإستدار وكان لا يلتفت صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد أن يلتفت إلتفت بكلّه قال: (نعم يا سراقة؟) قلت: إن معي مال وطعام أعرض عليكم مساعده فقال النبي: (لا حاجة لنا بمالك ولا طعامك) قال: هذا سهم من كنانتي يعرف بريشتي ستأتون على غنم لي مع الراعي خذوا منها ما شئتم فقال له صلى الله عليه وسلم: (بارك الله في غنمك لا حاجة لنا بذلك) قلت: يا محمد إني على يقين بأن أمرك ظاهر وإني أعلم أنك دعوت عليّ وعلى فرسي حتى ساخت بالرمال فإدعوا الله أن يطلقها وسأرجع ولن يأتيكم مني شر أبداً وهذا كتاب عهد بيني وبينك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إن كان صادقاً فأطلق له فرسه) فنفضت يداها من الرمال، وخرج لهم غبار ملء السماء كأنه دخان، ثم قال لي رسول الله: (عمّي عنا الأخبار من هذا الوجه، وإن كانت قريش جعلت لك مئة ناقة من حمر النعم فأنا أقول لك يا سراقة لك سواري كسرى إن أنت وفيت). فلم أكذبه ولكن قلت رجل مطارد من قومه يلجأ إلى غار يختبئ به ثلاثة أيام يبشرني بالظهور على كسرى إن أمره لعجب، رجع سراقة وكل ما لقى شخص بالطريق يقول: كفيتم هذا الوجه إرجعوا إبحثوا في غيره.
الفصل الثاني
احداث في طريق الهجرة:
استراحة ام معبد: مضى في هجرته، حتى إذا كان في القديد، كان هنالك خيمة لإمرأة خزاعية كنيتها أم معبد وإسمها عاتكة، الكل يعرفها، كانت تطعم وتسقي، وتستضيف المسافرين وهي لا تعرفهم. وكان أبو بكر يعرفها فقال: بأبي وأمي يا رسول الله هناك خيمة أم معبد، لعلنا نجد عندها شيء نشتريه، فسلم عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا أم معبد هل عندك من طعام أو تمر نشتريه؟) فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم، فقال: (يا أم معبد هل عندك من لبن؟) قالت: لا والله، (فنظر إلى طرف الخيمة فوجد شاة وقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد؟) قالت: خلفها الجهد عن الغنم قال: (هل بها من لبن؟) قالت: هي أجهد من ذلك، قال: (أتأذنين لي في حلبها؟) قالت: والله ما ضربها من فحل قط، قال: (أتأذنين لي أن أحلبها يا أم معبد؟) قالت: فشأنك إن رأيت منها حلبا فإحلبها، قال ابو بكر: [فمسح صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة ظهرها وساقيها وسمى الله وقال: (اللهم بارك لنا في شاتنا)، فإجترت وتفاجت أي امتلأ ضرعها فمسحه وغسله ثم قال: (إليّ يا أم معبد بوعاء)، فأحضرت له وعاء يربض الرهط فرفع ساقها ليحلبها، فحلب فيها ثجاً حتى علتهُ الثّمالة، فسقى أم معبد فقالت: إشربوا أنتم قال النبي: (لا إشربي أنتي أولاً) فشربت حتى رويت، ثم سقى من معه حتى ارتووا فأخذ الوعاء وشرب، وقال: (ساقي القوم آخرهم شرباً)، ثم عاد إليها وحلبها مرة ثانية، عللاً بعد نهل، ثم ترك الوعاء عندها وإرتحل، فجلست تقلب يديها، وتكلم نفسها أتحلب الحائل؟ والله انه لأمر عجيب، أي رجل هذا؟ فجاء أبو معبد زوجها يسوق أعنُزاً عِجافاً يتساوكنّ هِزالاً ، مُخهنّ قليل، فلما رأى اللبن في البيت قال: من أين هذا اللبن وليس لكم في البيت حالب ولا حلوب؟ قالت: أما والله لقد مر بنا رجل مبارك قد حلب الحائل أنظر إلى الشاة فنظر إلى الشاة فإذا ضرعها ما زال ممتلء بعد كل هذا الحلب فوقف مصدوم يا ام معبد حلب الحائل؟ صِفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحله ولم تزريه صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع كأن عنقه إبريق فضة، وفي لحيته كثاثة، أزج، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاها من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فصلا لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنوه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند، صلى الله عليه وسلم
اسلام ام معبد: قال البيهقي في الدلائل: كثرت غنم أم معبد، حتى أحضرت بعض منها إلى المدينة، فمر أبو بكر رضي الله عنه فرآها، فعرفه إبنها قال يا أمي: هذا الرجل الذي كان مع حالب الحائل، فقامت إليه قالت: يا عبد الله مَن الرجل الذي كان معك؟ قال: لها ألا تعلمين؟ قالت: لا إلا أنه حلب الحائل، فقال: هذا رسول الله محمد بن عبدالله قالت: أدخلني عليه فداه أبي وأمي قال: فأدخلتها فأستقبلها صلى الله عليه وسلم احسن استقبال وأطعمها وأكرمها وأعطاها فأعلنت إسلامها رضي الله عنها وأرضاها، تقول أم معبد: بقيت الشاة عندنا نحلبها في الصباح والمساء فوالله الذي لا إله إلا هو ما في أرض الله شيئاً يأكل ولا شاة تحلب. وجاء في بعض الروايات عن هند بنت الجون، تكون ام معبد خالتها، وقد اسلمت أنه لما كان النبي بخيمة خالتها أم معبد قام ليتوضأ صلى الله عليه وسلم، فدعا بماء فغسل يديه، ثم تمضمض ومجّ ذلك في عوسجة إلى جانب الخيمة، فأصبحت وهي أعظم دوحة، وكان لها ثمر كبير، في لون الورس، وكانت رائحتها العنبر، وطعمها الشهد ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي ولا سقيم إلا برىء ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا درّ بالحليب، فكنا نسميها المباركة، فأصبحنا في يوم من الأيام وقد سقط ثمرها، واصفر ورقها ففزعنا لذلك، فما راعنا إلا وقد وصلنا خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
استراحة مزرعة المستظل :
وصل صلى الله عليه وسلم، على أطراف المدينة الى مزرعة المستظل وفيها بئر عذق، استراح صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان وشرب منه فكان اول ماء شربه في المدينة من ذلك البئر صلى الله عليه وسلم، مر رجال من تجار قريش ذاهبين إلى مكة، فألتقوا هناك مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكان منهم الصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه، خارج في تجارة لقريش، وعلم أنه مهاجر نشر بضاعته وكسا النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق ثياب بيض جديدة، وإستأذن النبي أن يتم تجارته إلى مكة ثم يعود مهاجر إلى المدينة، فكانت كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإغتسل ولبس الثياب الجدد البيض ليستقبله أصحابه وهو بثياب حسنة، اهل المدينة قد بلغهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه في طريقه إليهم لهلال ربيع الأول وما كان في حسابهم ذهابه إلى الغار ثلاث أيام فيه، ولم يكن في حسابهم أنه سلك طريق لا تسلكه القوافل فلما حسبوا الأيام بسبعة أو ثمانية، قالوا: عندما توقعنا وصوله كنا نخرج كل يوم بعد صلاة الفجر إلى الطرق ونرقب وصوله حتى تغلبنا الشمس على الظلال فندخل بيوتنا، وفي ذات يوم خرجنا كعادتنا حتى غلبتنا الشمس فدخلنا بيوتنا فسمعنا صارخاً يصرخ يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون، فأخذنا سلاحنا نستقبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذنا نبصر الطريق وإذا السراب يخفيهم مرة ويظهرهم مرة أخرى مبيضين مقبلين، فلما إقتربوا جلس النبي تحت ظل شجرة، قالوا: فأقبلنا فرأينا رجلين مبيضين قريبين بالعمر من بعضهم البعض ومعهم خادم ودليل يدلهم على الطريق، فإستقبلوه، ثم مضى بهم حتى وصلوا إلى بساتين قباء ليتأكد من أهل المدينة، أنهم قادرون على تحمل تبعات هذه المرحلة الجديدة، قبل دخوله، لانهم لم يكن كلهم مسلمون، بل فيهم يهود ومشركين، وبدخوله ستكون مرحلة في غاية الصعوبة، وسيقفون ليس أمام قريش فقط، بل في مواجهة كل .
وصول النبي الى قباء:
وصل صلى الله عليه وسلم قباء، يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول، فقد أتم من عمره الكريم (٥٣) سنة قمرية، فنزل على بني عمرو بن عوف، وزعيمهم كلثوم بن الهدم، ما زال مشركا، ولكنه إستقبله، فاختار النبي أن يكون ضيف عليه، ونزل عنده ضيفاً، في الصباح أمر النبي صل الله عليه وسلم، أن يبنى مسجد قباء، في نفس مكان اجتماعه مع اصحابه، وعمل فيه بيده، قال تعالى: { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} وفي صباح يوم الجمعة اكمل سفره إلى المدينة المنورة، وأرسل من يخبرهم بقدومه، فخرج إليه أخوال جده عبد المطلب من بني النجار عددهم (٥٠٠) رجل حاملين سلاحهم، فأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم وقالوا: يا رسول ا.الله نحن أهل العدد والحلقة، أدخل مدينتك آمناً مطمئناً مطاعاً. فمشى والناس من حوله يحفونه، فلما كان بين قباء والمدينة، حضر وقت الظهر، فنزل وصلى بهم الجمعة بعد أن فرضت وعلمهم وهم بالطريق، فقام يخطبهم فأتكى على رحل ناقته القصواء (فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمة ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان، ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي؟ فبلغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيء، ثم لينظرن قُدامه، فلا يرى شيء غير جهنم، فمن إستطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمره فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبه فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.)
وصول النبي الى المدينة:
المدينة مكونه من ثلاثة عشر حيا وكل حي فيه عشيرة من الأنصار، ولم يبقى بيت من بيوتها إلا وقد اسلم، وكلهم خرجوا فضجت شوارع المدينة بالناس رجالا ونساء وشباب وأطفال وشيوخ وأسياد كلهم مشتاقين لرؤيته صلى الله عليه وسلم، فلما سمعوا انه خرج من قباء، متجه إليهم، عاشت المدينة أفراحها العظيمة، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبوابها، يوشك أن يدخلها، محاط بأخواله من بني النجار، وآخرون من المهاجرين والأنصار وهو على ناقته القصواء، وبأيديهم سيوفهم تحميه من كل من تسول له نفسه أن يصيبه بأذى، وأبو بكر خلفه على الناقة، فكان هذا اليوم التاريخي العظيم من أعظم أيام الإسلام والمسلمين، فلما اطل عليهم ورأوه من بعيد، صاح الغلمان والاطفال والخدم بأعلى اصواتهم، (الله أكبر، الله أكبر، جاء رسول الله، الله اكبر، هذا محمد رسول الله قد أطل علينا، الله اكبر هذا محمد رسول الله، فلما أقبل صلى الله عليه وسلم وأطلّ عليهم، قال أنس رضي الله عنه: أضاء منها كل شيء، (أي المدينة) من نور وجهه صلى الله عليه وسلم، وقال البراء: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله، وبدأ السرور في وجهه وهو يرى هذه القلوب المؤمنة والوجوه المشرقة المستبشرة تستقبله حتى كأن وجهه القمر، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء البنات الصغيرات فقال: (أتحببنني؟) فقلن: نعم يا رسول الله فقال: (الله يعلم أن قلبي يحبكن). أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، يمشي بين الجموع، وكان رئيس كل عشيرة، ورب كل بيت يطمع أن يقبل ضيافته، يأخذون زمام ناقة ويقولون: يا رسول الله إنزل فينا نحن أهل الحلقة، نحن أهل العز، فمن مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم يقول: (دعوها فإنها مرسلة، خلّو سبيلها فإنها مأمورة) من أجل تأليف قلوبهم، لحساسية الموقف بين الأوس والخزرج، فما زال على ظهرها صلى الله عليه وسلم، ورديفه عليها أبو بكر من قباء إلى المدينة، ليعلم الناس كلهم مكانته عند رسول الله، فما زالت تمشي حتى أتت إلى موقع كان مربد تمر لغلامين يتيمين من بني النجار، وإلى جانبه أرض فيها مقبرة قديمة، وإذ بالناقة تقفت وتنظر يمينا وشمالا ثم بركت، وبقي النبي جالس على ظهرها، كأنه يوحى إليه، ثم قامت الناقة فطافت جولة، رسمت حدود المسجد النبوي الذي بناه الرسول والصحابة، ثم رجعت إلى موقعها الأول فبركت فيه فتحلحلت ثم أرزمت، ثم مدت عنقها إلى الأرض وأرزمت وإستراحت ولم تعد تتحرك، فعلم النبي أن المنزل ها هنا فقال: (ها هنا المنزل إن شاء الله)، ثم وقف وقال: (أي دور أهلنا أقرب إلى هذا المكان؟) قال: أبو أيوب الأنصاري: أنا يا رسول الله، فهذا الباب الذي أمامك هو باب داري، فقال صلى الله عليه وسلم: (إحمل متاعنا إليه) فنزل صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب، فقال له بعض الناس: تنزل عندنا يا رسول الله، فإن بيوتنا أوسع قال لهم: (المرء مع رحله) فجاء أسعد بن زرارة سيد الأنصار قال: يا رسول الله فاز بها أبو أيوب، فهل تأذن لي أن تكون ناقتك في ضيافتي، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لك ذلك)، فأخذها وإذا إحتاجها النبي يحضرها إليه.
اقوال من صفات النبي صلى الله عليه وسلم: من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم:
– كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بيننا يتلألأ نور وجهه في الجدر، يفوح منه ريح أطيب من ريح المسك، – وكان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى الصبية ويترفق بهم فكان يمسح بكفه على رأس الصبي، ويُعرف من بين الصبية سائر اليوم أن رسول الله قد مسه لِما يفوح من رأسه ريح المسك
كان شعره ليس بالناعم السهل ولا أجعد، له مشط ومرآة وعود يفرق به شعره، وكان لا يأخذ منه إلا في نسك حج أو عمرة لذلك كان شعره يضرب منكبيه أي قريب من كتفيه، ولم يرى الصحابة شعره إلا عندما أحرم في حج وعمره. كان عدد الشيب في رأسه ولحيته، لا يتعدى عشرين شعرة بيضاء تحت شفته السفلية، وبعض الشعرات البيضاء موجودة فوق الذقن وكان بياض هذه الشعرات كبياض الؤلؤ، حسن اللحية، طولها بقبضة اليد، يراها الصحابة وهم واقفين خلفه للصلاة، وكان أحسن عباد الله عنقاً لا طويلة ولا قصيرة، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر، صلى الله عليه وسلم.
ليس بالسمين ولا بالنحيل، متناسب الأعضاء، مشدود العضلات، عريض الصدر، ليس عنده كرش، وله شعر في اعلى صدره وخط من الشعر الخفيف جدا لصرته، وكان على يده شعر. واذا صافح رجلًا تبقي رائحة النبي في يد الرجل الذي صافحه.
– قال انس رضي الله عنه: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً أطيب من ريح رسول الله صل الله عليه وسلم.
– وروي مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول ثم خرج فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً، ثم مسح خدي فوجدت ليده ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار
– قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: شاعر النبي صل الله عليه وسلم
أحسن منك لم تر قط عيني // وخير منك لم تلد النساء
خلقت مبرئا من كل عيب // كأنك قد خلقت كما تشاء
الفصل الثالث
بناء المسد النبوي:
النبي في دار ابي ايوب: دار أبو أيوب علّيّة من غرفتين، أراد أبو أيوب أن ينزل النبي في الطابق الثاني فرفض النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزل في الطابق الأسفل وقال: (لك بيتك، فهذا أسهل وأرفق علينا، وعلى من يأتينا ضيف) وكان أبو أيوب كل يوم يلح على الرسول، نخاف من مشينا أن يتساقط عليك شيء من التراب أو في الليل أن نتحرك فنزعجك إصعد للطابق الثاني فيقول له النبي: (لا، لك بيتك يا أبا أيوب) وفي ليلة باردة إنكسر الحب أي جرة الماء من يد زوجته، فأسرع هو وزوجته يجففوا الماء في غطاء لهما بسرعة لكي لا يؤذي النبي، فجففوا الماء، وناموا تلك الليلة بلا غطاء يرجفان من البرد، فلما كان الصباح قال: (كيف كانت ليلتكم يا أبا أيوب) فقال: وقع من أمرنا كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وسلم: (نصعد نحن إلى الأعلى وتنزلوا أنتم إلى الأسفل). قال أبو أيوب: كنا نرسل للنبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة عشائه فإذا رد علينا القصعة، تلمسنا مواضع أصابعه فنأكل من مكانها تبركاً، وفي يوم رد علينا القصعة وليس لأصابعه فيها أثر، ففزعت وقلت للنبي بأبي وأمي رددت إلينا قصعتك وليس ليدك أثر، فإنا كنا نلتمس أثر أصابعك أنا وزوجتي فنأكل منه تبركاً. لما لم تأكل عشائك يا رسول الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: (أحسب أن فيها من هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي، أما أنتم فكلوا منها)، فلم نعد نضع له الثوم في طعامه صلى الله عليه وسلم، وأمضى النبي في دار أبي أيوب سبعة أشهر حتى تم بناء المسجد وحجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم.
أصبح في اليوم الثاني كل أهل المدينة ينتظرون ما هو برنامج عمله، خرج على الصحابة، وأخذ رمح وإقترب إلى موقع الناقة، ثم غرس الرمح فيه، ثم قال: (هنا نبني المسجد إن شاء الله) ثم قال: (لمن هذا المكان؟)قالوا: لغلامين يتيمين هم في كفالة فلان فقال: (أين الغلامين وأين الكفيل؟) فلما حضروا تحدث مع الغلامين، (أننا نريد أن نبني مسجد في هذا المكان حيث بركت الناقة، فكم تريدون ثمن هذه الأرض؟) قالوا: الله أكبر هي لك يا رسول الله من غير ثمن بيت لله ومنزل لك، قال: (لا يكون إلا بالثمن، ولا يكون الثمن إلا ما تريدون وتطلبون)، فطلبوا الثمن فدفع النبي صلى الله عليه وسلم من مال أبي بكر وأذن ببناء المسجد، فلما بدء بالبناء، خلع ردائه صلى الله عليه وسلم، وأخذ المعول وشرع بالعمل، فنبش القبور القديمة واخرج ما بها ودفنها في مكان آخر، وقطع أعجاز النخل الباقية، وسوى الأرض ثم بدء بالبناء هو وصحابته بالطوب الترابي المعروف، وكان البناء متواضع بسيط إرتفاعه على طول الرجل أو يزيد قليلا، أعمدته من جذوع النخل وسقفه من ورق النخيل، فخرج منه رجال دوّخوا أعظم دولتين كسرى وقيصر. وفيه تعلموا دينهم فأصبحوا أساتذة الأخلاق والسلوك ومنه تعلموا الجهاد فخرجت السرايا والكتائب. قال تعالى:{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
المآخاة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إليّ يا معشر المهاجرين، إليّ يا معشر الأنصار) حتى إجتمعوا إليه قال: (فلتتأخوا في دين الله أخوين أخوين، فلينزل كل مهاجر في منزل أنصاري أخوين في دين الله يرث أحدهم الآخر)، فجمع بين الغني والفقير الأبيض والأسود الحر والعبد، فتعلموا الإسلام من اخوتهم، وحل جميع مشاكل المهاجرين السكنية، والاقتصادية وزال عنهم الاحساس بالغربة، واندمجوا في المجتمع.
وثيقة المدينة وتاسيس السوق:
خرج صلى الله عليه وسلم يوما يتفقد المدينة، وينظر فيها، فوجد أن السوق يملكه يهود فمنهم الصاغة، ومن يصنع السلاح، فأدرك أن اليهود تسيطر على إقتصاد المدينة، فجاء إلى موقع عند باب السلام مقابل المسجد النبوي ثم قال: (يا معشر المؤمنين هذا سوق المسلمين لا يملكه أحد، السوق لمن سبق، ولا يبيع فيه أحد على بيع أخيه) واشرف عليه بنفسه فراقبه، ويوماً كان الطقس ماطراً فجاء ووضع يده في كومة قمح فوجد داخله مبلول فقال:(هل لا جعلت ما أصابته السماء على وجهه كي يراه الناس، من غش فليس منا)
ثم قام صلى الله عليه وسلم في وضع وثيقة المدينة من (٥٢) بند منها (٢٥) بند خاص بالمسلمين و (٢٧) بند خاص بعلاقتهم مع جيرانهم من المشركين واليهود، وقد كفل لأصحاب الأديان الأخرى جميع الحقوق الانسانية كحرية الاعتقاد، وحرية اقامة شعائرهم، والمساواة والعدل، ومن بنود الوثيقة في حالة مهاجمة المدينة من قبل عدو فعليهم أن يتحدوا جميعا لمواجهته، بهذا حل جميع المشاكل المعقدة جدا التي واجهته ولم يتهرب منها، صلى الله عليه و سلم، وبقية المؤاخاة حتى نسخ حكمها بقوله تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}.
هجرة عائلة النبي:
هجرة عائلة النبي صلى الله عليه وسلم، لما إستقر بالمدينة صلى الله عليه وسلم، أرسل مولاه أبو رافع وزيد بن حارثة والدليل إبن أريقط ليأتوا بعائلة أمنا سودة بنت زمعة زوجته وبإبنتيه أم كلثوم وفاطمة، فأتوا بهم، وخرج بصحبتهم آل الصديق زوجة أبو بكر أم رومان، وامنا عائشة، وأسماء زوجة الزبير بن العوام رضي الله عنهن، وكانت اسماء حامل بإبنها عبد الله، فما أن وضعت قدمها في المدينة المنورة وضعت مولودها، فكان أول مولود من المهاجرين في المدينة.
مشروعية الاذان:
بعد بناء المسجد النبوي كانوا يحضرون إلى الصلاة عند وقت الصلاة، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لنتخذ وسيلة تعلن وقت الصلاة) فاقترحوا اقتراحات كلها رفضت، فقال قائل: نبعث من ينادي في الطرقات الصلاة جامعة، فإستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، مبدئيا وأمر أربعة ينادون في وقت الصلاة من جهات المسجد الأربعة، ومضت هذه الطريقة أيام، ويوما اقبل الفجر، وإذا بعبد الله بن زيد الأنصاري يطرق باب النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذن، فخرج إليه النبي، فقال عبد الله: بأبي وأمي يا رسول الله، لقد رأيت رؤيا أعظمتها فلم أملك نفسي بأن أبقى إلى الفجر، فأتيتك من الساعة فأعذرني يا رسول الله قال: (هاتِ ما ورائك يا إبن زيد؟) فاخبره بالرؤيا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (رؤيا حق يا إبن زيد إنتظر حتى يكون الفجر وتمليها على بلال، فإنه أندا منك صوتاً). وعلمها لبلال فوقف ينادي بها، فما أن كبر تكبيرتين حتى جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأقبل على النبي يقبل رأسه ويقول: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل هذا الليلة، وكنت أريد أن أحدثك به بعد الصلاة، فقال له النبي: (لقد سبقك بها عبد الله بن زيد، ولقد سبقكما بها جبريل، فلقد جاءني ولقنني إياها)، فتم الأذان، وليس فيها عبارة (الصلاة خير من النوم). ويوما قال بلال: حي على الفلاح وهو رافع بها صوته، تذكر أن الناس نيام ، فإجتهد من عنده وقال: الصلاه خيرٌ من النوم، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بعد أن أتم الأذان: (نِعما ما قلت يا بلال إجعلها في الفجر دائماً).
اسلام عبد الله بن سلام:
قال عبد الله بن سلام: جئت لأنظر إلي النبي وأنا أعرف وصفه كما أعرف أبنائي، ووقفت بالباب دون أن أعرّف بنفسي، ونظرت إليه وهو يكلم أصحابه، فسمعته يقول: (أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)، فنظرت في وجهه فقلت وربِ موسى وعيسى ما هذا بوجه رجل كذاب، إنه هو وأخذت أتفرسه حسب ما أعرف، فأيقنت أنه هو، فدخلت وسلمت ثم قلت: يا محمد أنا عبد الله بن سلام، وإني لأجد نعتك وصفاتك في كتبنا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولكن يا رسول الله، لا تعلن إسلامي، وادعوا إليك كبار يهود فإنهم أهل بهت وكذب وفجور، فادعوهم واسألهم عني واسمع ما يقولون بي، فقبل النبي مشورته، وأمر أبو أيوب أن يدخل عبد الله بن سلام في حجرة داخل البيت، وأرسل صلى الله عليه وسلم، يدعوا أحبار يهود، فلما أقبلوا وجلسوا، قال لهم: (يا معشر يهود، تعلمون أنه بقي نبي من أنبياء الله تختم به شرائع الله؟ وإني رسول الله إلى الناس كافة، فإتقوا الله وآمنوا ولا تأخذكم العزة بالإثم)؟ فقالوا: لا لست أنت المنتظر، نحن أعرف به منك، فقال: (أيكم عبد الله بن سلام الذي يرجع إليه القوم؟) قالوا: ذاك ليس فينا، قال: فما هو فيكم؟ قالوا: هو سيدنا وإبن سيدنا، وأعلمنا وإبن أعلمنا، وأشرفنا وإبن أشرفنا، وإليه ترجع علومنا، قال: (فإن أسلم وصدق أنني النبي المبعوث، فماذا تقولون؟) قالوا: حاشاه أن يسلم ويؤمن بك، قال: (فإن آمن بي؟) قالوا: حاشاه أن يؤمن بك وأنت لست النبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يااا ابن سلام) فخرج وقال: لبيك يا رسول الله، ثم نظر إلى يهود وقال: يا معشر يهود كنت أحدثكم زمنا عن نبي بقي لم يبعث، به يختم الله شرائعه، وقد عرفتكم وصفه وكلكم يعرفه وإني أشهد أنه هو هذا محمد رسول الله، فقالوا: أنت أكذبنا وإبن أكذبنا وأنت أسقطنا وإبن أسقطنا وأنت لا علم لك ولا شرف ولا نسب فينا ،فلماذا نسمع قولك؟ فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه للنبي: أسمعت يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى عبد الله بن سلام).
حجرة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
– كانت حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شرقي المسجد ، كان لها باب واقعا داخل المسجد النبوي على جهة الغرب ، و كأنّ المسجد النبوي صار فناء لها . وعرضها 6 أو 7 أذرع جدرانها من الطين ، و سقفها من جريد النخل قصير يناله كل من يقف ، مغشاة من الخارج بمسوح الشعر ؛ لكي تكون وقاية من المطر . – وكان للباب مصراع واحد من عرعر أو ساج ، وكان في جنبها مشربة ( أقام فيها النبي صلى الله عليه و سلم شهرا زمن الإيلاء ) . – تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جهاز حجرتها فتقول : ” إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه أدما ، حشوه ليف ” .ولم يكن في بيتها غير فراش واحد في أول الأمر ، ثم رُزقت فراشًا آخر ، وضمت بعد ذلك إلى أثاث حجرتها بعض الوسائد ، – ولم يكن في بيتها مصباح رضي الله عنها وأرضاها . – لم يكن لأمنا عائشة إلا ثوب واحد ، وكان عندها درع ثمين غال ثمنه خمسة دراهم ، وكانت النساء تستعرنه منها ليلبسنه عرائسهن ليلة زفافهن . – من نصائح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للنساء ، قولها لإحداهن : ” إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مُقلتيك فتضعيهما أحسن مما هما فافعلي” رضي الله عنها وعن امهات المؤمنين وارضاهن
فصل الرابع
العهد المدني:
إنتقل صلى الله عليه وسلم من العهد المكي، إلى بداية العهد المدني: أصبحت السيرة تأخذ طابع جديد، فقد أصبح صلى الله عليه وسلم صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في المدينة، فقد إبتلاه الله بأخس خلق الله وأحقرهم وأسفههم اليهود ولحسن خلقه وسعة صدره صلى الله عليه وسلم وليحقق قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} واليهود من العالمين فوسعهم بحلمه ، وصبر عليهم وبدأ مشواره معهم في المدينة فدعاهم إلى الله، فعرفوه فساء صباحهم أنه من ولد إسماعيل، فكانوا ينتظرون أن يكون من ولد إسحاق ويعقوب، ولما سمعوا بمبعثه تيقنوا الخبر ومع ذلك كله، رغب النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، ولكن لم يؤمن إلا آحاد يعدوا على الأصابع، وكفروا ولا إكراه في الدين، لم يلزمهم ويجبرهم على الإسلام، ولكن جعل بينه وبينهم معاهدة، فكتب معاهدة تجمع الأوس والخزرج المؤمنين جانباً، واليهود الذين يجاوروهم ثلاث قبائل جانبا آخر، ذات بنود طويلة، وملخصها لهم الحق أن يعيشوا في المدينة كأهل المدينة لا قيود عليهم أبداً، يبيعون ويشترون ويعبدوا ما يشاؤون، لهم حقوق وعليهم واجبات، حقوقهم أن تعيشوا معنا بأمان ، وواجبكم إذا هاجمنا عدو، أن تدافعوا عن المدينة كما ندافع نحن، وإذا وقعت بينكم وبين أحد منا دماء الحكم فيها لله، ولكن اليهود والعهود ضدان لا يجتمعان أبداً، ولن تجد أوفى عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد إلتزم معهم بالعهود بكل ما يرضي الله، واليهود لم يوفوا له ببند واحد قط، وهذا طبعهم وسورة البقرة مدنية نزلت في المدينة وأكثر الآيات فيها تخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خبث يهود ومكرهم وملخصها أن يهود وعهود ضدان لا يجتمعان ابداً.
قصة حيي بن اخطب:
لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، وانتهى الأمر أن إختار النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، وتزوجها، أسلمت، ولما دخل الإيمان قلبها، وإطمئنت، وأصبحت زوجة للنبي فقال لها: (حدثي أصحابي)، قالت أم المؤمنين صفية بن حيي رضي الله عنها: يا رسول الله لقد كان أبي سيد بني النضير وإليه مرجعهم، وكان عمي أبا ياسر حبر من أحبارهم، فلما سمعا بمبعثك إعتراهم هم كبير، فما زالوا يترقبوا أخبارك، حتى قدمت إلى قباء فلما سمعا بقدومك، خرجا إليك مغلسين، وكنت أحبّ أبنائهم إليهما، إذا خرجا وعادا ولقياني هششت لهما، فأخذاني من دون أبنائهما قالت: فخرجا يوم قدومك إلى قباء مغلسين اي الصبح فما عادا إلا مع سقوط القرص، عادا فاترين كسلانين، ساقطين يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما نظر إلي واحد منهما قالت: فسمعت عمي، يقول لأبي حيي يسأله أهو هو؟ هل تيقنت منه كما نجده في كتبنا؟ قال له: أجل والله هو هو، وربِ عيسى وموسى هو الذي كنا ننتظره قال: هل عرفته بصفاته ونعته؟ فقال له: أشد من معرفتي بإبنتي هذه، تقول صفية وأشار إليّ بأصبعه، فقال عمي أبا ياسر: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته ما حييت، فأمسك عمي أبا ياسر بيدي أبي وقال: يا أخي أطعني في هذه وإعصيني بما شئت، لا تناصب الرجل العداء ما دام نبياً ورسولا فيهلكنا الله فصاح وقال: لا لا عداوته ما حييت، لما بعثه الله من العرب؟ ويكفينا قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}
المنافقون في المدينة
بعد ما أصبحت المدينة تحت رعاية النبي صلى الله عليه وسلم، بيئة جميلة، وقوة فتية وصلبة يهابها الاعداء، يتنزل الوحي فيها، وكتاب الله يطبقه الصحابة كأنما هو حي يدب على الأرض، ومع جمال هذه البيئة لم يمنع أن يكون بين صفوفهم منافقين، كإبن سلول رئيسهم، يصلي بالصف الأول في المسجد، فإذا ما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخطبتين يوم الجمعة؛ وقف ابن سلول وإستدار إلى المصلين، فيخاطب قومه ويقول: يا معشر الأنصار، يا معشر من آمن بالله ورسوله إسمعوا، وأطيعوا، وأنصروا ترحموا، يرحمكم الله، حتى نزل القرآن يفضحه، ويذكر كلماته، كلمة كلمة قال تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} سماه الله منافق، ومع هذا لأن المنافق لا يستحي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لم تستحي فاصنع ما شئت). وبعد نزولها قام أيضاً في الجمعة ليكمل نفاقه وقال: يا معشر وقبل أن يتم كلامه كان رجل من الأنصار من قومه، ويعتبر إبن سلول سيده وأميره جذبه من ثوبه، حتى أنزل ركبتيه إلى الأرض قال له: إجلس قبحك الله ألا تستحي؟ ماذا تقول بعد أن نزل فيك قرآن يتلى أترى أحد يثق بك أو يصدقك؟ فغضب، ونفذ صبره لأنّه منافق فقام، وتخطى الصفوف، وهو يشتم ويلعن وخرج من المسجد والنبي على المنبر، حتى لقيه رجل من قومه على باب المسجد قال له: ويحك أين تخرج ورسول الله يخطب؟ قال: قمت أؤيده وأشد أزره، كما أفعل كل جمعة فقام أصحابه يتجاذبوني من ها هنا، وها هنا فقال له: ويحك إرجع يستغفر لك رسول الله قال: لست بحاجة إلى إستغفاره، وأدار وجهه فقال له: إني لأرجو الله أن ينزل في لوية عنقك هذه، قرآن يتلى إلى قيام الساعة، وما هي إلا أن إنتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الجمعة، وإذ بجبريل يهبط بالقرآن: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون، سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} هذا المجتمع الذي إذا تمنى فيه أحد المسلمين الصادقين أن ينزل آية، أنزلها الله كما يريد. فأي مجتمع هذا؟
الاذن بالقتال واعداد المجاهدين:
وصلت أخبار للنبي صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم، أن قريش وضعت يدها على كل أملاك المهاجرين من مكة، حتى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إستولى عليه عقيل بن أبي طالب وباعه، فاستأذن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كحمزة، وعلي وغيرهم، أن يقاتلوا قريش ليأخذوا أموالهم، وكان رد النبي: (إن الله لم يأذن لي). وبعد مرور سبعة أشهر أذن الله لهم بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}.
الغزوة يكون على رأسها النبي صلى الله عليه وسلم وعدد لا يقل عن ثلاثمئة مقاتل واما السرية يولي عليها من يختاره من الصحابة بعدد لا يتجاوز الثلاث مئة رجل، أخذ يجهز أصحابه منذ أن نزلت الآية، فقرر صلى الله عليه وسلم، أن يقطع على قريش طريق تجارتها، جزاءً بما كسبوا فأموال المهاجرين أصبحت في أيديهم فأرسل أول سرية في رمضان، ولم يفرض الصيام بعد، فإختار صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وعقد له اللواء وبعث معه ثلاثين رجلا كلهم من المهاجرين، ليعترضوا عير لقريش، ووصل إلى منطقة سيف البحر ليعترضها، وكان في حماية القافلة أبو جهل وثلاثمئة رجل، فلما إصطفّوا للقتال وإستعد الفريقان خرج مجدي بن عمرو، وكان قد إلتقى الفريقان في أرضه، فوقف وحجز بين الفريقان وأقسم عليهم أن لا يتقاتلوا، وقد شعرت قريش بالخوف، وظنوا أن هذه السرية مقدمة لجيش المسلمين وأن عددهم أكبر من ورائهم، فقبلت قريش الرجاء، وإنصرف الفريقان من دون قتال، فكانت تمرين من الله للمسلمين على القتال، فلما رجعوا وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، شكر لمجدي هذا الصنيع لقلة عدد الصحابة، وبعدهم عن ديار المسلمين فلا يصلهم المدد. وفي آخر رجب عقد صلى الله عليه وسلم لواء لابن عمه عبيدة بن الحارث في ثمانين رجلا أيضاً من المهاجرين وأرسلهم إلى سيف البحر ليقطعوا تجارة اخرى لقريش فما أن وصلوا وتراشقوا بالنبل، كان أول سهم رماه الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد أصابوا من بعضهم، وظنت قريش أيضاً إنما هو طليعة لجيش، فهربت وكان على رأسها أبو سفيان ومعه مئتي رجل، فهذه السرية أعطت معنويات للمسلمين، وتوالت السرايا والغزوات وشاعت الأخبار، فأصبح الناس يتحدثون أن محمد وأصحابه قد قطعوا تجارة قريش وهزموهم يوماً من الأيام، ففي عام واحد خرج بنفسه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وعقد لأصحابه اللواء ست مرات واجهوا فيها قريش، بعضها وقع فيها التناوش وبعضها فلتت العير وكان هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يظفر بتجارة قريش لا طمع في المال فقط ولكن إضعافا لقريش، ونصرة لأصحابه، وتعويضا لهم عما فقدوه.
سرية الاستطلاع قبل غزوة بدر:
قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فالسيرة هي الترجمة العملية لهذا الدين ممثلة بسلوك النبي وأخلاقه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. ففي رجب في السنة الثانية للهجرة، عقد صلى الله عليه وسلم لواء لثمانية رجال من المهاجرين، وكان أميرهم عبدالله بن جحش، ولم يعين الجهة لأنها بدأت طوالع الجد الآن، فقال لعبد الله بن جحش: (إمضي وهذا كتابي، تسير من المدينة يومين، لا تفتح الكتاب، حتى إذا قطعت السير يومين عن المدينة، إفتح الكتاب وأنظر أمري فيه). خرج بإتجاه مكة، ومضى يومين ففتح الكتاب وإذا مكتوب فيه، (إذا قرأت كتابي ونظرت ما فيه، فإنزل نخلة وارقب لي قريش، وأعلم لي أخبارها ولا ترغم أحد من أصحابك على ذلك، وخيرهم بالمضي معك أو الرجوع إلى المدينة)، فقال: سمعاً وطاعة يا رسول الله، فقال: رسول الله يخيركم وليس أنا، فمن شاء فليمضي معي، ومن شاء فليرجع فقالوا: نمضي لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضوا كل إثنان معهم بعير، وفي ليلة ضاع بعير سعد بن أبي وقاص وصاحبه، فذهبا يبحثان عنه فأضاعوا الركب، وضاع البعير وضلوا طريقهم عن الركب، فمضى عبدالله ومن بقي معه، ونزل نخلة، فكانت قافلة لقريش قادمة من اليمن وطريقها من نخلة، فيها الخير الكثير، ورجالها قليل، وأميرها عمرو بن الحضرمي. فإجتهدوا وتشاوروا وقالوا انه آخر رجب إذاً لا بأس أن نغزو القافلة، أغاروا عليها وأسرع رجل من الصحابة، فقتل عمرو الحضرمي وهجموا عليهم فأسروا إثنان وهرب الباقي، وأخذوا القافلة بما فيها، فكانت أول غنيمة من قريش، واستطلعوا الاخبار فعرفوا ان هناك قافلة لقريش ستأتي من الشام، قد تصل في رمضان أو نهاية شعبان، فرجعوا، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بخبرهم، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، أقاتلتموهم في رجب أم قاتلتموهم في شعبان؟ فتبين أنه آخر يوم في رجب، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأوقف العير بما فيها ، لا يأخذ منها درهما واحد وأمسك بالأسيرين.
القتال في الشهر الحرام:
أرسلت قريش تشيع في العرب ان محمد الذي يدعي التوحيد، يحاربنا في الشهر الحرام، وثقل على النبي صلى الله عليه وسلم كلام قريش، حتى اليهود اهل الفتن، قالوا: كيف يقاتل محمد وهو يزعم أنه نبي في الشهر الحرام. وأرسلت قريش تطلب فداء الأسيرين، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (حتى يرجع صاحيبينا سعد بن أبي وقاص وصاحبه)، فرجعا مشي على الأقدام إلى المدينة، ولم يكونا اسيرين فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش أننا نقبل فداء الأسيرين. وإذا بالله عزوجل يؤدب أهل الكتاب من اليهود وإخوانهم من كفار مكة، ويشفع للصحابة، ويدافع عنهم، فأنزل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ووصل وفد قريش من أجل الأسيرين فقالوا: نريد القافلة والاسيرين، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزل الله علينا وأذن لنا أخذ تجارتكم وقتالكم). فأخذوا الأسيرين ولم يرجع لهم تجارتهم وكان أحد الأسيرين يكتم إيمانه، وعندما علم أن قريش ستفديه، أراد أن يستفيد المسلمين من الفداء فلما تم الفداء، وخرج مع قريش وقف على باب المسجد فنظر للنبي وقال: أما أنا يا رسول الله فإني لا أريد أن أرجع إلى الكفر وانا اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله، واعلن إسلامه فساء ذلك قريش ورجعوا بأسير ، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة على أصحابه.
الهدف من السرليا والغزوات:
هو ان الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يفرض حصار اقتصادي ويستفز قريش ويحاربها، لأن قريش تحتل بلد الله الحرام، وتمارس الكفر فيه. ولان بيت الله الحرام ملك للمسملين ويجب أن تكون تحت حكم المسلمين. ولأن قريش تمنع المسلمين من زيارة بيت الله الحرام للعمرة والحج. ولانها تستغل هذه المكانة في الدعاية ضد المسلمين، وتشويه صورتهم، وتخويف العرب من الدخول في الاسلام، ولانها قد تفكر في مهاجمة المسلمين في المدينة، ولأنها تحبس عدد من المستضعفين من المسلمين، وتعذبهم وتفتنهم عن دينهم، ولرفع هيبة المسلمين بين القبائل المحيطة بالمدينة وغيرها. وكانت أفضل تدريب على القيادة والغزو والقتال. وفي هذه الايام كانوا يصوموا بعض ايام، وأول صيام كان لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، فوجد اليهود صيام في يوم عاشوراء، فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) وصامه صلى الله عليه وسلم، وأمر اصحابه بصيامه، ثم فرض الرسول صلى الله عليه وسلم صيام ثلاثة أيام من كل شهر الأيام البيض لأن القمر فيها يكون مكتملا، ثم فرض الله صيام شهر رمضان وكان تخيير ايضا، ثم بالتدريج انتقل صيام شهر رمضان من التخيير الى الفرض فنزل قوله تعالى:{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
مراقبة قوافل قريش:
قرر صلى الله عليه وسلم أن يترقب قافلة قريش، عند عودتها من الشام، وعلم أنها قافلة ضخمة جداً قوامها ألف بعير، وحراستها ضعيفة لا تزيد عن سبعين رجل، وأنها بقيادة أبو سفيان ومعه عمرو بن العاص. وقف صلى الله عليه وسلم بين اصحابه وقال: (هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا اليها، لعل الله أن يغنمكموها)، وقال: (من كان ظهره حاضرا فليركب معنا). فبعض الصحابة اسأذنوا النبي في أن ياتوا بدوابهم من خارج المدينة، فلم يأذن لهم وقال: (لا إلا من كان ظهره حاضرا). وكان ممن لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لأن زوجته السيدة رقية بنت النبي كانت مريضة مرضا شديدا حتى يرعاها. خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة في الثاني عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وجعل على المدينة من يدير شؤون أهلها أبو لبابة رضي الله عنه، وإستخلف عبدالله بن أمي مكتوم ليصلي بالناس اماما في الصلاة. وكان معه ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار منهم فارسين الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود على فرسيهما، وسبعين جمل كل ثلاثة أو أربعة مشتركين على جمل، حتى وصلوا الى طرف المدينة لبيوت السقيا، وهي آبار عذبة، وقف يستعرض اصحابه، فوجد فيهم غلمان فأرجعهم، وكان منهم عمير بن ابي الوقاص عمره ستة عشر سنة، فرآه النبي فقال له: (أرجع يا عمير) فأخذ يبكي بكاء شديدا، فلما رأه بهذا الوضع ووجد فيه جدية ورجولة مبكرة سمح له.
غزوة بدر:
ثم قسم الجيس الى فرقتين ميمنة على رأسها الزبير بن العوام، وميسرة على رأسها المقداد بن عمرو، ثم جعل لهم لوائين واحد للمهاجرين حمله علي والآخر للأنصار حمله سعد بن معاذ وكان لونهما أسود، ثم قال صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: (قف واحذر أصحابنا حتى إذا غاب أحدهم تفقدناه، أو تخلف أحدهم تفقدناه) فوقف وعدهم، فقال يارسول الله عددهم، ثلاثة عشرة وثلاث مائة رجل، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر عدة أصحاب طالوت لن يهزموا ابدا)، ثم مضى الركب على بركة الله، ونظر الرسول إلى المدينة وبسط كفيه ودعى لها وقال: (اللهم إن نبيك إبراهيم قد دعى لمكة وحرم مكة وإني محرم المدينة، اللهم كما باركت لأهل مكة فبارك لأهل المدينة ضعفي ما باركت لأهل مكة) ثم دعى لأصحابه ثم مضى على بركة الله. ومازال يمشي ويترقب الأخبار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، معه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة يتناوبوا في الركوب، كان إذا جاء دوره بالمشي قالا له: ابقى راكبا يقول لهما صلى الله عليه وسلم: (ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا أغنى منكما عن الأجر، أركب إذا جاءت نوبتي وأمشي إذا جاءت نوبتي) حتى وصلوا إلى الروحاء، وهو موقع لبئر ماء يبعد عن المدينة المنورة ستين كم، كلها بساتين وفيها موقع ماء، فعلم النبي أن أبا سفيان قد علم بخروجه، وذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج لإعتراض القافلة، أسرع اليهود وارسلوا واحد منهم يخبر أبو سفيان فأخذ يستنفر قريش لنجدته. فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليستنفر قريش للدفاع عن أموالهم ويخبرهم بأن محمداً قد يهاجم القافلة.
معلومة: [وعند هذا البئر الروحاء سيقبض عيسى المسيح عليه السلام بعدما ينزل إلى الأرض، بعد أن يحج في آخر أيام عمره وهو راجع من مكة بعد حجه، يقف يستريح عند الروحاء فياتيه ملك الموت، ويشيعه المسلمون من بئر الروحاء إلى المدينة حتى يجهز ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب عمر بن الخطاب لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: (كيف بك يا إبن الخطاب إذا بعثك الله يوم القيامة بين نبيين وصديق)].
رؤيا عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم،
رأت قبل قدوم ضمضم الى مكة بثلاثة أيام رؤيا عجيبة، رأت راكبا أقبل على بعير حتى وصل مكة وهو ينادي بأعلى صوته: ألا تنفروا لمصارعكم يا آل بدر، فاجتمع الناس حوله ثم دخل المسجد ووقف على ظهر الكعبة وصرخ بمثلها، ثم صعد جبل أبي قبيس وصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة كبيرة فقذف بها، فأقبلت تهوي، حتى اذا كانت بأسفل الجبل تفتت فما بقي بيت من بيوت مكة الا دخلتها منه فلقة، الا بيوت بني زهرة، ففزعت من هذه الرؤيا، فأرسلت الى أخيها العباس وقصتها عليه فقال: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج فلقي صديقه الوليد بن عتبة بن ربيعة، فذكرها له وقال: لا تخبر بها أحد، فذكرها الوليد الى أبيه فانتشر الحديث في كل مكة، وبينما رهط يجلسون عند الكعبة يتحدثون في الرؤيا وفيهم أبو جهل، اذ أقبل العباس يطوف بالبي فقال له أبو جهل: يا عباس أما أرضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، فقال: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة فقال: ما رأت شيئاً قال أبو جهل: والله يا عباس ان تمض ثلاث ولم يكن من ذلك شيئا، لنكتب كتاباً نعلقه في الكعبة أنكم أكذب بيت في العرب، ولم تمر ثلاثة أيام حتى تحققت رؤيا عاتكة، وجاء ضمضم بن عمرو الغفاري يصيح في مكة.
ما أن وصل ضمضم الى مكة، شق قميصه وجدع انف بعيره، ووقف تحت رأس البعير، حتى سالت الدماء على رأسه وملابسه، ودخل مكة على هذه الهيئة، ثم وقف فوق بعيره ببطن الوادي وهو يصرخ: يا معشر قريش اللطيمة، اللطيمةَ أموالكم قد عرض لها محمد، لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث، فاشتعلت قريش وهاجت وماجت وثارت وقالوا: أيظنوا أنها كعير ابن الحضرمي؟ كلا، والله ليعلمن غير ذلك، وبدأت تتجهز للخروج سريعا، فتجمع الف وثلاثمئة مقاتل فيها مئتي فارس وعدد كبير من الجمال، وخرجوا سريعا والمغنيات يضربن الدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وتردد الكثير من قريش في الخروج ومنهم أمية ابن خلف لان سعد بن معاذ قال له بعد ما غضب منه عندما وقف ضده مع أبي جهل: فوالله لقد سمعت رسول الله أنه قاتلك قال: إياي قال: نعم فقال: أهو قاتلي في مكة؟ فقال: لا أدري، ولكنه قاتلك فخاف امية واصفر وجهه من الخوف، وبال في ثوبه وقال: والله إن محمدا لا يكذب إذا حدّث ورجع امية الى بيته، يرتجف من الخوف فقالت له زوجته:ما الأمر؟ فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي: زعم أنه سمع محمداً، يزعم أنه قاتلي فقالت: فوالله إن محمد لا يكذب ابدا، فلما جاء النفير إلى بدر تذكر امية هذا الموقف، فأراد أن يتخلف وأراد أن يرسل مكانه رجل مثلما فعل أبو لهب، فجاءه أبو جهل ومعه عقبة بن ابي معيط، واحد يحمل مجمرة والآخر يحمل مكحلة وقال: إكتحل يا سيد قومه وإستجمر فإنما أنت مع النساء، فغضب ورمى المكحلة والمجمرة وقال: قبحكم الله وقبح ما جئتم به واضطر للخروج، وكان ممن خرج مكرها العباس، وأبو العاص بن ربيع زوج السيدة زينب بنت النبي، وكذلك بعض المسلمين الذين لم يستجيبوا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة لأنهم خافوا على أموالهم وديارهم، واختاروا الدنيا على الآخرة، فخرجت قريش بقضها وقضيضها بكبريائها، تحاد الله ورسوله، وخرج صلى الله عليه وسلم بإيمانه وبخشوعه مع أصحابه يريدون أن ينتصروا للحق ولدين الله عزوجل.
استطلاع ارض بدر:
قبل ان يصل النبي صلى الله عليه وسلم الى بدر أرسل اثنين من الصحابة الى بدر ليستطلعا الأمر؛ وصلا فسمعا جاريتين تتحدثان، أحدهما تطالب الأخرى بدرهم لها وترد الاخرى بأنها سترده عند وصول قافلة قريش غدا او بعد غد، فرجعا واخبرا النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد للرسول صلى الله عليه وسلم، أن العير في طريقها بالفعل الى بدر، واستطاع تقدير المسافة التي بين عير قريش وبين بدر. وعندما اقترب أبو سفيان من بدر، أوقف القافلة بعيدا، وتقدم بنفسه الى بدر وسأل من عليها هل رأيتم جيشاً؟ هل رأيتم محمد؟ هل رأيتم أحد من قريش؟ قالوا ما رأينا شيئا، إلا إننا قد رأينا راكبين أتيا ثم استقيا وانصرفا، فقال أبو سفيان: أين أناخا فرسيهما؟ قالوا: هناك، فجاءه فأخذ من روثها وفركه في يده، وفتته فوجد فيه نوى التمر فقال: هذه علف يثرب؛ هذه والله عيون محمد وأصحابه، ما أرى القوم إلا قريبا منا، فرجع الى القافلة مسرعا، ثم اتجه بها الى الساحل، وهو طريق لا تسلكه القوافل، لأنه غير معبد، واستطاع أن ينجو بالقافلة، ولما اطمئن أرسل الى جيش مكة أنه قد نجا بالقافلة، ولأنه زعيمهم، طلب منهم الرجوع الى مكة، فجاء الخبر أن عيرها قد سلمت وأن أبو سفيان يقول: إرجعوا لا حاجة لنا بالقتال، وإستعدوا للرجوع وأعجبهم الرأي، لأنهم قد خرجوا لحماية القافلة، وقد نجت.
قام ابو جهل وأصر على استكمال السير، وقال في كبريائه وغطرسته، والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا، فقام حكيم بن حزام وهو من عقلاء قريش، فذهب إلى عتبة وقال له: يا أبا الوليد أنت أسن رجل في قريش، وسيدها المطاع إعدل بالناس عن الحرب فلا حاجة لنا بمثل هذه الحرب، قال: أجل سأفعل، ولكن من يضمن لي إبن الحنظلية (أبو جهل) قال حكيم: قم حدث الناس فلن يغلب رجل كثرة، فقام عتبة وقال: أيها الناس قد سمعتم أن تجارتكم في أمان وإن الذي أرسل يستنصركم هو الذي أرسل إليكم عدم الخروج للحرب، فإني أرى أن نرجع فإنها حرب لا أراها إلا قرون، ينظر الرجل في وجه الرجل يكرهه يقول هذا قتل أخي وهذا قتل أبي وهذا قتل عمي فإنما هم أهلكم، وأتركوا محمد ومن معه للعرب، فإن أصابوه فقد كفيتم منه، وإن ظهر محمد فعزه عزكم، فقام أبو جهل وقال كلمات إستفز فيها عتبة، فغضب عتبة ونفخ الشيطان في أنفه، فأقسم عتبة أنه أول من يخوض الحرب فحمي وطيس الحرب وأبطلت حكمة عتبة بن ربيعة فمضوا بإتجاه بدر، الا بنو زهرة عادوا الى مكة، ولذلك كانت رؤيا عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، أن الصخرة عندما تفتت دخل في كل بيت من بيوت مكة منها فلقة، الا بيوت بني زهرة، فلما انسحب بنو زهرة قل عددهم فأصبح تسعمئة وخمسين رجل.
وصلت اخبار للنبي صلى الله عليه وسلم، بأن ابا سفيان قد هرب بالقافلة من جهة الساحل، وانه استنجد بقريش وهي في طريقها الى بدر، وصلت قريش الى العدوة القصوى فأناخوا بها وإستراحوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى العدوة الدنيا، وكان بينهم تلال لا يرى من خلالها أي فريق الآخر، خرج صلى الله عليه وسلم بنفسه، وإصطحب أبو بكر رضي الله عنه، ليستطلع الأخبار فجاء على شيخ من شيوخ العرب يقال له: الضمري وسأله: (ماذا عندك من خبر قريش وعيرها؟ ومحمد وصحبه؟) فقال: ممن أنتما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخبرتنا أخبرناك) فقال الشيخ: هذه بتلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم) قال: أما وقد كان فإني سمعت أن محمد وأصحابه، خرجوا بغية عير قريش في يوم كذا وكذا فإن كان قد صدق من أخبرني، فإن محمد وأصحابه اليوم في مكان كذا وكذا وسمعت ايضا، أن أبا سفيان أرسل يستنصر قريش، وخرجت كلها لتحمي عيرها في يوم كذا وكذا، فإن كان الذي حدثني صدقني، فإن قريش اليوم ستكون في مكان كذا وكذا، قال وأما أبو سفيان، فقد علم الخبر، فساحل بعيره، فلا أعرف أين اليوم كان، ها أنا قد أخبرتكم فأخبرني ممن أنتما؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء،) ومضى، قال أبو بكر: فنظرت إلى الرجل يقلب كفيه ويقول: من ماء؟ أي ماء؟ أمن ماء العراق هما؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أبا بكر ووجده مستغربا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا أبا بكر قد أجبناه وصدقناه، قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ} فنحن من ماء).
فلما كان المساء أرسل الى بدر كتيبة استطلاعية (علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص) فوجدوا عند ماء بدر غلامين لقريش، يملئون أسقية قريش، فقاموا بأسرهما وذهبا بهما الى معسكر المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فأخذ المسلمون يستجوبوهما، فقالا لهما: بعثتنا قريش نسقيهم من الماء، فأخذوا يضربوهما حتى اضطروا أن يقولا لهما: نحن لأبي سفيان فتركوهما، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من صلاته قال للصحابة: (إذا أصدقاكم ضربتموهم، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش) ثم قال لهما: (أخبراني عن قريش) قالا: هم والله وراء هذا الكثيب. فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم (كم القوم) قالا: كثير، قال: (ما عدتهم؟) قالا: لا ندري قال: (كم ينحرون كل يوم؟) قالا: يوما تسعا ويوما عشرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف) ثم قال لهما: (فمن فيهم من أشراف قريش؟) قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود وغيرهم من سادة قريش، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وقال: (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها)، فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ليعرف مدى استعدادهم للقتال ليستشيرههم. لمواجهة جيش مكة. جمعهم وصارحهم صلى الله عليه وسلم بالخبر وقال: (أشيروا علي أيها الناس) فقال بعضهم: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير، وقال آخرون: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، فظهرت الكراهة في وجه النبي وقال: (ما ترون في قتال القوم؟ أشيروا علي أيها الناس)، فقام أبو بكر فقال خيراً، فأثنى عليه النبي بخير، ثم قام عمر، فقال خيراً فأثنى عليه النبي بخير ثم قال:
(أشيروا علي أيها الناس) ثم قام المقداد بن الأسود وقال: يا رسول الله امضِ لما أُمرتَ به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول: اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيا، لنقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك حتى لو وصلت بنا إلى برك الغماد فأثنى عليه النبي ودعى له بخير،
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أشيروا علي أيها الناس)، ففطن لذلك الصحابي الجليل سيد الأنصار سعد بن معاذ، فوثب قائماً وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال: (أجل) فقال سعد بعد أن حمد الله: يا رسول الله لقد آمنا بك، وصدقناك وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، وإنك خرجت تريد أمراً، ولعل الله أراد غيره، أمضي يارسول الله، لما أراك الله، فوالله ما نكره بأن تلاقي بنا عدونا غداً، ولو إستعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك، صِل حِبال مَن شئت، اقطع حبال من شئت، سالِم مَن شئت، عاد من شئت، خُذ مِن أموالنا ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للّذي تأخذه من أموالنا أحب إلينا من الذي تدعُهُ لنا، وإنا لصبر بالحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، وما تخلف رجل منا عنك قط، فامضِ بنا على بركة الله يا رسول الله. قال الصحابة: فتهلل وجهُ النبي صلى الله عليه وسلم وأشرق وسرّ وقال: (أبشروا وسددوا وقاربوا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر الى مصارع القوم)، ومضى صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام رضي الله عنهم، ووصلوا الى بدر قبل قريش. وهذا الموقف يظهر مدى شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وحنكته السياسية لأسباب: لأن المسلمون في حاجة ماسة لتثبيت هيبتهم في الجزيرة، وكل الأنظار مركزة عليهم، وانسحابهم ستستغله قريش في الدعاية لنفسها ضد المسلمين، وسيضعف جدا من هيبتهم وسيجرىء القبائل على المسلمين، وربما انسحابهم يشجع قريش لتهاجمهم في عقر دارهم في المدينة.
تحكم المسلمين في مياه بدر:
مضى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه أن يأتوا أقرب ماء من آبار بدر ويعسكروا فيه، فجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم شاب من الأنصار، جندي شجاعا وجريئا ومتكلما اسمه الحباب بن المنذر بن الجموح رضي الله عنه، قال: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة فماذا ترى؟) قال: فإن الماء يلعب دور في الحرب، أرى أن تمشي بالناس، حتى نكون أقرب ماء من الجيش، وإني يا رسول الله أعلم هذه البئر وغزارته، نبني عليه حياض ثم نغور غيرها من الآبار (نردم) فنشرب ولا يشربون، قال صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي فإنهضوا على رأي أخيكم، فقاموا ونزلوا على رأي الحباب بن المنذر، تقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه، الى اغزر بئر فيه ماء، وجعل كل الابار خلف ظهره، وردمها وبنى حوضاً على هذا البئر وملؤها بالماء ووضعوا حولها المغارف وهكذا تحكم المسلمون في مصدر المياه واستخدم النبي صلى الله عليه وسلم هذا السلاح الهام جدا، خصوصا في تلك البيئة الصحراوية، لتحقيق ميزة نسبية كبيرة للمسلمين في مواجهة جيش مكة، تقدم جيش قريش حتى نزل في الجهة الأخرى من الوادي، وقد صور لنا القرآن جغرافية ميدان المعركة بصورة رائعة فقال تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} أي المسلمون بجانب الوادي الاقرب من المدينه، وقريش جانب الوادي الابعد، والعير التي تحمل تجارة قريش مع أبي سفيان أسفل بمحاذاة ساحل البحر.
الاستعدادات الاخيره:
وقف سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال: يارسول الله إني أرى أن نبني لك عريشا على هذا التل فتكون بعيد عن ساحة المعركة مشرفاً عليها، وأن نضع عندك الراحلة، ثم نلقى عدونا فان أظهرنا الله عليهم كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على الراحلة ولحقت بإخوان لنا بالمدينة، ما تخلفوا عنك رغبة، ولو كانوا يعلمون أنك تلقى عدوا ما تخلف منهم رجل قط، فإستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، وبني وجلس فيه وإتخذ أبا بكر الصديق صاحبا له، وكان سعد بن معاذ هو الحارس على العريش. هذا يدل على فقه الصحابة وحسن فهمهم لسنن الله تعالى في كونه، بأن التوكل هو اعتماد القلب على الله بعد الأخذ بجميع الأسباب، فكان قرار حكيم عدم اشتراك النبي بالقتال لانه سيربك الصحابة ويفقدوا التركيز لقلقهم عليه، ولتجمع الجيش في نقطة واحدة حوله للدفاع عنه يسهل محاصرتهم، وباتوا تلك الليلة، (ليلة الجمعة سبعة عشر من رمضان). مشرفين على بدر، ثم نام جميع الجيش، وكان في ذلك راحة لأجسامهم، وآية أخرى من الله تعالى، لأن الإنسان اذا كان قلقا فان هذا القلق يمنعه من النوم. اما النبي صلى الله عليه وسلم وقف يصلي ويدعو: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الارض، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم) ويتضرع ويبكي حتى اخذته سنة من النوم، ثم أفاق وقال: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه). وفي هذه الليلة أصاب بعض الصحابة الجنابة فهبت ريح، ودخل الرعب نفوس البعض، ونزل مطرا خفيفا كالندى فتطهروا ولبد الأرض تحت أقدامهم ليسهل عليها المشي، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} فلما أصبح الصحابة أصبحوا نشيطين
بشرى النصر:
طلع فجر الجمعة فنادى في المسلمين: الصلاة عباد الله فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الروح المعنوية للمسلمين عالية جدا وقام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فيهم ويشجعهم ويبشرهم بالنصر، ويقول لهم: (أن الله تعالى قد وعده احدى الطائفتين، العير أو النفير)، (وأن عددهم هو نفس عدد جند طالوت عندما هزموا جالوت، وقال تعالى فيهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}). نظر النبي صلى الله عليه وسلم، من بعيد فكان أول رجل جسيم يتقدم قريش على جمل أحمر ومن بعد المسافة لا يعرف من هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن يكن في القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر يا علي قل لحمزة يعلم لنا من صاحب الجمل الأحمر من قريش) فتقدم حمزة، وكانت العرب رغم كفرها ذات أخلاق تقدم ولم يؤذيه أحد ونظر من قريب على الرجل وإذا هو عتبة بن ربيعة، فصاح بعلي وقال له: أخبر رسول الله صاحب الجمل الأحمر عتبة بن ربيعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم أقل لكم فهو أعقل رجل في قريش؟). كانت قد ارسلت قريش عمير بن وهب الجمحي يستطلع لهم اخبار المسلمون، فدار بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع الى قريش وقال: هم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد فانطلق في المنطقة المحيطة ببدر، يبحث اذا كان هناك بقية لجيش المسلمين، فلم ير شيئا فرجع الى قريش وقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضحُ يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم، حتى يَقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فأنظروا رأيكم، فقام عتبة بن ربيعة وقال: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم، لا يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فصاح فيه أبو جهل وقال لعتبة: جبنت حين رأيت محمدا وأصحابه، فقال له عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قوما كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجههم السيوف، فهذا فعل الله بهم، قال تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} هكذا دب الرعب في قلوبهم ووقع الخلاف بين قريش؛ وتزعزعت صفوفهم الداخلية.
تنظيم صفوف الجيش:
قام النبي صلى الله عليه وسلم، يرتب الجيش استعدادا للقتال فجعل الجيش يقف على هيئة صفوف. وكان هذا أسلوب جديد تماما، للتفوق العددي الكبير لجيش المشركين، فأراد أن يكون القتال معهم موزعا وليس مركزا في مكان واحد، وحتى يضيع عليهم فرصة الإحاطة بالمسملين أو حصارهم. وكان بيده صلى الله عليه وسلم، عصا تشبه العود، وبرز سواد من الصف معجب مدهوش من النبي، فقال النبي: (إستقم يا سواد وأدخل في الصف) فصاح مرة أخرى: (إستقم يا سواد) فإقترب منه النبي صلى الله عليه وسلم ووكزه بالعود في بطنه وابتسم وقال: (إستقم يا سواد) وسواد لا يلبس إلا إزار وعاري الصدر ومستعد للحرب قال سواد: يا رسول الله قد أوجعتني بعودك هذا فأقدني من نفسك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم العود وهو يعلم أن له شأن، فقال: (إستقد يا سواد) فأخذ العود وقال: يارسول الله لقد وكزتني وأنا عاري الصدر وأنت تلبس الثياب، فإكشف لي عن بطنك حتى نكون سواء، فتعجب الصحابة أيعقل هذا، فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه حتى بان بياض بطنه، فرمى سواد العود في الأرض، وضم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يقبل بطنه ويبكي ويبكي ويقول فداك ابي وامي يارسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما حملك على هذا يا سواد؟) قال: بأبي وأمي يارسول الله، لقد رأيت ما حضر من قريش، وقد يكون هذا اليوم آخر عهدي بالدينا، فأحببت أن يكون آخر عهدي بها أن يمس جلدي جلدك، وفاز بها سواد وكان من شهداء بدر رضي الله عنه. ثم قام صلى الله عليه وسلم ، بتنظيم صف رماة الأسهم في مقدمة الجيش، وصف بعده لحملة الرماح لصد هجوم الفرسان المتوقع في بداية المعركة وارباك العدو، واحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوفه مع بداية المعركة، هكذا استطاع صلى الله عليه وسلم بهذا التنظيم المبتكر أن يقلل من آثار تفوق جيش المشركين على المسلمين سواء من ناحية عدد المقاتلين، أو من ناحية امتلاكهم عدد كبير من الفرسان، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عريشه.
ساعة بدء المعركة:
أخذ الرسول يدعو ربه في عريشه ويقول: (اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلها وخيلائها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، فما زال يدعوا ويدعو، ويلح على ربه بالدعاء، حتى سقط ردائه عن منكبيه وهو لا يشعر به، وأبو بكر يلزم الصمت، ومشفق عليه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فما راعني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلي وقد أشرق وجهه بالنور، وقال: (أبشر أبا بكر هذا جبريل قد هبط على رأس كبكبة من الملائكة يقاتل في صفوفكم)، وأطلت قريش وكانت تريد الماء، فوجدوا المسلمين قد سبقوهم إليه، وإلتفوا حوله وذهلت لما صنعه النبي وأصحابه، فلما نظرت ورأت أن الماء قد أحاط به أصحاب محمد، أقسم رجال ليقتحموا حوض المسلمين، ويشربوا من الماء فلما إقتربوا من الصحابة رشقوهم بالنبل فقتلوهم قبل أن يقتربوا منهم. بعد أن أخذ ساعة البدء وكان قد قال: (لا تحملوا عليهم حتى أئذن لكم)، خرج صلى الله عليه وسلم مسرعا، يبشر اصحابه بنزول الملائكة، نظر إلى الزبير بن العوام وقد أعتم بعمامته الصفراء فقال: (يا زبير هذه الملائكة قد نزلت على سيمتك وأعتموا بعمامتك يقاتلون في صفوفكم) وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، يحرض الجيش على القتال، ويثير حماستهم، ويعمل على رفع روحهم المعنوية ويعد من يموت شهيدا بالجنة ويقول: (والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة، عرضها السموات والارض)، فقال عمير بن الحمام للنبي صلى الله عليه وسلم وهو متعجب: يارسول الله، جنة عرضها السموات والارض؟ فقال النبي: (نعم يا عمير)، وكان بيد عمير تمرات يأكل منها فنظر الى التمرات بيده، ثم نظر الى قريش وقال: بخٍ بخٍ ما بيني وما بين دخول الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، إنها لحياة طويلة حتى آكل تمرات فرماهن من يده وألقى بنفسه في داخل صفوف العدو يقاتل بقوة وحمية وشراسة، حتى مات شهيدا في سبيل الله، نأخذ صورة أخرى عن نفسية الصحابة قبل بدء المعركة وحرصهم على القتال والشهادة، عوف بن الحارث يقول: يارسول الله ما يضحك الرب من عبده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غمسه يده في العدو حاسراً)، فخلع درعه وألقى خوذته، وأنطلق في قلب جيش الكفار، وهو تصرف يلقي الرعب في قلوب العدو، وأخذ يقاتل ويقاتل ويقاتل، حتى مات شهيدا، فعلمنا أن نربط حبالنا في السماء ونعتمد ونتوكل على الحي الذي لا يموت، فبهذا الإيمان من الصحابة والثقة بالله، نشروا دين الله.
اول بدايه للمعركة:
قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا تحملوا عليهم حتى امركم، فإن أكتنفوكم فانضحوهم النبل فان الخيل لا تُقبل على النبل، ولا تسل السيوف حتى امركم)، ثم دخل على العريش يدعو ويناجي ربه، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
بدأت المعركة: فخرج من قريش أحد فرسانهم المشهورين الأسود بن عبد الأسد، فصرخ: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه فأنطلق الى اتجاه حوض المسلمين، فتصدى له حمزة اسد الله ورسوله وتبارزا، وضربهُ حمزة ضربة اطارت ساقه قبل ان يصل للحوض فوقع على ظهره، فأخذ يزحف للحوض، فضربه حمزة ضربة قضت عليه، قبل أن يصل، واقبل نفر من قريش حتى وصلوا للحوض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (دعوهم) فشربوا منه، وكان من بينهم حكيم بن حزام، وكل الذين شربوا من الحوض قتلوا إلا حكيم بن حزام ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه ، فكان إذا أراد ان يحلف يمين يقول لا والذي نجاني يوم بدر. خرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ومن أبطال قريش، فلما توسطوا بين الجيشين طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، عوف بن الحارث وأخوه معوذ وعبد الله بن رواحة، وكان عوف ومعوذ صغيرين بالسن، ولكن كانا وعبد الله بن رواحة من أشد الصحابة حماسة للقتال، وحبا للشهادة فقالوا لهم: من أنتم قالوا: رهط من الأنصار فقالوا: كفءٌ كرام ولكن ما لنا بكم حاجة، يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من بني عمنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث(عمه وابني اعمامه) فقاموا واصطف الفريقان فقال حمزة: اقرب الناس، لرسول الله فهل نحن اكفائكم؟ قال عتبة: أجل اكفاء كرام، فبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، وبارز عبيدة عتبة، حمزة وعلي لم يمهلا خصميهما طرفة عين، فما هي الا رفعة سيف ونزلة، حتى اطاح كل واحد بخصمه، فضجت ساحة المعركة بالتكبير، اما عبيدة فجرح كل واحد صاحبه، فحمل حمزة على خصم عبيدة فأجهز عليه وقتله، فرفعت معنويات المسلمين، وأحبطت المشركين وحملوا قتلاهم.
حمل حمزة عبيدة جريحاً، الى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه افرشه قدمه فنظر عبيدة لوجه النبي وذرفت عيناه بالدموع وقال: يارسول الله ما بكيت جزعاً من الموت، واني لأعلم انها الشهادة، ولكن تذكرت ابا طالب وقصيدته يوم الشعب اذا قال:
(كذبتم وبيت الله نبزي محمدا // ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله // ونذهل عن أبنائنا والحلائل)
وددت يا رسول الله، لو أن ابا طالب حي ليرى أني أحق منه بقوله هذا فلا والله لا يصلوا اليك، وفينا عين تطرف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أشهد أنك شهيد)، ورجع الرسول ساجداً يقول: (يا حي يا قيوم) ويدعو الله حتى جاء علي وقال: يارسول الله لقد اكتنفنا القومفوقف ينظر فاذا بجبريل على راس الملائكة فقال لاصحابه: (قوموا الى جنة عرضها السموات والارض، فوالذي نفسي بيده، لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل مقبل غير مدبر محتسباً، لله صابراً إلا أدخله الله الجنة) فأخذ صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى وألقاها في اتجاه المشركين وهو يقول: (شاهت الوجوه)، للاخذ بالاسباب، فما من رجل من قريش الا قال: شعرت برمال تدخل في عيني قبل المعركة، واخذوا يفركون عيونهم، وقال من اسلم منهم بعد ذلك، انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس، فشعرنا ذلك في أفئدتنا ومن خلفنا وكان ذلك من أشد الرعب علينا. قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
ثم صاح في المسلمين؛ (شدوا) فانطلق المسلمون كالسيل وهم يصيحون أَحَد أَحَد، هجمت قريش وكان فرسان المسلمون في المقدمة، فلما اقترب جيش المشركين بفرسانهم، استقبلهم المسلمون بالسهام كما أمروا، ثم بالحراب، لارباك جيش قريش وكسر حماسهم في البداية، اصبح صليل السيوف في كل مكان، الغبار يغطي أرض المعركة إحتدم القتال وتعانقت السيوف، قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، اولا معية الله، هو معهم بعلمه وارادته ونصرته وقدرته، هو الذي يدير المعركة سبحانه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ليس مشرفا على المعركة فقط، يقول ابو بكر: فما راعني إلا والنبي يسل سيفه ويثب في درعه وهو يصيح ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}. والاية نزلت ونحن في مكة فوالذي بعثه بالحق ما علمت تؤيلها الا يوم بدر. وهكذا بدأت معركة بدر بهذا الحماس والأيمان المطلق بالله ، والتوكل عليه والاخذ بالاسباب.
صور من معركة بدر:
اوصى النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه قبل بدء المعركة، فقال: (إن رجال خرجوا في هذا الجيش مكرهين لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم العباس بن عبد المطلب، فلا يقتله بل يأسره، من لقي أبا البختري بن هشام، فلا يقتله)، فقال ابو حذيفة: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ولا يقتل العباس بن عبد المطلب؟ والله لأن لقيت العباس لألجمنه السيف ألجاماً، وسمع النبي مقالته، فنظر النبي في وجه عمر وقال: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟) قال عمر: والله إنه لأول مرة يكنيني النبي بأبي حفص فقال: يا رسول الله دعني اضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: (لا يا عمر إنه لم ينافق ولكنها ذلة لسان قُتل ابوه في المبارزة). وقاتل الصحابة رضوان الله عليهم بكل شجاعة وإيمان. ومن الصور يلتقي ابو عبيدة بن الجراح مع ابيه وجها لوجه، وتحرك الدم في عروقه، فأبتعد عنه، أما إن قتله غيره لا بأس، فسمع ابو عبيدة ابوه يصرخ في المعركة، أين محمد؟ دلوني عليه لا نجوت اذا نجا؟ فغضب ورجع مسرعاً الى والده وقال: يا عدو الله تنشد رسول الله، تريد قتله، فرفع سيفه واطاح براسه. ويقتل عمر خاله ابن المغيرة، فلم تمنع القرابات والارحام، بين ان ينتصر المؤمنون لله، وكان ابو بكر في جوار النبي صلى الله عليه وسلم في العريش، فلما نزل النبي لساحة المعركة كان بجانبه فسمع ابو بكر ابنه (عبد مكة) وكان مع المشركين ينادي أين محمد؟ يريد قتل النبي، فقال ابو بكر: دعني له يارسول الله، فامسكه النبي وقال: (متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم بأنك سمعي وبصري). ولحكمة يريدها الله يؤسر عبد الكعبة، ثم يفدى، ثم يدخل في الاسلام، ويصبح من خيار الصحابة فلما اسلم غيّر النبي اسمه لعبد الرحمن.
وقتل المجذر رضي الله عنه ابا البختري، فجاء المجذر للنبي وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت على أسره وآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني، فقتلته. ولما أرادوا حمل والد حذيفة الى قليب بدر مع القتلى نظر النبي لأبو حذيفة واذا هو قد تغير فقال: (يا أبا حذيفة، ادخلك شي من قتل ابيك) قال: لا والذي بعثك بالحق، ولكن كنت اعلم من ابي رأي وحلم، فاحببت ان يكون في الاسلام، فكرهت ما مات عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لابي حذيفة بخير، ومع ذلك يقول ابو حذيفة: ما زلت اتخوف تلك الذلة، واقول لا يكفرها الا شهادة في سبيل الله، فما كانت معركة إلا يكون اول الصفوف، حتى مات في معركة الردة يوم اليمامة رضي الله عنه وارضاه.
وقال الله تعالى فيهم: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخِر يُوادّون مَن حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويُدخلهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون}.
انتهاء المعركة:
اصيب قتادة بسهم في عينه، فسالت حدقته على خده، وهمَّوا أن يقطعوها، فصاح بهم رجل اذكروها لرسول اللهقالوا: يارسول الله سالت حدقة أنقطعها؟ قال: (لا ، لا تقطعوها، ادنوه مني) فوضع كفه اليمنى فردها الى مكانها، ثم تفل فيها قال قتادة: والله لا أدري اي عيني التي اصيبت؟. ويرى بلال رضي الله عنه امية ابن خلف فيقول: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ويوقعه على الارض، فصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، ثم غرس سيفه فيه. وجاء غلامان يقال لهما: ابنا العفراء معاذ ومعوذ يسألا عبد الرحمن بن عوف: يا عم اين ابا جهل؟٠ بلغنا انه كان اشد قريش ايذاء لرسول الله فنريد قتله، وإذا هو يصيح بالناس، فقال: اترون هذا الذي يصيح هذا هو، فتقدما إليه وقالا: يا ابا جهل، انتبه اننا نريد قتلك، فضحك وقال: لم يبقى عند محمد إلا هذه الصبية، قالا: لا تسخر اننا قاتلوك، فضربه الاول فلم يأثر فيه شيء، ثم الاخر ضربه فسقط عن بعيريه،
وانتهت المعركة، وكان أبو جهل واقع على الأرض وكله جراح، وقال صلى الله عليه وسلم: (إلتمسوا فرعون هذه الامة في القتلى فانه مقتول لا محالة) فاخذوا يبحثون عنه، وقد ساقته الملائكة بالسياط ضربا لإبن مسعود، فوجده عبد الله بن مسعود وعرفه وهو يواري وجهه بين القتلى، فقال اي عدو الله، أخزاك الله قال: وما أخزاني لا، هل انا ما عدا رجل قتلتموه، ولكن اخبرني لمن الدائرة قال: الدائرة لله ولرسوله وعلى رؤسكم يا اعداء الله فخشيت ان يكون به قوة فيعاجلني، فطفت حوله فلما رأيت لا حراك به وضعت قدمي على عنقه، وصعد بساقيه النحيلتين على صدره، وقال: ها يا أبا جهل؟ رفعت خوذته ونقرته فيها فقال: يا رويعي الغنم لا تعذبني بسيفك هذا دونك خنجري على جانبي خذه فاقطع به عنقي، فاخذته ثم وكزته برجلي، ووضعت رجلي على صدره وقلت: تذكر يا اباجهل، ها انا رجلي على عنقك، واحز راسك بيدي الم اقل لك اني سأذبحك قال: لقد رقيت مرقاً صعبا يا رويعي الغنم، فحززت راسه، وعجزت عن حمله فخرمت اذنه بالخنجر ثم ربطته بحبل وجررته على الرمال، حتى جئت به للنبي وقلت: يارسول الله ابشر هذا رأس ابو جهل فقال النبي: (آالله حقا ما تقول) فلما نظر النبي الى راسه، خرا ساجدا لله، ونظر لابن مسعود وابتسم وقال: (يا ابن مسعود أرضيت الأذن بالأذن والرأس زيادة) ثم نادى: (أين عمار؟) فأقبل وقال له النبي: (ابشر يا عمار، فلقد قتل الله من قتل امك). إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
انتصار المسلمين:
بدأ القتال في الصباح، واستمر للظهر، وانتهى بأنتصار المسلمين، وفرار المشركين، وأخذوا يطاردونهم ويأسروا منهم، ويمر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير وهو أسيراً مقيد في يد انصاري فقال مصعب: شد يديه، فان أمه ذات متاع وسترسل في فدائه مال كثير، فقال له أخيه: يا مصعب أهذه وصاتك؟ قال مصعب: إنه أخي دونك. واستشهد أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعين وأسر سبعين كلهم من سادة قريش، وقاموا بدفن الشهداء، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين، فسحبوا وألقوها في أحد الآبار، يقول الصحابة: نظرنا فوالذي بعثه بالحق، ما من رجل ذكر مصرعه قبل المعركة ما تعدى موقع اشارة رسول الله، فلما أرادوا حمل أمية بن خلف كان بديناً يلبس درع قد انتفخ وملئ درعه فتفتت في ارضه، فأمر النبي ان يُحفر له حفرة بجانبه ثم يلقى فيها ويهال عليه، ولا تترك جثة بالعراء، ثم وقف صلى الله عليه وسلم، على القليب واخذ يناديهم بأسماءهم، وقال: (بئس العشير كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، واخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، سيهزم الجمع ويولون الدبر، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟) فقال بعض الصحابة: يا رسول الله أتنادي ناسا أمواتا؟ قال: (ما انتم بأسمع منهم ما أقول). وأقام النبي والمسلمون في بدر ثلاثة ايام وكانت هذه هي عادة العرب في حروبهم أن المنتصر يظل في مكان المعركة ثلاثة ايام، ويعتبرون أن هذا هو دليل انتصاره، ثم أرسل عبدالله بن رواحة وزيد بن حارثة الى المدينة المنورة ليبشرهم بالنصر، وكان اليهود والمنافقون قد اشاعوا أن المسلمين قد هزموا وأن الرسول قد قتل، فلما وصلت البشرى بانتصار المسلمين، ارتجت المدينة بالتهليل والتكبير، بينما وصلت أنباء الهزيمة لقريش، ونزلت عليهم كالصاعقة، وعلت أصوات النياح على قتلاهم، ثم منعوا النواح بعد ذلك حتى لا يشمت فيهم المسلمون.
اخذ الصحابة بجمع الغنائم، وساقوا الاسرى بين ايديهم مكبلين بالحبال، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى فقال: (فكوا وثاقهم واحسنوا صحبتهم، وقاسموهم زادكم)، فقال قائل: يا رسول الله لو كنا اسرى بين أيديهم لفعلوا بنا اكثر من ذلك، فقال النبي: (لسنا كمثلهم)، فكان الصحابة يعطون للأسرى أطيب طعامهم، ويأكلون الطعام الرديء، ويجعلونهم يركبون وهم يمشون الى جوارهم، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، هؤلاء اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ الذين هم قبل ساعات ضربوا اعناق الاباء والابناء والاهل والعشيرة، لانهم كفار والان بتوجيه من النبي يؤثرونهم على انفسهم بلقمة وهم كفار ايضاً، إنه دين الله عزوجل، دين الحق والعدل والرحمة، فلكل مقام مقال، المسألة عندهم دين وليست امور شخصية. وفي طريق العودة نزلت سورة الأنفال، تناولت الكثير من أحداث غزوة بدر كما تناولت كيفية توزيع الغنائم على المسلمين، رجعوا وسط أجواء من الفرحة والبهجة عمت المدينة كلها حتى غطى عليهم حزنهم بوفاة بنت النبي رقية زوجة عثمان بن عفان، وقد ماتت وعمرها اثنان وعشرين عاما، وتركت ابنها عبد الله وعمره أربعة أعوام. وهذا أمر الله، لنعلم جميعاً أن هذه الدنيا فانية، ولأنه قدوة صلى الله عليه وسلم، كانت رسالة ودرس لنا جميعاً، ففي نفس وقت أعظم انتصار في التاريخ الاسلامي كله يوم الفرقان، يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم مصيبة فقدان الإبن، والدنيا مهما كانت عظيمة ينغصها أمران الخوف أن تفارقك هذه النعمة، أو انت تفارق هذه النعمة بالموت. فالدنيا لم نخلق لنخلد فيها، فاليوم نزرع وغداً نحصد.
قرار اخد الفداء:
وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وجمع الاسرى بساحة المسجد النبوي، خرج المهاجرين يشهدون من يوجد بالاسرى، ومنهم ام المؤمنين سودة، فوقع بصرها على سهيل بن عمرو، فقالت: أسهيل هل لا متم كراماً وخيرا من أن تعطوا أيدكم للأسر، تقول: فما راعني إلا ورسول الله يقول بملء فمه رافعاً صوته:(ياسودة أعلى الله ورسوله تحرضين؟)، فصككت وجهي وقلت: معذرة يا رسول الله، والله ما أدري ما قلت حين رأيت سهيل بينهم، استغفرلي يارسول الله، فقال: (يغفر الله لك). فاستشارهم في الاسرى، بين ايدينا سبعين من صناديد قريش، نظر في اصحابه وقال: (ماذا تقولون في هؤلاء الاسرى؟) فقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، لعل الله أن يهديهم بك فان منّنت فهو خُلقك، وإن قبِلت الفداء استغنى به الفقراء، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا، فرأيه فيه جانب الرحمة، فقال عمر بن الخطاب: ما أرى ما رأى أبو بكر يا رسول الله، هؤلاء أئمة الكفر، وصناديد قريش، كذبوك وآذوك وأخرجوك وقاتلوك، فإني أرى أن تشرد بهم من ورآئهم، ودعني اضرب عنق ابن عمي فلان، ثم قل لعمك حمزة فليضرب عنق اخيه العباس، ثم قل لأبن أخيك علي أن يضرب عنق اخيه عقيل، ولا تبالي بما فعلته بهم بعد ذلك، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، فكان رأيه شديد الحسم، رأيان كلاهما مختلف عن الآخر، أخذ الفدية وأيده جماعة، او قتل الأسرى وأيده جماعة، فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم ودخل الى بيته، فغاب ساعة ثم خرج فقال: (إنما مثلك يا أبا بكر كمثل ابراهيم عليه السلام قال: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وإنما مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}) ثم قال: (إنكم عيلا، وأرى ان تقبلوا فيهم الفداء تستعينون به، ويكن لكم يد في قريش). وشاع الخبر بقريش في قبول الفداء، فكان حسب غنى وفقر الاسير لم يجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في رتبة واحدة، فأعلاه أربعة آلاف درهم من الفضة، وادناها ألف درهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن لا يجد فداء، ويعلم القراءة والكتابة، فليُعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ومن كان لا يعرف فهو طليق)، فكان أول من شرع محو الأمية رسول الله صل الله عليه وسلم،
فداء العباس عم النبي:
قال العباس عم النبي، يا رسول الله، لقد أُخذ مني بالمعركة ٤٠ وقية ما بين ذهب وفضة ألا تكون فداء لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يا عباس ذلك شيء انفلنا أياه الله فعليك فداء نفسك، وفداء ابني اخيك) نوفل بن الحارث وعقيل بن ابي طالب كل واحد أربعة الاف درهم، قال: إذن جعلتني أفقر قريش ما حييت، قال له الرسول: (لا يا أبا الفضل، وأين المال الذي وضعته تحت عتبة الدار ليلة خروجك؟ وأوصيت أم الفضل ان لا تخبر به أحد وقلت لها: إن انا قُتلت، فهذا يغنيكِ ما حييتي انت وابنائك، وإن انا رجعت فاتركِ كل شيء في مكانه)، فقال العباس: أشهد أنك رسول الله، والذي بعثك بالحق ما علم بحديثنا غيرنا إلا الله، ثم قال العباس: يا رسول الله أنت تعلم بأني مؤمن أكتم ايماني وما أُخرجت الا كرهاً، قال له النبي: (ولكن يا أبا الفضل، كان سيفك بالظاهر علينا وقد أسرك أصحابنا)، فجاء الأنصار يتوسطوا إلى الرسول صل الله عليه وسلم في عمه، وحاولوا أن يسامحوه، فقد كانوا قمة في الأخلاق فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه، ولكن رسول الله اصر على اخذ الفداء. أسلم وكتم اسلامه فكان عيناً على المشركين، يبعث بأخبارهم للنبي، هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة ومعركة حنين وممن ثبت وبفضل صوته الجهوري رجع وثبت المسلمون. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنه: (من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه). أما عقيل تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وشهد حنينا، وكان ممن ثبت فيها، وشهد معركة مؤتة، ومن أعلم الناس بأنساب قريش، شديد الذكاء مشهورا بالجواب المسكت، اما نوفل كان يتاجر في الرماح وأسلم ومات في خلافة عمر بن الخطاب، ومن الاسرى السائب بن عبيد من ابناء عمومة النبي، فدى نفسه، ثم أسلم وحسن إسلامه، ويكون جد الإمام الشافعي رحمه الله.
فداء ابو العاصي ابن الربيع واسلامه:
هو زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحبها حبا كبيرا، خالته ام المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكان رجلا شهماً مشهور بالأمانة، ذهبت قريش اليه ليقنعوه أن يطلقها ويزوجوه من يشاء فقال: لا وربِ هذه البنية، لا افارق صاحبتي فليس بيني وبينها ما يدعو ذلك، ولم أرى من محمد إلا خيراً، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وبقية معه في مكة على اسلامها وهو على شركه. خرج لبدر مكرهاً فوقع بالاسر، فأمره النبي بأن يفدي نفسه، فأرسل الى قريش يطلب الفداء فوصل الخبر لزوجته زينب، من عمتها عاتكة فجمعت ما معها من مال فلم يكفي للفداء، فنزعت قلادتها من عنقها وهي هديتها من امها خديجة رضي الله عنهما ، ووضعتها على مال الفداء، فنظر النبي في المال فوقع نظره على قلادة خديجة فخفق قلبه، وذرفت عينه الدموع شوقا لخديجة اولاً وتذكر بنته زينب، فسأله اصحابه ما يبكيك يا رسول الله؟ فكفكف دمعه وقال: (لقد تذكرت هذه القلادة لأمكم الأولى خديجة ألبستها لزينب ليلة زفافها) فقالوا: ماذا ترى يا رسول الله؟ قال: (إن شئتم فاقبلوا الفداء، وإن شئتم اطلقوا زوجها وردوا عليها قلادتها) فقال الصحابة: نفعل يا رسول الله، فاستوقفه النبي وقال له: (يا ابا العاص لقد فرق الله بين المؤمنين والكافرين فزينب لا تحل لك زوجة بعد اليوم، فاذا بلغت مكة فارسلها الينا)، فقال: نعم ثم استدار عائدا لمكة، فخرجت زينب على أبوابها لاستقباله، فلما رآها قال بألم: يا زينب عودي إلى أبيك فجهزها ولأنه لا يستطيع فراقها، امنها مع أخيه عمرو ليوصلها، فخرج في وضح النهار، فلحقه أبا سفيان وقال: لقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس، وعيوننا ترى، وقد عرفت العرب جميعها أمر نكبتنا في بدر، وما أصابنا على يدي أبيها محمد، فإذا خرجت رمتنا القبائل بالجبن ووصفتنا بالهوان والذل فارجع بها، واستبقها في بيت زوجها أياما حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها، فسلها من بين أظهرنا سرا وألحقها بأبيها، فرضي بذلك، وأعادها ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلاً بعد أيام، وأسلمها إلى رسولي أبيها يدا بيد كما أوصاه أخوه. بقية زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات على أمل أن يعود إليها زوجها. ويوما التقت سرية من المسلمين بقافلة تجارية لقريش، فأصابوا كل ما معهم وكان او العاص فيها فهرب منهم وتسلل ووصل إلى بيت زينب، فلما رأته، سألته بلهفة أجئت مسلما؟ قال: لا بل جئت هارباً مستجيراً، فقالت: لا تخف مرحبا بابن الخالة، مرحبا بأبي علي وأمامة. خرجت زينب من صفة النساء، وهم في صلاة الفجر وقالت: أيها الناس، أنا زينب بنت محمد، وقد أجرت أبا العاص فأجيروه، فلما سلم النبي، التفت إلى الناس وقال: (هل سمعتم ما سمعت؟) قالوا: نعم يا رسول الله، فقال: (أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم)، وصمت فجاءت إليه زينب وقالت: يا رسول الله إن أبا العاص، إن بعُد فابن الخالة وإن قرُب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله، فقال النبي: (يا أيها الناس إن هذا الرجل ما ذممته صهرا، وإن هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله، وأن تتركوه يعود إلى بلده، فهذا أحب إلي. وإن أبيتم فالأمر إليكم، والحق لكم ولا ألومكم عليه). فقال الناس: بل نعطه ماله يا رسول الله، فقال النبي: (قد أجرنا من أجرتِ يا زينب) ثم ذهب إليها وقال لها: (يا زينب أكرمي مثواه فإنه ابن خالتك وإنه أبو العيال، ولكن لا يقربنك، فإنه لا يحل لك) فقالت: نعم يا رسول الله. فلما ذهب لمكة وقف أمام الكعبة، يوزع أموال التجارة على أصحابها. وبعد أن فرغ قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ فقالوا: لا. فقد وجدناك وفيا كريما، قال: إذن فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم رجع ودخل المدينة فجرا وتوجه إلى النبي وقال: يا رسول الله أجرتني بالأمس واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله هل تأذن لي أن أراجع زينب؟ فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (تعال معي). وقال: (يا زينب إن ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أن يراجعك فهل تقبلين؟) فأحمرّ وجهها وابتسمت رضي الله عنهما. توفي ابنهم علي وهو صغير أما أمامة عاشت إلى خلافة معاوية رضي الله عنهما. كان النبي يحبها ويعطف عليها ويحملها أثناء الصلاة، واهدي إليه قلادة من خرز ملمعة بالذهب، ونساؤه مجتمعات، وامامة تلعب والرسول الله ينظر إليها بحب وحنان، فأبتسم وقال: (كيف ترينَ هذه؟) فقلن: يا رسول الله ما رأينا أحسن من هذه ولا أعجب، فقال: (ارددنها إلي) فلما وضعها في حِجره قال: (والله لأضعنّ هذه القلادة في رقبة أحب أهل البيت إلي) تقول امنا عائشة: فأظلمت عليّ الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا قد أصابهن مثل الذي أصابني، ووجمنا جميعا، ثم قام بوضعها في رقبة أمامة، فسُرِّيَ عنّا، ماتت زينب رضي الله عنها، فبكاها زوجها بكاء شديدا، ورغم حزن النبي صلى الله عليه وسلم على فراق بنته، اخذ يهون على ابو العاص حزنه ويمسح بيده الشريفة عليه، لأنه فجع بها لشدة محبته لها، ويقول والله يا رسول الله ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب، فمات بعد سنه من موت زينب لم يتحمل فراقها.
===
وصف ملابسه:
لم تكن ملابسه مميزه عن باقي الناس، يلبس ما يتيسر له والتي كانت معروفة في قومه، يضع على رأسه عمامة، وقلنسوة وأحيانا بغيرها. وللعمامته ذؤابة تنزل للخلف على ظهره بين كتفيه، وكان له عمامتين بيضاء وسوداء وربما خضراء وألوان أخرى، ولم تكن كبيرة يؤذيه حملها، ولا صغيرة لا توفي الرأس حقه من الوقاية والحماية، بل كانت وسطا بين ذلك. وكان اكثر لبسه للجلباب، ويلبس الجبة والقميص، ويلبس السروال تحت ملابسه، كان يلبس جميع انواع القماش إلا الحرير، وكان يحب الثياب المصنوعة من القطن ، وكان يحب اللون الابيض في اللباس.
– كان يلبس في قدميه النعل، ويلبس الخف، – يلبس في خنصره خاتم من فضة مكتوب عليه محمد رسول الله، من أسفل الى أعلى، لأنه لم يحب أن يعلو اسمه على اسم الله، ويلبسه في يده اليسرى أحيانا، وفي اليمنى أحيانا. – يحب الطيب واسم عطره (الغَالِيَةُ) تركيبه من مسك وعنبر وعود وكافور، وكان احياناً يتطيب بالمسك وحده. – يشرب ثلاثا وهو جالس، يتنفس بينهم، ويبعد الاناء عن فيه ونفسه. – كان قليل الأكل، يأكل على الارض، يجثو بركبتيه او ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى، ويأكل بأصابعه الثلاثة، الإبهام والتي تليها والوسطى، وأحيانا باصابعه الخمسة، ولا يتكلف في الأكل بل يأكل ما يقدم اليه، واذا لم يحبه لا يأكله ولا يعيبه، قالت عائشة رضي الله عنها: لم يشبع يومين متتاليين، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة لا يجد عشاءاً، قالت فاطمة رضي الله عنها: ناولت النبي صلى الله عليه وسلم كسرة خبز، فقال: (هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام).
– كان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير، فراشه ووسادته من جلد محشو بالليف. – كانت مشيته كأنه ينحط من صبب فيها جدية. – كان يتبسم في حديثه، قالت عائشة رضي الله عنها عن كلامه: لم يكن يسرد الحديث كسردكم، يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه. – كان إذا التفت، التفت بجميع جسده، وليس برأسه فقط، يُقبل بوجهه على كل من يحدثه، ولا ينصرف عنه بوجهه، حتى ينصرف الذي يحدثه، واذا صافحه احد لا يكون هو اول من يسحب يده، ويظهر الإهتمام بكل الناس، حتى أن كل واحد يعتقد أنه خير القوم وأحبهم اليه، لدرجة ان عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني من خير القوم فقلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر؟ قال: (أبو بكر)، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عمر؟ قال: (عمر) قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان؟ قال: (عثمان) قال: فصدقني، فوددتُ أني لم أكن سألته.
– كان صلى الله عليه وسلم دائم التبسم، وضحكه التبسم روي الترمذي عن عبد الله بن الحارث قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم. – كان اذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكان بكائه من جنس ضحكه، بلا شهيق وبلا رفع صوت، كثير البكاء من خشية الله تعالى، وربما زار مريضا فبكى رحمة له. – كان هادئا رزيناً وقورا، له هيبة، إن صمت فعليه الوقار، وان تكلم سما وعلاه البهاء وكان من وقاره أنه لا يضحك بصوت مرتفع، ولا يبكي بصوت مرتفع، ولا يكثر المزاح. والصحابة يجلسون في مجلسه كأن على رؤسهم الطير، ولا يستطيعون التمعن في وجهه من شدة هيبته وانواره، قال عبدالله بن عمرو: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيماً له، ولو قيل لي صفه لما قدرت. ولقد رأته قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها جالسا في المسجد فأخذت ترتعش، ودخل عليه اعرابي، فلما رآه اخذ يرتعش بشدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هون عليك فإني لست بملك ولا جبار، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)
بموقف: قال صلى الله عليه وسلم: (مَن أحب أن يسمع القرآن غضاً طرياً كما أنزل من الله فليسمعه من عبد الله بن مسعود) لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان واقف في بستان أبي طلحة الأنصاري فوقع نظره على قطف رطب فقال ابو طلحة: بأبي انت وامي يارسول الله هل أحضره لك؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم لا بأس فأسرع ابن مسعود قبل أبي طلحة، فصعد للنخلة متسلقاً عليها، فكشف عن ثوبه فرأوا ساقي إبن مسعود، فضحك الصحابة بصوت مسموع، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أتضحكون من دقة ساقي عبد الله؟) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: والذي نفس محمد بيده لساق عبدالله بن مسعود أثقل عند الله من جبل أحد)، كان عبد الله بن مسعود يدخل إلى مجلس النبي من غير ما استئذان كما جاء في البخاري، يقول له النبي: (إذنك علي يا إبن مسعود أن ترفع الحجاب)
اسلام عمير بن وهب:
قبل الهجرة كان عمير بن وهب من أشد قريش عداوة للإسلام، اشترك هو وابنه وهب في بدر، وهرب واسر ابنه، وفي مكة كان حزين مهموم، وكذلك صفوان بن أمية كان من الفارين، وقد رأى مصرع ابيه، جلسا معا في حجر الكعبة يتحدثان عن مصابهم فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير، فقال عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله غيلة بين اصحابه، فإن لي عنده اسير اتحجج به، فقال: اي عمير انا علي دينك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم فأنفذ ما تقول، قال: إذن اكتم علي، فقال: قد فعلت فتعاهدا على ألا يعلم أحد، فجهز عمير سيفه وشحذه وسمَّه، وركب دابته وذهب للمدينة، وأناخها على باب المسجد، وهو متقلد سيفه، فرآه عمر رضي الله عنه فقال: هذا شيطان قريش، والله ما جاء إلا لشر قالوا: يا عمر إن له أسيرا، قال: والله ما لهذا قدم، فدخل على النبي، وقال: يا رسول الله هذا عمير شيطان قريش ينيخ بباب المسجد. قال: (ادخله علي يا عمر)، فأمسك به عمر وأخذ سيفه وعلقه في عنقه، وجذبه عمر جذبة شديدة، وأدخله على رسول الله بهذه الهيئة، فلما رآه النبي متمكن منه، قال: (أرسله يا عمر، أدنو يا عمير)، قال: أنعم صباحا، فقال له النبي: (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير؟) قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: (بل أصدقني يا عمير لماذا جئت؟) قال: ما جئت لغير هذا. قال: (فما بال السيف الذي في عنقك؟) قال: قبحها الله من سيوف، إنه سلاح المسافر، فنهض النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وجذبه من ثيابه ورضه على الارض على ركبتيه، وصاح به وقال: (أجلس أمامي، وأصدقني لما جئت؟) قال: ما جئت يا محمد إلا لهذا، قال: (بل انا أخبرك بما جئت؛ بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بن أمية بالدين وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك). فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، لقد كنا نكذبك يا رسول الله، بالخبر يأتي من السماء لأننا لا نعرفه أما هذا؟ فوالله الذي لا إله غيره، ما أطلع عليه ثالث، فمن انبأك به إلا الله، فإني اشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله، فمسح النبي بيده على صدره وقال: (فقهوا أخاكم في دينه وأطلقوا له أسيره) وقال: أذن لي يا رسول الله أن أقدم مكة، وأدعوهم إلى الإسلام؛ لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فاذن له فانطلق إلى مكة. وأخذ يدعو إلى الإسلام. وأسلم على يديه الكثير من قريش، وظل كذلك حتى فتح مكة، واسلم صفوان بن أمية.
الباب الرابع
الفصل الاول:
بداة مرحلة جديدة بعد بدر:
أصبح للدولة الإسلامية هيبة كبيرة في قلوب العرب ورفعت من الروح المعنوية للمسلمين، وغيرهم في ألم وغمة وقهر. وكأن شيء أصابهم في سويدة قلوبهم لا يحبون محمداً أطلاقاً قد قالها أحبارهم، فهم أصحاب غدر ونكث للعهود، فما أن جاءت اول مناسبة، كشفوا النقاب عن حقيقتهم، فاخذوا ينالون من المسلمين في الاسواق بألسنتهم، ويلمزون ذماً بالنبي صلى الله عليه وسلم، على اسماعهم ويتألمون على قتلى قريش ويضيقون سبل المعيشة على المسلمين، فمثلا مر شاس بن قيس بنفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون فيه، فغاظه جدا ما وجده من ألفتهم وجماعتهم لم يعجبه هذا الاجتماع، فجلس اليهم، وأخذ يذكرهم بيوم بعاث، وأخذ الصحابة يذكرون تلك الحرب، وذكروا بعض الشعر عن ذلك اليوم فأشتد النقاش واخذتهم الحمية، فغضب الفريقين، وقالوا الحرب بيننا وانصرفوا ليستعد للحرب، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقام مسرعاً إليهم مغضباً ووقف بين الفريقين، ورفع يديه باعد بينهما وقال: (يا معشر المسلمين، الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم) ثم تركهم ومشى مغضباً. فبكى الصحابة ندماً، وقاموا وتعانقوا، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم، انه من فعل يهود، أنهم يريدون غدراً، وأحتار في أمرهم، والمدينة الآن في أمس الحاجة للإستقرار الداخلي اكثر من أي وقت، فأخذ يفكر بحل هذه المشكلة معهم، فأنزل الله عزوجل: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} فأرسل صلى الله عليه وسلم، الى سادتهم أن اجتمعوا في سوقكم وسط المدينة، فأجتمعوا فقدم اليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فما راعه إلا تجهمت وجهوهم وقالوا: يا محمد ارأيتنا مثل قومك؟ لا يغرنك أنك لقيت قوم لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة والله لإن حاربناك ، لتعلمن أن نحن اهل الحلقة، فأنزل الله على نبيه فوراً: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريش، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، فقاموا من مجلسه وتركوه يتكلم، فحذر النبي المسلمون منهم، وأمرهم أن يأخذوا حذرهم من بني قينقاع،
اليهود تنقض وثيقة المدينه:
في اليوم الثاني، تأتي إمراة مسلمة الى سوقهم، تريد ان تبيع أو تشتري، فجلست عند دكان صائغ، فأخذوا يهزئون بها وبلباسها، وأخذوا يراودونها عن نفسها، وقام الصائغ بغفلة منها وهي جالسة فشكل ثوبها بشوكة الى بين كتفيها، حتى إذا رأت منه سوء، قامت مغضبة فانكشفت عورتها فضحكوا منها بصوت مسموع، فأنتبهت لنفسها وسدلت ثوبها، ثم صاحت بأعلى صوتها، وااا ذُلاه فسمعها رجل مسلم من الانصار، فأنقض بسيفه على الصائغ فقسمه نصفين، فتجمع اليهود وتكاثروا على المسلم وقتلوه، فوصل الخبر الى النبي فأخذ قراراً سريعاً وحاسماً، وهو ضرورة قتال يهود بني قينُقاع، فنادى في المسلمين لحصار يهود، وما أن سمعوا أن محمد جمع رجاله، اغلقوا أبوابهم ودخلوا حصونهم، فأمرا النبي صلى الله عليه وسلم بمحاصرتهم، وأن لا يصل لهم ماء، ولا طعام، ولا يخرج رجل منهم إلا قتل، واستمر هذا الحصار أسبوعين، وقذف الله في قلوبهم الرعب فأستسلموا، لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي بتكتيفهم، وقتل جميع الرجال المحاربين، لأنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ولأن كراهيتهم وعدواتهم وحربهم للمسلمين لن تتوقف، ولتحقيق الاستقرار للدولة الاسلامية. فقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يا رسول الله انهم حلفائي قبل الاسلام، وإني ابرء الى الله ورسوله منهم، ومن حلفهم فاصنع بهم ما شئت لا عهد بيني وبينهم. اما المنافق عبدالله بن ابي سلول تحدث الى النبي بفظاظة وقال : يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه يتكلم ومشى، فلحق بالنبي وامسك به من جيب درعه يجذبه إليه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أحمر وجهه، فقال النبي: (أرسلني) قال: لا أرسلك، قال النبي: (ويحك أرسلني) قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي، أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في ساعة واحدة، لا والله لا أرسلك حتى تعطيني عهداً، أن لا تقتل منهم رجلا واحدا، فنفض الرسول يده من نفسه وقال: هم لك ولكن لا يجاوروني في مدينتي ابداً. وارسل إليهم عبادة بن الصامت، ان انزلوا على حكم رسول الله خير لكم، تخرجوا من المدينة فقط، بأنفسكم وأهليكم لا مال ولا سلاح، تتركوا كل شي، وتخرجوا بأنفسكم فقط، فتركوا ديارهم وخرجوا الى أذرع في جنوب سوريا، واستقبلهم الوباء بيد القدرة ، فما اكملوا عام حتى دفنوا جميعاً، ولم يبقى من بني قينقاع احد.
خطبة فاطمة الزهراء وزواجها من علي:
تقدم ابو بكر الصديق رضي الله عنه لخطبة فاطمة، ويسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرد عليه، فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه قال: خطبت الى رسول الله ابنته فاطمة، ولم يرد علي بشي، فقام عمر وتوجه الى النبي، وخطب إليه ابنته فاطمة، ففعل النبي معه كما فعل مع الصديق لم يرد عليه بشي، فذهبا لعلي بن ابي طالب وقالا له: يا علي لقد خطبنا فاطمة الى رسول الله، فلم يرد علينا بشيء فانت أقرب الناس إليه رحماً وأنت أولى بها فقال علي: إذا كان ردكما، وأنتما شيوخ الصحابة، فماذا عسى ان يقول لي؟ قالا له: انت غيرنا أنت منه بمكان، فأنطلق إليه واذكرها قال: وماذا عندي اقدم لبنت رسول الله؟ قالا له: اذكرها ولا عليك، فانطلق فجلس الى النبي، على استحياء ولم يتكلم إلا انه سلم وجلس فنظر اليه النبي وابتسم وقال: (ما حاجة ابن ابي طالب؟) قال: يا رسول الله ذكرت فاطمة، وانا ابن عمها فقال له النبي: اهلاً ومرحباً فسكت علي، ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن وخرج متلعثم، قالا: ما بك يا علي؟ قال: ذكرتها عليه، فقال: اهلاً ومرحباً، فقالا: يا أبن ابي طالب واحدة منهما تكفيك من رسول الله لقد رحب بك صهراً، يقول لك اهلاً ومرحباً فعاد في اليوم الثاني، وأخذ يتكلم علي مع سعد بن معاذ على مقربة من النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا سعد ذكرت فاطمة لرسول الله بالأمس فلم يزد على أن قال لي اهلاً ومرحباً، فأبتسم سعد وقال: احدهما تكفيك لقد ارتضاك صهراً، قال علي: فما راعني إلا ورسول الله يرفع رأسه ويقول: (يا علي وماذا عندك لتقدمه لفاطمة) فتقدمت إليه وقلت: بأبي وأمي يارسول الله والله لا أملك شيء، فقال: (أين الدرع التي اعطيتك يوم بدر) قال: هي عندي، قال: (أمهرها لفاطمة)، فقال عثمان رضي الله عنه، وانا اشتريتها يا رسول الله ب (٤٨٠) درهم فأخذ النبي شي من هذا المال بأصابعه وقال: (خذ يا بلال ، فأشتري به طيب للعروس) ثم أخذ مثلها وقال لأنس: اعطيهم لأم سلمة، وقل لها تهيئ جهاز للعروس، فكان جلد كبش، وقطيفة ذات خمل، ووسادة من جلد محشوة بالليف، وحجر رحى، وجرة ماء، هذا الزواج كان بمنتهى البساطة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا)
تم تجهيز العروس؛ فجاء علي والصحابة رضي الله عنهم حول النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون كلام النبي بالزواج، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: (إني قد زوجت علي بن ابي طالب ، من فاطمة بنت محمد رسول الله) ثم قدم لهم وعاء فيه تمر ضيافة وتم العقد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(غداً بعد العشاء ان شاء الله) فلما كان، قال النبي: (لأزواجه اصّحبنا فاطمة الى منزل علي) ثم قال لعلي: (تصلي العشاء معنا وتنطلق لبيتك، ولا تحدث شيئاً، حتى أتيكما)، تقدم علي وانتظر وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهما جالسين على استحياء، وقال: (يا علي إلي بقدح ماء)، فقرأ عليه شيء من القران، ثم قال: (اشربا منه وتوضئا بفضلته) فشربا وتوضئا، فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم من وضوئهما بيده ونثر عليهما وقال: (اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما وارزقهم الكثير الطيب)، ثم ودعهما. وكانت حجرتهما ملاصقة لحجرات ازواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان اذا خرج من حجراته يريد الصلاة لا سيما صلاة الفجر وقف بباب علي، واخذ بعضدي الباب وقال: (السلام عليكم اهل البيت، الصلاة الصلاة) وبقيت فاطمة تحت ناظريه. والعروسان بشر، فوقع بينهما ما يقع بين الزوجين اكثر من مرة قال الصحابة: قام النبي من الصلاة يوماً، ومر من أمامنا ويُرى في وجهه الغضب ثم دخل حجرة علي فجلس فيها ما شاء الله له أن يجلس، ثم خرج ووجه متهلل مشرق يضيء كأنه القمر فقلنا: يا رسول الله فداك أنفسنا لقد قمت الى بيت علي، ويُرى في وجهك عدم الرضا، ثم خرجت متهللاً فهل من شيء، قال: (كيف لا أسُر وقد أصلحت الى احب اثنين الى قلبي). زار النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة في بيتها يوماً، فلما علم أن هناك خلاف بينها وبين علي فقال لها: (أين ابن عمك؟) فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج فلم يقِل عندي، فخرج صلى الله عليه وسلم مسرعاً، وقال لأحد أصحابه: (انظر أين هو)، فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقِّه فأصابه التراب، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بجانبه، واخذ يمسح التراب عنه وهو يقول لعلي: (قم أبا التراب ، قم أبا التراب) فنظر علي فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فوق راسه يبتسم في وجهه ثم تركه ومضى،ففهم الرسالة علي وانطلق ودخل الى بيته واصطلح مع فاطمة.
السيدة فاطمة رضي الله عنها، رغم نحالة جسمها وضعف بنيتها ورقتها، فمنذ ذلك اليوم لم ترى يوم هادئ البال، وهي مشغولة بأبيها فبعد الزواج أصبح عليها واجبات ومسؤوليات في بيت الزوجية، فهي تطحن وتعجن وتخبز، وتكنس وتطبخ، وتغسل الثياب، فرأها علي ذات يوم وهي منهكة، مع أنها شابة في العشرين من عمرها فقال لها: يا فاطمة لقد جيء بسبي عند رسول الله من غزوة غزاها، فلو ذهبتِ لرسول الله وسألتيه خادماً أو خادمة يكفيكِ عمل مؤنة البيت قالت: أفعل إن شاء الله فلما فرغت، دخلت الى النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، فهش لها ورحب بها وسلمت عليه وقبلت يده وأجلسها، فنظر في وجهها، فعلم انها جاءت بحاجة، فأنتظرها تتكلم، فلم تتكلم فقال: (ما حاجتك يا فاطمة؟) قالت: جئت اسلم عليك واطمئن عليك يا رسول الله، قال: (أو غير ذلك؟) قالت: لا، فجلست قليلاً ثم استأذنت وخرجت ورجعت وسألها علي: هل اعطاكِ خادماً؟ قالت: لم اطلب، قال: وما منعك ان تسأليه، وما ذهبتِ إلا لذلك؟ قالت: منعني الحياء من رسول الله قال علي: قومي بنا فأنا أساله فمشى بصحبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم، وجلسا فرحب بهما وقال: (مرحبا بإبن أبي طالب، ما حاجتكما؟)، قال: يا رسول الله إنك ترى فاطمة قد أجهدها عمل البيت، وان الله قد جاء بسبي، فلو أعطيتنا خادماً او خادمة يكفينا مؤنة العمل، قال: فما راعنا إلا ورسول الله، يحمر وجهه ويقول بيده هكذا، (لا والله لا أعطيكما خادماً، وادع اهل الصفة تتلوى بطونهم جوعاً، بل أبيع من هذا السبي، وانفق عليهم) قالت فاطمة: فأنكمشنا واستأذن علي، وعدنا الى البيت، وإذا بخطوات رسول الله يتبعنا، فلما دخل، قمنا في وجهه، فقال: (مكانكما على ما أنتما عليه)، فجلس بيننا وتربع وضمنا بكلتا يديه وقال: (ألا أعلمكما شيئاً تقولانه، هو خير من خادم)، قلنا: بلى يارسول الله، قال: (لقد جاءني جبريل ، وعلمني أن أقول دبر كل صلاة، سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله اكبر، فسبّحا واحمدّا وكبّرا بعد دبر كل صلاة عشراً، فإذا أويتم الى فراشكما فسبّحا ثلاثا وثلاثين، واحمّدا ثلاثا وثلاثين، وكبّرا ثلاثا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم)، ونظر لفاطمة وقال: (يا فاطمة، إن من الذنوب ما لا يكفره صلاة ولا صيام، ويكفره العناء والتعب). فقالا: رضينا يا رسول الله، قالت فاطمة: فوالله ما أصابني عناء ولا تعب بعد ان ألتزمت بهذه التسابيح.
ابناء علي من فاطمة:
عندما ولدت فاطمة الحسن، أرسلت الى جدّه صلى الله عليه وسلم فحضر فرحاً مسروراً ليرى هذا الحفيد، فجاء علي رضي الله عنه، ووضعه في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه وأذن في أذنه ، ومسح على وجهه بيده المباركة وتلا ماشاء الله له، من القران ودعا له ثم قال: (ما أسميتموه يا علي؟) قال علي: حرب، فأبتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (بل هو الحسن)، ولما بلغ الاسبوع ختنه وعق عنه كبشين املحين أقرنين، ثم حملت فاطمة، وضعت ولدها الثاني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اين أبني أرونيه؟)، فجاء علي ووضعه في حِجره، ثم قال: (يا علي ما أسميتموه؟)، قال: حرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هو الحسين يا علي)، ثم حملت وولدت، جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما أسميتموه يا علي) فقال: حرب فقال: (بل هو المحسن يا علي)، فحملت فلما أنجبت كانت انثى، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصنع لها ما صنع مع أخويها من القراءة والأذان والدعاء ثم قال: (ما أسميتها ياعلي؟) فسكت علي وقال: ما كنت لأسبق رسول الله، فقال: (سميها زينب) ثم ولدت البطن الخامس ام كلثوم. ورغم حبه لفاطمة يجري عليها ما يجري على نساء العالمين، فيوم أن سرقت المخزومية، وأمر النبي: بقطع يدها، أرسلوا الحبّ بن الحبّ أسامة بن زيد قالوا له: اذهب واشفع لها عند النبي، فلما تقدم ليشفع على أن تعدل لعقوبة اخرى، غضب النبي وأحمر وجهه من الغضب ونظر في وجه اسامة وقال: (يا اسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ والذي نفسُ محمد بيده، لو أنها فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). كان هذا الزواج مبني على المودة والرحمة والحب، يدخل علي يوماً على فاطمة رضي الله عنهما فيرى المسواك في فمها،
فيقول لها: (حظيت يا عود الأراكِ بثغرها // أما خفت يا عود الأراك أراكَ
لو كنت من أهـل القتال قتلتك // ما فـاز منـي يا سِواكُ سِواكَ).
ثم مضت السنوات وتوفي محسن وهو رضيع، وكانت السيدة فاطمة إذا زارت ابيها صلى الله عليه وسلم، قام إليها وقبّلها وامسك بيدها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا زارها صلى الله عليه وسلم، قامت إليه واخذت يده وقبّلته وأجلسته في مجلسها، جاءت يوماً الى بيت أبيها ببرمة فيها حريرة، طعام يحاس على النار من الدقيق والسمن والحليب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها ويوصي بصنعها للمفؤد فإنها تشد الفؤاد، ووضعتها بين يديه وقالت: هذه حريرة يا رسول الله قال: (اين زوجك علي؟) قالت: هو في البيت فطلب منها ان يأتي، فلما دخل علي رضي الله عنه، اجلسه على يمينه وفاطمة على شماله ثم وضع الحسن والحسين في حجره، وكانت هذه الحادثة في حجرة ام المؤمنين ام سلمة رضي الله عنها، فرفع رأسه لأم سلمة وقال: (يا ام سلمة اين بردي اليماني؟ قالت: هو ذا يا رسول الله، فقال: (اعطنيه) فأعطته، فوضعه، على راسه ثم جمع طرفيه بيديه الشمال ثم اخرج يده اليمنى من تحته وقد ستر به علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين واخذ يدعو ويقول: (اللهم إن هؤلاء هم أهل بيتي، وحامتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، وكان هذا اثر نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، تقول ام سلمة لانها راوية الحديث والحديث متفق عليه: فجئت ودسست رأسي في الكساء فدفعني صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى، دفعاً يسيراً قلت: ألست من أهل بيتك يارسول الله؟ قال: انتِ ام للمؤمنين، وانتِ على خير هؤلاء هم اهل بيتي، اذن التبعية بالدم أصل، ولكن التبعية بالدين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يوم حجة الوداع عند باب الكعبة، وهو ماسك بعضدي الباب بعد حديث طويل، ثم ينادي: (يا فاطمة بنت محمد) قالت: لبيك يا ابتي، كررها ثلاثا، فنظر المسلمون، ماذا سيقول لفاطمة؟ (يا فاطمة لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، فإني والله لا أغني عنك من الله شيئاً) النسبة بالاتباع لذا يقول صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا اهل البيت)
غزوة السويق وغطفان:
من ردود فعل قريش الإنفعالية بعد بدر، أن سيدها أبو سفيان أقسم ألا يمس امرأة إلا بعد أن يغزو المدينة فجمع مئتي مقاتل من قريش، وانطلق بهم إلى المدينة ليبر بيمينه، فلما وصل إلى أطراف المدينة، حرق بعض النخيل، وقتل اثنين من الصحابة، فوصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فخرج في طلبهم في مئتين من الصحابة، ففر جيش قريش، وأمر أبو سفيان أن يلقوا الطعام حتى يتخففوا من أحمالهم والهروب سريعاً. فقاموا المسلمون بجمعه وأخذوه كغذاء للمدينة، فسمية (غزوة السويق). فسألوا الصحابة: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة؟ قال: (أجل) . وفي بداية السنة الثالثة من الهجرة، أخذت قريش تكيد للمسلمين، فقامت بعمل تحالف مع بعض القبائل العربية حول المدينة المنورة من أجل أن تحمي هذه القبائل تجارتها من المسلمين. فما أن سمع رسول الله القائد صلى الله عليه وسلم عن هذا التحالف، قام إلى غطفان أكبر قبيلة منهم وقائدها كان اسمه دعثور، فخرج على رأس مئتي مقاتل من أصحابه، وباغتها في عقر دارها فهربوا لسماعهم الخبر، فذهب زعيمهم إلى القبائل المجاورة، وجمعهم لغزو المدينة، فسمع الرسول بحملته، فخرج إليهم مرة أخرى على راس اربع مئة أو يزيد، فلما سمعت القبائل بقدومهم، تزلزلت قلوبهم من الخوف والفزع، وتفرقت فهرب دعثور ومن معه إلى الجبال، وترك أهله وغنمه، فلم يجد النبي حرباً، فسمية (غزوة غطفان أو غزوة ذو أمر)،
اسلام دعثور:
: بعد غزوة غطفان عسكر النبي عند بئر يطلق عليه ذو أمر، فنزل عليهم مطر كثير فابتلت ثيابهم، فاخذ النبي طريقه إلى شجرة مُتنحيَّة، ليعصر ثيابه وأبتعد عنه اصحابه أدباً، فنزع ثوبه وعصره وعلقه على الشجرة ليجففها. ونام تحتها ليستريح، وتفرق المسلمون لشؤونهم. فكان المشركون يراقبون من رؤوس الجبال، فلما أبصروا النبي لوحده، قال دعثور: قتلني الله إن لم أقتل محمداً، وأخذ يتسلل خلسة وخفية، ومشى بكل خفة، حتى أقترب من النبي، ثم أشهر سيفه على رأس النبي، وقال: يا محمد أنا دعثور، كعادة المتكبر إذا رأى نفسه منتصراً، أراد أن يتفاخر أمام النبي، قل من يمنعك الآن مني؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: (الله) فأرتعد دعثور، وسقط السيف من يده، فأخذه النبي ورفعه في وجهه وقال: (أنت يا دعثور من يمنعك الآن مني؟) قال: لا أحد، فأنزل النبي السيف من يد، وعكسه وأعطى قائمه لدعثور قال: (قد أنتصرت عليك وعفوت عنك، خذ سيفك وانطلق). نظر دعثور للنبي مندهش مذهول، وقال: من أنت يا محمد؟ قال: (أنا محمد رسول الله)، فقال دعثور: وأنا أشهد أنك رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فأشهد يا دعثور أن لا اله إلا الله)، قال: أشهد ان لا إله الا الله. لو كان هناك آلهة غيره لحمتني ونفعتني الآن، وقال: إئذن لي يا رسول الله، أن أدعو قومي لهذا الدين. قال: (انطلق فأدعهم). فانطلق فدعى قومه فقدموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام،
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة:
توفي زوجها الصحابي خنيس السهمي، وأنتظر عمر حتى أنقضت عدتها فجاء إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجلس إليه وتحدث معه، وعرضها عليه فلم يرد عليه بشيء، فغضب وجاء إلى أبي بكر فحدثه بما كان، وعرضها عليه، وكذلك لم يرد عليه، فكاد عمر أن يفقد صوابه، وطال اِنتظاره وأبوبكر صامت مطرق رأسه يتصبب عرقاً، فقام عمر وقد زاد غضبه وزادت الحيرة بردة فعلهما. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في شدة الغضب، فجلس إلى النبي، فقال النبي: (ما بك يا عمر؟) قال: يا رسول الله، جئت أشكو إليك صاحبيك الصديق وابن عفان، فقال: (بما تشكوهما؟)، فقال له ما كان فضحك النبي في وجه عمر وربت على كتفه وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر، ولعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفص)، وقال: رضيت يا رسول الله، ونسأل الله أن يختار لنا الخير، فقام من عند النبي ورجع إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، ذهبت أشكوكما إلى رسول الله، فذكرت ما كان، فهش لي وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر)، فرفع رأسه ابو بكر مشرقاً متهللاً مبتسماً وقال: وقد قال لك رسول الله ذلك؟ قال: أجل، قال: هنيئاً لك يا عمر، ومبارك عليك مصاهرة رسول الله، فمن ترى يا عمر خير من أبي بكر وعثمان غير رسول الله؟ قال: فهمت هذا، ولكني لم أطمئن حتى آتي إليك. فقال: والآن اقول لك لِما لم أرد عليك بشيء، فإني كنت عند رسول الله يوماً، فسمعته يذكر حفصة وهي ما زالت في عدتها، فعلمت أنه يريدها، ويريد أن يكرمك يا عمر بمصاهرته، كما أكرمني من قبل، فعندما جئتني، لم أكن لأفشي سر رسول الله، فما أستطعت أن أرد عليك بشيء، قال: وعثمان؟ قال: ولعل عثمان سمع ما سمعت، فما أحب أن يفشي سر رسول الله، فرجع إلى عثمان، فجلس عمر وقال: يا عثمان لم ترد علي بشيء حينما ذكرت لك حفص، قال: وأين ذهبت؟ قال عمر: ذهبت وشكوتك لرسول الله قال: فماذا قال لك رسول الله؟ قال: قال لعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفصة ويزوج حفص من هو خير من عثمان، فوثب عثمان قائماً فرحاً مسروراً، وقال: لهذا خير يومٍ مر علي، منذ أن أعتنقت الإسلام، أقالها رسول الله يا عمر؟ قال: نعم، قال: يا عمر ما كنت لأفشي سر رسول الله، إني سمعته يوماً يذكر حفص ولكنه لم يعلن فعندما كلمتني، ما كنت لأفشي سر رسول الله، ولكنك زدتني واحدة، أقال رسول الله يزوج عثمان من هي خير من حفص؟ قال: نعم، فقال: وهذه بشرى أخرى فإن رسول الله مصاهري مرة أخرى، فما راعنا إلا ورسول الله يطرق الباب، فجاء النبي وجلس ووجد عمر عند عثمان فقال له النبي: (يا عمر أتزوج محمد رسول الله من ابنتك حفصة؟) فقال عمر: يا رسول الله لقد أكرمتني اِكراماً، ما كنت لأحلم به قط فحفص لرسول الله، فقال النبي: (يا عمر أمهرتها اربعمئة درهم كعائشة وكسودة من قبل).
زواج عثمان من ام كلثوم:
ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، وقال: (إلى متى تبقى بلا زوجة يا عثمان؟)، قال: يا رسول الله من يزوج عثمان؟ قال له النبي: (يقول محمد رسول الله: والذي نفسي بيده لو أن لي عشر بناتٍ، لَزوّجت عثمان واحدة تلو الأخرى حتى تنفذ العشر، يا عثمان أزوجك أم كلثوم على مثل صداق أختها)، وهكذا تزوج عثمان بن عفان من السيدة أم كلثوم ولذلك يطلق عليه ذو النورين تم بعد ستة أشهر من وفاة أختها رقية. وعمرها اثنان وعشرون عاما، وكان له ولد من رقية اسمه عبدالله سبط النبي صلى الله عليه وسلم. فكانت أم كلثوم تتولى تربيته ورعايته، ولكنها لم تنجب، فركزت كل عواطف الأمومة بداخلها على ابن أختها اليتيم، وعندما كان عمره ستة أعوام نقره ديك في وجهه، قرب عينه، وتلوث الجرح ومات بسبب ذلك. حزن النبي وحزن عثمان لوفاة ابنه الأول والوحيد في ذلك الوقت. وحزنت أم كلثوم لوفاته والذي كان بمثابة الابن لها، ولكن استمرت الحياة؛ لأن الحياة لا تتوقف على موت أحد. فالسيرة للتأسي، والزواج شعيرة دينية، نرجع فيه الى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم،
زواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة:
أصبح في بيت النبوة الآن سودة وعائشة وحفص، رضي الله عنهن، وكانت عائشة المدللة، لأنها بنت الصديق ولصغر سنها، فأخذت حفص تقلد عائشة بدلالها على النبي. فكانت عائشة تراجع النبي القول، وكذلك حفصة تراجع النبي القول أيضاً، وبعض الأحيان يغضب النبي، ويبقى سائر اليوم مغضباً، ولكنه يغفر لهما لصغر سنهما، وتسرب خبر تقليدها لعائشة إلى أذن عمر، وقد غضب منها النبي مرة أو مرتين، فحمل عمر العصاة، وجاء إلى بيت حفص وهو يعلم أن اليوم ليس دورها، فقرع الباب ودخل وعلاها بالعصاة، وقال: لولا أنك تحملين اسم أم المؤمنين، وأنك زوج لرسول الله، لشججت رأسك شجة منكرة يا حفص، أنسيتي من هو رسول الله؟ مالك ولتقليد عائشة؟ إن عائشة حديثة سن، وإن مكانتها عند رسول الله من مكانة أبيها، فأين أنتِ وأين أبيك؟ إني أحذرك غضب الله ورسوله، فلئن غضب رسول الله، ليغضّبن الله لغضبه، ووالله لولا خُلق رسول الله، لطلقكِ فأين يكون أبوكِ إذا طُلقت أبنتهُ من رسول الله؟ ومضت الأيام حتى إذا ثقل ذلك على النبي من حفص طلقها يوماً. فبقيت حفص في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل الخبر إلى عمر؛ فامضى عمر طوال تلك الليلة، وهو يحثوا الرمل على رأسه، ويقول: ما يعبأ رب عمر بعمر بعد اليوم، وقد طلق النبي ابنته، حتى إذا كان منتصف الليل، أهبط الله جبريل إلى النبي، وقال جبريل: يا رسول الله، إن الله يأمرك أن تراجع حفصة الليلة رحمة بعمر، ولأن حفصة قوامة صوامة وهي زوجتك في الجنة. وكانت معروفة بكثرة عبادتها وصيامها رضي الله عنها. فأرجعها النبي، وأعلم عمر في صلاة الفجر أن حفص زوج لرسول الله لن يطلقها بعد اليوم أبداً فهي زوجه في الدنيا وزوجه في الاخرة، وتبعث يوم القيامة أم للمؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. وفي رمضان من السنة الثالثة من الهجرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت خزيمة، وكانت قد تزوجت مرتين، الاولى في الجاهلية وبعد موته تزوجت عبيدة بن الحارث، واستشهد أثناء المبارزة في بدر، ولم تكن رضي الله عنها ذات جمال، ولكنها كانت طيبة القلب، شديدة العطف على الفقراء والمساكين، حتى أطلق عليها، أم المساكين، ولذلك كان زواجه منها جبراً لخاطرها، ومواساة لها، كما كان زواجه من السيدة سودة بنت زمعة، وهكذا كان النبي يضرب مثلاً لكل الصحابة، أن يكون لهم دور اجتماعي في الزواج من الأرامل اللاتي يفقدن أزواجهن، وقد يكون معهن أبناء، ولا مهنة لهن ولا معيل، خصوصاً أن النبي يعلم بحسه السياسي أن الدولة مقبلة على عدد كبير من المواجهات، سواء مع قريش أو غيرها من القبائل، ولابد أن تخلف ورائها أرامل وأيتام وإذا لم يقم الصحابة بالزواج من هؤلاء الأرامل دون النظر لاعتبارات الجمال والمال والنسب، ستنشأ في المدينة مشكلة اجتماعية خطيرة
الفصل الثاني:
سبب غزوة احد:
كان انتصار المسلمين في بدر، ونجاحهم في قطع طرق التجارة على قريش، كارثة اقتصادية عليها، واخدت تبحث عن طريق آخر لتجارتها، فقررت أن تسلك طريقاً جديداً تماما، إلى نجد شرقاً، ثم إلى العراق شمالا، ثم بعد ذلك تتجه إلى الشام غرباً، وكان هذا الطريق طويل جدا، ولا تعرفه قريش، ومخاطره كبيرة، وتكلفته كبيرة، وكل هذا يعني أن تقل أرباح قريش من تجارتها، ومع ذلك لم تجد قريش حلاً غير هذا لاستمرار تجارتها. وبالفعل انطلقت تجارة ضخمة لقريش فيها كثير من الفضة بقيادة أبو سفيان وسلكت هذا الطريق، في هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يبث العيون ترقب قريش في حركاتها وتجارتها، فبلغه خروج أبو سفيان وصفوان ابن أمية، فعقد النبي اللواء لمولاه زيد ابن حارثة وأرسل معه مئة مقاتل وقال: (أرقب تجارة قريش ثم أغنمها). فخرج زيد، وراقب الطريق، حتى إذا دنت القافلة أحاطوا بهم ففر أبو سفيان وصفوان ومن معهم، ومن عجز عن الفرار كان من ضمن الغنيمة في التجارة فغنموها، وعادوا إلى المدينة، ولأول مرة يغنم المسلمون غنيمة ذات قيمة، فلما خمسها النبي، كان خمسها خمسة وعشرين ألف دينار ذهبية. وهكذا قطع الرسول صلى الله عليه وسلم، كل طرق التجارة على قريش، وكانت هذه السرية سبباً مباشراً لوقوع غزوة أحد. فكرت قريش جدياً في السير إلى المدينة لحرب المسلمين وهدفها الأساسي هو قتل النبي، لإسقاط الدولة الإسلامية، وإنقاذ تجارتها مصدر أموالها الوحيد. فأخذت قريش قرارها بجعل أرباح القافلة التي نجت يوم معركة بدر، لتجهيز جيش ضخم لحرب المسلمين والثأر لهزيمتهم المُرة في بدر، ونزل في ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}.
جيش الثأر لقريش:
بعد غزوة بدر وطوال هذا العام قامت قريش بشن حرب إعلامية مكثفة تشجع القبائل على الانتقام من المسلمين، والثأر لقتلاهم، وعلى رأس المحفزين على القتال الأسير المحرر الشاعر أبو عزة الجمحي، الذي منّ عليه النبي، وأطلقه من غير فداء، بشرط أن لا يهجو المسلمين ، ولا يرفع سيفه عليهم،
حكاية ابو عزة الشاعر:
هو من شعراء قريش، وكان يؤذي المسلمين كثيراً، ولكنه فقير، وكان في اسرى بدر ؛ نظر للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد تعلم عيلتي وكثرت عيالي من للصبية يا محمد؟ فأمنن جُزيت خيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نمُن عليك، شريطة ألا تحرك علينا بشعرك ابداً، ولا تسل سفيك في وجهنا بعد اليوم ابداً). قال: لك ذلك، يا محمد واقسم على ألا يستعمل لسانه، ولا سيفه ضددهم، وذهب الى اهله آمنا سالماً، وذكرها يد بيضاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يتحدث بها في مكة، فما أن أتم الحول حتى خرجت قريش لاخذ ثأرها يوم غزوة أحد، فكان أول من حرك الناس بشعره ضد المسلمين وخرج الى المعركة في أُحد، وبعد ان أختل ميزان المعركة وهرب الأسرى من يد المسلمين، وفي اليوم الثاني ما زال الصحابة يضمضون جراحهم أمر بلال أن ينادي بباب المسجد، من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليخرج في اثر قريش، ولا يخرج إلا من كان معنا بالأمس، فخرجوا ودمائهم تنزف، وبعضهم يزحف، حتى سمعت بخروجهم قريش، فهربت سريعاً، فادرك فلولهم في حمراء الاسد، فامسك بعض اصحابه بأبي عزة الشاعر، فأتوا به الى النبي صلى الله عليه وسلم هذا ابو عزة يا رسول الله، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه قال: (أين عهدك يا أبا عزة؟ ألم نمنن عليك، لقاء عهداً، بأن لا تحاربنا، ولا تحرض علينا)، قال: معذرةً وعفواً، يا محمد، أمنُن ولن أعود إليها ابداً، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والله لا تمسح عارضيك بمكة، وتقول: خدعة محمداً مرتين، لا يُلْدَغُ المؤمِنُ مِن جُحْرٍ مَرّتَين، اضرب عنقه يا علي)، فضرب عنقه.
وبدأت قريش بحشد قواتها من داخل مكة، ومن كنانة، وثقيف والأحابيش، فجمعت جيشا كبير بكامل عتاده، وخرج الجيش بقيادة أبي سفيان في أواخر شهر رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، أي بعد بدر بعام كامل. فكان خالد بن الوليد على ميمنة الفرسان، وعكرمة بن أبي جهل على ميسرة الفرسان وصفوان بن أمية على المشاة، وعبد الله بن ربيعة على رماة السهام، وأعطى اللواء لبني عبد الدار، وخرجت مع الجيش خمسة عشر امرأة من زوجات أشراف مكة على رأسهن هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان ومعهن الدفوف يضربن بها، وكان من ضمن الجيش وحشي، كان عبدًا لجبير بن مطعم فقال له: إن أنت أصبت حمزة بن عبد المطلب فأنت حر، وقالت له هند: أشّفي وأسّتشفي، وأعدك بوزنك ذهباً وفضة، إن أنت مكنتني من كبد حمزة. فلما وصلوا إلى الأبواء قالت هند للجيش: لو بحثتم قبر أم محمد، فإن أسر منكم محمداً أحدا، فديتم كل أسير بجزء من أجزائها، فرفض أبو سفيان رأيها وكذلك سادة قريش.
استنفار المسلمون:
كان النبي صل الله عليه وسلم، في قباء فوصل اليه كتاب من عمه العباس الذي كان يكتم إيمانه في مكة مع رجل من غفار وأوصاه أن لا يسلم الكتاب الا ليد النبي؛ أستلم النبي الكتاب، ودفعه الى أبي بن كعب ليقرأه عليه، وفيه ان هناك جيش ضخم، وأنه مسلح تسليحا جيدا، قادم من قريش وهو في طريقه إليكم، فظهرت على وجهه ملامح الهم والغم، فأنطلق للمدينة واستكتم ابي بن كعب على الخبر، ثم جمع اصحابه وعرض عليهم المشورة، ثم أعلم صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك فأصبحت المدينة في حالة طوارئ واستنفار عام، فحمل الرجال السلاح حتى وهم في الصلاة، وتم حراسة مداخل المدينة، وكانت هناك فرقة لحراسة النبي، ودوريات تتجول حول المدينة، اجتمع النبي بالصحابة ليستشيرهم، وكان ذلك في صباح يوم الجمعة بعد صلاة الفجر، السادس من شوال من السنة الثالثة من الهجرة، وأخبرهم برؤيا رآها، قال: (رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلَمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدَيَّ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ) قالوا: فما أولتها يا رسول الله قال: (فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل)، وكان السؤال هل يخرج المسلمون لملاقاتهم؟ أم يتحصنون داخل المدينة؟
قرار الخروج لاحد:
كان الرأي الأول: من عبد الله بن أبي سلول هو عدم الخروج، والتحصن في المدينة، والتاريخ يشهد أن الهزيمة هي نصيب كل من يتجرأ ويدخل المدينة، وافق النبي صلى الله عليه وسلم، وعدد من كبار الصحابة اصحاب الخبرة العسكرية. أما الرأي الثاني: رأي الشباب من الصحابة؛ أرادوا الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة، على رأسهم حمزة بن عبد المطلب وقال: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة، وكذلك شباب الأنصار المتحمس للقتال، الذين فاتهم القتال في بدر، وقالوا: يا رسول الله إنا نخشى أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا، فكان رأيهم الأغلبية، ونزل النبي على رأي الأغلبية، وحثهم وحضهم في خطبته على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، ثم أمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس وتجمع الناس بملابس الحرب، ثم دخل النبي الى بيته ليرتدي ملابس الحرب،
فأخذ بعض الصحابة يلومون الشباب وقالوا: لقد استكرهتم رسول الله على الخروج، فشعروا بالندم، فخرج صلى الله عليه وسلم، وقد لبس عدته فركب فرسه، قال الشباب وهم نادمين: يا رسول الله نرى إننا استكرهناك على الخروج ولا ينبغي لنا ذلك فأصنع ما شئت، فقال: (دعوتكم الى ذلك فأبيتم ما ينبغي لنبي إذا لبس أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه). فخرج الجيش من المدينة بعد صلاة الجمعة، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم راكباً فرسه، وكان سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يعدوان أمامه، وصلى بهم النبي العصر في الطريق.
خذلان المنافقين:
سار الجيش قليلاً، وفيه كتيبة كثيرة السلاح عددهم حوالي مئة مقاتل، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (من هؤلاء؟ فإنهم ليسوا من أصحابنا) فقال الصحابة: إنهم حلفاء من اليهود لأبي بن سلول، فقال النبي: (هل أسلموا؟) قالوا: لا، فقال: (إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك)، وردهم ورفض الاستعانة بهم، فغضب لرجعتهم ابن سلول وقال كلمته القبيحة: عصاني وأطاع الولدان، وما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا، ارجعوا أيها الناس واستجاب له ثلاثمئة من جيش المسلمين من المنافقين، فقام لهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو ابن حرام فقال: يا قوم أذكركم الله أن تخذُلوا قومكم ونبيكم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتالا، واصروا على الإنسحاب، قال لهم: أبعدكم الله، أعداء الله، قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} وقال تعالى: { إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. في الطريق وقف الرسول صلى الله عليه وسلم، يستعرض الجيش، فوجد بين الصفوف صغار بالعمر فردهم وكان هناك غلامين فلما ردهما قيل للنبي: يا رسول الله إن رافع رامياً جيداً، قل أن يخطئ، فلا بأس يا رسول الله لو انك أجزته، فبكى سمرة فقال: أجاز النبي رافع وردني وأنا اصرعه إذا تصارعنا فسمعها النبي فسُر له وأبتسم وقال له: (أأنت تصرعه؟، تصارعا أمامي)، فتصارعا فصرع سمرة رافع فأجازه النبي، فرغ النبي من استعراض الجيش وقد غابت الشمس فأذن بلال لصلاة المغرب، فصلى بأصحابه، ثم أذن بالعشاء فصلى بهم، واختار النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلاً ليحرسوا المعسكر يتجولون حوله، وكان هناك حراسة خاصة للنبي صل الله عليه وسلم
الاستعدادات قبل القتال:
وبعد الاستراحة ساروا بإتجاه جبل أحد ووصلوا قبل طلوع الفجر، وتمركز بجيشه، وجيش مكة أصبح فاصلا بين المسلمين والمدينة، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى جيش قريش أمامهم، تفحص ساحة المعركة ببصيرته، فجعل جبل أحد خلف المسلمين وعن شمالهم، ليكون هناك مكان آمن في الجبل يمكن أن ينسحب اليه المسلمون، اذا وقعت الهزيمة بالمسلمين، ولا يلجئوا الى الفرار من أمام العدو، فيتعرضوا للقتل أو الى الاسر. ورأى ان في جيش قريش مئتي فارس يقودهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن ابي جهل، تنحوا عن الجيش، فعلم النبي أن مهمتهم فقط تطويق المسلمين والألتفاف حولهم، فكون النبي كتيبة الرماة من خمسين رجلا بقيادة عبد الله بن جبير ومعلم بثياب بيضاء ثم أوصاهم: (قفوا على هذا التل، ولا تشاركونا في القتال وعليكم أن تنضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا فإن الخيل لا تقدّم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، فإن رأيتمونا نظهر عليهم، وندخل معسكرهم، ونغنم غنائهم فلا تبرحوا مكانكم، حتى أكون انا الذي أرسل إليكم، وان رأيتموهم يظهروا علينا وتخطفنا سيوفهم خطفاً فلا تدافعوا عنا، لا تبرحوا مكانكم ولا تشاركونا القتال، بل ألزموا مكانكم، حتى أكون أنا الذي أرسل إليكم) ثم قال: (اللهم إني أشهدك عليهم)ثم يختمها بقوله: (لا نؤتينا اليوم من قبلكم). وليقومون برمي السهام في اتجاه خيل المشركين، وبذلك يقلل من آثار امتلاك قريش لعدد كبير من الفرسان، لأن الخيل تخاف وتتراجع أمام النبل، ثم جعل المسلمون صفا واحدا في أضيق مسافة بين جبل الرماة وجبل أحد، وبذلك تحارب قريش بنفس عدد المسلمين تقريبا، ليستطيع التقليل من آثار التفوق العددي لجيش قريش. هكذا تمركزوا في أفضل مكان في أرض المعركة، مع أن قريش وصلت قبل وفيها ما فيها.
مخالفة الرماة ونزولهم :
بدأت المعركة ورجحت لصالح المسلمين، وقد قامت كتيبة الرماة بدورها في صد هجوم الفرسان، حيث حاولوا أن تتسلل الى ظهر المسلمين، بثلاثة هجمات، وكان فريق الرماة يرمونهم بالسهام، حتى فشلت هجماتهم الثلاث، وظلت كتيبة الفرسان بلا أي دور تقريبا طوال المعركة، واستشهد حمزة رضي الله عنه، اسد الله ورسوله، واصبحت المعركة واضحة، والمسلمون الآن مقبلون على نصر ساحق آخر على قريش، لا يقل روعة عن نصر بدر، وأخذت صفوف قريش تتقلص، وبدأت تتراجع وتنسحب وولت أدبارها وسقط لوائهم، يقول الزبير بن عوام رضي الله عنه: واني لأنظر الى هند بنت عتبة، ونساء سادة قريش يجرين مشمرات، وبدأ المسلمون يتتبعون المشركين، يقتلونهم ويجمعون الغنائم، فلما تحقق النصر للمسلمين، هنا وقع الرماة في غلطة فظيعة قلبت الوضع تماماً، هذا النصر جعلهم يطيشون فرحاً وقالوا: نشارك اخواننا في جمع الغنائم الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ ولكن قائدهم عبد الله بن جبير ذكرهم بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم ترك أماكنهم، صاح بهم وقال: اتقوا الله، واتقوا وصية رسول الله ألم يخبركم أن لا تبرحوا مكانكم حتى يكون هو من يرسل إلينا، فهل أرسل؟ قالوا: لا ولكن ما أراد رسول الله هذا، أن نبقى على الجبل وقد انتهت المعركة، ولكن لم يستجب لعبد الله بن جبير الا ستة فقط، وهو سابعهم، ونزلوا الى أرض المعركة، نظر خالد بن الوليد وقد مر به ابو سفيان منهزماً يقول لخالد: قد خسرنا المعركة يا خالد، قال: لا ليس بعد قال له: هؤلاء قومك يولون الأدبار قال: ليس بعد، وعينه الى جبل الرماة، وكان لا يزال على فرسه في ارض المعركة، فلما شاهد الرماة قد تركوا أماكنهم انتهز الفرصة، وأخذ قراره السريع فهاجم بكتيبته من بقي من الرماة فقتلهم جميعا مع أميرهم عبدالله بن جبير ودار بفرسانه خلف جبل الرماة، وأحاط بالمسلمين وانقض عليهم من خلفهم. أخذ فرسان المشركين ينادون بقية الجيش بشعارهم يا للعزى يا لهبل، وشعر المشركون المنهزمون بالتطور الجديد، فقاموا بهجوم مضاد ضد المسملين، وهكذا أحيط بالمسلمين من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي رحى، وجائت امرأة من المشركين فرفعت لواء قريش من التراب، فتجمع جيش قريش مرة أخرى حول لوائهم، وكان المسلمون في هذه اللحظات، يجمعون الغنائم ويجرون خلف فلول قريش فجائهم خالد من الوراء ووضع السيف فيهم فذهلوا فألقوا ما بأيديهم من غنائم وشرعوا بالسيوف مرة اخرى، ولكن هيهات تفرقت الصفوف، وأصبح القتال في ساحة المعركة في مكانين الأول: جيش المسلمين المحاصرين امام جبل أحد من الامام ومن الخلف، هنا ذهل المسلمون واخذوا يضربون بعضهم بعضا، بلا وعي يظنونهم من قريش وسادت الفوضى والإرتباك والإضطراب في الجيش، حتى تاهوا وسط المشركين، في وسط هذا الأرتباك حصل هذا الموقف مع صحابيان اليمان وثابت بن وقس، لم يخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهما كانا شيخين كبيرين فقالا: ماذا ننتظر، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله لعل الله يرزقنا الشهادة، فخرجا حتى دخلا في المعركة من جهة المشركين، فقتل المشركون ثابت وأحاط المسلمون باليمان يقاتلونه لاعتقادهم أنه من المشركين فصاح حذيفة: أي عباد الله أبي أبي، انه أبي، ولكنهم لم يسمعوه وقتلوه، فلما علم المسلمون ان الذي قتلوه والد حذيفة بن اليمان، حزنوا حزن كبير فقال لهم حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، ثم انطلق بسيفه واستكمل القتال، وهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ،أن يدفع له الدية فأبى حذيفة وجعلها صدقة على من قتله من المسلمين، ذُهل المسلمون وطاشت عقولهم منهم من فر من ساحة المعركة حتى وصل لبساتين المدينة فأستقبلته النساء وهن يقلن: خذ المغزل وهاتِ سيفك كيف ترجعون ورسول الله في ساحة المعركة؟ فاستحوا ورجعوا والثاني: كان حول رسول الله كان في مؤخرة الجيش وحوله مجموعة من الصحابة لحراسته، عددهم تسعة، ووجدت قريش أن هذه هي فرصتهم لتحقيق حلمهم والهدف من غزوتهم، قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
ما حدث بعد نزول الرماة: أخذ فرسان المشركين ينادون بقية الجيش بشعارهم يا للعزى يا لهبل، وشعر المشركون المنهزمون بالتطور الجديد، فقاموا بهجوم مضاد ضد المسملين، وهكذا أحيط بالمسلمين من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي رحى، وجائت امرأة من المشركين فرفعت لواء قريش من التراب، فتجمع جيش قريش مرة أخرى حول لوائهم،
وكان المسلمون في هذه اللحظات، يجمعون الغنائم ويجرون خلف فلول قريش فجائهم خالد من الوراء ووضع السيف فيهم فذهلوا فألقوا ما بأيديهم من غنائم وشرعوا بالسيوف مرة اخرى، ولكن هيهات تفرقت الصفوف، وأصبح القتال في ساحة المعركة في مكانين :
الأول: جيش المسلمين المحاصرين امام جبل أحد من الامام ومن الخلف، هنا ذهل المسلمون واخذوا يضربون بعضهم بعضا، بلا وعي يظنونهم من قريش وسادت الفوضى والإرتباك والإضطراب في الجيش، حتى تاهوا وسط المشركين، في وسط هذا الأرتباك حصل هذا الموقف مع صحابيان اليمان وثابت بن وقس، لم يخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهما كانا شيخين كبيرين فقالا: ماذا ننتظر، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله لعل الله يرزقنا الشهادة، فخرجا حتى دخلا في المعركة من جهة المشركين، فقتل المشركون ثابت وأحاط المسلمون باليمان يقاتلونه لاعتقادهم أنه من المشركين فصاح حذيفة: أي عباد الله أبي أبي، انه أبي، ولكنهم لم يسمعوه وقتلوه، فلما علم المسلمون ان الذي قتلوه والد حذيفة بن اليمان، حزنوا حزن كبير فقال لهم حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، ثم انطلق بسيفه واستكمل القتال، وهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ،أن يدفع له الدية فأبى حذيفة وجعلها صدقة على من قتله من المسلمين، ذُهل المسلمون وطاشت عقولهم منهم من فر من ساحة المعركة حتى وصل لبساتين المدينة فأستقبلته النساء وهن يقلن: خذ المغزل وهاتِ سيفك كيف ترجعون ورسول الله في ساحة المعركة؟ فاستحوا ورجعوا
والثاني: كان حول رسول الله كان في مؤخرة الجيش وحوله مجموعة من الصحابة لحراسته، عددهم تسعة، ووجدت قريش أن هذه هي فرصتهم لتحقيق حلمهم والهدف من غزوتهم، قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
الاستبسال في الدفاع عن النبي: كان هنالك تسعة من الصحابة حول النبي يدافعون عنه، استشهدوا جميعاً إلا طلحة بن عبيد الله وسعد بن ابي وقاص، فلما رأت ذلك أم عمارة رضي الله عنها، وقد خرجت لتسقي الجيش وتساعد الجرحى، هجوم قريش، وهو يدافع عن نفسه، حملت السيف وأخذت تقاتل حتى أصيبة بجروح، قال النبي: (ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني)، أقبل ابن قمئة وهو يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فوقفت في وجهه بسيفها، وضربته عدة ضربات، فنجى من ضرباتها بدرعيه، ثم ضربها هو ضربة أصابت كتفها فأزاله عن موضعه، وأصبح مكانه تجويف وما زال يرى حتى ماتت، وفي أثناء القتال تعثر الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الحفر، وأصيبت ركبته، ثم اشتد عليه الهجوم، وأخذ المشركون يلقون عليه الحجارة، فكسرت رباعيته وأصيب في شفته السفلى، وجبهته، فسالت الدماء منه، وجاءه فارس عنيد فضربه على عاتقه ضربة قوية، اشتكى منها شهرا أو أكثر، وضربه بأخرى على وجنته، حتى دخلت حلقتان من المغفر فيها وسالت منها الدماء، وكانت السهام لتأتي وتسقط بجانب النبي والله يمنعه منها،
فأقبل أبو دجانة رضي الله عنه وقد سقط ترسه، وليس معه الا السيف الذي أخذه قد انحنى، يبحث عن النبي، فلما اقترب كانت نسيبة أم عمارة تدافع عنه ويدافع عن نفسه، فقال: بأبي وامي يا رسول الله هذا هو السيف هل قد وفيته حقه؟ قال له النبي: (نعم) فألقاه من يده وقال: هل يوجد ترس نترس به رسول الله، فقال له النبي: (لا ترس)، فاحتضنه وأعطى ظهره لقريش واحاط بالنبي ونظر في عيني النبي وقال: ظهري اليوم لك ترس يا رسول الله بأبي انت وامي يا رسول الله، لا أراك تنزف وفيي عين تطرف، وأخذت السهام تسقط في ظهره وهو لا يتحرك ويقول: آه ما أطيبها فيك يا رسول الله، والنبي يقول له: (ارفق بنفسك ابو دجانة) ويقول: لا والذي بعثك بالحق، لا أراك تنزف وعيني تطرف، حتى فقد وعيه ووقع في حجر النبي،
فأقبل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله هل من قوس أرمي به؟ فقال له النبي: (هذه قوسي ولكن قد تقطع وترها فأشددها) اخذه وقال: بأبي وامي يارسول الله، إنها تقصر قال له: (يا سعد مدها بسم الله)، قال سعد: بسم الله، والذي بعثه بالحق نبياً، لقد طالت وطويت منها طويتن على القوس، وأخذ يرمي حتى نفذت سهامه، فأعطاه النبي بعض السهام ثم وقف النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ذقنه على كتف سعد ويقول: (أرمِ سعد فداك أبي وأمي)، ووضع بعض الصحابة السهام امام سعد، حتى رمى ألف سهم، فلما انتهت اعطاه النبي سهماً مكسور طرفه وله ريش فرمى به، قال سعد: واذا بالنبي يناولني ويقول لي: (أرمِ سعد) فنظرت الى السهم فإذا هو السهم الذي رميت به الآن فرميت، ثم قال النبي: (خذ يا سعد فأرمي) فإذا هو السهم نفسه، فوالذي بعثه بالحق لقد رميت بذلك السهم إما ثماني او تسع مرات والنبي يرده علي، فقلت: بأبي وامي يا رسول الله، والله إنه السهم الذي ارمي به لا أنكره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (غفر الله لك يا سعد لو انك سكت لناولتك أياه سائر اليوم).
وأقبل طلحة يقاتل عن النبي وكان عمر طلحة ثمانية وعشرين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، حتى جرح تسعة وثلاثين جرحا، وكاد أن يصيب أحد السهام الرسول، فصده بيده، وشلت، وظل هكذا يقاتل حتى سقط مغشياً عليه.
احوال الصحابة في احد:
اصيب علي عشرات الإصابات، حتى ظن الرسول أنه قد استشهد، وقاتل عبد الرحمن بن عوف، حتى أصيب بعشرين جرحاً، وتكسرت أسنانه، واصيبت رجله، وحاول سعد بن أبي وقاص أن يقتل أخوه الذي كسر رباعية الرسول ولكنه لم يظفر به، فتبعه حاطب بن أبي بلتعة، حتى ضربه ضربة أطاحت برأسه، وجاء مالك بن سنان فأخذ يمص الدم من جروح النبي حتى ينقيها، فقال له: (مُجَّه) فقال: والله لا أمجه، ثم ذهب يقاتل حتى استشهد، وكان اللواء بيد مصعب بن عمير فقاتل قتالا شديدا، فضرب على يده اليمنى فقطعت، فأخذه بيده اليسرى فقطعت، ثم قتله ابن قمئة فأعتقد أنه قتل الرسول لشبه مصعب بالرسول، فانصرف ابن قمئة، وهو يصيح إن محمداً قد قتل، وشاع الخبر، فوصل إلى المسلمين فانهارت روحهم المعنوية، ففر البعض الى المدينة، وصعد بعضهم الى الجبل، وتوقف البعض عن القتال، فقال لهم أنس بن النضر: ما تنتظرون؟ فإن كان قد قتل النبي، فإن الله لم يقتل، ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، اني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم قاتل حتى قتل، فلم يعرف من كثرة الإصابات، حتى عرفته أخته باصابعه، ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار مصاب اصابات بالغة وتسيل منه الدماء فقال: يا فلان هل قتل رسول الله؟ قال: إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم،
ونادى ثابت بن الدَحْدَاح قومه: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قتل، فإن الله حي لا يموت، قاتلوا عن دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم، فنهض إليه نفر من الأنصار وقاموا يقاتلون، هكذا عادت الروح الى جيش المسلمين، ثم بلغهم أن النبي حي، فزادهم ذلك قوة ونجحوا في الإفلات من التطويق، واشتد هجوم قريش، وفشلوا أمام بسالة الصحابة، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون يشقون طريقهم بين المشركين، فجاء عثمان بن عبد الله وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فعثرت به فرسه فسقط، فقتله الحارث بن الصمة،
ثم جاء شقي آخر فانقض عليه أبو دجانة وضربه ضربة أطارت رأسه، فأنسحبوا الى الشعب في الجبل، وكان أبي بن خلف كل ما مر بجانب النبي في مكة يقول: يا محمد انا اقتلك متى شئت ويقول النبي: (بل انا اقتلك ان شاء الله)، فلحق بالنبي الى سفح الجبل ويقول: أين أنت يا محمد؟ تفر وانت تعزم انك نبي؟ لا نجوت ان نجا، فقال النبي بكل هدوء، وهو واثق بالله، مطمئن: (خلوا بيني وبين عدو الله) فأنتظره حتى اقترب فالتفت الى الصحابه فقال: (هل من حربة)، يقول ابو بكر: فأخذ الحربة صلى الله عليه وسلم، وانتفض بها انتفاضة،تطايرنا من حوله تطاير الشعّراء عن ظهر البعير، ثم رفعها وهزها حتى إذا دنى منه قال: (خذها وانا محمد رسول الله) فطارت في الهواء وأصابت عنقه فجرحته، فألقاه عن فرسه فتدحرج على الارض وهو يصيح يا ويلاه، فقال ابو سفيان: علامة تولول وتصيح؟ إن هو إلا خدش لو أصاب عيني لم يؤذيها، فقال: واللات لو بصق علي محمداً لقتلني، إنكم لم ترون ما رأيت، قال: ويلك مالذي رأيت؟ قال: عندما انتفض محمداً بحربته ورماها، تحركت معه جبال أحد كلها، إني ميت فهو قاتلي لا محال، فحملوه ومات، فقال النبي: (اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله). وهو الوحيد الذي قتله النبي بيده صلى الله عليه وسلم.
تمثيل قريش بالشهداء: في أثناء انسحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الجبل عرضت له صخرة فلم يستطع أن يصعد عليها، من كثرة جراحه فقد أصيبت ركبته فجلس تحته طلحة بن عبيد الله رغم جراحه رضي الله عنه وارضاه وقال: أصعد على ظهري يا رسول الله، فصعد على الصخرة، ثم رفع يديه للسماء وقال: (اللهم إني أشهدك أن طلحة قد أوجب)، استقر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسملون في الشعب، وقامت قريش بآخر هجوم بقيادة أبو سفيان، اذ حاولوا أن يصعدوا الجبل، ويكونوا فوق المسلمين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم انه لا ينبغي لهم أن يعلونا)، فأخذ سعد يرميهم بالسهام، وانطلق اليهم عمر بن الخطاب ومعه مجموعة من المسلمين حتى أهبطوهم من الجبل، فرجعوا الى معسكرهم، وبدأوا يستعدون للعودة الى مكة، واشتغل بعضهم بالتمثيل بقتلى المسلمين، في هذه الأثناء ألقى الله النعاس على الصحابة، رحمة بهم، فرفعت قريش قتلاهم كي يدفنوهم، وما إن وقفوا على جثة شهيد من المسلمين إلا ومثلوا بها فجاءت هند الى جثة حمزة، ورفع وحشي الحربة من بطنه فقالت: مزقه وأخرجت كبده، وحاولت أن تمضغها وتبتلعها فلم تستطع، فقطعت اذن حمزة وانفه وأنوف وآذان عدد من كبار الشهداء كمصعب، وعبدالله بن جحش، وغيرهم وجعلت منها قلادة في عنقها لتدخل بها مكة لتتفاخر وتقول: هذه أنوف وآذان أصحاب محمد، فأخذت قريش يقطعون الآذان والأنوف والفروج ، ويشقون البطون، وابو سفيان أخذ حربته وعكسها فأخذ يدق فك حمزة السفلي من عند العنق للفك ويقول: ذق عقق، فلما رآه الحليس قال: ما هذا ابو سفيان؟ قال ابو سفيان: ويحك اكتمها فقد كانت زلة، فصرخ به الحليس وقال: ما رأيت اليوم من عجباً سيد بني كنانة و سيد قريش يفعل هذا بأبن عمه لحماً؟ فقال: ويحك لا ترفع صوتك، أكتمها عني فقد كانت زلة.
في شعب جبل احد:
استقر المسلمون في الشعب، وجلسوا يلتقطون أنفاسهم ويداوون جراحهم، وجاءت نساء المسلمين وفيهم فاطمة، فاحتضنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخرج أبو عبيدة بن الجراح حلقتي المغفر من وجه الرسول بأسنانه، حتى سقط سنين منها واندفعت الدماء من وجه النبي، فجاء علي بالماء وغسل وجه الرسول ولم تتوقف الدماء، فأخذت فاطمة قطعة من حصير وحرقتها ثم ألصقتها بمكان الجرح فاستمسك الدم، فقال صلى الله عليه وسلم: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدماء)، فانزل الله عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}، تهيأ المشركون للإنصراف، وأراد أن يستوثق أبو سفيان من أمر قتل النبي، فأقترب من الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجبه أحد، فأعتقد أنهم قد قتلوا، فصاح في سعادة وفرح لقد انتصرنا، أما هؤلاء فقد كفيتموهم.
فصاح عمر: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله ما يسوؤك. قال ابو سفيان: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها، أعل هُبَل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟ قولوا الله أعلى وأجل)، ثم قال: لنا العُزَّى ولا عزى لكم، فقال النبي: (ألا تجيبونه؟ قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم)، ثم قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجَال، فأجابه عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال النبي: (ائته فانظر ما شأنه؟) فذهب إليه عمر، قال أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً؟ قال: اللهم لا، وإنه ليستمع كلامك الآن، فقال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر، وقبل أن ينصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله لرجل من أصحابه: (قل نعم هو بيننا وبينك موعد). ثم بعث رسول الله علي وقال: (أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبُوا الخيل، وامتطُوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة)، فقال علي: جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة، ثم قام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يتفقد القتلى والجرحى؛ وهنا كانت المصيبة العظمى.
تفقد شهداء احد: قام صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه فألتفت يميناً وشمالاً فقال: (أين عمي أين اسد الله حمزة؟ أين حمزة ما كان ليفر،أين حمزة، أين اسد الله؟) فسكت الصحابة، فكررها، (مالكم لا تجيبون؟أين اسد الله؟) ثم نزل لسفح الجبل، فأراد صحابي أن يكسر قوة الصدمة للنبي فلحق النبي وقال: يا رسول الله سمعت قائلاً يقول، أنه عند الصخرة تلك قد أصيب حمزة، فلا ندري أجريح هو أو غير ذلك؟ فهرول النبي صلى الله عليه وسلم اليها فسبقه رجال إليها، وهم يعلمون أن حمزة قد اصيب، فلما رأوا المثلة، ذهلوا وقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، كيف يراه النبي الآن؟فأستقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يرى حمزة، وقالوا: يا رسول الله أحتسب عمك عند الله، قال: (أبتعدوا أرونيه)، فزاح له الصحابة، فوقف عند جثته، وكانت صدمة ما بعدها صدمة، نظر إليه، وسكت طويلاً، قالوا: مع هذا الصمت ما راعنا إلا والنبي ينادي بأعلى صوته، أرتج لصوته الجبل: (عمااااااه) وبكى بكاء شديداً، ما رأيناه باكياً قط أشد من بكائه على حمزة، ثم قال وهو يبكي: (ما أصبت بمثلك ابداً، وما وقفت موقفاً أغيظ علي من هذا، والذي أرسلني بالحق لأن اظهرني الله على قومك يوماً لأمثلنا بسبعين من رجالهم)،
فتعاطف معه أصحابه، واخذوا يقسمون بالله لان أظهرهم الله على قريش ليمثلون بهم مثلةً يتحدث عنها التاريخ. فهبط جبريل فوراً، والنبي واقف على جثة حمزة، لم ينقل قدمه من موضعها، فأخذته الغشية، فعلموا أنه يوحى إليه، وإذا بالله جل في علاه يقول له:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [اي عاقبوهم بالقتال فقط]، فقال: (سمعاً وطاعة يارب)، ثم تلا الايات على أصحابه، وقال: (نصفح ونصبر، وإن اظهركم الله يوماً على قريش فلا تمثلوا بهم)، ثم بشرهم لن تنال قريش منكم حتى تستلموا الحجر.
دفن الشهداء عاى راسهم سيد الشهداء حمزة :
بعد نزول الآيات، كفر عن يمينه صلى الله عليه وسلم، وكان دائما يوصي أصحابه: (أياكم والمثلة)، وقال: (رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلَمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدَيَّ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ)، قالوا: فما أولتها يا رسول الله، قال: (فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي، فهو رجل من أهل بيتي يقتل)، فنظر بمقربة من حمزة فإذا هو مصعب بن عمير، ومثل به، فوقف على جثته، ثم بكى حتى أبتلت لحيته، وسُمع صوته بالبكاء، واخذ يخاطب جثة مصعب، وهو يقول: (لقد رأيتك يوما في مكة، وأنت أنعم فتى في مكة وأجملهم حلة واطيبهم ريحاً)، فلمح النبي عمته صفية أخت حمزة من بعيد تشق صفوف القتلى تبحث، فنادى النبي على الزبير: (دونك المرأة) فأسرع وقال: يا أماه إن رسول الله يأمرك ان ترجعي، فضربت بيدها صدره وصرخت: يا لكع لقد بلغني ما وقع من أخي من مثلة، وإني احتسبه عند الله، الحمد لله ان رسول الله سالماً، فجاء الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دعها) فلما اقتربت نظرت الى اخيها وبكت واحتسبته عند الله، وقالت للنبي: ألا وقد سلمك الله لنا، فلا نبالي بمن عطب الحمد لله انك سالماً لنا، وقد بلغني ما فعل بحمزة فجئت بثوبين تجمع اشلائه بهما، فنظر النبي بالثوبين وبكى وقال: (ما كان لمحمد رسول الله، أن يكفن عمه بثوبين ويترك مصعب لا ثوب له، اعطوا ثوب لحمزة، وثوب لمصعب)، فقالوا: يا رسول الله إن الثوب قصير، إن سترنا رأسه كشفت ساقيه، وان سترنا ساقيه كشف راسه فقال: (اجعلوا الثوب لرأسه وادفنوه مع حمزة في قبر واحد). لما أستعدوا للخروج، جاء عمرو بن الجموح وكان له خمس شباب تجهزوا للخرج، قالوا له: يا ابانا أنت قد عفاك الله، فلا حرج عليك، فمنعوه، فدخل للمسجد ودموعه تسيل على خديه وهو يقول: يا رسول الله أنظر لبني، يقفون بيني وبين الخروج في سبيل الله، فماذا عليهم اذا وطأت بعرجتي هذه أرض الجنة؟ فنظر النبي إليه والى بنيه وقال: (أما أنت فقد عفاك الله من كبر سنك، وبلائك، وأما أنتم فما عليكم أن تمنعوه، لعل الله ان يرزقه الشهادة) فرفع يديه للسماء: اللهم لا تردني الى اهلي خائباً ابداً، واني يارب أحب أن اطأ بعرجتي هذه ارض الجنة، فخرج مع صديقه عبدالله بن حِرام. كان يقف النبي على جثة كل شهيد، فلما رأى صلى الله عليه وسلم جثة عمرو بن الجموح، تذكر ما قاله، وكان ابنائه يقفون حول النبي فبكى وقال: (والذي نفسي بيده لقد رأيته يطأ بعرجته أرض الجنة)، فقال ابنائه: يا رسول الله كان قد تواعد مع صديقه عبدالله بن حِرام، ان يلتقيا في الجنة إذا فرقهم الموت، وقالا قبل الخروج، إن تفرقنا فموعدنا في الجنة، فقال لهم النبي: (اجعلوهما في لحد واحد، ولفوهما في ثوب واحد، ولا تفرقوا بينهما)،ووقف النبي على جثة حنظلة بن عامر شاب من المهاجرين، أراد النبي أن يزوجه من الانصار وتمت الخطبة وقبل الدخول عليها والبناء، جاء أمر الخروج لأحد، فاستأذن حنظلة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يبني بعروسه قبل خروجه ثم يلحق بالجيش فأذن له، فلما كان الفجر وقبل أن يغتسل ويصلي، سمع نداء الناس ان الحرب مع قريش ستبدأ، فتعجل وأسرع بالخروج فقالت له زوجته: إنك لم تغتسل، قال: الجنابة لن تحول بيني وبين الجهاد في سبيل الله، فإني أخشى إن بقيت حتى أغتسل، أن يفوتني موقفاً مع رسول الله، فخرج والمسلمون لا يعلمون بأمره، ولكن زوجته أرسلت تستدعي اربعة من رجال قومها، واشهدتهم أن حنظلة قد بنى بها قبل ان يخرج للجهاد فقالوا: انتِ عروسه فلماذا تشهدينا؟ قالت: لإني أعتقد أنه لن يرجع، ولعلي قد علقت بحمل منه فإني اريد أن اغلق باب الغيبة والريبة. رأى حنظلة ابو سفيان وهو هارباً، فلحقه وهو يقول: يا رأس الكفر، فضرب بسيفه ساق فرسه فسقط ابوسفيان عن فرس فرفع حنظلة عليه السيف فصرخ ابو سفيان: يا بني غالب، فإذا رجل خلف حنظلة، يرفع رمحه وطعن به حنظلة فوقع شهيداً رضي الله عنه، فلما نظر النبي على جثته ، أشار بأصبعه إليه وقال: (هذا صاحبكم رأيت الملائكة تغسله بين السماء والأرض بأطباق من الفضة، نسأل صاحبته)، فلما رجعوا سألوها فأخبرتهم، لذلك سمي غسيل الملائكة رضي الله عنه.
استمر النبي في تفقد القتلى والجرحى فقال: (من يأتيني بخبر سعد بن الربيع)،
فذهب زيد بن ثابت ليبحث عنه فوجده وقد طعن اثنى عشر طعنة، وهو في آخر رمق، فقال له زيد: يا سعد إن رسول الله أمرني أن أنظر انت في الأحياء ام في الأموات قال سعد: فإني في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: إن سعدا يقول: جزاك الله عني خير ما جزى نبياً عن أمته، وأخبره أنني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وقد أنفذت مقاتلي، وأبلغ قومك مني السلام وقل لهم: إن سعدا يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف ثم فاضت روحه رضي الله عنه، فرجع زيد إلى النبي فأخبره فقال: (رحمه الله، نصح لله ولرسوله حياً وميتاً)، ووجدوا في الجرحى الأُصيرم عمرو بن ثابت، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام وهو يرفضه فسألوه: ما الذي جاء بك، مناصرة لقومك، أم رغبة في الإسلام؟فقال: بل رغبة في الإسلام ، فأنا آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه حتى أصابني ما ترون، ثم فاضت روحه، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هو من أهل الجنة)، قال أبو هريرة: ولم يُصلِ لله صلاة قط، وكان في القتلى رجل من اليهود اسمه مُخَيرِيق، وكان حبراً عالماً من أحبار يهود، وكان رجلا غنيا كثير الأموال وكان يعرف رسول الله بصفته، وما يجد في علمه ولكنه لم يسلم، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد أسلم فوقف وقال: يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق قالوا: إن اليوم يوم السبت قال: لا سبت لكم ثم أخذ سيفه وعدته وقال: إن أصُبت فأموالي كلها لمحمد، يصنع فيها ما شاء ثم قاتل حتى قتل، واخذ النبي امواله وجعلها صدقة على الفقراء وقال صلى الله عليه وسلم: (مُخيرِيق خير يهود). وبعد ان صلى الظهر بهم، جلوساً وصلوا خلفه جلوساً، لانهم جرحا، أمرهم أن يدفنوا الشهداء جماعات، حتى لا يشق عليهم دفن سبعين شهيدا رضي الله عنهم، من الأنصار خمسة وستين، ومن المهاجرين أربعة ومن اليهود واحد، وقتلى المشركين فوق المئة، بدليل قوله تعالى:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا}. وأمر بدفن جثث المشركين ايضاً ولا يتركها طعام للطير والسباع لان الله تعالى قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} هذا هي أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان همّ النبي أن يحملَ حمزة ويدفنه بالبقيع، فلما أشار لأصحابه أن يرفعوا جثة حمزة، تحرك جبل أحد كله، فضربه النبي برجله بأنفعالةً وقال: (أثبت أحد فإنما عليك نبي، وصديق، وشهداء) فسكن، فقال (ادفنوا الشهداء في مضاجعهم، إنَّ نحب أحد وأحد يحبنا، إن أحد جبل على باب الجنة). ثم وقف صلى الله عليه وسلم وقال: (استووا حتى أثني على ربي عز وجل) وقال: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحُول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك). وكان النبي كلما خرج من المدينة وعاد إليها يقف وينظر الى أحد ويشير إليه ويقول: (هذا جبل يحبنا ونحبه، وهو جبل على باب الجنة).
الفصل الثالث:
الرجوع الى المدينة:
رجع النبي راكبا فرسه، والجميع حوله مشياً على الأقدام كما خرجوا، فما أن دخل الموكب فأول من تلقاه حمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير، تسأل: أرسول الله بخير؟ فقال لها النبي: (يا حمنة أحتسبي خالك حمزة اسد الله ورسوله) فأحتسبت قال: (يا حمنة احتسبي ايضاً اخوكِ عبدالله بن جحش) فأحتسبت، قال: احتسبي يا حمنة ايضاً زوجك مصعب فولولت، فقال:(سبحان الله إن الرجل من زوجته لبمكان، يا حمنة لما فعلت هذا؟) قالت: يا رسول الله ذكرت قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} وإن له أيتام، قال: (اللهم اخلفها في ايتامه خيراً)، واذا بامرأة تقول بفزع: ماذا فعل رسول الله؟ فقالوا يا أمةَ الله أحتسبي وأصبري، قد قتل أبوكِ؟ قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما عن هذا سألتكم، قالوا: وأحتسبي، قد قتل أخوكِ قالت: ما عن هذا سألتكم، يتخذ الله من عباده شهداء، قالوا: يا أمةَ الله أحتسبي، قتل ابناكي، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما عن هذا سألتكم،
قالوا: يا امةَ الله أحتسبي وأصبري زوجكِ قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما عن هذا سألتكم، ماذا فعل رسول الله؟ قالوا لها وهم مدهوشين من ردة فعلها، رسول الله بخير كما تحبين وتشتهين قالت:أرونيه أنظر إليه، وكان النبي يسير خلف الجيش ويقول: (خلوا ظهري للملائكة، فإن الملائكة تسير من ورائي)، فقالوا لها: هذا هو رسول الله؛ قالت: دعوني أسلم عليه فقالوا: يا رسول الله نعينا له الأب والأخ والابناء والزوج فأحتسبت وهي تقول ماذا فعل رسول الله؟ قالت: أما وقد سلمت لنا يارسول الله فلا نبالي بمن عقب بعدك، وإذ والدة سعد بن معاذ تسأل الجموع أين رسول الله؟ لقد بلغنا أنه قتل، قالوا لها: هو بخير قالت: لا والله لا أنصرف حتى أراه وأكلمه فلما دنى النبي، واذا بسعد ولدها يقود فرس النبي، قال سعد: يا رسول الله هذه أمي قال: (اهلاً بها ومرحباً، أدنوها يا سعد) فقال: (يا أم سعد أحتسبي فقد اصيب ولدك عمرو) قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مادمت عدت لنا سالماً يارسول الله فكل مصاب بعدك جلل، واقتربت من ابنها وقبّلته وشمّته، ثم قالت وهي تكفكف دموعها: الحمد لله الذي ردك سالماً إلينا يارسول الله،فقال لها: (أبشري يا ام سعد وبشري من ورائكِ، أخبريهم يا ام سعد أن الله عزوجل قد كلم الشهداء واسكنهم الفردوس الأعلى وجعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، وحين سألهم ماذا تريدون؟ قالوا: أن تردنا الى الدنيا، فنقتل فيك مرة ثم نرد الى الدنيا فنقتل فيك مرة ثم نرد الى الدنيا ونقتل فيك فقال الله للشهداء: أما وقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون قالوا: يارب فمن يخبر اهلنا من خلفنا بما وجدنا ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة، قال لهم الله: انا أبلغهم عنكم، وهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}
ثم اكمل السير صلى الله عليه وسلم، الى بيته ومر ببعض بيوت الأنصار، فسمع بكاء النساء، ويذكرن مأثرهم، فهز رأسه، وبكى وقال: (ولكن حمزة لا بواكي له)، فسمعها سعد فما أن وصل النبي صلى الله عليه وسلم على باب مسجده، فأنزلاه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؛ ثم اتكأ عليهما حتى دخل بيته، ثم امر الصحابة جميعاً ان ينطلقوا الى بيوتهم ويداوا جراحهم،
فأنطلق سعد بن معاذ رضي الله عنه، وجمع نساء الأنصار من بني عبد الاشهل لانه سيد بني عبد الأشهل، قال: والله لا تبكي امرأة منكم قتيلً لها حتى تأتوا باب المسجد، وتبكوا عم النبي، فذهبن وجلسنّ يبكين حمزة عند بيت النبي، فسمع النبي الصوت فقال: (ما هذا؟)، فقيل له: إنهن نساء بني عبد الأشهل يارسول الله، يبكين حمزة ويذكرنّ مأثره، فخرج وأستمع إليهن، وقال: (رحم الله الأنصار، رحم الله ابنائكم، وخفف عليكن مصابكم، وأخلف الله عليكن فيها خيراً، أرجعن الى بيوتكن مأجورات)، ثم دخل ولكن بقيت النساء يبكين حمزة، وأمر النبي أن يأخروا صلاة المغرب الى العشاء جمع تأخير، حتى تداوى جراحهم، ودخل فنام، فما أستيقظ إلا وقد مضى من العشاء وقت طويل، فسمع صوت بكاء قال: (ماهذا؟) قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين حمزة، قال مستغرباً: (منذ الليل؟) فخرج مسرعاً وقال: (كفى، كفى، يا نساء بني عبد الأشهل لقد أوجبتنّ، ولقد واسيتنّ ألا إني أعزم عليكن، وأنا محمد رسول الله، أن لا تنوحنّ على ميت بعد اليوم)، ثم صلى النبي بهم المغرب والعشاء جمع تأخير. فالبكاء مشروع أما النياحة فلا.
شائعات اليهود : وفي صلاة فجر اليوم التالي، عزم النبي صلى الله عليه وسلم للخروج ومطاردة قريش لأكثر من سبب، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، من الصحابة ما تشيعه اليهود والمنافقين في المدينة، حيث أخذ اليهود يشككون في الدين، أنه لو كان محمداً نبياً لما أصيب، لو كان نبي من عند الله لما هُزم، النبي يأيده الله، وما كان نصره في بدر إلا حظ، أما الرسل لا تهزم ابداً، واخذ اليهود يشككون الناس من ضعاف النفوس في دينهم، فاخذ النبي قرارا صعبا جدا وهو خروج جيش المسلمين لمطاردة المشركين، وكان له أكثر من فائدة وهدف:
– ليرد على كيد هؤلاء اليهود والمنافقين،
– ليرد اعتبار المؤمنين ويرفع معنوياتهم، فلا شك أن خروجهم لقتال قريش بعدما أصيبوا في أحد سيرفع من روحهم المعنوية ويعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، وبعض الهيبة التي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمون سيعانون من فقدها بعد أحد، وخصوصا أن الدولة الاسلامية الوليدة في الجزيرة العربية محاطة بعشرات القبائل التي تضمر الكراهية والعداوة للمسلمين.
– ليُشعر قريش بعدم الهزيمة ان في المسلمين قوة، وخشية عودة قريش لغزو المدينة، وقد وصله خبر أن قريش عند عودتها لمكة كانت تقول: لقد أصبتم شوكتهم وقتلتم بعضهم، ولكن بقي فيهم رؤوس يدبرون لكم فلو ملتم على مدينتهم فاستأصلتموهم لكان خير لكم، فكان ابو سفيان يريد أن يرجع للمدينة، وصفوان بن امية ينهى عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم عندما سمع ذلك قال: (لقد ارشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة كأمس الذاهب)
غزوة حمراء الاسد:
خرج الرسول صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر فلما انتهى من صلاة الفجر، أمر بلال أن ينادي، إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، لانه لا يريد أن يكون معه غير المؤمنين لأن هؤلاء المنافقون يخذلون الجيش وتكون أضرارهم أكثر من منافعهم، وجاء رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول وقال: انا خارج معك يا رسول الله فقال له النبي: (لا والله، لن يخرج معنا إلا من خرج معنا بالأمس)، أستجابوا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف منهم أحد رغم ما بهم من جراح وآلام، فأمتدح الله تعالى هذا الموقف العظيم من الصحابة، فنزل قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته بملابس الحرب وهو متألم من جروحه، ثم دخل المسجد وصلى ركعتين، وقد اجتمع الناس في المسجد، ثم دعا بفرسه فركبه، وكان طلحة واقفا ينظر فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا طلحة اين سلاحك؟) قال: قريب يا رسول الله، ولكن انظر إليك كيف تركب الفرس وانت بهذه الجراح قال: (لا عليك)، يقول طلحة: ولأنا أهم بجراح رسول الله مني بجراحي، فأنطلق طلحة ولبس سلاحه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا طلحة أين ترى قريش؟) قال: هم بالسيالة، يا رسول الله، والله اعلم. فقال النبي: (هكذا أظن) فسار بجيشه حتى وصل الى منطقة يطلق عليها حمراء الأسد، جنوب المدينة، وعسكر بجيشه هناك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يجمعوا الحطب بالنهار ولما جاء الليل أمرهم أن ويوقدوا النار، حتى اذا نظر أحد الى معسكر المسلمين من مكان بعيد يعتقد أن عددهم كبير، فوصل الى المعسكر عبد الله ورافع تأخرا كثيراً، لأنهما كانا لا يستطيعان المشي، وكانا يزحفان عندما يتعبان، فلما رآهما النبي قال لهما: (آلآن جئتما؟) قالا: نعم قال: (ما حبسكما عني؟) فأخبراه بعلتهما، وأن الطريق طويل فدعا لهما بخير، ثم ألتفت الى أصحابه ممن كان حوله وقال: (إن طالت بكم مدة كان لكم مراكب من خيل وبغال وأبل وغير ذلك، وليس بذلك بخير لكم) اي أن ليس ملك الدنيا والتطور خير لكم، فقال قائل: يا رسول الله مثل ماذا؟ فقال له: (يقول الله لكم: ما لا تعلمون، فماذا أقول لكم؟) قال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ }
هروب قريش:
مر بمعسكر المسلمين معبد الخزاعي ابن أم معبد، فقال: يا محمد، لقد عز علينا والله ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، فوالله لا أدري ما أقول فهل من خدمة نؤديها لك؟ فقال النبي: (إن رأيت قريش في طريقك فأخبرهم)، ومضى حتى وصل الى جيش قريش في الروحاء، على بعد (٤٧ كم) من جيش المسلمين، وقد استعدوا للعودة لمهاجمة المدينة، فأستقبله ابو سفيان فقال: هذا معبد وعنده الخبر، ما وراءك يا معبد؟ قال: ورائي ما يسوؤك قال: ويحك ماذا تعني؟ فقال: تركت محمداً وأصحابه قد خرجوا لطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه بالأمس من الأوس والخزرج، وغضبوا لقومهم غضبا شديدا، وندموا على ما فعلوا، فيهم من الحنق شيء لم أر مثله قط قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم قال: لا تفعل فإني ناصح، ومما خلع قلبي نظمت لهم شعراً قال: أسمعني؟ فقال:
(كادت تهد من الأصوات راحلتي// إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسدٍ كرام لا تنابلةٍ//عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظُلت عدواً أظن الأرض مائلةً // لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت: ويل أبن حربٍ من لقائكمُ // إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية // لكل ذي إربة منهم ومعقولِ
من جيش أحمد لا وخش تنابلة // وليس يوصف ما أنذرت بالقيل).
ففزع ابو سفيان وارتجف قلبه قال: ويلك اين هم الآن؟ قال: والله ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي خيلهم قد أقبلت، فخارت عزائم قريش وقرروا العودة سريعا، فهربوا، فمر بهم ركب من قبيلة عبد القيس فقال: هل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبا إذا أتيتم إلى مكة؟ فأبلغوا محمداً إنا قد أجمعنا الكرة، لنستأصله ونستأصل أصحابه، فلما مر ركبهم بالنبي أخبروه بالرسالة، فزادهم ايمانا وثباتا وتوكلًا على الله، فقال النبي: حسبنا الله ونعم الوكيل فقال الصحابة: حسبنا الله ونعم الوكيل فامتدحهم الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، وقد هرب ابو سفيان مع قريش وتركوا عزة الشاعر نائم تحت شجرة كان من أسرى بدر وتحرر بعهد مع النبي، فنقض العهد وخرج مع قريش لأحد، وصار يستنفر الناس ويحرضهم على القتال بشعره، فظفر النبي صلى الله عليه وسلم، بعزة الشاعر قال: يا محمد أقلني وامنن علي ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا أن لا أعود لمثل ما فعلت، فقال: (لا والله لا تمسح عارضيك بمكة، تقول خدعت محمدا مرتين لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين)، فأمر النبي بضرب عنقه، بقي المسلمون في حمراء الأسد ثلاثة أيام ثم عادوا الى المدينة، وقد حققت هذه الغزوة كل أهدافها التي ارادها الرسول صلى الله عليه وسلم.
الفصل الرابع:
آثار هيبة المسلمين بعد احد:
– منها، وصل الى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أحد بثلاثة أشهر، أخبار ان قبيلة بني أسدِ تستعد للإغارة على المدينة، فلم يمهلهم وأرسل اليهم سرية قوامها مئة وخمسين مجاهد أميرهم أبو سلمة عقد له اللواء، وقال له: (اغدو على بركة الله وانزل خيلك قوم أسدِ، فإنهما يجمعون للإغارة على المدينة)، واوصاه النبي اخذاً بالاسباب: (سر ليلاً وأكمن نهاراً، تعم عنك الاخبار)، اخذ معه دليل وسار على بركة الله حتى فاجئ القوم وهم مجتمعين عند ماء لهم، ففروا منه فأخذ جميع ما يملكون من أبل وشاة وغنائم، وعادوا الى المدينة.
-ومن الآثار أن فارس مغامر اسمه خالد بن سفيان الهذلي، بدأ يدعو لغزو المدينة، واتخذ لنفسه مقر في وادي عرنة، بالقرب من مكة ليتجمع المرتزقة الذين طمعوا في نهب خيرات المدينة، وصلت هذه الأخبار الى النبي فقرر ألا يمهله واختار لهذه المهمة الصعبة عبد الله بن أنيس الجهني، كان يجمع بين الشجاعة وقوة القلب والقدرة على التحكم في المشاعر، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزو المدينة، فائته فأقتله)، فقال: لبيك يا رسول الله، ولكن انعته لي حتى اعرفه فقال: (إذا رأيته وجدت له قشعريرة)، فأنطلق حتى وصل فلما رآه وجد ما وصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة، ثم خاف عبد الله إذا حصل بينهم قتال طويل ان تضيع منه الصلاة، فصلى وهو يمشي نحوه وأخذ يومأ برأسه في الركوع والسجود، وقد أقره النبي بعد ذلك عليها، وسمية صلاة الطالب والمطلوب، فلما وصل الى خالد، قال: من الرجل؟ فقال: رجل سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك في ذلك فقال: أجل أنا في ذلك، فمشى عبد الله معه قليلا وهو يحدثه، ثم رفع سيفه وقتله، فلم يراه احد وانطلق راجعا الى المدينة فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم استقبله متهلل الوجه مشرقاً فرحاً وقال له: (أفلح الوجه يا عبد الله) فقال: أجل قتلته يا رسول الله، فقام النبي ودخل حجرته، واحضر عصا وأعطاه أياها، وقال: (أمسك هذه عندك يا عبدالله)، فقال له الصحابة: يا عبد الله ما هذه العصا؟ قال: أعطانيها رسول الله، وأمرني ان احتفظ بها، قالوا: أولا ترجع وتسأله عنها، فرجع وقال: يا رسول الله، لمَِ اعطيتني هذه العصا؟ قال: (يا عبدالله إنها آية بيني وبينك يوم القيامة) وبقيت معه، حتى ضمت في كفنه ودفنت معه، وسيبعث من قبره وهو يحملها رضي الله عنه وارضاه. وهذه يقظة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة تدل على حزمه وحسمه في التعامل مع الأخطار في بدايتها، فمن لم يعرف نبيه فقد ضاع عمره سُدى.
تحريم الخمر: لم يأتي التحريم فجأة، بل كان بالتدريج كما التشريعات، فأول ما نزل في الخمر هو قوله تعالى في سورة النحل: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فيها تمهيد لموقف الإسلام من الخمر، لم يصف السكر بأي وصف، كالرزق وصفه(حسنا)، وثاني ما نزل في سورة البقرة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} نزلت كنصيحة للمؤمنين، ان شربه ينتج عنه اضرار كثيرة، وفيه منافع ولكن اضراره اكبر بكثير، وكذلك الميسر. وثالث ما نزل في سورة النساء:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} نزلت تأديباً، فقام بلال ينادي وقت الصلاة: ألا لا يقربن الصلاة سكران، وكان عمر يقول: اللهم أنزل علينا في الخمر بياناً شافياً، ورابع ما نزل في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فقال الصحابة: انتهينا انتهينا، وكسروا آنيتها واهريقت في الطرقات، حتى أصبحت المدينة موحلة كأن مطرا قد نزل عليها. فالأجتناب أشد من التحريم، حرم تصنيعها والعمل فيها، والاتجار بها حتى القرب منها، وتقليد اي عادة لشاربها فهي من وحي ابليس. قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)، وقام بتعريف الخمر تعريفاً جامعاً، فقال صلى الله عليه وسلم: (كلٌّ مسكر خمرٌ، وكل مسكرِ حرامٌ) وقال: (مَا أَسْكَرَ كثيرهُ فقليله حرامٌ).
حادثة الرجيع: سعى نفر من قريش الى رجال من قبيلتي عضل والقارة من هذيل، قالوا: نعطيكم مبلغا مقابل أن تذهبوا لمحمد وتتظاهرون أنكم مسلمون، وتطلبون من محمد أن يرسل من يفقهكم في الدين ثم تحضروهم لنا. لأنكم متحالفون مع المسلمين، فلن يشك فيكم، وانطلقوا فلما وصلوا، قالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك، يفقهونا ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام، فقبل منهم ظاهر قولهم ولم يُطلعه الله على خديعتهم وأرسل معهم عشرة من أصحابه وجعل عاصم بن ثابت بن ابي الأقلح اميرهم، ولما أصبحوا قريباً من بئر الرجيع خرج إليهم ما يقرب من مئتي مقاتل من هذيل منهم مئة رامي، فأخذ الصحابة سيوفهم، وأخذوا يقاتلوهم حتى أحاطوا بهم في تل مرتفع، وعلموا انهم سيقتلون منهم مئة قبل أن يُقتلوا، حاولوا أن يغروهم بالإستسلام ، ووعدوهم بعدم قتلهم فقالوا: نحن نعطيكم عهداً وذمة لا نقتلكم، وإنما نريد أن نبيعكم لقريش عبيداً ونكسب المال، فرفض قائد السرية عاصم أن ينزل في ذمة كافر وقال: إني نذرت ألا أقبل جوار مشركٍ أبدا، لا والله لا انزل في ذمة مشرك ابدا ولا تمس يدي يد مشرك وأخذ هو وأصحابه يرمونهم بالسهام وأخذ المعتدين يرمونهم بالسهام وبالحجارة وبدأ يسقط من المسلمين قتلى، وفنيت سهام المسلمين، فأخذوا يقاتلونهم برماحهم وسيوفهم حتى تكسرت رماح المسلمين، هنا كسر عاصم غمد سيفه، فرفع طرفه للسماء وقال: اللهم أبلغ نبيك عنا السلام، وأبلغه ما نزل بنا من الذين غدروا، اللهم إني قد وفيت لك بعهدي ما دمت حياً، اللهم وفّي لي بعهدي معك بعد موتي، اللهم إني حميت دينك أول نهاري، فاحم لي لحمي آخره، وأخذ يقاتل حتى قتل، ولم يبق الا ثلاثة خبيب بن الدثنة، زيد بن الدثنة، عبدالله بن طارق رضي الله عنهم أجمعين ففاوضوهم على الإستسلام ووعدوهم بعدم قتلهم، فوافقوا على ذلك، وبمجرد أن استسلموا اليهم ربطوهم بأوتار اقواسهم، فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر ورفض أن يسير معهم، وأخذ يقاومهم وهم يجرجروه، فلما أجهدهم قتلوه وبقي خبيب، وزيد. فكان همهم أن يأخذوا رأس عاصم ففيه مكافأة مئة ناقة نذرا من سلافة لأنه قتل ابنيها في احد، فحاولوا قطع رأسه فأنزل الله مظلة من الدبر فأخذت تحوم على جثته، فما دنى احد منه، إلا لدغته لدغة مؤلمة فقالوا: دعوه الى الليل، ذهب عنه الدبر، فبعث الله تعالى غمامة فوقهم صبت ماءً غزيراً منهمراً حتى سالت سيلًا كبيرا فحمل جسده، فلم يتمكنوا من الراس ولا الجثة، وهذه كرامة من الله له.
زواج النبي من امنا حفصة: توفي زوجها الصحابي خنيس السهمي، وأنتظر عمر حتى أنقضت عدتها، فجاء إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجلس إليه وتحدث معه، وعرضها عليه فلم يرد عليه بشيء، فغضب وجاء إلى أبي بكر فحدثه بما كان، وعرضها عليه، وكذلك لم يرد عليه، فكاد عمر أن يفقد صوابه، وطال اِنتظاره وأبوبكر صامت مطرق رأسه يتصبب عرقاً، فقام عمر وقد زاد غضبه وزادت الحيرة بردة فعلهما. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في شدة الغضب، فجلس إلى النبي، فقال النبي: (ما بك يا عمر؟) قال: يا رسول الله، جئت أشكو إليك صاحبيك الصديق وابن عفان، فقال: (بما تشكوهما؟)، فضحك النبي في وجه عمر وربت على كتفه وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر، ولعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفص)، وقال: رضيت يا رسول الله، ونسأل الله أن يختار لنا الخير، فقام من عند النبي ورجع إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، ذهبت أشكوكما إلى رسول الله، فذكرت ما كان، فهش لي وقال: (يا عمر لعل الله أن يزوج ابنتك حفص من هو خير من عثمان وأبي بكر)، فرفع رأسه ابو بكر مشرقاً متهللاً مبتسماً وقال: وقد قال لك رسول الله ذلك؟ قال: أجل، قال: هنيئاً لك يا عمر، ومبارك عليك مصاهرة رسول الله، فمن ترى يا عمر خير من أبي بكر وعثمان غير رسول الله؟ قال: فهمت هذا، ولكني لم أطمئن حتى آتي إليك. فقال: والآن اقول لك لِما لم أرد عليك بشيء، فإني كنت عند رسول الله يوماً، فسمعته يذكر حفصة وهي ما زالت في عدتها، فعلمت أنه يريدها، ويريد أن يكرمك يا عمر بمصاهرته، كما أكرمني من قبل، فعندما جئتني، لم أكن لأفشي سر رسول الله، فما أستطعت أن أرد عليك بشيء، قال: وعثمان؟ قال: ولعل عثمان سمع ما سمعت، فما أحب أن يفشي سر رسول الله، فرجع إلى عثمان، فجلس عمر وقال: يا عثمان لم ترد علي بشيء حينما ذكرت لك حفص، قال: وأين ذهبت؟ قال عمر: ذهبت وشكوتك لرسول الله قال: فماذا قال لك رسول الله؟ قال: قال لعل الله أن يزوج عثمان من هي خير من حفصة ويزوج حفص من هو خير من عثمان، فوثب عثمان قائماً فرحاً مسروراً، وقال: لهذا خير يومٍ مر علي، منذ أن أعتنقت الإسلام، أقالها رسول الله يا عمر؟ قال: نعم، قال: يا عمر ما كنت لأفشي سر رسول الله، إني سمعته يوماً يذكر حفص ولكنه لم يعلن فعندما كلمتني، ما كنت لأفشي سر رسول الله، ولكنك زدتني واحدة، أقال رسول الله يزوج عثمان من هي خير من حفص؟ قال: نعم، فقال: وهذه بشرى أخرى فإن رسول الله مصاهري مرة أخرى، فما راعنا إلا ورسول الله يطرق الباب، فجاء النبي وجلس ووجد عمر عند عثمان فقال له النبي: (يا عمر أتزوج محمد رسول الله من ابنتك حفصة؟) فقال عمر: يا رسول الله لقد أكرمتني اِكراماً، ما كنت لأحلم به قط فحفص لرسول الله، فقال النبي: (يا عمر أمهرتها اربعمئة درهم كعائشة وكسودة من قبل).
موقعة بئر الرجيع: انتهت باستشهاد ثمانيه واسر اثنين، وانطلقوا بهما الى قريش، وباعوا خبيب الى بنو الحارث بن عامر ليقتلوه ثأرا لابيهم في بدر، وزيد بن الدثنة الى صفوان بن أمية، أسر خبيب مقيدا، تحت مسؤليت بنات الحارث، فجاءت ماوية يوماً فوجدت خبيب يحمل قطف عنب ويأكل منه، قالت: ما هذا يا خبيب؟ قال عنب دونكِ فأكلِ، فرجعت تجري الى مولاتها قالت: أتعلمين في أرض الله عنباً في هذا اليوم قالت: لا قالت: الأسير يأكل عنباً، فهرعت إليه زينب قالت: ما هذا يا خبيب، من أتاك به قال: هو من عند الله، أما علمتِ يا زينب بقصة أم عيسى عليه السلام، قال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا}، {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، قالت: لم أعلم بذلك أتطعمني منه قال: دونكِ فأكلِ، فأكلت منه فقالت: يا خبيب أنت رجل مبارك ولكنكَ أسيرُنا فلا أستطيع أن أفك قيدك، فهل من خدمة نسديها لك؟ قال: نعم إذا انتهى الشهر الحرام، وعلمتِ أنهم قاتلي غداً اريد موسا لأزيل بها شعر ابطي وشعر وسطي، وماء اغتسل به، أستعد للقاء ربي، قالت: لك هذا.
مضت الأيام ووفت بوعدها، فأرسلت بالموس مع طفلها الصغير وقالت: أعطه للأسير وقل له ان أمي ستأتيك بالماء، فقلت: وااا ويلاه ماذا صنعت؟ ليقتلنه الآن ويأخذ بثأره، ففزعت وأخذت تجري إليه مسرعة مرتاعةً، ولكن الصبي كان قد سبقها، تقول: فنظرت إليه فوجدته قد أجلس الصبي على فخذه يطعمه بيده مما عنده من عنب، قال لها: يا زينت أتخوفتي على الصبي أن اقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى ابداً، فإن ديني قد هذب خُلقي، فلا يجوز قتل الصبي بغير ذنب فهو لم يقاتلني يوماً، ولقد طلبت منك الموس فلا يجوز لي أن اغدر، فذهلت منه وتعجبت من فعله أكثر وأكثر، ودخل الإيمان لقلبها وقالت: أهكذا هو دينكم يا خبيب؟ قال: أجل، وإلا ما الفرق بيني وبين أي رجل من قريش فإني عربي قرشي كما تعلمين، فلماذا لا أقتل ولا أخذ بالثأر هكذا علمنا ديننا يا زينب، فأخذت الصبي وتركته يستحد ويستحم، واستأذنت من أهلها ان تكون ممن يشهد مصرعه، ومصرع زيد.
التنعيم مكان اشتشهاد خبيب: أمرهم ابو سفيان، أن يجعلوا له خشبة، فاوثقوه بها، وأقترب منه ابو سفيان وقال: أنشدك الله يا خبيب أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ قال: لا والذي بعثه بالحق ما احب ولا ارضى، ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالساً في أهلي سالماً معافا، دعوني أصلي ركعتين ثم صلى بكل خشوع، والتفت إليهم، وقال: والله لولا أن تظنوا بي جزع من الموت لطولت في الصلاة اكثر ولكن هيَّ، ثم أوثقوه ورفعوه على خشبة واقترب منه أبو سفيان وقال له: يا خبيب أرجع عن الإسلام، وانا اطلق سراحك قال: لا والله لو كانت لي مئة نفس، وأزهقتموها نفساً نفساً ما رجعت عن ديني ابداً، فأحضروا اربعين غلام واعطوا كل واحد منهم رمحاً صغيراً، ويقولوا لكل غلام هذا خبيب قتل ابوك يوم بدر فأقتله، فلما رأى خبيب أنه الموت لا محالة بهذه الطريقة وأرادوا ان يقهرونه فوجهوه الى المدينة فرفع خبيب طرف عينه للسماء، وقال: اللهم إني لا أرى إلا وجه مشرك وعدو، اللهم اقرء نبيك عني السلام، وأعلمه ما تصنع بنا قريش اليوم، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحدا. قالت زينب: فلا ندري إذ انفتلت خشبته حين همت روحه أن تصعد فأستدار وجهه الى البيت الحرام فسمعنه يقول: الحمد لله الذي وجهني الى قبلة يرضاها اشهد أن لا إله الا الله وأن محمد رسول الله، وأما زيد رضي الله عنه، سأله أبو سفيان كما سأل خبيب واجاب كما خبيب، فقال أبو سفيان وهو يضرب كفًا بكف: ما رأيت ولا علمت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا،
قالت الصحابة: في هذه اللحظة كان النبي يحدثنا بما فعلت قريش بأصحابه ويقول قد لقوا اصحابكم ما لقوا من قريش، فسكت واغفى اغفاءة كالتي تأتيه عند نزول الوحي، ثم سمعناه يقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا خبيب. قال الصحابة: فدهشنا ففتح عينيه ونظر إلينا وقال: (إن أخاكم خبيب تقتله قريش الآن وقد طلب من الله تعالى أن يقرأني عنه السلام، فهذا جبريل يقرئني سلام خبيب) ثم قام النبي وقد دمعت عيناه ودخل حجرته. كفكف دموعه ورجع الى اصحابه وقال: (إن القوم عزموا على ترك صاحبكم خبيب على خشبته تضربه الرياح والرمال والشمس، انطلق يا زبير انت والمقداد، فتسللا حتى تدخلا التنعيم ليلاً وأنزلا صاحبكما من خشبته)، قال الزبير: فوصلنا فوجدناه يحرسه عشرة من الرجال، فغافلناهم حتى دنوت من الخشبة ففكت وثاقه، ولم أستطع أن أحمله، فإنه كان غضاً طرياً طيب الريح، كأنه حي على خشبته، فأنفلت من يدي فوقع على الارض فكانت له هدة، فأنتبه القوم، فأستترت خشية أن يعلموا بنا، ولكي أعود وأخذه فلما انتبه القوم، وأحاطوا بالمكان، أخذت أنظر فلم أرى جثة خبيب يا رسول الله. واخذوا يبحثون يقولون سقط عن الخشبة فأين ذهب فأبتلعت الارض خبيب، فقال النبي للزبير: (صدقت فلقد أخبرني بذلك جبريل فقد أبتلعته الارض) فسمي خبيب بليع الارض
تخليص اسرى المسلمين في مكة: الصحابي مرثد الغنوي رضي الله عنه: عمره ثلاث وعشرين عام، شهد بدر وأحد، وقاتل بكل شجاعة، قوي البنية، شجاع القلب سريع، له القدرة بالتحكم بمشاعره، للنبي فراسة عظيمة في اختيار الرجال لكل مهمة ما يناسبها، فاختار مرثد لأمر عظيم، وكلفه بمهمة خطيرة وصعبة جداً، وهي تخليص أسارى المسلمين في مكة، والمجيء بهم ليعيشوا عز الإسلام وعدل الإسلام في كنف النبي، فكان يتسلل الى داخل مكة ليلاً، ويذهب الى مكان الأسير، ويحمله بقيوده خارج مكة، وينطلق به الى المدينة، ونجح في تحرير عدد من الأسرى، ولكنه في مرة وقع في خطأ ودخل مكة في ليلة مقمرة، واستطاع أن يصل الى الأسير وكان ثقيلاً ، فحمله ومشى به ثم وقف ليرتاح، ولكن رأت سواده امرأة من البغايا اسمها عناق لها معرفة قديمة به قبل إسلامه؟ فقالت: مرحباً وأهلاً، تعال فبت عندنا الليلة، فقال: يا عناق، إن الله حرم الزنا، فغضبت من رده وصاحت: يا أهل مكة، يا أهل الخيام، إن هذا الذي يحمل الأسرى، فترك الأسير وفر هاربا، واتجه الى الخندمة وهو من الجبال الوعرة، ودخل في أحد كهوفه واختبأ، وخرج في اثره ثمانية رجال وأشارت لهم الى المكان الذي اتجه اليه، فوصلوا الى الكهف ووقفوا أمام مرثد وهو نائم على الأرض، ولكن الله تعالى أعمى أبصارهم فلم يروه، والعجيب أنه عاد الى الأسير الذي تركه، ثم حمله وانطلقا عائدين الى المدينة، وقد شعر بالعاطفة تجاه عناق، لانه يعلم انها تحبه أراد أن يتزوجها، ذهب الى النبي وقال: يا رسول الله، أنكح عناق؟ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، واستقبل الأمر بهدوء، كرر مرثد السؤال، فسكت النبي، هبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}. القضية هامة جدا لدرجة أن الله تعالى هو الذي رد على مرثد بالجواب، وكان مرثد رضي الله عنه من ضمن العشرة في حادثة الرجيع، قد استشهد فيها.
الفصل الخامس:
اهم الاحداث والتعامل معها:
وفد الدعاة الى اهل اليمن: اختيار القراء دعاة: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، عامر بن مالك من بني عامر من اهل نجد كنيته ابو البراء، ويلقب مُلاعبِ الأسنَّة لانه يتلاعب بالسلاح بيديه من شدة مهارته، وكان قد شاخ فأخذ الزعامة منه أبن أخيه عامر بن الطفيل، فقدم هدية للرسول صلى الله عليه وسلم، ودعاه النبي فلم يسلم ولم يرفض الاسلام، خوفاً على مكانته في قبيلته، فقال: يا محمد إني أرى أمرك هذا حسنٌ شريف، فلو بعثت رجالاً من أصحابك الى أهل نجد يدعونهم الى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك، فقال له النبي: إني أخشى عليهم أهل نجد، فقال: أنا جارٌ لهم، فاستجاب النبي، وأختارهم من القراء وعددهم سبعين صحابي، وكانوا هؤلاء الشباب من الصحابة إذا صلوا العشاء مع النبي انطلقوا الى أطراف المدينة مع معلم لهم من كبار الصحابة يعلمهم القران فيحفظونه حتى يتقنونه، ويتفقّهوه، واقاموا الليل، حتى إذا كان الفجر استعذبوا من الماء فملؤوا القربة، وأحتطبوا وجاؤوا بهما الى حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويشهدون الفجر جماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم أجمعين، ثم أنطلق ابو البراء وسبقهم واخبر عامر بن الطفيل، قال: يا أبن أخي سيحضر أصحاب محمد وإني قد أجرتهم حتى يبلغوا دعوته،
ماساة بئر معونه: أنتدب النبي سبعين صحابي من القراء ليكونوا خير دعاة لبني عامر، وكتب لهم كتابا لبني عامر، انطلقوا لما وصلوا بئر معونة، ارسلوا حرام بن ملحان رضي الله عنه، يحمل الكتاب فلما دخل عليه، وعرف بنفسه ومد الكتاب فلم يلتفت إليه، وقال: ما حاجتكم؟ قال: لسنا أصحاب حاجة، ولكننا أرسلنا بأمر من نبينا الى قومكم ندعوهم الى هذا الدين وقد اخذ لنا عمك ابو البراء عهداً وجوار وإني رسول رسول الله إليكم، ندعوكم الى لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فأشار ابن الطفيل الى جبار بن سلمي فطعنه بالحربة في ظهره وخرجت من بطنه، فأخذ يمسح الدم بيده ويدهن به وجهه، ويقول: الله أكبر الله أكبر فزت وربِ الكعبة حتى فاضت روحه، فأستغرب الذي طعنه، قتلته ويقول فزت ما الذي فاز به؟ أولستُ قد قتلته؟ فقالوا: إنها الشهادة عند المسلمين، ثم ذهب جبار الى المدينة وأسلم، فكان قتل الصحابي من سوء أخلاق عامر بن طفيل رد جوار عمه وقتل رسول،
وخرج عامر الى قومه وقال: استعدوا معي لنذهب لبئر معونة ونقتل أصحاب محمد، فرفض قومه الخروج معه، فذهب الى القبائل حوله وجمع ثلاثة قبائل معه وانطلقوا الى المسلمين عند بئر معونة وأخذوا يقاتلونهم وأخذ المسلمون سيوفهم ودافعوا عن أنفسهم، ولكنهم قتلوهم عن آخرهم، لم يبق إلا كعب بن زيد رضي الله عنه الذي جرح وظنوه قد قتل ولكنه عاش، ثم مات شهيدا بعد ذلك بعام واحد في غزوة الخندق، كان اثنين من الصحابة قد تأخرا عنهما في الطريق وهما المنذر بن عقبة، وعمرو بن أمية، فوجدوا الطيور تحوم في السماء فوق معسكر المسلمين عند بئر معونة فقالا: والله ان لهذه الطيور لشأن، وأسرعا الى أصحابهم، فوجدوهم قد قتلوا، فانطلقا يقاتلان هما أيضا فقتل المنذر بن عقبة، ووقع عمرو بن أمية في الأسر ثم أعتقه عامر بن طفيل ولم يقتله وانطلق رضي الله عنه راجعاً الى المدينة وفي الطريق لقي، رجلين وعلم أنهما من بني عامر ونزلا تحت ظل شجرة، فلما ناما قتلهما ثأرا للصحابة، ولكن هذان الرجلين كان معهما عهداً من النبي، فقد جاء خبر هذين القتيلين مع خبر استشهاد السبعين من صحابته، وكذلك وصل الخبر الرجيع في نفس التوقيت، فكانت مأساة شديدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وغلب الحزن الشديد لانهم قتلوا بالغدر ومن شدة الحزن اخذ النبي يدعوا عليهم شهرا كاملاً، يرفع يديه في الدعاء، حتى يسقط ردائه عن منكبيه. ومع كل هذا أراد أداء الدية لهذين القتيلين اللذين قُتلا عن طريق الخطأ، وأما ابو البراء ملاعب الاسنة أصابه غيض شديد ورجع للنبي أو ارسل رسولاً يعتذر عن ما فعله ابن اخيه، ويعلن اسلامه فقبل النبي عذره، ثم مات غيظاً وقهراً لانه انتهك جواره مع اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
غدر بني النضير: لم يصبر اليهود على العهود، وهم لا يتوقفون لحظة واحدة عن إثارة المشاكل في المدينة حتى انتهى الأمر بطرد بني قينقاع من المدينة، فخاف بني النضير وبني قريظة على أنفسهم، فاستكانوا والتزموا الهدوء، ولكن بعد أحد ثم بعد مأساة الرجيع، وفاجعة بئر معونة، عادت إليهم جرأتهم مرة أخرى، وعادوا الى سابق عهدهم من سب الاسلام، والدخول في مصادمات مع المسلمين، واثارة الشائعات المغرضة، والتشكيك في الأسلام، وفي نبوة النبي، يقولون: ما أصيب بمثل هذا نبي قط، كما عادوا الى الاتصال بالمنافقين في المدينة، والمشركين في مكة، والعمل لصالحهم ضد المسلمين، أراد النبي جمع دية قتل الخطأ، فذهب الى بني النضير في نفر من أصحابه وكان فيهم أبو بكر وعمر وعلي، حتى يتحملوا معه جزء من أموال هذه الدية استنادا للعهد الموثق حسب بنود وثيقة المدينة التي وضعها النبي بعد الهجرة، والتي نظمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة، وتوجهوا الى كبيرهم حيي بن أخطب، ودخل النبي عليه وهو في مجلسه، فرحبوا به وسلموا عليه وقال النبي: (جئتك يا حيي، وأن بيننا وبينكم عهود)، أن رجلا من الانصار قتل رجلين من الحلفاء، وعلينا دفع الدية، وأن تتحملوا ما عليهكم من أموال، فقال حيي: نعم حباً وكرامة يا أبا القاسم نفعل ولكن أجلس ها هنا حتى تطعم أنت واصحابك وحتى نقضي حاجتك، فاجلسه خارج الدار وظهره لجدار الدار وأصحابه حوله، فذهب حيي الى رجاله، وقال: إنها فرصتكم، فلن تجدوا الرجل بمثلها بعد الآن قط فليس معه الا عشرة وهو جالس مطمئن، وهذه فرصة لا تتكرر فليصعد أحدكم على ظهر البيت الذي يجلس الى جواره، ويلقي حجر ضخم على رأسه ويقتله، ويريحنا منه الى الابد.
قرار جلاء بني النظير وجلائهم: أراد حيي أن يغتال النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقه الجميع وعارضهم كبيرهم سلام بن مشكم وقال: يا حيي ألست تعلم أن محمد رسول الله قال: لا، قال: وربِ موسى وعيسى، إنك لتعلم إنه نبي، وكنا نرجو أن يكون منا من نسل هارون لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وليأتينه الخبر من السماء، ولتكون بعد ذلك ناقضاً عهدك معه، وأصر حيي على مؤامرته وعزموا على تنفيذ خطتهم، وصعد عمرو بن جحاش ليلقي صخرة ضخمة على النبي، وكان قد هبط جبريل على النبي وأخبره بمكرهم، فقام النبي ومضى بين بعض أصحابه ، واتجه الى ناحية الشجر كأنه يريد أن يقضي حاجة، وعاد الى المدينة مسرعاً، فجاء حيي قال: أين ابا القاسم؟ قالوا: قام في حاجة له، وانتظروا وطال الانتظار، والصحابة يقولون: أين ذهب رسول الله؟ لا بد أن له أمر وحيي يصبرهم ويقول: لعله يرجع الآن، دعوه في حاجته، اجلسوا فقد أعددنا لكم الطعام فجاء رجل من بين النخيل فقالوا: ارأيت رسول الله؟ قال: نعم رأيته متوجه الى المدينة، فهب الصحابة مسرعين خلفه، قال لهم حبرهم الذي نصحهم: أتعلم لِمَ رجع الى المدينة وقام من مجلسه لقد جاء الخبر لمحمد من السماء، كما قلت لك وانت الآن قد نقضت العهد وانتظر معي ساعة فإن محمد مرسل إليك، فقال القوم: بماذا تشر علينا يا سلام؟ قال: أشير عليكم بأمرين ولا ثالث لهما الأول: وهو خير لكم، أن تدخلوا في دين الرجل، وتسلموا فأنتم أهل الكتاب الأول وأنتم من نسل هارون فإذا اسلمتم سيغفر لكم هذه الذلة، وهو لا يقتل رجل دخل دينه، فتحقنوا دمائكم وأموالكم، ويعلو كعبكم بين اصحابه فأنتم اهل كتاب ومن نسل الانبياء قال حيي: أما هذه فلا هاتِ الثانية قال: إنه مرسل لك الآن، أن اخرج من بلادي، فأياك ثم أياك ان تعقب على رسوله وأجبه بنعم، فإنك إن لم تفعل، لن يقبله منك بعد ذلك، فأخرج من بلاده على الفور، وأحقن دمائك وأموالك قال القوم جميعاً: هذه نعم. وصلوا الصحابة فوجدوه عند باب المسجد، نظر إليهم وهو مغضب وقال: (إليَّ بمحمد بن مسلمة) قالوا: ما الخبر يا رسول الله؟ قال: (همت يهود بغدر، لقد أوكل حيي لرجل منهم، أن يصعد على سطح الدار، وأن يلقي علي حجر فأتاني جبريل، وأخبرني، فلقد نقضوا عهدهم)، حضر محمد بن مسلمة رضي الله عنه، قال له النبي: (إذهب الى بني النضير، وقل لهم لقد هممتم بالغدر ورتبتم كذا، وكذا، وكذا ولقد جاء خبركم من السماء لرسول الله، لذا لا عهد بيننا وبينكم، لقد نقضتم العهد، اخرجوا من مدينتي ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشراً فمن وجدت منكم بعد ذلك ضربت عنقه). فما أن أتم حبرهم قوله، حتى كان محمد بن مسلمة يقرع بابهم، قال حيي: مرحباً بابن مسلمة، قال: لا جلوس لي بينكم، إنما أنا رسول، رسول الله إليكم ابلغكم رسالتهقال: يا حيي ويا سلام، قبل أن أبلغكم رسالة رسول الله، أنشدكم الله والتوراة التي انزلت على موسى، اتذكرون عندما جئتكم يوماً، قبل مجيء محمد إلينا؟ جئت إليكم في مجلسكم هذا وكان بين أيديكم صحفة طعام، فقلت لكم: إن لي حاجة فقلتم: أجلس فأطعم أولاً، فأطعمتموني من طعامكم، وكان سلام يحمل كتاب بين يديه فقال: يا ابن مسلمة ما يمنعك أن تدخل في ديننا؟ فقلت: لا حاجة لي في دينكم ولا دين غيركم، فقال لي سلام: إنما يمنعك من اتباع ديننا، بسبب سماعك أن رجل سيبعث بالحنيفية وهذا وقته وأن مولده مكة وأن دياركم هجرته، وإن من أوصافه ولقد أظلكم زمانه فهو مصبحكم أو ممسيكم قالوا: اللهم نعم قد قلنا هذا، ولكن ليس صاحبكم هو الذي ننتظر فقال بن مسلمة: انتهى معكم ما أريد، والآن ابلغكم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكم رسول الله: قد هممتم بالغدر ، وكان من أمركم وجاءه جبريل بالخبر من السماء، والآن يقول لكم: لا عهد بيننا، هو لا يريد قتالكم فأخرجوا من دياره، ولا تجاوروه فيها ابداً فتعجل حبرهم سلام وقال: نعم فرد حيي خلفه وقال: نعم فوافقوا على الجلاء قال: قد أمهلكم رسول الله عشراً، تستعدوا وتجمعوا أموالكم، ومن رؤي منكم في المدينة بعدها ضربت عنقه قالوا: أجل حباً وكرامة، ابلغ ابا القاسم أننا على رحيل واخذوا يستعدون وشاع الخبر في المدينة ورجع ابن مسلمة للرسول صلى الله عليه وسلم يخبره أنهم قبلوا حكمك، وهم يستعدون للرحيل، وسمع بالخبر عبد الله بن أبي بن سلول، فعز عليه هذا المنافق، أن يهاب جناحه، ذُهل ابن سلول بالخبر قبل أشهر أجليت قينقاع وهم حلفائه واليوم النضير فمن يبقى؟ فأرسل رسولاً من طرفه فوراً ، الى بني النضير
حصار بني النظير: كان قد أرسل رأس النفاق إبن سلول رسولاً الى حيي ليقول له: إياكم أن ترحلوا، اثبتوا وتمنَّعُوا، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وإن لي حلفاء من غطفان، وهذه اخوانكم قريظة، كلنا نجتمع ونقاتل حتى نخلص من محمد وصحبه ودينه، وإن أجلاكم جلينا معكم، فجاء الخبر الى حيي وهو يستعد للجلاء، إذن لن نرحل، فنزل قوله الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، فبعث الى النبي، إنَّا لا نخرج من ديارنا، فأصنع ما بدا لك، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جوابه، قال: (الله اكبر) فكبر ألصحابه، فكبر النبي ثانية وثالثة فكبروا، ثم قال: (الآن حاربت نضير، قم يا بلال وأذن للجهاد) فأذن: حي على الجهاد حي على الجهاد، حي على خير العمل. فهب الصحابة كالأسود استعداداً للقتال، كان إبن سلول جالس معهم بالمسجد فقام وأرسل مرة اخرى الى حيي: إياك أن يخيفك هذا، إذا جدَّ الأمر ستجدنا عندك في حصنك، دخل عبدالله رضي الله عنه إبن المنافق يلبس لباس الحرب، ونظر الى أبيه قال: أراك لا تستعد، قال: سأستعد فيما بعد، وخرج المسلمون وكان علي يحمل اللواء وكانت المسافة من المدينة الى بني النضير ميلين.
غزوة بني النظير: لما رأوا جيش المسلمين، وقد تخلى عنهم حلفائهم من غطفان وبني قريظة ورأس المنافقين ابن سلول، دخلوا حصونهم، وحاصرهم المسلمون وأخذوا يرمون المسلمين بالسهام وبالحجارة، ثم أمر النبي اصحابه أن يقطعوا ويحرقوا نخيلهم، لبث الرعب في قلوبهم وخزي لهم، فنادوا من فوق حصونهم: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ فلم يرد عليهم واستمر الصحابة بالقطع والحرقه، حتى دخل الرعب في قلوبهم، واستمر الحصار ست ليال، فخرج حيي وقال: يا محمد سننفذ مطلبك ونرحل كما طلبت قال: (لا، اليوم لا أقبله)، فقال: وماذا تريد يا ابا القاسم؟ قال له النبي: أن تنزلوا على حكم الله ورسوله، فأخذوا يستغيثون ويستجيرون بالنبي وأرسلوا بالصبية والنساء يبكون بين يديه، فرَّق قلبه فوضع لهم شروط على الجلاء والإستسلام، أن يخرجوا من المدينة، ولا يحملوا إلا ما تحمل إبلهم فقط، ولا يحملوا معهم السلاح ولا حتى سيف واحد وأن يأخذوا ذريتهم، ونساءهم ويخرجوا، قال حيي: يا أبا القاسم، إنا لنا اموال وديون عند الناس، قال له: (تعجل وضع) فكان يأخذ من المئة عشرة، ومن الالف خمسين، فأخذوا معهم ما عز من أموالهم، وعز عليهم أن يتركوا ديارهم، فأخذوا يهدموا بيوتهم، فشاهدهم النبي، فقال لأصحابه:(ساعدوهم في هدم بيوتهم)، فساعدوهم، ثم حملوا متاعهم على ستمئة بعير. وقبل أن يخرجوا قال حيي لقومه والخزي في وجهه: لا نريد أن نخرج أذلة صاغرين، يشمت بنا المسلمون قالوا: ماذا نصنع قال: أخرجوا الدفوف، ولتلبس النساء زينتها وليغنينَّ، ونخرج نضرب الدفوف في الاسواق، على اننا خرجنا فرحين من دياره، لا غاضبين ولا نادمين فخرجوا ولكن الغيض يقطع قلوبهم ، ولا يملك رجل منهم أن يحمل سيفاً واحد، ووقف محمد بن مسلمة ومعه مئة رجل يفتشوهم حتى لا تخرج معهم قطعة سلاح واحدة، قال تعالى في سورة الحشر: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } فخرجوا الى الشام وكان هذا أول الحشر لهم لآخر الزمن، وذهب البعض الآخر مثل حيي الى خيبر، ليستعدوا لمواجهة أخرى، فيما بعد مع الرسول صلى الله عليه وسلم
زواج النبي من ام سلمه:
بعد غزوة بدر الآخرة: كان ابو سلمة مصاب بجروح في غزوة أحد، وبعد سبعة أشهر توفي متأثرا بجروحه، كان ابو سلمة رضي الله عنه أخو النبي صلى الله عليه وسلم في الرضاعة، وأول من هاجر الى الحبشة مع زوجته أم سلمة، فلما مات قال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته: (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) فقالت أم سلمة: يا رسول الله كيف أقول؟ فقال لها: (قولي انا لله وانا اليه راجعون، اللهم اغفر له، اللهم اجرني في مصيبتي وابدلنى خيرا منها)، فقالت مثلما قال النبي، وكانت تقول في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟. مر عام على أحد، وجاء موعد اللقاء عند بدر، أخذ المسلمون يتهيؤوا للخروج الى بدر، وفي مكة كان أبو سفيان لا يريد مواجهة المسلمين ويخشاها، ولا يستطيع ألا يخرج لأن ذلك يسقط هيبته عند المسلمين والجزيرة كلها، ولأنه يكره أن يخرج محمد ولا يخرج هو، فيزيدهم جراءة، اتفق مع نعيم بن مسعود من غطفان مقابل عشرين من الإبل إن نجح في مهمته، على أن يذهب الى المدينة ويخوف أهلها بأن أعداد جيش قريش كثير، فوصل نعيم بن مسعود فوجد المسلمون يتهيئون للخروج، فأخذ يطوف بالمسلمين ويتحدث عن كثرة جموع قريش، واخذ المنافقون يخوفوا المسلمين أياكم ان تخرجوا، احفظوا دمائكم، إن قريش قد جمعت لكم كذا وكذا، فيقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، خرج أبو سفيان بالفي مقاتل، حتى يبدوا أمام المسلمين وكل العرب أنه خارج، وهو يعتقد أن نعيم بن مسعود قد نجح في اخافة المسلمين، وأنهم خافوا وجبنوا ولم يخرجوا، وسار بجيشه لمدة يومين حتى وصل الى مكان سوق مجِنَّة ثم وصلت الأخبار أن المسلمون قد وصلوا الى بدر بالف وخمسمائة مجاهد، فخاف من مواجهتم وقال: يا معشر قريش لا يصلحكم الا عام خصب، وإن عامكم هذا عام جدب، واني راجع فارجعوا، ثم رجعوا واصبح سخرية في الجزيرة كلها، وقال أهل مكة: انما خرجتم لتشربوا السويق، يا جيش السويق، أقام المسلمون في بدر ثمانية أيام. وهكذا أعادت للمسلمين ثقتهم بأنفسهم وكثير من الهيبة التي فقدوها في أحد وبئر الرجيع وبئر معونة، أنقضت مدة عدة أم سلمة، واستجاب الله دعائها، فتزوجت من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الزواج رفع للحرج عن الرجل اذا أراد أن يتزوج من زوجة أخيه بعد وفاته.
غزوة بني المصطلق ودخولهم الاسلام: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قبيلة بني المصطلق تستعد لغزو المدينة، وسيدهم الحارث ابن ابي ضرار، وهي أحد بطون قبيلة خزاعة التي ديارهما على طول الطريق بين مكة والمدينة، التي أخذت موقفا محايدا للصراع بين المسلمين وقريش، وصنمها مناة ولم تدخل الاسلام، واشتركت مع قريش في احد، أرسل النبي بريدة بن الخصيب حتى يتأكد من نياتهم، ودخل فيهم وأظهر أنه معهم ويريد عونهم في حربهم ضد المسلمين، وتحدث مع سيدهم وتأكد أنهم يردون غزو المدينة، فعاد وأخبر النبي، وجهز النبي جيشه، وكان شعاره ما غزي قوم في دارهم إلا ذلوا، فخرج إليهم بسبع مئة مقاتل وثلاثين فارس، وخرجت معه امهاتنا عائشة وأم سلمة، وعقد لواء المهاجرين لأبي بكر ولواء الأنصار لسعد بن عبادة، فسار بجيشه ليلا ويكمن في النهار، شعاره استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، وامامه العيون ليستطلعوا الاخبار، فامسكوا برجل من بني المصطلق، واخذوه اسيرا للنبي فسأله عن خبر القوم فتكتم، فعرض عليه الإسلام فرفض، فقال النبي: (يا عمر اضرب عنقه) فضربها، وسبق القوم على عين ماء اسمها المريسيع، ماءها ينز نزا قليلا، حتى إذا تجمع نشلوه، وعسكروا هناك، فلما وصل بني المصطلق للعين تفاجؤا بوجود المسلمين، فامر النبي عمر بن الخطاب: (ان نادي بالناس أن يقولوا لا اله الا الله، تعصموا دماءكم واموالكم)، فنادى: هذا رسول الله على رأس جيشه يناديكم، أن تقولوا لا إله إلا الله، فتعصموا دماءكم واموالكم، فرفضوا واصطفوا للقتال، ونادى سيدهم أننا لا ندخل في دين محمد والحرب بيننا وبينكم، وأخذوا يتراشقون بالسهام ساعة من الوقت، ثم أمر النبي أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، بهجوم مباغت، فانهزموا سريعا، فقتل منهم عشرة، ووقع رجالهم ونساؤهم في الأسر وغنموا إبلهم ومواشيهم، وحقق المسلمون انتصارا ساحقا وسريعا، ولأول مرة يخرج رئيس المنافقين ابن سلول مع النبي، فجمعت الغنائم، وسال لعاب ابن سلول لها، وجعل عليها حراسة مولاه شقران، وامسكوا الأسرة من الرجال، فلما قسمة الغنائم دخلت النساء في السبي، وقسمت بين الجيش. كانت نساء بني المصطلق من اعز بيوت العرب فعز عليهم السبي، فكر النبي كيف ينقذهن، فهيأ الله له السبب، جويرية ابنة سيد بني المصطلق كانت من نصيب ثابت بن قيس بن شماس، فعرضت عليه المكاتبة على نفسها، ولعلمه أنها لا تملك شيء، فقد أخذت أموالهم قال: نعم اكاتبكِ على ثمانية أواقي من ذهب مقابل أن اعتقك، قالت: فهل تأذن لي، أن أتدبر أمري؟ قال: أجل تدبري امرك، فخرجت من خيمته، واتجهت نحو النبي في خيمة ام المؤمنين عائشة، فوقفت عند باب الخيمة، وهي فتاة عاقلة راشدة تحسن تدبير الامور، ورأتها امنا عائشة وقالت: والله ما أن رأيتها على باب حجرتي حتى كرهتها، فقالت جويرية: يا رسول الله سلام الله عليك، قال: (وعليك السلام، من المرأة؟) قالت: أنا جويرية بنت الحارث سيد القوم، اني قد رأيت رؤيا قبل ان تأتي إلينا، وعلمت اننا مأخوذين وعلمت أن عاقبتها خير لنا، فعلمت أنك رسول الله حقاً؛ فأنا أشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله، انا بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لا يخفى عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، واطلب منك العون فأعني يارسول الله، فنظر النبي الى عقل حصيف، وقوة شخصية وتدبر لإنقاذ قومها، وشرفها فقال لها: (حباً وكرامة، فهل لك في خير من ذلك؟) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: (أقضي كتابك وأتزوجك) قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فشاع الخبر بين الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تزوج بنت الحارث بن ضرار فقال الصحابة: أصبح بني المصطلق أصهار رسول الله، فرد كل الصحابة الأسرى الذين في أيديهم الى ذويهم، وكان هذا حدثاً فريداً لم يحدث في تاريخ الجزيرة ولا في تاريخ العالم كله، قالت امنا عائشة: قال الناس أصهار رسول الله فأرسلوا ما بأيديهم، فلقد أعتق بتزويجه إياها، مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها، فلما رأت بني المصطلق هذه الاخلاق والكرم، دخلوا جميعا في الإسلام، فاستطاع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغزوة توطيد هيبة المسلمين في الجزيرة، وبقي النبي اياماً في ديار بني المصطلق، ولكن المنافقون قلوبهم إمتلأت غيظاً خاصة رأسهم ابن سلول لانه رد الغنائم الى بني المصطلق واصحابه المنافقين، ما خرجوا أصلاً إلا لهذه الغنائم، وليس ايمانا فأخذ يترقب فرصة كيف يوقع فتنة بين صفوف المسلمين.
الباب الخامس:
الفصل الاول:
فتنة دعوى الجاهلية: جلس النبي صلى الله عليه وسلم مطمئناً مرتاحاً، وقد أصبح القوم إخوانهم بالدين وأصهاره، وذهب جهجاه من المهاجرين وسنان من الانصار في اليوم الثاني الى بئر المريسيع ليملئا أسقيتهما وتنازعا الماء، كل منهما يريد أن يسقي قبل الآخر، فتنازعا الدلو، وتطور الأمر الى أن جهجاه ضرب سنان على وجهه فسالت الدماء من أذنه فلما رأى سنان الدم صاح بشعار الجاهلية: يا آل الخزرج، فصاح جهجاه: يا آل قريش، فسمع النبي الصراخ كما سمع الناس، فخرج من خيمته مسرعاً نحو الصوت، فإذا هما الغلامين وتجمع الصحابة من الخزرج وقريش يأتون من هاهنا، وكلهم مشهرٌ سيفه، يريدون أن يعرفوا مالخبر؟ فنظر النبي إليهما، ورفع كلتا يديه يؤدبهما ويقول: (أبدعوى الجاهلية، وانا بين ظهرانيكم دعوها فإنها منتنة، ما الأمر؟) فحدثوه بما وقع بينهما، فقال: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فتعجب الصحابة فقالوا: إن كان مظلوماً نصرناه يا رسول الله، فكيف إن كان ظالماً؟ قال: (تردوه عن ظُلمه وذلك نُصرته)، فتكلم النبي مع الرجلين واصلح بينهما، وامتثل المهاجرون والأنصار لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المنافقون وجدوها فرصة لهم، ورأس المنافقين ابن سلول من ثلاثة أيام يتقلب من الغيض كيف أسلم القوم وخسر الغنائم جميعها؟ فجلس في خيمته ومعه من على شاكلته، فقال بلهجة المتعجب المستهجن أَوقد فَعلُوها؟ هذا ما كنت أخشاه، وكنت كارهاً منذ أن دخلوا دارنا، ولكن هذا ما فعلتموه بأنفسكم، آويتموهم وقاسمتموهم الاموال والديار، ثم جعلتم أنفسكم غرض للمنايا دونهم فمتم ويتمتم اطفالكم، وكثروا هم حتى نازعوكم في دياركم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير بلادكم، وما مثلكم ومثلهم إلا كما قال من قبلنا، سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وكان من ضمن الجلوس زيد بن أرقم من الخزرج، ولكنه صادق الايمان، فذهب الى النبي وحوله المهاجرين والانصار وقال: يارسول الله كنت في خيمة ابن سلول وقد قال: كذا وكذا وكذا، فتغيرت وجوه الصحابة جميعاً مهاجرين وأنصار، وغضب النبي غضبا شديدا، فنظر الى القوم وأراد أن يمتص غضبهم، فقال: (يا فتى لعل في نفسك على صاحبك شيء فقلت عليه ما قلت؟) قال: لا والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ليس بيني وبينه إلا اخوة الاسلام قال: (لعله اخطء سمعك، فلم تحسن أن تنقل ما سمعت؟) قال: لا والله ما اخطء سمعي، ولا تّقولت عليه ولا بحرف واحد، لقد قال ما قلته لك كلمة كلمة، فقام عمربن الخطاب وقال يا رسول دعني اضرب عنق هذا المنافق، فقال له النبي: (لا لا يا عمر كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل اصحابه؟)، وأمر بالرحيل على الفور.
العودة من بني المصطلق: جاء الى النبي أسيد بن حضير وقال: يارسول، أرحيل في مثل هذه الساعة؟ فقال النبي: (أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل؟) قال أسيد: لا والذي بعثك بالحق يارسول الله انت الذي تخرجه إن شئت، وهو والله الذليل وأنت العزيز، فبلغ لرأس النفاق ان كلامه وصل للنبي، فجاء يكذب الخبر، وأخذ يحلف بالله أنه ما قال، ويشهد أصحابه بأنه لم يقل: يا رسول الله عسى ان يكون الغلام قد أخطء بنقل الحديث، وانصب اللوم والعتاب على زيد بن ارقم حتى زوج أمه عبد الله بن رواحة يلومه ويعنفه، فاعتزل زيد وركبه الهم. ومضى النبي بالرحيل، فسار طوال النهار والليل حتى جاء النهار وارتفعت الشمس واشتدت، ثم نزل الناس، فناموا على الفور في العراء ونامت معهم الفتنة، ثم سار بهم طوال الليل حتى جاء النهار، وزيد مهموم يناجي الله في قلبه: اللهم إني أقل من ان تنزل في شأني قران، ولكني ارجوك يارب أن تلقي في قلب نبيك ان يصدقني فقط، ولا يقال عني اني كذاب فتان، وفي سيره كان يواكب النبي، حتى كانت ساعة بعد طلوع الفجر وقبل شروق الشمس واذا براحلة النبي تثقل بسيرها، فأخذت ترفع رجلها وتضعها ببطئ، فعلمت أنه يوحى اليه، فغشيه ما غشيه، وتصبب جبينه عرقاً، وثبتت راحلته قدميها بالارض، فلما أُسري عنه نظر الى يمينه فرآني، فأبتسم لي في وجهي، وقال بأعلى صوته: (يا زيد) قلت: نعم يا رسول الله، فأقترب براحلته مني، ومد يده وأمسك اذني وشدها وقال: (لقد وفا الله بسمعك يا غلام) ثم نظر الى الصحابه واشار إلي وقال:(هذا الذي صدق القران سمعه) ثم قراء من سورة المنافقين، وصلى بنا صلاة الفجر بها، فلما سمع عبد الله، ان هناك آيات نزلت بحق أبيه تكشف نفاقه، اعتقد ان النبي سيأمر بقتله فذهب الى النبي، وقال: السلام عليك يارسول الله، فرد عليه النبي، ثم قال: إنه بلغني أنك تريد قتل والدي فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالذي بعثك بالحق، لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، والذي بعثك بالحق منذ اعوام، ما اكل طعاماً وشرب شراباً إلا من يدي، وإني أخشى أن تأمر به غيري، فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أبتلت لحيته، ثم ربد على كتفه وقال: (يا عبدالله ما هممت بقتله ولن نقتله، بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا)، وعندما اقترب الجيش من المدينة، قدم النبي الجيش بين يديه، وقال دعوا ظهري للملائكة فإنها تمشي خلفي، فسبق عبد الله الجيش كله، ووقف بسيفه على مدخل المدينة، يستعرض الناس وكل ما مر منه صحابي، يقول: دونك، دونك حتى اذا اقبل أبوه سل سيفه ووضعه في وجه ابيه فقال ابوه: يا لكع ماذا تريد؟ فأخذ بخضام راحلته، وأناخها على الارض، ووضع قدمه على يد الناقة، ووضع السيف على عنق ابيه وقال: تزعم يا عدو الله بأنك عزيز ورسول الله ذليل؟ وأنك متى شئت تخرجه من مدينته، لا والذي بعثه بالحق لهو العزيز فينا، وانت الذليل ابن الذليل والذي بعثه بالحق نبياً، لن تدخل مدينته حتى يأذن هو لك، فاقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ورآى عبد الله ممسكا بأبيه، فقال: (ما بك يا عبد الله؟)، قال: بأبي وامي انت يارسول الله، يزعم هذا المنافق بأنه عزيز في المدينة وانت الذليل فينا، ويريد أن يخرجك منها، لا والذي بعثك بالحق، لأنت العزيز فينا، وهو الذليل ابن الذليل، فوالله الذي لا إله إلا هو، لا يدخل مدينتك ولا يجاورك فيها، حتى تأذن له انت بأذن صريح، فبكى النبي مرة ثانية، وقال: (شم سيفك يا عبد الله وخلي عن أبيك، قلت لك سنحسن صحبته ما دام بين اظهرنا)، فنفض ابوه وقام يصرخ لأنا أذل من الصبية، لأنا أذل من النساء، ليت امي لم تلدني، هكذا دخل المنافقون بعد أن افتضح أمرهم، وقد امتلأت قلوبهم بالغيظ والحقد على المسلمين،
سبب حادثة الافك: في طريق العودة من بني المصطلق، وقف الجيش في أحد الأماكن بالقرب من المدينة ليستريح وكان ذلك في الليل، ذهبت امنا عائشة لتقضي حاجتها في العراء، فأبتعدت لتتمكن من قضائها، وعندما عادت وجدت أنها قد فقدت عقد لها ثمين به حجر من العقيق صنع في ظفار بلد من اليمن مشهورة بصناعة العقود، أعطته لها أمها عند زواجها، ومن اغلى الأنواع واحبته النساء، فعز عليها العقد، فعادت لتبحث عنه وتأخرت بعض الوقت، وبدأ الجيش يتحرك، وجاءوا فحملوا الهودجها، ولخفتها لم يشعروا انها غير موجودة ووضعوه على بعيرها وارتحلوا، عادت امنا عائشة فوجدت الجيش قد تحرك، فخافت أن تسير خلف الجيش، فتفقد طريقها وكان الوقت ليلاً، فجلست مكانها وقالت في نفسها: أن الرسول عندما يكتشف عدم وجودي، فسيعود مرة أخرى خاصة أنه كان من عادته أن يسير بجوار بعيري، ثم غلبتها عيناها فنامت في مكانها، في ذلك الوقت كان صفوان بن المعطل، يسير خلف الجيش متأخرا عنه، حتى اذا وقع أي شيء من المتاع أخذه معه، تقدم مع طلوع الصبح فرأى سواد انسان من بعيد، فأقترب فوجد امنا عائشة نائمة، فأراد أن يوقظها فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون بصوت مرتفع، فاستيقظت وغطت وجهها بجلبابها، لأن الحجاب فرض قبل اشهر، فأناخ صفوان راحلته ووضع رجله على ساق البعير، وركبت عليه، وأنطلق صفوان يقود الراحلة. قالت رضي الله عنها: والله ما كلمني كلمة واحدة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى وصلا الى المدينة، وشاهدها المسلمون، فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم خبرها فقبل الأمر، وليس فيه ما يضر، فدخلت بيتها، ومرضت بسبب السفر، وظلت مريضة شهرا كاملا.
عند وصول أمنا عائشة وصفوان رضي الله عنهما المدينة، هنا كان رأس النفاق إبن سلول ممن شاهدهما، فوجدها فرصة، فقال كالمتجاهل للمنافقين حوله: من هذه؟ قالوا: عائشة زوج النبي قال: زوجة نبيكم؟ ومن هذا الذي معها صفوان؟ هل باتت ليلة كاملة مع رجل لا تعرفه؟ ثم اقبلت في وقت الظهر؟ ثم تحول بحديثه عن الزنا وبشاعته، فأخذوا يرددون كلامه في المدينة بالتلميح دون التصريح، فاصبح الناس يتحدثون عنها وهي لا تعلم، ولكن الذي لاحظته أن النبي كان اذا دخل لا يتطلف لها كما اعتاد أن يفعل وهي مريضة، والآن اذا دخل يقول لمن حولها من النساء: (كَيْفَ تِيكُمْ؟)، تقول امنا عائشة: انكرت هذه الكلمة، وقلت في نفسي لعله همه أمر المنافقين وهي لا تعلم، اقتربت امنا عائشة من الشفاء، فخرجت لقضاء حاجتها مع أم مسطح، وفي الطريق عثرت أم مسطح في ثوبها من طوله، قالت: تعس مسطح، فتعجبت امنا عائشة وقالت: بئس ما قلتِ يا خالة أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ قالت لها ام مسطح: يا هُنتاه أولم تسمعي؟ فأخبرتها بكل ما يقوله الناس عنها، وبكل ما خاضوا فيه طوال شهر كامل فذهلت ولم تستطع أمنا عائشة أن تقضي حاجتها من هول ما سمعته فعادت الى بيتها، قالت: فأنفجرت بالبكاء فبكيت بقيت ليلي واليوم الثاني، والليلة التي بعدها ماتوقف دمعي، لم أذق الطعام، ولم أقوم من فراشي وأزددت مرضا على مرضي، دخل النبي ولم يسألني عن سبب بكائي فما زاد عن قوله كيف تيكم؟ فوثبت وقلت: يا رسول الله أتأذن لي أن آتي ابوي؟ قال لها: (لا عليكِ)، فذهبت. قالت لأمها: يا أماه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها، تأكدت امنا عائشة من المعلومة، فأغشي عليها، فلما أفاقت ظلت طوال الليل تبكي وزاد عليها المرض، وكان النبي في كرب شديد، فأخذ يستشير اقرب الناس إليه من اصحابه، فاستشار زيد بن حارثة فقال: يا رسول الله، أهلك، أهلك، ما علمنا عنهم الا خيرا، ثم استشار علي، فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سِواها كثير، ولكن إسأل الجارية بريرة، فدعاها النبي فقال: (أي بريرة أصدقِ الله ورسوله، هل رأيتِ من شيء يريبك؟) فقالت: لا والذي بعثك بالحق والله، إن عائشة أطيب من الذهب، وأما عمر بن الخطاب المؤيد بالصواب، قال: ألم تخبرنا يا رسول الله أن جبريل اتاك بقطعة وفيها صورة عائشة وقال لك: هذه زوجك في الدنيا والاخرة، يأمرك الله بالزواج منها؟ قال النبي: (بلى)، قال: إذن إن الله لا يختار لك زانية وانا أحكم أنها بريئة، وان تنزل العقوبة بكل من أتهمها. ولأن النبي قدوة للأمة الى قيام الساعة فكان يريد حجة، فالمصيبة تدور في بيت النبوة قاربت الخمسين يوما، وجبريل لم يأت، والنبي ممكن أن يُظهر برأتها، ولكنه يريد دليل يواجه به المنافقين، فقام وخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فقام سعد بن معاذ وقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، فقام سعد بن عبادة فقال لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، وسل سعد بن معاذ سيفه وكاد أن يقع قتال بينهما، هذا ما يريده اليهود والمنافقين، والنبي قائم على المنبر، أخذ يهديء الناس حتى هدئوا وسكتوا، ونزل واجماً حزيناً مهموماً، وباتت امنا عائشة ليلة ثانية تبكي.
براءة امنا عائشه: كان ابو ايوب الانصاري من خيار الصحابة، لم يتكلم بهذا الامر، وكان يأتي بيته مهموماً ويخرج مهموماً، فقالت له زوجته: يا ابا ايوب أما سمعت مايقولون الناس بعائشة؟ فصرخ بها وقال: سمعت ذلك الكذب كله، فاحمرت عينه وارتفع صوته، فقلت وانا خائفة من صوته نعم، قال: أكنتِ فاعلة مايقوله الناس، فنفضت ثوبي وقلت: معاذ الله ورب البيت، فقال: والله إن عائشة خيرٌ منك واطهر. تقول امنا عائشة: كنت عند ابواي وعندي امرأة من الانصار، استأذنت وجلست معي تبكي لا أعرفها ولا انساها لها، ثم دخل النبي وجلس ثم حمد الله واثنى عليه وقال: (يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب، فأستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب الى الله تاب الله عليه). فلما قال ذلك توقفت عن البكاء، فلم أدري ما اقول، ثم نظرت لأبي وقلت: أجِب رسول الله، فقال: ما أدري ما اقول لرسول الله؟ فألتفت الى امي، قلت: أجِيبي رسول الله، فقالت: ما أدري ما اقول لرسول الله؟ فقلت: والله لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في انفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني، ولئن أعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبا يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}، ثم جهشت بالبكاء وأدرت وجهي للحائط، ورسول الله جالس على فراشي،
قالت أمنا عائشة: فوالله ما كنت اظن أن ينزل في شأني قرآن يتلى به الى قيام الساعة، لأنا احقر في نفسي، أن ينزل الله بي قران ولكني كنت أظن أن يرى رسول الله رؤيا صادقة تبرئني، فهبط الوحي وأخذ النبي يجهد جهداً شديدا وغشيه ما غشيه من نزول الوحي، واخذ جبينه يتصبب عرقاً، فلما سري عنه وإن عرقه ليتساقط من جبينه، كانه الدُر والؤلؤ، ابتسم في وجهي وضحك، فكان اول كلمة قالها: (أبشري يا عائشة فقد برَّأكِ الله)،فوثبت امي وقالت: قومي بنية، فأشكري رسول الله، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أشكره ولا أشكر إلا الله الذي أنزل براءتي، فخررت ساجدة لله، وأخذ رسول الله بيدي فانتزعت يدي فنهرني أبوبكر، ثم تلى قوله تعالى من سورة النور: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}. فهي قضية اتهام الناس في شرفهم بالباطل، ووضعت لذلك عقابا دنيويا رادعا وهو الجلد ثمانين جلدة، وطبق في ثلاثة من الذين ثبت بالفعل تناولهم هذا الأمر بكلمات صريحة واضحة لا تأويل فيها وهم مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، أما بن سلول فلم يطبق عليه الحد، ولكن توعده الله تعالى وأصحابه بالعذاب الشديد يوم القيامة، فقال تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
زواج زيد من زينب بنت جحش: هي بنت عمة النبي، حين بلغ (زيد بن حارثة) ابن النبي بالتبني سن الزواج، أراد أن يزوجه بأمر من الله تعالى، فعزم ان يزوجه من ابنة عمته، كان عمرها ست وثلاثين عام، وهي من أعرق وأشرف بيوت العرب من بني هاشم أشرف القبائل العربية، ليحطم الفوارق الطبقية الموروثة في المجتمع المسلم، لأن العرب كانوا ينظرون الى الموالي باستعلاء، فعرض النبي على السيدة زينب الزواج من زيد، فوجئت بهذا العرض ورفضت هذا الزواج وحاول صلى الله عليه وسلم أن يُقنعها وقالت: يا رسول لا أتزوجه أبدا، فنزل قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} فقالت: رضيته لي يا رسول الله؟ قال: (نعم)، قالت: إذن لا أعصي لله ورسوله أمراً، وهكذا تم الزواج، ولكن لم يكن ذلك الزواج ناجحا، فالمودة والسكينة كانت معدومة لأنها لم تنسى أبدا أنها الشريفة وبنت عمة رسول الله، ولم تنسى أن زيد مولى كان رقيقا، فكانت تعامله بجفاء واستعلاء، وربما كانت تؤذيه بلسانها، وتعب زيد كثيراً من جفاء زوجته وصدها وترفعها عليه حتى نفذ صبره، وذهب الى الرسول صلى الله عليه وسلم ليأخذ رأيه في طلاقها فقال له: (أرابك منها شيء؟) فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت الا خيراً، ولكنها تتعظم عليَّ لشرفها وان فيها كبراً، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي: اتقِ الله، وأمسك عليك زوجك، وعاد زيد ليجرب الاحتمال من جديد، ولكنها كانت تزداد نفوراً منه، فعاد الى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه مفارقة زينب، والنبي يقول له في كل مرة: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، النبي كان يعلم ان هذا الترتيب كان من الله، يتزوج زيد من زينب ثم يطلقها ثم يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه كان يخشى من كلام المنافقين، وأن أعدادهم كانت كبيرة في المدينة وهم يتربصون بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا تزوج من زينب فسيقولون: أنه يأمر بعدم زواج الأب من زوجة ابنه، وقد خالف ذلك وتزوج من زوجة ابنه وقد يقولون: أنه أمره بطلاقها حتى يتزوجها.
زواج النبي من زينب: جاء اليوم الذي طلقها زيد، وانقضت ايام عدتها، فنزل قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا}. هذا عاتب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، لخشيته من كلام المنافقين، في شيء قد أباحه الله له، فتزوج النبي من السيدة زينب، فكانت تفتخر على زوجات النبي، أن الله زوجني من فوق سبع سماوات، بقرآن يتلى الى قيام الساعة، فأنا أكرمكنَّ ولياً وسفيرا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحبها، تقول امنا عائشة: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رضي الله عنها صوامة قوامة، وتقول: ما رأيت امرأة خيراً في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة رضي الله عنها وكانت تصنع أشياء بيدها، ثم تبيع هذه الأشياء، لتتصدق بثمنها، وقد قال الرسول لزوجاته أمهات المؤمنين وهو في مرض الموت: (أولكن لحاقاً بي أطولكنَّ يداً) فلما مات النبي كانت زوجات النبي، يقسن من هي اطول الزوجات يدا ليعرفن من هي أولهم لحوقا بالنبي صلى الله عليه وسلم فكن يعتقدن أن أمنا سودة هي أطولهن يداً وأنها هي أول من يموت بعد النبي فكانت السيدة زينب بنت جحش هي أول من مات، فعلمن أن (أطولكن يدًا) كان من حبها للصدقة، في عهد عمر بن الخطاب رتب لزوجات النبي راتب سنويا كبيرا. فلم يحل الحول على أموالها لانها تتصدق بكل هذا المال، وعندما جائت غنائم كثيرة أرسل لها عمر بن الخطاب مئة ألف درهم فوضعت عليه قطعة قماش، وأخذت تأخذ منه وتضعه في صرر وتقول لمن معها: اذهبي بهذا الى بيت فلان ، حتى أنفقته كله، ثم قالت الحمد لله لا أبيت وكل هذا المال في بيتي، وماتت في سنة عشرين هجرية، ودفنت بالبقيع وصلى عليها عمر وخرج في جنازتها كل أمهات المؤمنين.
فرض الحجاب والمستثنيات منه: لم يكن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يحتجبنَّ عن الصحابة وكان هذا يغيض عمر بن الخطاب كثيراً، كان يقول للنبي اكثر من مرة: يا رسول الله بأبي انت وامي يدخل عليك البر والفاجر، فلو حجبت أزواجك فلا يراهنَّ احد فيقول له النبي: (لم يأمرني ربي يا عمر)، كان عمر يوماً في الطريق فرآى سودة زوجة النبي، فقال: يا سودة لقد عرفتك، آهٍ لو أطاعُ فيكنّ ما تركت عيناً تراكنّ، وفي صبيحة زواج النبي بزينب صنع وليمة تكريماً لها لأن الله زوجه أياها من فوق سبع سماوات، ذبح شاة وقال لخادمه أنس: (ادعو أصحابنا للطعام)، قال انس: فأخذت ادعو كل من ألقاه في طريقي فأخذ الناس يأتون افواجاً افواجاً، نضع الطعام فيأكلون ويخرجون، ويأتي افواج يأكلون فيخرجون من شاة واحد أطعم اهل المدينة جميعاً، وبقي طعام فلما انتهى الناس، قال النبي:(ارفعوا طعاكم)، وبقي ثلاث رجال يتكلمون في حجرة النبي التي اتخذها لزينب، وكان النبي شديد الحياء، فقام واخذ يطوف على حجرات أزواجه يسلم عليهن، فانطلق الى حجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله) فقالت: وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت اهلك بارك الله لك؟ فلم يتكلم، وانتقل الى باقي الحجرات كلهن يقول لهن كما قال لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة. حتى رجع الى حجرة زينب فوجد الثلاثة من الرجال قد استرسل بهم الحديث يتكلمون، وزينب جالسة معطية وجهها الى الجدار، وظهرها الى الرجال يعني مستترة، فنظر النبي فيهم وهم يتكلمون فلم يدخل، ثم خرج يطوف على حجرات ازواجه مرة اخرى فلما رجع وجدهم قد خرجوا، قال انس: فوضع رجله اسكفة الباب ورجله الأخرى خارجها وأرخى الستر بيني وبينه، لم يأذن لأنس بالدخول فنزلت ايات عتاب، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا، وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}، { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ، ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، فعز ذلك على ضعاف النفوس فقالوا: سبحان الله أنمنع من الكلام مع بنات عمنا وخالنا؟ فقال احد المنافقين: والله لئن مات محمداً، لأتزوجن عائشة، فأنزل الله تمام الآيات: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا، إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}، فقالت ازواج النبي للنبي: حتى اذا أهلنا فأنزل الله تعالى: {لّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}، هنا فرح عمر بن الخطاب بنزول القرآن مؤيد لرأيه،
عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها. والمستثنى من الخمار قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }، واستثنى الاسلام بذلك الفتاة الصغيرة التي لا تشتهى والمرأة التي لا جمال لها يلفت النظر وكبيرة السن المرأة الذي لا ينظر لها بشهوة ويعتبرها الناس بمقام الام والجدة، وعندما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سألنه كيف تحرم المرأة يا رسول الله، قال: (تحرم بثيابها ولكن تكشف وجهها وكفيها)، قالت عائشة: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ،
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب النِّساء يوم العيد فقال: (تصدَّقن؛ فإنَّ أكثركن حطب جهنم)، فقامت امرأة من سِطة النِّساء سفعاء الخدين، فقالت: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: (لأنكنَّ تكثِرن الشكاية وتكفرن العشير)؛ رواه مسلم. واذا كانت ازواج النبي صلى الله عليه وسلم المحرمات على الصحابة وفي اشرف بيئة على وجه الارض، والوحي امرهنَّ أن يتحجبن بامر من الله، وكلف بها النبي صلى الله عليه وسلم، اولاً ان يعطيها لأزواجه ثم بناته ثم نساء المؤمنين،
الفصل الثاني:
تحريض اليهود:
أصبحت خيبر بعد انتقال بني النضير اليها أكبر تجمع لليهود٠ كانوا يراقبوا الصراع ويتمنوا أن ينتهي الصراع لصالح الكفار ويتم القضاء على الإسلام، ولكن المسلمون بعد أحد اصبحوا قوة، وكل يوم ويكتسبوا أرضا جديدة ويزداد أعدادهم، فقال اليهود الى متى نقف مكتوفي الأيدي؟ يجب أن نتحرك، فقرروا بخبثهم أن يجمعوا كل القبائل العربية لضربة المسلمين ضربة قاضية وقاتلة لا حياة بعدها. فخرج وفد الى قريش وعلى رأسهم حيي بن أخطب اشد الناس عداوة لرسول الله، فوصلوا لمكة وجلسوا مع سادتها، وأخذوا يحرضوهم على غزو المدينة، ويذكروهم بقتلى بدر، وانهم لم يحققوا نصراً في احد، ويقولون: ليتكم قتلتم محمدا واصحابه يوم احد، وأخذ حيي ينفث فيهم سمومه للثأر من جديد ماذا تنتظرون؟ يجيش محمد جيشاً، فيأخذ مكة منكم، قالوا: له ماذا ترى يا حيي؟ قال: أرى أن نكون نحن وأنتم يداً واحدة عليه، فنحزب الأحزاب، ونباغته في مدينته، فقال ابو سفيان: يا حيي أنتم اهل الكتاب الأول، وعلى دين سماوي قال: نعم، قال: اناشدك الله الذي تعبد، والكتاب المقدس الذي تقرأ أديننا خيرٌ ام دينُ محمد؟ فأقسم بالله أن دينكم خير من دين محمد، فتشجعت قريش واطمئنت ان دينهم خير، فأطمئنت قلوبهم لحرب رسول الله. فأجابتهم أننا معكم، ثم توجه وفد خيبر الى قبائل غطفان ودعوهم الى حرب النبي، مقابل أن يعطوهم نصف ثمار خيبر لمدة عامين فاستجاب لهم عدد كبير من بطون غطفان، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري، وكان قد قام بعمل صلح مع رسول الله، عند عودته من بني المصطلق منتصراً، دون أن يدخل بالاسلام، فأعطاه النبي ارضاً يرعى بها حول المدينة، وتسألوا الصحابة لماذا سايره النبي هكذا؟ فقال النبي: (ان هذا الرجل الأحمق المطاع إذا غضب غضب لغضبه ألف سيف دون ان يعرفوا سبب غضبه)، ثم قال النبي: (إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره)، وأخذ وفد خيبر يطوف على كل قبائل العرب الكبيرة، فاستجاب لهم البعض واتفقوا على موعد للتوجه لغزو المدينة، خرجت قريش وحلفائها بقيادة أبو سفيان في اربعة آلاف مقاتل منهم ثلاث مئة فرس، وغطفان في ثلاثة آلاف مقاتل، وباقي القبائل ثلاثة آلاف بأكبر جيش شهدته الجزيرة، والهدف هو استئصال الإسلام وأهله وقتل النبي، تحركت جيوش العرب لغزو المدينة، ووصل خبرهم مبكرا للنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق عمه العباس كان مؤمن سراً ويكتم ايمانه وعين للنبي، فجمع أصحابه وأطلعهم على الأمر فقال: (أشيروا علي؟) فقالوا: الأمر اليوم لله ورسوله ماذا ترى يارسول الله؟ قال: (أرى ان نتحصن في المدينة)، بسبب طبيعتها الجغرافية لأنها تقع بين حرتان، وهي صخور سوداء ملساء حادة مستحيل أن يمشي عليها أي انسان أو دابة، ومن الجنوب مساكن يهود بني قريظة، وبقي لهم مدخل واحد وهو من الشمال، أجمع الصحابة على رأي النبي، هنا تحدث سلمان الفارسي رضي الله عنه: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس، إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، اي نحفر خندق من جهة الشمال، فسُر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الفكرة واستحسنها هو والصحابة وقرروا تنفيذ هذه الفكرة على الفور.
حفر الخندق: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، برأي سلمان الفارسي رضي الله عنه ثم قام يتفحص أرض المدينة وتم اختيار مكان الخندق، وخط صلى الله عليه وسلم مكان الخندق بين الحرتين، وأمر بالبدء في حفر الخندق فورا وحدد مواصفاته، بطول ست كيلوا متر. وعرض ثمانة امتار، بحيث لا تستطيع فرسان العدو عبوره بالقفز، وبعمق اربعة امتار، بحيث اذا سقط فيه أحد لايستطيع أن يخرج منه، ووزع النبي العمل على أصحابه، فجعل من الصحابة مجموعات كل مجموعة عشرة رجال لتحفر عشرين متر، ووضع خط لكل مجموعة، وسيكون العمل صعباً جداً وشاقاً لأسباب عديدة: لضخامته ووقت اتمامه، أرضه صخرية يصعب جدا الحفر فيها، وأدوات الحفر لم تكن تكفي، وكان العمل باليد والمعول والمكتل والمسحاة، الموسم كان شتاء والبرد كان قارصاً، والسنة كانت مجدبة، والمدينة تعاني من نقص شديد في المواد الغذائية، وبدأ الصحابة يعملون، والنبي معهم يعمل يحفر كأي واحد منهم، فكانوا يعملون في النهار لمدة ستة عشر ساعة، ولا يسمح لأحد بالإنصراف إلا بإذن النبي، وكلما قال له الصحابة: عنك يا رسول الله فيقول: (إنما انا رجل منكم)، فكان يضرب بالمعول ويحمل بالمكتل ويملئ التراب بالمسحاة حتى ان التراب ليستر جسده عنهم وهكذا كان الحفر فأتموا هذه المهمة في ستة ايام ولياليها فقط، فكانت تمر الأيام والصحابة يعملون ولا يجدون ما يأكلونه، فحفروه من الحرة الى الحرة كما خطط، عندما وزع النبي المجموعات، قال سلمان الفرسي رضي الله عنه: هل تأذن لي يا رسول الله أن أخذ حصة عشرة، فإنه طبيعة عملي واعرفه، فلقد حفرنا كثيراً في مدائن فارس، فلما نظر الصحابة ان سلمان اخذ حصة عشرة رجال لوحده، فقال الأنصار: سلمان منا فقال المهاجرون: لا سلمان منا معشر المهاجرين وهكذا ارتفعت اصوات المنافسة بين مهاجرين وانصار، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ورفع كلتا يديه بينهم وهو يقول: (لا عليكم، لا عليكم، لا عليكم سلمان منا أهل البيت) النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، لولا أذن من الله ما قالها النبي صلى الله عليه وسلم سلمان منا اهل البيت، وتبت يدا أبي لهب ما الذي أسقط هذا، ورفع ذاك إنها التقوى التي نحن بحاجة لها اليوم غزوة الأحزاب او الخندق فهي أعظم درس بالسيرة للمسلمين اليوم.
احداث وقعت خلال الحفر:
-عُرضت لسلمان صخرة في حصته في الحفر فكسرت حديدهُ، وأعيت قواه فأسنتصر بعمر بن الخطاب قال: يا عمر أعني على هذه الصخرة، فنزل عمر للصخرة فكسرت حديده وأعيت قواه فقال: لا بد لنا أن نخبر رسول الله عنها، فجاء عمر قال: يا رسول الله عُرضت لسلمان صخرة، كسرت حديدنا وأعيت قِوانا فقال النبي: (أنا نازل لها إن شاء الله) وعندما همَّ أن ينزل بالخندق رفع إزاره وإذا به قد ربط على بطنه حجر من شدة الجوع ليسند ظهره ليقوى على العمل، فرآه الصحابة صلى الله عليه وسلم بهذا المنظر، فهذا درس بالصبر على الجوع لإنه أسوة للكل ثم قفز وقال: (إليَّ بالمعول) وقال: (بسم الله، الله اكبر)، وضرب ضربة فأبرقت برقةً، اضأت ما بين الحرتين، فكبر النبي وكبر الصحابة خلفه ثم ضرب أخرى فأبرقت مثلها فكبر وكبر أصحابه خلفه، ثم ضرب فأبرقت فكبر وكبروا فأنهالت الصخرة كالكثيب، فقال لهم: (دونكم وصخرتكم)، قالوا: يا رسول الله أبرقت ثلاثاً ، فكبرت فما سر ذلك؟ قال: (عندما برقت لي المرة الأولى أضيئت لي القصور الحمر من ارض الروم، واخبرني جبريل انكم ظاهرون عليها وتنفق كنوزها في سبيل الله، وعندما أبرقت المرة الثانية أضيئت لي قصور كسرى، وإني رأيت قصوره كأنها أنياب الفيلة، ثم ألتفت الى سلمان قال: يا سلمان أليس فيها كذا وكذا وكذا؟)، قال: والذي بعثه بالحق أخذ يصف لي قصور كسرى وكأنه يعيش فيها، وكلما قال وصف اقول: أشهد أنك رسول الله قال: (والذي نفسي بيده يا سلمان، لتفتحنا قصور كسرى وقصور قيصر ، فلا قيصر بعده ، ولا كسرى، ولتنفق كنوزهما كلها في سبيل الله، ولكن هذا يكون بعدي يا سلمان)، قال سلمان: والذي بعثه بالحق لقد رأيت هذا كله، وكان سلمان هو امير المدائن في خلافة عمر بن الخطاب، قال: (وفي الثالثة عندما أبرقت اضأت لي ارض عدن والله إني لأنظر أبواب صنعاء من مكاني هذا)، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل كله يصلي ويدعو الله.
-رأى جابر بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع فلم يحتمل، فاستأذن النبي أن يذهب الى بيته، قال: يارسول الله ائذن لي الى البيت فأذن له، فذهب الى زوجته وقال لها: يا ام عبد الله رأيت بالنبي شيئاً لا أصبر عليه، يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، كيف يجوع رسول الله بيننا، فهل عندك طعام الليلة؟ قالت: حفنة من شعير وشويهة، فقام فذبح الشاة، وطحنا الشعير، ووضعا اللحم في البرمة حتى قرب أن ينضج، فقام جابر ليدعو رسول الله، فقالت زوجته: يا جابر لا تفضحني مع الناس فليس عندنا ما نطعم احد إلا رسول الله وان كان معه، نفر من أصحابه قال: لا عليك أصنعي ما قلت يقول: فذهبت الى رسول الله، وخلوت به وقلت: يارسول الله بأبي أنت وأمي، رأيت الجوع في وجهك وإن عندنا طُعيم نريد أن نقدمه لك، أن تحضر عندنا يا رسول الله انت و رجلان معك أو ثلاثة، فقال النبي: (وكم هو طعامك يا جابر؟) فقلت: شويهة وحفنة شعير، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما شاء الله، كثيرٌ طيب) ثم نادى النبي بأعلى صوته وقال: (يا بلال، اصرخ في اهل الخندق، أن حيهلا، فقد صنع لكم جابر سؤرا) فضحك سلمان وقال: فداك أبي وأمي يارسول الله، من اعلمك بكلمة سؤر؟ قال:(أليست هي لغتكم في فارس، إذا كان عندكم وليمة عظيمة قلتم عنها سؤرا) قال: أجل والذي بعثك بالحق فقال له النبي: (وإن الخندق خندق سلمان) فقام الجيش كله، وارتبك جابر، قال جابر: فدارت بي الارض حيرةً، وخجلاً، فلا أستطيع أن ارد قول الرسول، ولا أدري ما اقول للناس؟ وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلي وشبك يده بيدي وهو يقول: (كم طعامكم يا جابر؟) وأقول له شويهة وحفنة شعير فيقول: (كثير طيب، كثير طيب)، حتى اذا دنى من المدينة قال: (انطلق يا جابر فأخبر زوجتك لا تخبز عجينها، ولا تنزل برمتها عن لنار حتى أحضر)، ذهب الى زوجته مسرعا، فلما دخل قالت له: هل حضر رسول الله ولبى دعوتك؟ فقال لها وقد تغير لونه: نعم نعم ومعه أهل الخندق جميعاً، فصاحت في جابر وقالت: ويحك بك وبك ماذا سنطعم الناس الليلة؟هل انت دعوتهم ام رسول الله؟ قال: إنما رسول الله دعاهم، وجاء بأهل الخندق جميعا مهاجرين وأنصار، قالت له: هل سألك، وأعلمته أن الطعام لا يكفي الا رجل أو رجلين؟ فقال: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، لا عليك إن لرسول الله شأن الليلة، قال: فلما قالت ذلك، كشفت عني غماً شديداً اطمئننا، فلما وصلوا جلسوا بين النخيل، ثم دخل صلى الله عليه وسلم على جابر قال: (أين طعامكم؟) قالا: هذا هو يا رسول الله، فوضع العجين وقال بيديه هكذا وهكذا، ثم قرأ من القران ما شاء له الله ان يقرأ ثم نفث فيه، ثم رد العجين على بعضه وستره قال: (أين برمتكم؟) قالا: ها هي على النار فكشفها وصنع فيها ما صنع للعجين ثم سترها، ثم اخذ يقطع العجين، ويقول: (يا ام عبد الله، اخبزي واستري ما تخبزي فما زال يقطع ويرمي لها، وهي تخبز ويقطع ويرمي، قال: والذي بعثه بالحق نبياً، حتى أصبحت دارنا تل من الخبز، ثم قال: إلينا بالأدوات، واستعيروا من جيرانكم، ثم قام وقال لاصحابه: (لا تطاغطوا عشرة فعشرة)، فجاؤوا له بالأدوات، واخذ يكسر من الخبز، ويضع عليه المرق، واللحم يفته ويدفعه اليهم ويقول: (كلوا واشبعوا لا عليكم كثير طيب، كثيرٌ طيب)، ومضوا يأكلون سائر الليل حتى شبعوا وانصرفوا منتصف الليل، حتى قال: (هل بقي من احد؟) قلت: لا يارسول الله انصرفوا جميعاً، فجلس صلى الله عليه وسلم واكل هو آخرهم، ثم ألتفت لزوجة جابر وقال لها: (كُلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة)، قال جابر: والذي بعثه بالحق نبياً، فإذا عجيننا كما هو وبرمتنا كما هي.
-قال ابو رافع رضي الله عنه: جاء رجل يشكي للنبي صلى الله عليه وسلم الجوع ورفع الثوب عن بطنه، ليُري النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ربط على بطنه الحجر، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم له ثوبه، فإذا بالنبي قد ربط حجرين، قال رافع: فلما رأيت ذلك، فرجعت الى زوجتي وقلت لها: يا امرأة رأيت رسول الله يعصب على بطنه حجرين، وما على ذلك صبر فهل عندكم من طعام؟ قالت: شويهة يا أبا رافع فقلت: أصَّلِيها، فشوتها فأتيتها بمكتل، وأنا اعلم أن رسول الله يحب من الذبيحة ذراعها الايمن، فأبقيت ذراعها اليمنى كما هي، ثم أتيت النبي على انفراد، فقلت: بأبي وامي يارسول الله، لقد رأيت في وجهك الجوع وهذه شاة قد صليتها لك لتأكل منها، فقال لي بصوت مرتفع ومسموع: (يا أبا رافع ناولني الذراع)، فناولته، قال: (فأخذه فقسمه بين أصحابه) ثم قال: (يا أبا رافع ناولني الذراع)، فنظرت في المكتل، فإذا الذراع على وجه اللحم فناولته الذراع فقسمه بين أصحابه ثم قال: (يا أبا رافع ناولني الذراع) فناولته، فقسمه بين أصحابه ثم قال: (يا ابا رافع ناولني الذراع) فناولته، فقسمه بين اصحابه، فلم أطق صبراً فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله وهل للشاة إلا ذراعين؟ فنظر إلي صلى الله عليه وسلم وقال: (يرحمك الله لو سكت ساعة لنا، لناولتنيه ما طلبته)، وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه شاب صغير ينقل التراب فنظر إليه النبي وأبتسم وقال في حقه: (أما إنه نِعمَّ الغلام)، ومن شدة التعب نام زيد فجاء عمارة بن حزم وأخذ سلاحه، فلما قام فزع على سلاحه وأخذ يبحث عنه فقال له رسول الله: (يا بار قد نمت حتى ذهب سلاحك)، ثم ألتفت النبي الى اصحابه وقال: (من له علم بسلاح هذا الغلام؟) فقال عمارة: أنا يا رسول الله وهو عندي، فقال: (رده عليه ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعباً)
الانتهاء من حفر الخندق:
ما زال النبي يحث أصحابه على العمل في الخندق نشَّطهم وشجعهم بأبيات شعر لأبن رواحة رضي الله عنه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: إني لأنظر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل معنا فإذا لم يكن بين يديه مكتل قال: فإذا لم يكن بين يديه مكتل ، يحمل التراب في ثوبه فإنه ليرفع ثوبه حتى وارى التراب بياض بطنه عنا، وهو يرتجز: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخره * فارحم الأنصار والمهاجره)، فيجيبه اصحابه مهاجرين وانصار (نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا) فينشط الناس في العمل، وكانوا إذا بردت همتهم اخذ يتمثل بشعر تمثلا بقول ابن رواحة، (اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا… فأنزلنْ سكينة علينا * وثبت الأقدام إذ لاقينا… والمشركون قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا) فإذا قال أبينا يكررها ثلاثاً ويمد بها صوته بعلو أبينا أبينا أبينا فيجيبه اصحابه أبينا أبينا أبينا. فكانوا يعملون بجد، ولا يفترون وإذا اضطر أحدهم للذهاب استأذن النبي وقضى حاجته بأسرع ما يكون، قال ابو بكر: كان يعمل معنا ويضرب بمعوله، ويأخذ بالمسحاة، ويحمل بالمكتل فإن لم يجد شي يحمل التراب به، حثا التراب بيديه في ثوبه وحمله فأعياه التعب فاتكأ الى صخرة، فأغفا فقلت: يا عمر دونك، نقف عند رأس رسول الله نصد الناس عنه لعله يأخذ قسطاً من الراحة فقمت انا وعمر عند رأسه، نُنحي الناس عن طريقه فلما أفاق قال: (ما هذا؟) فقال: أغفيت يارسول الله قليلاً قال: (هلاَّ أفزعتموني إنما أنا واحد منكم)، وكان بين صفوفهم منافقون فكيف كانت همتهم في العمل بالخندق؟ كانوا يتسللون هرباً من العمل، ويعتذرون بالأعذار الكاذبة والنبي اشد الناس حياءً فنزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لجبر نقص أجره في عمل الخندق حتى لو استأذن؟ وعندما انتهوا من حفر الخندق قال النبي: (هل بقي من شي؟) قالوا: ثلمة من هناك قال: (ارفعوا الحجارة عندها واجعلوه ترساً، واحرصوا على تلك الثغرة فإني أرى عدوكم الليلة) وقام يصلي في خيمته وكلما أحس بخطر يخرج من خيمته ويقول بصوت عالي: (من هناك؟) فيقول سعد: خادمك سعد بن أبي وقاص يقول: (من معك؟) يقول: الزبير يقول: (دونكم تلك الثلمة، فلا أرى إلا قريش تطوف بها)، قال: فأنطلقنا فإذا قريش قد وصلت إليها ووصلت قريش فلما رأوا الخندق ذهلوا، وقالوا ماهذه المكيدة، لم تكن العرب تعرفها فقال اليهودي: قيل لي أن في اصحابه رجل فارسي، فهذا من مكيدته لعله هو الذي أشار عليهم فطافوا بالخندق لا يمكن اقتحامه؟ وأخذوا يفكرون ويتشاورون، ولا يمكن لهم الدخول من الحرتين.
محاولة اختراق الخندق:
وصل جيش الأحزاب للمدينة المنورة، وذهلوا عندما راوا الخندق، فلا يستطيع أحد اذا سقط فيه أن يخرج منه، وجعل المسلمون مخلفات الحفر ناحية المدينة، فشكلت ساترا يمكن للمسلمين الإختباء خلفه، ورمي العدو بالسهام، وتوزع المجاهدون أمام الخندق، ووقف جيش الأحزاب خلف الخندق وعدده عشرة آلاف مقاتل، فقال أبو سفيان: هذه حيلة لم تعرفها العرب، وقال حيي سيد يهود: سمعت أن بين أصحاب محمد رجل فارسي، وهذه مكيدته وأظن هو الذي أشار عليهم بحفر الخندق، وشاهد المسلمون هذا الجيش الضخم وقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، فأنزل الله قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}، وكان مقر النبي عند جبل سلع، وأمر النبي أن تكون النساء والأطفال داخل الحصون، أخذ فرسان المشركين يدورون حول الخندق غضبا، يحاولون أن يجدوا نقطة ضعف، والمسلمون يرمونهم بالسهام حتى لا يقتربوا من الخندق أو أن يحاولوا أن يردموا جزء منه ليعبروا عليه، وبدأت مناوشات بين الطرفين، فعز على قريش أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الخندق فأخذوا يستفزون بعضهم بعضاً، فجالوا بخيلهم اقبالاً وادباراً حتى حمسوها، فأقتحم الخندق من أضيق مكان فيه ثلاثة رجال عكرمة بن أبي جهل ورجل من ربيعة وعمرو بن ود الملقب بفارس العرب، وكان قد حرم على نفسه منذ يوم بدر الدهن حتى يأخذ بثأره من المسلمين، وأقسم لن يرجع إلا منتصراً او محمولاً وقد اشرف عمره على تسعين عاما. فأصبح بين الخندق وجبل سلع ونادى عمرو بن ود من للمبارزة يا أصحاب محمد؟ أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها؟ هل فيكم من أرسله إلى الجنة، أو يدفعني إلى النار؟ فوثب له علي، وقال: أنا له يا رسول الله وقال: (نعم وعلى بركة الله) ثم اخذ النبي سيفه عن جنبه واعطاه لعلي وقال: (هذا سيف محمد رسول الله) ثم اخذ قطعة قماش وجدلها على رأس علي وقال: (قم على بركة الله، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته) ثم قال: (تقدم يا علي) فانطلق وهو يقول شعرا:
[ لا تعجلنَّ فقد أتاك // مجيبُ صوتكَ غير عاجزْ ,,, ذُو نية وَبصيرة // والصدقُ مُنجي كلّ فائز ,,, إنّي لأرجو أن أُقيمَ // عليكَ نائحة الجنائزْ … مِنْ ضَرْبَة نَجلاء يَبقى // ذكرُها عِندَ الهَزاهِزْ ].
لما سمع النبي شعر علي قال: (قام الإيمان كله، الى الكفر كله)، ومشى إليه علي على قدميه لم يركب فرس وهو على فرسه يجول ويصول، فقال له: يا عمرو إنك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى اثنتين، إلا اخترت خيرهما وإني مخيرك بين ثلاث؛ فإني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، وتسلم لرب العالمين، فقال: يا ابن أخي أخر عني هذه، فقال علي: أما أنها خير لك لو أخذتها،أما الثانية ترجع إلى بلادك، وتحمل قومك على العودة، وتدع محمدا فإنه رجل منكم وعزه عزكم وشأنه شأنكم فإن يك محمد صادقا كنت أسعد الناس به، وإن يك غير ذلك كان الذي تريد، فقال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً، ثم قال علي: فالثالثة أدعوك إلى البراز، فقال: فمن أنت يا ابن اخي؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا فتى إن أباك كان وداً لي، وإني اكره ان اهرق دمك وإن من أعمامك من هو أسنّ منك فأرجع من حيث أتيت وليبرز لي غيرك وإني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديماً، فردَّ علي: أما انا فإني أبغض الكفر فيك، وإن أحب شيء الى قلبي اليوم أن أهرق دمك، فأستفزه وثار وغضب غضباً شديداً فجال بالفرس جولتين ثم أسرع وسل سيفه كأنه شعلة نار وأقبل مهاجماً، ورفع السيف فوق علي يريد أن يضربه فتلقاها علي بالترس، فعلق سيف عمرو في ترس علي فضربه علي ضربةً واحدة فإذا هو قتيل فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبر الصحابة وعلا صوتهم بالتكبير، عندما رأى الذين اقتحموا الخندق أسرعا بالفرار، فلحقه الزبير وأدركه عند حافة الخندق فضربه بالسيف من على عاتقه فقسمه نصفين حتى وصل السيف الى ظهر الفرس فأتمها الى نصفين فقال الصحابة: ياله من سيف قال لهم: بل قولوا يالها من ساعد، والله ماكان السيف إنما هو ساعد أستعان بالله عليه، فأقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل فقال له الصحابة: هلاّ سلبته يا علي درعه، فإنه ليس في العرب درع مثلها؟ فأطرق رأسه وقال: عندما ضربته يا رسول الله وسقط على الارض استقبلني بسوءته فأستحييت أن انظر إليه، وكان عكرمة بن ابي جهل قد ألقى السيف والرمح من يده وهرب بشكل جنوني، فقام حسان بن ثابت يهجو عكرمة فقال: [فَرَّ وَأَلقى لَنا رُمحَهُ // لَعَلَّكَ عِكرِمَ لَم تَفعَلِ ,, وَوَلَّيتَ تَعدو كَعَدوِ الظَليمِ // ما إِن تَجورُ عَنِ المَعدِلِ ,,, وَلَم تُلقِ ظَهرَكَ مُستَأنِساً // كَأَنَّ قَفاكَ قَفا فُرعُلِ]. فتأثر عكرمة واشتعل غضباً من هذا الشعر.
بني قريضة ينقضون العهد:
قال ابو سفيان: هذا يوم ليس لنا به نصيب امطروهم نبالكم، فأخذوا يتراشقون النبال، واخذ الصحابة يردوا عليهم بالنبل حتى شغلوهم عن صلاة الظهر والعصر والمغرب غابت الشمس، ولم يصلوا وهم ثابتين مكانهم، فأمر النبي بلالا ان يؤذن ثم اقام فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم اقام فصلى العصر ركعتين، ثم اقام فصلى المغرب، وكان قد دخل العشاء فقام وصلى بهم العشاء اربع ركعات في وقت واحد، ثم قال: (لقد شغلونا عن صلاة الوسطى ملأ الله قبورهم ناراً)، لمن ختم له بالكفر استحق ذلك. وحاصروا المدينة ثمانية عشر يوما وكانت صعبة على المشركين جداً لأنهم جاؤا وهم غير مستعدون لفرض الحصار لمدة طويلة، فليس لديهم مؤن تكفي، ولكن استمرت المناوشات، والطقس كان بارداً جداً، ولا يوجد ربيع ترعاه الإبل ولا الخيل، فلقد ظنت أنها جولة يوم أو يومين وينتهي الأمر وأقامت في شر مقام واحتاروا في أمرهم فلا مجال لأقتحام الخندق، فلما رأى حيي بن اخطب أن لا فرصة ولا مجال لتحقيق هذه الحملة من الاحزاب إلا اخوته من يهود بني قريظة اجتمع مع زعماء الأحزاب، وطمئنهم أنه سيحل مشكلة الخندق، وأن يجعل الخندق مقبرة للمسلمين بدل ان كان حصناً لهم قالوا: كيف ذلك؟ قال: إخواننا من بني قريظة يفتحوا لنا أبواب حصونهم، وأنا سأقنعهم بذلك، فأعجبوا بفكرته فأستأذنهم وانطلق الى كعب سيد بني قريظة، وكان قد اغلق ابواب الحصون والتزم بالمعاهدة لما جاءت الاحزاب، فلما سمع كعب بقدوم حيي رفض أن يستقبله ويفتح له الباب، فناداه حيي: ويحك يا كعب افتح لي اكلمك، فأطل عليه كعب من نافذة الحصن وقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم ماذا تريد؟ ألا تذكر ما فعلت بقومك؟ وإني قد عاهدت محمداً، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أرى منه إلا وفاء وصدقا قال: دعني أدخل وأكلمك، قال: لا تكلمني ولا اكلمك، فصاح حيي: والله إنك يا كعب ما أغلقت بابك دوني إلا خوفاً على جشيشتك أن آكل معك منها، فغضب كعب وقال: ويحك افتحوا له الباب قال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، وجئتك بغطفان حتى أنزلتهم بذنب نقمى، وهذا غير الأحابيش والأعراب، وعاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، ثم أنت تغلق الابواب في وجهي؟ فقال: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هرق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك دعني وما أنا عليه إني على عهدٍ مع الرجل ولم أرى إلا وفاءً وصدقا. فلم يزل معه حتى وافقه ونقض عهده مع رسول الله، قال كعب: ولكن إن انهزمت الأحزاب يا حيي؟ قال: أعاهدك يا كعب لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فوقف حبرهم يعظهم ويذكرهم، ويقول: اقسم بربِ موسى وعيسى إنكم لتعلمون أنه النبي المنتظر، ومن يحارب نبي الله يخذل، إن لم تنصروا فدعوه هو وعدوه ولا تنقضوا عهدكم معه، ولكنهم لم يسمعوا له وقال: اجمع قومك يا حيي، وحددوا يوماً لكي افتح لكم ابواب الحصن.
زلزلة المؤمنين:
وصل الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم، بغدر بني قريظة وهذا تحول خطير جداً في المعركة لصالح الأحزاب، فبعث الزبير بن العوام، ليستطلع له الخبر، فوجدهم يرممون حصونهم، أستعداداً للحرب فعاد مسرعاً وأخبره بذلك، فأراد النبي أن يتأكد من ذلك فأرسل إليهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبدالله بن رواحة وقال لهم: (انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم، فتنظروا أحقاً ما بلغنا عنهم ام انها شائعة، إن كانت شائعة فاجهروا بها على الناس حتى يطمئنوا، وإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس)، أنطلقوا، فلما رأوهم اغلقوا في وجههم أبواب حصونهم فنادهم سعد بن معاذ من وراء الحصون: يا كعب فأطل قال له سعد: ألا تفتح لنا؟قال: ماذا تريدون؟ نحن في حرب، قال سعد: بلغنا عنكم امراً، فجئنا إليكم نستوثق قال: وما بلغكم عنا؟ قال: بلغنا أنكم نقضتم عهدكم مع رسول الله قالوا: من رسول الله هذا؟ قال: ويحك محمد رسول الله قال: ومن قال لك ان محمداً رسول الله؟ ثم من محمد هذا نحن لا نعرفه؟وليس بيننا وبينه عهداً ولا ميثاق، فغضب سعد وثار فشاتمهم، وشاتموه، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم الذي بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، قال سعد وهو مغضب: لا والله لا أنصرف عنهم حتى اسمعهم ما يرضي الله ورسوله، قال سعد: يا اخوة القردة والخنازير، إني لأرجو الله أن يهزم الأحزاب وحده، فينقلبوا بغيظهم فلا ينالوا خيرا، ثم نأتيكم ونحاصركم في جحوركم هذه، فتنزلوا على حكمنا، ثم انصرفوا الى رسول الله وقالوا له: عضل والقارة، فعلم النبي أنه الغدر فاغتم لهذا الخبر حتى أنه غطى رأسه بالثوب ولم يكلم احداً، فاضطجع ومكث طويلاً ،فلم يكلم احد فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وبرغم هذه المحاولات من الرسول لعدم انتشار هذا الخبر لكنه انتشر، فكان من أشد الإبتلاءات التي مر بها المسلمون، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم رفع رأسه وقال: (أبشروا بفتح الله ونصره)، ليتوجهوا بقلوبهم بصدق الى الله وهو الذي يقول: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} مادام الآن انقطعت جميع الأسباب، إذن (فأبشروا بفتح الله ونصره) وهذه سنة الله، قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}، والآن هم في حالة كرب وغم، فجاءت طائفة تستأذن الرسول، يقولون بيوتنا عورة، وقريبة من قريظة، ونخشى على النساء والذرية، فهل تأذن لنا نحمي بيوتنا، ونصد عنكم ما استطعنا من بني قريظة، فصدقهم وكاد أن يأذن لهم بالذهاب، فدخل سعد بن معاذ على غير موعد، فوجدهم يستأذنون والنبي يريد ان يأذن لهم، قال: ما شأنهم يا رسول الله قال:(يريدون ان يستأذنون فإن بيوتهم عورة ليحموا النساء والذرية) فقال سعد: لا والذي بعثك بالحق ماهي بعورة إن يريدون إلا فرارا، هذه عادتهم معنا دائماً يا رسول الله، ما دهمنا أمر إلا خذلونا واستأذنوا، فلا تأذن لهم يا رسول الله، فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم، والنبي كان قد أمر أن تجلس النساء والاطفال فوق الحصون، اما الآن وقد نقضت عهدها اليهود لم يعد هنالك آمان، فممكن اليهود أن يدخلوا ويقتلوا النساء والذرية وينهبوا البيوت فأضطرب الصحابة واصبحت قلوبهم ليست معهم، بل عند اولادهم ونسائهم وصدق الله، فقد زلزل المؤمنون {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً} هذه الزلزلة جعلت الصحابة يفاوضون النبي: يارسول الله ألا نرسل منا من يحفظ النساء والذرية؟ قال: (أجل نرسل كل ليلة طائفة يظهرون التكبير ويطوفون ببيوتنا، فتسمع بهم بني قريظة فيعلمون أننا لم نترك نساءنا من غير رجال وحرس، ويعودون إلينا بالنهار وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم الى ربه في كشف هذه الغمة، ولا يعرفون في اي يوم اتفقت يهود مع الاحزاب على نقطة الصفر ليفتحوا لهم ابواب حصونهم؟ ونزل القران يفضح المنافقين، كما نطق سعد بن معاذ، وما قال كلمة يوم الخندق إلا نزل القرآن بعدها بنفس النص الذي نطق به سعد، وما دعى دعوة يومها إلا استجيب له كما أراد، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه،
احداث في وقت الحصار:
أرسل اليهود عيونهم الى داخل المدينة، وأخذوا يطوفون بالحصون التي بها النساء والأطفال والشيوخ، ليختبروا امكانية مهاجمة هذه الحصون، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مجموعات تطوف حول بيوت المدينة ليلاً حرسا، ويجهرون بالتكبير، فجاء الى النبي شاب من الانصار وقال: هل تأذن لي يا رسول الله، أن أذهب مع من يطفون ويكبرون فأذن له النبي وقال: (خذ سلاحك)، فأخذ رمحه وسيفه فلما كان في وسط المدينة قال لأمير المجموعة زيد بن حارثة: هل تأذن لي أن آتي بيتي، فأنا حديث عهد بعرس قال: نأذن لك ولكن لا تُطّل، دخل لداره ووجد زوجته العروس قائمة بين البابين فظن فيها السوء، فوراً رفع الرمح يريد ان يضربها فقالت: لا تعجل أدخل وانظر ماذا يوجد في دارك؟ فإذا هي حية كبيرة مكعكة جالسة على فراشه، فغرز الرمح في رأس الحية، واخرجها الى الحوش ووضع الرمح الذي فيه الحية على جدار الدار فأضطربت الحية في رأس الرمح، تقول زوجته: وسقط زوجها الى الارض ميتا فوراً فوالله ما أدري أيهما اسرع موتاً هو أم الحية؟ فصاحت فسمع زيد الصوت فرجع مسرعاً مع رجاله قال: ما الأمر؟ فقصت عليهم ما حدث فقالوا: لا حول ولا قوة الا بالله فأخذوا يقلبوه، فوجدوه ميت ولم يجدوا به أثر لدغة وليس به شيء فوضعوه على فراشه وتركوا رجل يحرس باب الدار ،ثم رجعوا واخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث، فقال: (إن في المدينة جن اسلموا فإذا بدا لأحدكم شيئاً من ذلك، فليأذنه ثلاث فإن لم يمضي فأعلم انه شيطان فأقتله). ولكن كان هذا الشاب قد قتل جني مسلم فأخذ اهله بثأره فوراً فقتلوا الشاب، وانظروا مشيئة الله إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، أرسل النبي عشرين رجلا من اصحابه ومنهم رجال من ذوي المتوفى ليدفنوه، فحملوه فسلكوا به من وادي العقيق فكان في ذلك الوقت ابو سفيان قد اشتكى لحيي بن اخطب انه قد نقصت المؤنة من جيش قريش فقال: يا حيي نفذت علائفنا ونقصت مؤونتنا، وهلكت الخف والكراع فهل لدى بني قريظة من علف وقوت قال له: نعم ثم ذهب وكلم سيد بني قريظة فقال: المال مالك فأرسل ابو سفيان عشرين ناقة، لتحمل لهم الطعام والعلف من بني قريظة فلما حُمَّلت تماماً، وانطلقوا وتوجهوا يريدون الخندق من الخارج كان لا بد لهم أن يمروا من وادي العقيق فكان الصحابة يحملون جثة هذا الشاب ليدفنوه وكان الوقت نهارا، فألتقوا بقافلة المشركين فأقتتل المسلمون معهم فهزموهم واخذوا القافلة بكل ما فيها، وكان اهل المدينة في جوع وعسر شديد، سبحانك ربي ما أعظمك وما أجملك، أراد أن يطعمهم الله، ثم رجعوا بعد ان دفنوه الى النبي صلى الله عليه وسلم واذا معهم عشرون جمل محمل قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ماهذه؟قالوا: غنمناها من رجال قريش، ارسلت بها قريظة الى قريش ولما وصل الخبر لأبي سفيان قال: ان حيي لرجل مشؤوم، فسروا بهذه الغنيمة وفرَّجت عنهم بعض الكرب ولكن ما زال الصحابة مكتئبون لأنهم على اعصابهم، لا يعلمون متى ستفتح قريظة للأحزاب ابواب الحصون.
اسلام نعيم بن مسعود:
في صباح الاربعاء، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفكك هذا التحالف، ففكر أن يعرض ثلث ثمار المدينة على قبائل غطفان في سبيل أن تنسحب وتترك حصار المدينة، وكان واثقا انها ستوافق وينسحبوا وسيسهل الإنتصار على من تبقى، فأرسل النبي الى سيدهم عيينة بن حصن، فجاء ومعه بعض الرجال، فأدخله النبي خيمته وعرض عليه الأمر، فوافق فقال النبي: (اجلس على ما انت عليه، حتى نستأذن السعدين) فأرسل إليهما فلما حضرا وكان عيينة جالساً، وقد مد رجليه في حضرة النبي، فدخل سعد بن معاذ متوشحاً سيفه فلما رأى ذلك، وقبل ان يعلم ما الخبر نظر إليه وصرخ به وقال: يا عين الهجرس، أتمد رجليك في حضرة النبي؟ والله لولا أنك في مجلسه، وفي خيمته لأنفذت خصيتيك بهذا الرمح وصرخ في وجهه: أقبض رجليك، فقبض رجليه، ثم اخفض سعد رأسه وألتفت الى النبي بكل أدب وهدوء، وقال: سمعاً وطاعةً يارسول الله، أرسلت في طلبنا، فأخبرهما بالذي تفاوض به مع عيينة وقال: (مارأيكما؟) فقال سعد بن معاذ بكل أدب: يا رسول الله، إذا كان هذا أمر من السماء قد أمرك الله به، فليس لنا من الأمر شيئاً امضي على بركة الله، وإن كان هذا الأمر تحبه وترضى فيه وترى فيه خيرا، فنحن طوع أمرك، أم إن كان شيء تصنعه لنا؟ فلنا فيه رأي، فقال النبي: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم) فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة، إلا قرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ أنعطيهم الدنية في ديننا؟ لا والذي بعثك بالحق، لا نعطيهم إلا حد السيف فليجهدوا علينا ما استطاعوا، ما لنا بهذا من حاجة، فتهلل وجه النبي كأنه القمر وسُر بكلام سعد وأقره، وعلم أن الأنصار هم الأنصار، لم تهزهم هذا الاحداث كلها، ثم انصرف عيينة خائباً لم ينل خيراً، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي يخالف رأيه، وهذه هي مكانة الشورى في الاسلام ولم يكن هذا الراي رايا عنتريا غير مدروس، ولكن كان نظرة استراتيجية صائبة تماما وسيكون له تداعيات سلبية وخطيرة جدا في المستقبل، بأن غطفان قد حققت انتصارا على المسلمين،وبذلك تهتز صورة المسلمين أمام الجزيرة كلها وسيفتح باب الإبتزاز المستمر للمدينة، فكلما أرادوا مال جاءوا وحاصروا المدينة خاصة أن قبائل غطفان من المرتزقة الذين يعيشون على قطع الطرق، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة يوم الاربعاء لصلاة الظهر فجمعهم للصلاة، فصلى بهم وطمئنهم وقال لهم: (يا ايها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإن لقيتم العدو فأصبروا واعلموا، أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم بسط كفيه للسماء، يدعو الله: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب إهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم) فقال له بعض اصحابه: يا رسول الله قد بلغت منا القلوب الحناجر، فهل من شيء نقوله حتى تطمئن القلوب؟ قال النبي: (نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا) وفي مغرب هذا اليوم، وفي ذلك الموقف العصيب جدا، والذي يعتبر من أحرج لحظات الدولة الإسلامية، حدث أمر غير متوقع على الإطلاق، وهو اسلام نعيم بن مسعود، وهو أمر غير متوقع في ذلك الوقت بالتحديد، لأن نعيم بن مسعود من قبيلة غطفان، وذلك لموقف وصدق الانصار في موقفهم من خلال سيدهم سعد بن معاذ، صدقوا مع الله ورسوله وتوجهوا بقلوبهم مضطرين الى الله، فأسلم وجاء قبل الغروب وقد خرج مطروداً من سعد بن معاذ وهو في خيمة النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح ليكون له دور كبير جدا في رفع الحصار عن المسلمين.
الحرب خدعه:
جاء نعيم بن مسعود الى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأستأذن فاذن له واجلسه في خيمته، وقال: (ماذا وراءك يا نعيم؟) قال: يا رسول الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، قال النبي: (انما أنت رجل واحد، ولكن خذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة)، قال: يارسول الله، إني أحتاج ان اقول فهل تأذن لي؟ قال النبي: (قل ما شئت، فإن الحرب خدعة) فأعطاه أول الخيط وفتح له الباب الى الإبداع، وبالفعل قام بخدعة عجيبة لم تخطر على بال أحد من الصحابة، خرج من عند النبي ميمما وجهه نحو بني قريظة وكان معروفا لديهم وصديق حميم لسيد بني قريظة كعب ولحيي بن اخطب، فدخل عليهما فرحبا به، فقال: يا كعب ويا حيي قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالا: أجل، صدقت، فقال: إني ناصحاً لكم، فإن قريشاً قد ملت المقام وقد تشائم ابو سفيان من استيلاء أصحاب محمد على القافلة، وان هذا الرجل لا يؤمن جانبه هل نسيتم ما صنع بأخوانكم من بني النضير وقينقاع، وقريش ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم قالوا: والله قد فتحت أذهاننا، وما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يُعطوكم رهائن قالوا: كيف؟ قال: خذوا من سادة قريش وغطفان سبعين رجلا من اشرافهم يدخلوا معكم في الحصن، فلا يستطيع القوم ان يرجعوا بلادهم، وسادتهم واشرافهم، في حصنكم فأياكم ان تقاتلوا محمد، إلا واشراف قريش عندكم في الحصن قالوا: لقد أشرت بالرأي، قال: ولكن اكتموا عني، قالوا: نفعل ثم ذهب إلى جيش الأحزاب في نفس الليلة واجتمع مع سادة قريش وقال: يا ابا سفيان، تعلمون ودي لكم ونُصحي لكم أحدثكم حديثا وتكتموا عني قالوا: نعم نفعل، ما أنت عندنا بمتهم ماذا عندك يا نعيم؟ قال: كنت عند بني قريظة، وسمعت منهم حديث ما سرني، فما أحببت أن أبيته ليلة، حتى يكون بين يديكم فإن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم قالوا: اجل قد أشرت بالرأي ثم ذهب إلى غطفان وقال لهم ما قاله لقريش، وهكذا شعرتا بالقلق، فأرسلوا رسالةً الى اليهود وقالوا: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فأرسل بنو قريظة رد لهم إنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن فقالت قريش وغطفان صدقكم والله نعيم فبعثوا إلى اليهود: إنا لا نُرسل إليكم أحداً فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدًا فقال اليهود: صدقكم والله نعيم فدبت الفرقة بين الفريقين، وهكذا استطاع نعيم بن مسعود رضي الله عنه وارضاه بحيلته أن يقضي على هذا التحالف الخطير الذي كان بينهما.
قرار انسحاب الاحزاب:
بعد ان وقع الخلاف بينهما على يد نعيم بن مسعود رضي الله عنه، وقبل انسحاب الأحزاب بيوم أشتدت قريش على خيمة النبي بنبالها تحاول أن تحقق هدفها وهو قتل النبي فأحاط الصحابة بخيمته صلى الله عليه وسلم، إحاطة السوار بالمعصم، يصدون السهام والنبال، فأقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه وعليه درع مقلصة، ومر مسرعاً من أمام مكان مرتفع قد تجمع فيه النساء، وكانت امه والسيدة عائشة من ضمن هذه النساء ينظرون الى ماذا يجري حول خيمة النبي، وفي يده رمح ويجري مسرعاً لخيمة النبي فقالت له أمه: أي بني تعجل فلقد تأخرت عن رسول الله تقول السيدة عائشة: فما سرني درعه التي يلبس، فإنها غير سابغة قد بانت منها ذراعيه فقلت: يا ام سعد، وددت لو أن درع سعد أسبغ فإني أخشى عليه، فقالت امه: ليقضي الله ماهو قاضٍ، فأقبل سعد ووقف بباب الخيمة يصد السهام فجاء سهم وصاحبها ينادي خذها وانا ابن القمئة فنزل السهم في اكحل سعد الايسر فنفر الدم وسمع النبي بأصابة سعد، قال النبي: (ابن قمئة؟ اقمئه الله في نار جهنم)، فوضع سعد يده اليمنى على مكان الجرح، والدم ينزف بشدة ثم رفع طرفه للسماء يناجي ربه وقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً، فأبقني لها ما بقيت، فإنه لا شيء أحب إلي من ان أجالد قوماً كذبوا نبيك واخرجوه، وإن كان قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فأجعله طريقي الى الجنة ولا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فما ان انتهى سعد بن معاذ رضي الله عنه من دعائه إلا وقد انقطع الدم، وأمر النبي أن يمرض في خيمة قريبة من مسجده، مضى النهار وانصرف المشركون عن خيمة النبي، فأرسل الله على معسكر الكفار ريحا شديدة باردة قاسية البرودة فقلبت قدورهم، وأطفئت نيرانهم، واقتلعت خيامهم، بينما كانت هذه الرياح هينة عند معسكر المسلمين ولم يكن بينهما إلا عرض الخندق. فارسل ابو سفيان رسالة للنبي يقول فيها: كنت قد خرجت إليك بعشرة آلاف، وانا أعزم على أن لا أرجع لمكة حتى استأصلك وصحبك ودينك، ولكنك أحتميت وراء خندق، وكان من أمرك ما كان، والأيام بيننا سجال، فأرسل إليه النبي جواباً: (أما بعد: فإنَّ ما عزمت عليه، يحول الله بينك وبينه، وسيأتي عليك يوم أكسر فيه الآت والعزى على مرأى منك، وبيدي مفاتيح الكعبة، وسأذكرك بذلك يا سفيه بني غالب)، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يرسل أحد الصحابة ليدخل الى جيش الأحزاب يستطلع خبر القوم، قال حذيفة: ثم استقبلنا ينظر فينا واحدا واحدا ثم قال: (إنه كائن حدث في القوم هذه الليلة، ألا رجل يأتني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة)، قال حذيفة: فو الله الذي بعثه بالحق، لم يقم منا رجل واحد، قال فأعادها: (ألا رجل يأتني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة)، قال: فوالله ما قام منا رجل واحد، ثم نظر إلي وقال: أحذيفة؟ وانا اجلس على ركبتي فتقاصرت الى الارض قلت: لبيك يا رسول الله قال: (تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب؟ قم)، فقمت واقفاً بين يديه وقلت: والذي بعثك بالحق ما قمت الا حياءً منك فقال لي: (أذهب فأتني بخبر القوم)، قلت: والذي بعثك بالحق لا أخشى الموت، ولكن اخشى ان يأسروني في هذه الليلة الباردة، فيفتني القوم عن ديني، فقال: (إنك لن تؤسر)، قلت: يا رسول الله، وليس علي إلا مرط لزوجتي لا يستر جميع بدني فإني اقرقف، قال: (لا عليك برد حتى ترجع إلي)، ثم بسط النبي يديه وقال: (اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته)، قال حذيفة: فلما أنطلقت، قال لي النبي: (أأتيني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ)، فقلت: سمعاً وطاعة يا رسول الله.
هزيمة الاحزاب:
قال حذيفة: فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، فلما دخلت في جيشهم فإذا بالريح شديدة وقاسية البرودة، قلبت قدورهم، ولا تدع خيمة الا قلعتها وأطفئت نيرانهم، واقتلعت خيامهم، تعسف الرمال في وجههم، كأنها القيامة، فأخذت اتسلل حتى جئت قوماً بينهم نار وعلى ضوئها رأيت رجلاً جسيماً، يضع كفيه فوق النار ويمسح بها خاصرته، فلما دنوت منهم علمت أنه ابا سفيان من كلامه مع القوم، ووالله لقد اخذت سهمي ووضعته في قوسي ولوشئت لغرزته في كبده تماماً، فإذا بصوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتيني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ، فلم أفعل، ثم جلست بين القوم، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه؟فبادرت وضربت بيدي على فخذ الذي على يميني وقلت له: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على فخذ الذي على شمالي وقلت له: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، وغفل القوم عني فلم يفطنوا لي ولم يسألني احد من انا، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا مع بني قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، واخشى ان تتفق قريظة ومحمد الليلة عليكم فارتحلوا فإني مرتحل، فقام وجلس على بعيره دون أن يحل عقاله، فوقف بعيره على ثلاثة أرجل، وقفز به البعير قفزتين، فضحك عليه صفوان بن امية بملء فمه وقال: يا سيد قومه حُل بعيرك اولاً فقام معاوية وحل عقال البعير، ثم التفت ابو سفيان الى القوم وقال: يا خالد بن الوليد، تدبر أمر الساقه واني متقدمكم الى مكة، فانطلق وترك قومه قبل أن يرحلوا، فمكثت واختبأت، واخذ القوم يستعدون للرحيل ثم عدت، وانا في الطريق أستقبلني رجلان عليهما ثياب بيض، وعمائم يركبون الخيل فقال لي احدهما: اخبر صاحبك أن قريش لن تغزوه بعد اليوم ابداً، وأنه هو الذي يغزوها، فلما رجعت الى النبي فوالذي بعثه بالحق، تركته يصلي ورجعت إليه وهو قائم يصلي، وعليه برد يماني فلما دخلت خيمته، عدت اقرقف كما كنت من قبل، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم، أخبرته بخبر القوم وخبر الرجلين، فقال لي: (أعلمت من كان يكلمك؟)، قلت: الله ورسوله اعلم، قال: (هذا اخي جبريل) ثم غطاني بالعباءة التي كان يصلي فيها، فنمت حتى الفجر، فما ايقذني إلا قول النبي: (قُم يا نومان، لقد طلع الفجر)، فصلى بنا الفجر، ثم وقف النبي صلى الله عليه وسلم واخبر اصحابه: (ان الله قد هزم الاحزاب وحده وارسل عليهم جند من جنوده وهي الريح، وارسل الملائكة كانت تتبع أدبار الخيل تضربها فتسرع، حتى قطعوا في يوم واحد مسافة ثلاثة ايام، من شدة الخوف)، انسحبت قريش ثم غطفان واستمر انسحابهم من الفجر الى قريب الظهر، وقال النبي: (الآن نغزوهم ولايغزونا، نحن نسير إليهم)، ثم قال: (قولوا: الله اكبر، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء بعده)، فأخذوا يرددونها وانطلقوا الى منازلهم، فأنزل الله تعالى كما نطق سعد {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}.
الفصل الثالث:
غزوة بني قريضة:
رجع النبي صلى الله عليه وسلم الى داره، ومع الظهر كان الجميع في منازلهم، قالت امنا عائشة والنبي في حجرتها: فإذا منادي ينادي من خلف الحجرة، يا رسول الله، فقام النبي وخرج، فخرجت ألتمس الخبر فوقفت عند الباب، فإذا برجل على بغلة شهباء يلبس عمامة حمراء، يقول للنبي: أوضعت السلاح؟ فقال النبي: (نعم)، قال: ولكن الملائكة لم تضع السلاح بعد، فأتبعني الى بني قريظة فإني متقدمك إليهم ومزلزل بهم حصونهم، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، من الذي كان يكلمك؟ قال:(أرأيته يا عائشة وسمعتي ما قال؟ هذا اخي جبريل) ثم لبس لباس الحرب مرة أخرى وأمر بلال أن ينادي بالمسلمين: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وخرج رسول الله والمسلمون واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم فلقد استعمله النبي أربعة عشر مرة، يصلي بالناس ويرعى شئون المدينة، وأعطى النبي الراية لعلي رضي الله عنه فسبق الجيش الى بني قريظة وغرسها في أصل الحصن فأخذ بني قريظة ينالون من النبي على مسمع علي فلم يرد عليهم وانما قال: السيف بيننا وبينكم، والمسافة حوالي عشر كيلومتر، وكادت الشمس أن تغيب وتفوت هؤلاء صلاة العصر في وقتها، فصلى البعض العصر وقالوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد النهي عن صلاة العصر الا في بني قريظة وانما كان يقصد أن يسرع الصحابة بالخروج الى بني قريظة، ولم يصلي البعض الآخر العصر وتمسك بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم تمسكاً حرفياً حتى فاتته صلاة العصر في وقتها فلما أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أقر الفريقين، فكان قد فتح باب الاجتهاد لأصحابه وهو على قيد الحياة، فلما وصل النبي نادى عليهم: (يا كعب يا حيي) من وراء الحصن، فلما برزوا قال: (انزلوا إلي يا أخوة القردة والخنازير)، فقال حيي: يا أبا القاسم، ما عهدناك صخاباً ولا فحاشاً فكررها النبي: (انزلوا إلي يا أخوة القردة والخنازير)، وأخذوا يرمونهم بالسهام، فلما رأى سيد قريظة ذلك دعاهم الدخول بالإسلام وقال: لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب حيث لم يكن من بني إسرائيل، فادخلوا في الإسلام تأمنون على دمائكم وأموالكم ونسائكم وأبنائكم، فرفض كل يهود بني قريظة الدخول في الإسلام وقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، وطلبوا من الرسول أن يرسل اليهم أحد الصحابة؛ وهو أبو لبابة رضي الله عنه حتى يستشيروه فوافق، وقال: (يا ابا لبابة، اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس) فلما دخل ورأوه قام إليه الرجال وبكت النساء والصبيان، فرق لهم، ثم أرادوا ان يستشيروه قالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشار لهم بيده الى حلقه فكانت سقطة وخطأ عظيم منه، قال ابو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت الله ورسوله فأنتبه على نفسه، فنزل من عندهم مسرعا وهو يبكي، ولم يرجع الى النبي بل ذهب الى المسجد النبوي، وربط نفسه في أحد أعمدة المسجد بسلسلة ثقيلة وقال: والله لا أحُلُّ نفسي منها حتى يحلني رسول الله بيديه ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى يتوب الله علي أو أموت، ثم ضرب عليهم الحصار، واستمر بضعة عشرة ليلة، فأبوا ان ينزلوا على حكم الله ورسوله، فشدد الحصار، وألقى الله الرعب في قلوبهم فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ فأرسل الرسول في طلب سعد بن معاذ رضي الله عنه وكان سعد لا يزال في المدينة، لإصابته في وريده، قال النبي: (لا تؤذوه أحملوه على دابة صغيرة)، واحاط به رجال قومه، وكانت قدماه تخطان على الارض، ورجال من قومه يقولوا له: يا سعد أحسن في مواليك، فإن رسول الله قد حكمك فيهم، لتحسن فيهم يا سعد أحسن إليهم وسعد لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه الطلب قال لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، وكان النبي يجلس بين اصحابه، فلما أطل سعد فألتفت النبي الى الانصار وقال: (قوموا الى سيدكم فأنزلوه) فقاموا معهم النبي، قام المهاجرون ايضاً احتراماً لقيام النبي، فلما أنزلوه، قال له النبي: (يا سعد إن هؤلاء نزلوا على حُكمِك، فاحكم فيهم)، فقام سعد وهو يتكأ على رجلين، فحمد الله واثنى عليه ثم التفت الى جهة اليهود وقال: وعليكم عهد الله وذمته أن حكمي نافذ فيكم لايرد؟ قالوا: نعم ثم نظر الى المسلمين قال: وعلى المسلمين؟ فقالوا: نعم ثم ألتفت الى الجهة التي فيها رسول الله، واطرق رأسه أدباً واجلالاً وتعظيماًوقال: وعلى من ها هنا؟ فقال النبي: (نعم وعليَّ)، فقال سعد: إنِّي أحكُمُ فيهم أنْ تُقتَلَ رجالهم وتُسبَى ذراريُّهم وتُقسَمَ أموالُهم، فوثب النبي قائماً وهو يقول: (والذي نفسي بيده، لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبع سموات) وعلى الفور بدأ المسلمون بتنفيذ حكم سعد، فقتل في سبع مائة من يهود بني قريظة وحفر لهم قبورهم في ديارهم، وقتل حيي بن أخطب الذي كان له الدور الأبرز في تجميع القبائل،
استشهاد سعد بن معاذ:
لما بلغ رسول الله خبر ابا لبابة قال: (أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه)، وانزل الله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، كلما مر من جانبه لا ينظر إليه ولا يكلمه وبقي أيام على هذه الحال تحت الشمس الحارقة وكانت زوجته أو بنته تحُله إذا أراد الصلاة أو قضاء الحاجة فإذا فرغ أعادته إلى الرباط ومكث على هذه الحالة سبعة أيام لايذوق طعاما ولاشرابا حتى خر مغشيا عليه ثم نزلت توبته في القرآن العظيم في سورة التوبة بقوله تعالى {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فلما نزلت الاية اسرع الصحابة ليخبروه بالبشرى فقال ابو لبابة: والله لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله هو الذي يحُلُّني، فجاءه الرسول فحله بيده. ورغم مرارة ما ذاقه النبي من اليهود، لم يزل صاحب الخلق العظيم، فلما قسمت النساء من السبايا قال لأصحابه: (لاتفرقوا بين الأم وأولادها) ولم يقتل النبي إلا المقاتلين فقط، ولم يقتل الذين لم يشتركوا في القتال وتعامل بالرحمة مع السبايا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ان يضرب لسعد بن معاذ خيمة في المسجد النبوي، واستراح سعد تلك الليلة ورفع طرفه الى السماء يناجي ربه، اللهم اني سألتك ثلاثاً، فأعطيتني اثنتين، وبقي لي عندك واحدة، اللهم أفجرها وأجعلها طريقي للجنة اي الجرح فأنفجرت جرحه وسالت منه الدماء حتى خرجت من خارج الخيمة واقترب الأجل، يقول الصحابة: فما راعنا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يخرج من إحدى حجراته مسرعاً يجر ردائه خلفه وهو يقول لاصحابه: (قوموا فأشهدوا موت رجل يهتز له عرش الرحمن قوموا، فقد سبقتكم الملائكة إليه)، فدخل على خيمة سعد، فقيل لسعد : ها هو رسول الله قد حضر يا سعد ففتح عينيه ونظر للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله لقد سألت الله الآن، ان لا يقبض روحي حتى يكون آخر ما يقع عليه بصري من هذه الدنيا هو وجهك يارسول الله فإني أشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله وفاضت روحه رضي الله عنه وارضاه وجزاه الله عنا كل خير، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ان يحمل الى البقيع ويدفن فيها وعندما حملوا جنازته، كانت خفيفة فتعجبوا لذلك قالوا: يا رسول الله والله ما رأينا جنازة خفيفة كجنازة سعد فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل تركت لكم الملائكة ما تحملونه من النعش لقد انزل الله سبعين الف من الملائكة لم ينزلوا الى الارض قبل اليوم ليشيعوا سعد بن معاذ)، هذا هو سعد الذي اهتز عرش الرحمن فرحاً بقدومه رضي الله عنه، مات وعمره ستة وثلاثين عاما ولم يتجاوز عمره في الاسلام ستة سنوات إلا أن أنجازاته في الاسلام يعجز أن يفعله الكثيرون في أعمار طويلة، هذا الذي أثلج صدر النبي صلى الله عليه وسلم في مواقفه.
سرية محمد بن مسلمة:
في العام السرايا السادس من الهجرة، أرسل فيه ستة عشر سرية، وخرج النبي بنفسه مرتين أو ثلاث، وكان الهدف هو تخويف الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد ولم يتأدبوا بالأخص الذين شاركوا في الاحزاب، فأرسل النبي محمد بن مسلمة في ثلاثين راكباً الى بني القرطاء، فهربوا واخذ إبلهم ومواشيهم، وترك نسائهم فلم يأخذهن والذرية سبايا وكانت من اكبر الغنائم التي غنمها المسلمون ثم رجعوا الى المدينة، وفي طريق العودة رأى محمد بن مسلمة راكب يعدو في الطريق فامسكوه اخذوه اسيراً، والصحابة لا يعرفونه ولم يُعرَّفهم عن نفسه، فعندما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرفه فقال لاصحابه: (أتدرون من الرجل؟ هذا ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة فأحسنوا إليه فربط في أحد سواري المسجد، ودخل الرسول إلى أحد بيوته وقال: (اجمعوا ما كان عندكم من طعام فأبعثوا به إليه)، ثم مر به وقال له: (ماذا عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي خيراً يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دمٍ، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فتركه النبي ولم يكلمه.
سرية زيد بن حارثة:
في جمادى الأول من السنة السادسة من الهجرة، أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه ومعه مائة وسبعين راكبا الى العيص، وهو مكان في طريق تجارة قريش الى الشام يبعد عن المدينة مائتين وعشرين كيلوا متر، لاعتراض عير لقريش، في اطار الحصار الاقتصادي والحرب الإقتصادية التي يشنها الرسول صلى الله عليه وسلم على قريش، واستطاعت السرية أن تستولي على القافلة بالكامل وأسر بعض رجالها، بينما أفلت قائدها أبو العاص بن الربيع، الذي كان متزوجا من السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
اسلام ثمامة سيد بني حنيفه:
في طريق عودة سرية محمد بن مسلمة الى المدينة تم أسره وربطه بسارية المسجد، وبقي ثلاثة أيام، كلما مر من عنده النبي قال له: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خيراً يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دمٍ، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فقال النبي في اليوم الثالث:(أطلقوا ثمامة)، فاطلقوه ثم ذهب قريبا من المسجد، ودخل بين النخيل والاشجار واغتسل، ثم دخل وقف في وسط المسجد والنبي بين اصحابه وقال: يا محمد والله ما كان على الأرض كلها وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، يا محمد والله ما كان على الأرض كلها دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ يا محمد والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإني يا محمد أعلن أمام الجميع غير مكره ولا حانث، أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وامر أن يقرؤوه القران ويفقهوه بالدين، فلما قضى اياماً قال للنبي: يا رسول الله إن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ اتأذن لي الآن في العمرة؟ فأذن له الرسول ودعا له بخير، فأنطلق ثمامة فدخل مكة ورفع صوته بالتلبية على مسمع قريش فتركوه حتى انتهى من عمرته فأخذوه وقالوا له: يا ثمامة صبوت؟ قال: لا، بل أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: وجئت تغيظنا بتلبية محمد، قدموه فلتضرب عنقه، فقام رجل وقال: ويحكم أنسيتم أنه سيد بني حنيفة؟ ومن أين تأتيكم الحبوب وأعلاف ماشيتكم؟ ومن اين تأتيكم كذا وكذا؟ فتوقفوا، ووقف ثمامة في صحن الكعبة معلناً وهو يقسم بالله فقال: لا والله وأقسم برب هذا البيت، لا يأتيكم حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من عندهم وبر في قسمه ومنع قومه من اليمامة أن يرسلوا لقريش شيء، ولا يأذنوا لتاجرٍ في مكة ان يدخل اليمامة، وأمر قومه بمقاطعة قريش، فكان أول من قام بالمقاطعة الإقتصادية في الاسلام، حتى جهدت قريش، وضاقت احوال مكة بهذه المقاطعة، ثم كتب أبو سفيان إلى النبي رسالة، يقول فيها: يا محمد، تزعم أن الله أرسلك رحمة للعالمين، وإنك تأمر لصلة الرحم، فما رأينا من رحمتك الا السيف، وها انت تقطع ارحامك في مكة فإن رجل من أصحابك، قد منعهم قوتهم فجاع العيال وهلك الكبار، ومن كرم اخلاقه صلى الله عليه وسلم، ارسل الى ثمامة أن لا يمنع من خيرات اليمامة عن مكة شيء، وأن تبقى الأمور على ما كانت عليه قبل اسلامه، فلما رأى ثمامة خُلق النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش الذين تحزبوا وجمعوا له الأحزب بالأمس القريب، وكيف يعاملهم، قام ثمامة ودعا قومه الى الاسلام، فأسلموا فقال شاعرهم معتزا بأسلام سيده ثمامة: ومنا الذي لبى بمكة معلناً* برغم أبي سفيان في الأشهر الحرمِ.
غدر رجال من قبيلتي عكل وعرينه:
بعد اشهر من اسلام ثمامة، شاع الخبر بين العرب كيف أحسن النبي إليه، جاء رجال من عُكَل وعُرَينة واعلنوا اسلامهم وبايعوه على السمع والطاعة، فلما نظر فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم مصفرة وجوههم، ضعاف نحال، لا يناسبهم جو المدينة فأمر أن يلحقوا بأبل الصدقة وأمرهم ان يشربوا من ألبان تلك الإبل وان يغتسلوا من بولها، فلما تعافوا وقويت اجسادهم، أعتدوا على راعي الابل ومثلوا به، فسملوا عينيه بشوك طويل، ومثلوا به مثلة قبيحة قطعوا يده ورجله وقلعوا عينيه، وغرزوا الشوك في لسانه ثم ألقوه في الحرة، وهو مثقل بالجراح حتى مات، واخذوا إبل الصدقة كلها وارتدوا عن الاسلام وهربوا، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أرسل خلفهم كرز بن جابر الفهري رامياً لا يُخطأ، وعداء لا يُسبق، وارسل معه عشرين من الصحابة، وأمرهم أن يلحقوا بهم، وأن يردوهم الى المدينة احياء، فأدركوهم في الطريق، وأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، أمر النبي أن تسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي، وأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وان يلقوا في الحرة، واخذوا يطلبون الماء من شدة العطش، فأمر النبي ان لا يسقوا حتى يموتوا، فماتوا عطاشا، فأنزل الله على نبيه مؤيداً لفعله {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }، فلم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عينا، إما قتل او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض كل مفسد حسب جرمه فعلم العرب حول المدينة، أن عند محمد رسول الله، الكرم والرحمة في موضعه، والشدة والبطش في موضعه وان محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يعامل الناس كلهم بمعاملة واحدة، فكل إنسان يعامل حسب فعله.
الفصل الرابع:
الخروج لتادية العمره:
في شهر شوال من السنة السادسة من الهجرة رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، (أنه وصحابته يدخلون المسجد الحرام وقد حلقوا شعورهم)، وعلى الفور أعلن، أنه سيخرج لأداء العمرة، ودعا كل المسلمين للخروج معه، وكذلك الأعراب حول المدينة، وكانت قوانين الجزيرة العربية، وأعراف قريش نفسها تقضي بألا تتعرض لمن يدخل مكة مهما كانت بينه وبين قريش من خلافات، بل تقوم بحمايته واطعامه وسقايته وخدمته وقد كان معروفا أن الرجل الذي يرى قاتل أبيه في مكة، لا يستطيع أن يتعرض له حتى يخرج من الحرم، ومع ذلك لم يكن الأمر بهذه السهولة على الصحابة لأنه ليس هناك ما يضمن أن قريش ستحترم هذه الأعراف ومنذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تحدث العمرة منفردة الا مرتين، الأولى قام بها سعد بن معاذ رضي الله عنه وعندما عرفه أبو جهل تصدى له ومنعه من استكمال طوافه بالكعبة، والثانية قام بها ثمامة بن اثال سيد بني حنيفة، وقد رفع صوته وجهر بالتكبير، وقد تعرضت له كذلك، ولكنها لم تستطع منعه لمكانته، اذن فالأمر ليس سهلا، وليس هناك ما يضمن أن قريش لن تتعرض للمسلمين بل على العكس تاريخ قريش مع المسلمين يقول أن خروج المسلمين لأداء العمرة فيه خطورة شديدة جدا ولذلك لم يستجب للنبي صلى الله عليه وسلم، سوى المؤمنين فقط بينما رفض المنافقون الخروج الى هذه الرحلة المهلكة من وجهة نظرهم وكذلك لم يخرج الأعراب الذين حول المدينة فكان عدد الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم الف واربعمائة من الصحابة، ولكنه كان صف نقي خالص ليس فيه منافقون وليس فيه أناس ايمانهم ضعيف واذا كان الصف نقي طاهر فلابد أن النصر قريب، كما كان في بدر، وغير ذلك من المشاهد، خرج صلى الله عليه وسلم واصحابه في ذي القعدة في نهاية السنة السادسة من الهجرة وكان مع المسلمين، عدد كبير من الإبل لذبحها في مكة هدي الى الحرم تقرباً الى الله تعالى وافضله هو الإبل، فأشعرها وقلدها كعلامة انها هدي لبيت الله الحرام، وأنه لا يريد أن يحارب احداً، فكان محرماً معتمراً وكانت تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم، هو الخروج بسلاح المسافر فقط لأداء العمرة ولم يخرج للحرب، وكان فيه دليل على شجاعة المسلمين وثقتهم بأنفسهم، خرج النبي والمسلمون ووصلوا الى ذي الحليفة، وهو المكان الذي يحرم منه القادمون من المدينة الى مكة، فأحرم المسلمون، وبدؤا في التلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
مشروعية صلاة الخوف:
كان النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه يسير على بركة الله لاداء العمرة، ووصلت أخبارهم الى قريش، وأجمعت رأيها على منعهم من دخول مكة والتصدي لهم، فعندما وصل المسلمون الى منطقة كراع الغميم، وكان هذا أول مظهر من مظاهر نية قريش منعهم من أداء العمرة، وعدم احترامها للأعراف من يأتي الى مكة معتمرا، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم صحابته، لأن الأمر خطير وكان رأي البعض هو قتال هؤلاء الأحباش، فتكلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقبل النبي رأيه واستحسنه فقال النبي: هل من رجل يأخذ بنا عن غير طريقهم فندخل مكة من غير الطريق المألوف؟ فقال رجل، له خبرة بالطرقات: انا يا رسول الله فسلك بهم عقبة وثنية متجنبا جيش مكة، وأكمل المسلمون طريقهم، فلما وصلوا الى منطقة تسمى عسفان، علمت قريش بذلك، فأرسلت قريش لهم فرقة قوية من مائتي بقيادة خالد بن الوليد، فجاء موعد صلاة الظهر فوقف النبي مطمئنا لصلاة الظهر وخلفه المسلمون، وخالد بن الوليد يراقبهم من بعيد، وشاهدهم يركعون ويسجدون، فوجدها فرصة سانحة لمهاجمتهم فسأل: هل سيصلوا مثلها مرة اخرى؟ فقيل: نعم إن لهم صلاةً بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فتجهز للإنقضاض عليهم فيها، فنزل جبريل بتشريع صلاة الخوف، فلما حضرت صلاة العصر، صلاها بصلاة الخوف لأول مرة، فصلى بالنصف ركعتين، والنصف الثاني وقف خلف المسلمون لحراستهم، وهو في التشهد سلموا وبقي النبي لم يسلم وانصرفوا للحراسة ثم جاء النصف الثاني فاتم الصلاة مع النبي، فلما رأى خالد ذلك قال متعجباً: إن القوم ممنوعون، ثم عاد بكتيبته الى مكة ليخبر قريش، أن محمدا ومن معه لم يأتوا لقتال، وقد ساقوا الهدي واشعروها وقلدوها محرمين معتمرين، وكانت مكة في قمة ارتباكها، وغير قادرة على اتخاذ أي قرار.
الوصول الى الحديبية:
ثم انحرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين مرة أخرى متجنباً جيش مكة، وأكملوا طريقهم حتى اقتربوا جدا من مكة، ووصلوا الى وادي أسمه الحديبيبة أرضه منبسطه، وسبب التسميه لان فيه بئر ماءه قليل يبض الماء بضاً، ويحدب ظهر الرجل فسمي بئر الحديبية، وهو الآن ضاحية من ضواحي مكة وأصبح الموقف شديد الحرج، ففي أي لحظة يمكن أن يقع القتال، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم، أن يكمل طريقه ويدخل مكة فبركت ناقته القصواء، ورفضت أن تتحرك فزجرها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم تقم وحاول الصحابة أن يدفعونها واخذوا يقولون لها: حل حل ولكنها رفضت التحرك فقال الصحابة: خلأت القصواء، فما راعنا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته في وجوهنا ويقول: (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه في وادي الحديبية، فقال الناس: يا رسول الله نزلت بنا على غير ماء، وإن بئر الحديبية لا يستقي منها الراكب أو الراكبان ونحن كثير، فقال لهم: (انظروا هل بها من ماء؟)، فجاؤا وقالوا: ليس فيها إلا الدلوين او الثلاث؟ فأخذ سهماً من كنانته وأعطاه لأحد اصحابه، فقال: (انزل فيها واغرسه فيها باسم الله)، فنزل الرجل وقال: بسم الله وغرس السهم في وسط البئر يقول اصحابه: والذي بعثه بالحق، لقد أخذ الماء يفور، وله هدير كأنه الماء يغلي بالقدور، فما أن أسرعنا حتى أخرجنا صحابنا وإلا كان قد غرق، ففار الماء وفاض حتى ملء البئر فجلس اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حول البئر يغترفون الماء لا يحتاجون لحبل ودلو ينتشلون الماء.
رسل قريش:
كانت قريش في قمة أرتباكها، فأرسلت الى زعماء القبائل المحيطة بمكة، فحضروا، وأرسل النبي إلى قريش خِراش بن أمية رضي الله عنه ليخبرهم، فاعترضوه وعقروا ناقته وحاولوا قتله لولا أن منعهم سيد الأحابيش، فرجع الى النبي وأخبره بما حدث. ارسلت بديل سيد خزاعة ومعه نفر من قومه، جاء وجلس الى النبي، فقال: ما أقدمك يا محمد؟ قال: (كما ترى نحن محرمون قد قدمنا الهدي، وقلدناه واشعرناه، نريد أن نعظم هذا البيت ونتطوف به كسائر العرب)، فأخذ يحاول تخويف النبي، فقال: يا محمد أنا أصدقك إني تركت كعب ابن لؤي، وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطَافِيل: وهم مقاتلوك وصادَوك عن البيت، قال: (إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره)،فأفحم وسكت ولم يعرف ما يرد وقال: سأبلغهم ما تقول إنما أنا رسول ثم رجع وحدثهم بما قال النبي، ونصحهم ألا يصدونه وانه جاء معتمراً، لا مقاتلاً كما تزعمون، فاتهمته بميله للنبي، وقالت: اجلس لم تكفنا شيئاً، ثم ارسلت الحليس سيد الأحابيش مع عدد من رجاله، فلما رآه النبي مقبلًا، قال: (لقد ارسلوا إليكم قوم يعظمون البدن، انه رجل يتأله، فقدموا الهدي في وجهه ليراه)، فقال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. وعاد مسرعا دون أن يكلم النبي وقال: ويحكم يا قريش، تصدون عن البيت من يعظم شعائر الله؟ إني رأيت ما لا يحل منعه، وما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا، إنكم تعنفون على محمد وتسيئون به الظنون جاء معتمرا، قالوا له: اجلس يا حليس فإنما أنت أعرابي ولا علم لك، فغضب وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم يُصدّ عن بيت الله الحرام من جاءه معظِّماً؟ورب هذا البيت لتخلّون بين محمد وما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد حتى أكون معه عليكم، فاسترضوه واجلسوه وقالوا: لا عليك يا حليس، سنأخذ منه ونعطي، ثم أرسلت عروة بن مسعود سيد الطائف، فقال: انا رجل لا أرضى الإتهام، وتعلمون أني جئت بقومي حتى أكون معكم، قالوا: أنت لست متهم، قال: فإن أتيته وقلت رأيي فيه، فأنا لا أرضى أن تخالفوني الرأي، فأقبل ومعه رجال من قومه حتى أناخ راحلته عند رسول الله واقترب منه، خافوا على النبي الغيلة، فقام المغيرة ابن شعبة الثقفي، فوقف على رأس النبي يحرسه، فجلس عروة على ركبتيه، وتربع النبي، فقال عروة: لماذا قدمت يا محمد؟ قال: (ألا ترى يا عروة نحن محرمون ومقلدون الهدي ومشعرون، رافعين الصوت بالتلبية شعثاً غبراً نريد أن نتطوف بهذا البيت كسائر العرب) قال: لقد تركت قريش وعزمت ان لا يخلون بينك وبين البيت، ولا تدخلها عنوة، فإذا أبيت قاتلوك ويخذلك من معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس، لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم، فغضب أبو بكر لهذه المقالة، ورد عليه بعبارة صادمة وقاسية، فصدم ووصلت له الرسالة واضحة، قال وهو مصدوم ومغضب: من هذا يا محمد؟ فأبتسم وقال: (ألا تعرف ابن أبي قحافة يا عروة؟ إنه أبا بكر)، قال: أما والله لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها بعد لأجبتك، ثم أخذ يكلم ويلاطف ويتوسل ويمس لحية النبي برؤوس اصابعه، فكان كلما مد يده قرعها المغيرة بذيل السيف، وقال: اكفف يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك، فلما أكثر المغيرة من ضربه، قال: يا محمد من هذا فأبتسم النبي وقال: (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة يا عروة)، فنظر اليه وقال: يا غُدر، ما غسلت ديتك إلا بالأمس، وأحضروا الماء للنبي ليتوضأ للصلاة، فاقتتلون على وضوئه، فعاد مرعوبا وقد تغيرت مفاهيمه، فقال لقريش: والله لقد وفدت على الملوك، وعلى قيصر وكسرى والنجاشي، ووالله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، ما أمر أمراً إلا ابتدروا اليه، واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون البصر في وجهه تعظيماً له، وإذا نظر الى مكان، نظروا الى ما ينظر، واذا توضأ ثاروا يقتتلون ٠على وضوئه، ولا يبصق بصقة إلا وقعت في كف احدهم يدلك بها وجهه وجلده، وإني ناصح لكم، فوالله أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، فوالله لقد رأيت قوماً لا يسلمونه أبداً وفيهم عين تطرف، اتركوه وشأنه، فإن اصابته العرب فذلك ما ترجون وإلا فعزه عزكم قالوا: اجلس وما أنت بمتهم، ودعنا نأخذ ونعطي قال: كم تأخذون وتعطون؟ لا والله لا أشهد لكم مهزلة، فنهض مع قومه، فضعفت شوكة قريش، قالوا: أردنا امراً، فقلبه محمد علينا رأساً على عقب.
بيعة الرضوان:
بعد أن كسُرت شوكة قريش أخذت تفكر في قبول الصلح ولكن كانت هناك معارضة من شباب قريش المتحمس، فقام خمسون شابا في التسلل الى معكسر المسلمين ليقتلوا بعض أصحاب رسول الله بغرض أن يوقعوا الفتنة بين الفريقين، فاقتربوا فتم القبض عليهم من قبل الحراس وقيدوهم وجائوا بهم الى النبي واخبروه بخبرهم، قال: (اطلقوا سراحهم)، وكان هذا من أحد أسباب الصلح، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}، ففكر النبي أن يرسل أحدا للكلام مع قريش مباشرة فأختار عثمان بن عفان رضي الله عنه لهذه المهمة لانه من بني أمية، ولن يجرئ أحد من ايذائه، فله قدرة على التفاوض لحلمه وحكمته وشخصية محبوبة جدا في مكة، وكانت مهمته أن ينقل رسالة النبي أن المسلمين قد جاءوا لأداء العمرة، ولم يأتوا لقتال أحد، وان النبي يعرض عليكم: أن تدخلوا في الإسلام، او تكون هناك هدنة بين المسلمين وبين قريش، لا يكون فيها قتال، بشرط أن يخلو بينه وبين الناس، واذا رفضوا هذين الشرطين فيكون القتال، ثم بشر المستضعفين من المسلمين أن النبي يبلغكم السلام، وأن الله سيعز الاسلام والمسلمين ويوصيكم بالصبر، قال الصحابة للنبي: لقد فاز بها عثمان فالآن يطوف بالبيت، فقال لهم النبي: (ما ظننته يطوف بالبيت ونحن محاصرون) فقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه؟ قال : (ذلك ظنِّي به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف ولو مكث سنة ما طاف بها حتى أطوف)، فدخل مكة وانطلق الى صديقه أبان بن سعيد بن العاص وطلب جواره واستقبلته قريش، ورحبت به وقالوا له: يا عثمان ان شئت فطف بالبيت، قال: لا والله لا أطوف ورسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه محاصرون، وقد منعوا الطواف بها، حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه ولو مكثت بها سنة وظل عثمان في مكة ثلاثة ايام كاملة، ليأخذ ردا على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وينقل رسالة النبي الى المستضعفين سرا، قامت قريش بنشر اشاعة مقتل عثمان في معسكر المسلمون ليختبروا ردة فعل النبي واصحابه، فعرف بفراسته أنها اشاعة، فقام وطلب منهم مبايعته على القتال وعدم الفرار، بيعة الموت فأجتمعوا تحت شجرة كبيرة وضخمة وعرفت ببيعة الرضوان، فقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }، فبسط النبي يده فأقبل الصحابة لمبايعته حتى ركبوا على ظهور بعضهم البعض، فلما انتهوا وضع النبي يده فوق الأخرى وقال: (هذه يد عثمان) ووصلت أخبار هذه البيعة الى قريش فأصابها الخوف والهلع، ولذلك بعد هذه البيعة مباشرة وافقت قريش على الصلح.
بنود صلح الحديبية وكتابته والتوقيع عليه:
أصاب قريش الرعب والخوف والهلع من هذه البيعة، فقالوا لعثمان رضي الله عنه: انطلق وقل لمحمد أن قريش وافقت على الصلح، ثم أرسلت قريش مندوبا عنها سهيل بن عمرو ومعه رجال من قريش، فلما رآه النبي قال: (قد سهل لكم أمركم، ما أرسلت قريش هذا إلا لأنهم يريدون الصلح)، فسلم سهيل وجلس الى النبي، فقال: يا محمد إن قريش قد أرسلتني إليك فأعطيك وأخذ منك: يا محمد ؛ – أن ترجع الى بلدك مع المسلمون هذا العام ولا تدخل عليهم عنوة أبدا. فصاح الصحابة: بلدنا وبلد رسول الله هي مكة، فأشار إليهم النبي أن اسكتوا فسكتوا فأكمل سهيل؛ على أن يأتوا العام القادم لأداء العمرة، فيدخلوا مكة بسيوفهم فقط وفي القرب، ويظلون في مكة ثلاثة ايام فقط، ثم يخرجوا منها بعد ذلك وتترك قريش لهم مكة هذه الأيام الثلاثة لا يشارككم بها احد فقال النبي: رضينا. – وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين فقال النبي: رضينا – للعرب الخيار من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فقال النبي: رضينا – من جاءك من قريش مسلماً بدون إذن وليه ترده إلينا، ومن جاءنا من اصحابك مرتداً، بإذن وبغير إذن لا نرده إليك، فصاح الصحابة لا نعطي الدنية في ديننا والله، ونحن على الحق وأنتم على الباطل فأشار النبي بيده ان اسكتوا فسكتوا فقال: رضينا تم الإتفاق بين الطرفين ثم بدأ كتابة بنود هذا الإتفاق في صحيفة يوقع عليها الطرفان. قال سهيل: اكتب هذا يا محمد، وليشهد عليه رجال من صحبك ورجال من صحبنا، فقال النبي: (ادنو يا علي واكتب) فقال النبي: (اكتب يا علي بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل: ومن الرحمن الرحيم هذا؟ فوالله ما ندري ما هو، اكتب ما نعرفه باسمك اللهم فقال الرسول: (نعم، امُحها يا علي واكتب باسمك اللهم)، فكتبها، ثم قال النبي: (اكتب يا علي، هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله)، فاستوقفه سهيل وقال: يا محمد لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما تصالح عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو، فقال النبي: (اني رسول الله وان كذبتموني امُحها يا علي واكتب هذا ما تصالح عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو) فقال علي: لا والله لا امحوها، فقال النبي: (امحها يا علي، واكتب كما قال سهيل) فقال: والذي بعثك بالحق لا امحها، واضطرب الصحابة، فأخذ النبي الممحاة وقال: (يا علي اين هذه الكلمة، أرني مكانها؟) فأشار عليها، فمحاها النبي بنفسه وقال: (اكتب يا علي هذا ما تصالح عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو. ثم نظر النبي الى علي وقال: (يا علي والذي نفسي بيده لتعطينا من نفسك مثلها يوماً وانت على الحق)، ومضت الايام، حتى جاءت خلافة علي ووقع الخلاف مع معاوية، واشتد القتال حتى وصلوا لطاولة التفاوض، فجاء الى علي رضي الله عنه عمرو بن العاص للمفاوضة يمثل معاوية، فعندما أرادوا أن يكتبوا الكتاب قال علي للكاتب: اكتب هذا ما تصالح عليه امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع معاوية بن ابي سفيان، فقال عمرو بن العاص: لا والله لو كنا نعلم انك اميراً للمؤمنين ما قاتلناك بل اكتب هذا ما تصالح عليه علي بن ابي طالب مع معاوية بني ابي سفيان، فبكى علي رضي الله عنه وجهش بالبكاء وهو يقول: اشهد أن لا إله إلا الله، واشهد ان محمدا رسول الله وقال للكاتب: اكتب كما يريد والله لقد قالها لي النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الحديبية.
كانت بيعة الرضوان بأمر من الله عزوجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، وعندما بركت ناقته القصواء قال: (والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم الى خطَّة، تعظم فيها حرمات الله إلا أجبتها) فقبلها وكانت البنود لا ترضي أحد من الصحابة، فقال النبي: (يا سهيل وما عليكم لو خليتم بيننا وبين البيت ساعة من نهار، فنطوف بالبيت وننحر هدينا؟) فقال سهيل: لا تتحدث العرب أنَّ أخذنا ضغطَّة ترجع هذا العام بلا عمرة وترجع في العام القادم، فقبل وقد أوضح صلى الله عليه وسلم، وجهة نظره للصحابة فقال: (إن من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً وهكذا لم يكن عند الصحابة بُعد النظر التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن تم الإتفاق على بنود الصلح وقبل أن يتم توقيع المعاهدة بين النبي صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو، حدث أمر وزاد من هم الصحابة وكربهم، سمعوا ضجة فقام الرجال ينظرون فقال النبي: (ما الأمر؟) واذا هو أبو جندل ابن سهيل بن عمرو كان ابو جندل قد أسلم وقد قيده وحبسه في بيته حتى لا يهاجر الى المسلمين في المدينة، ويشرف عليه كل يوم حتى لا يتضامن ويتعاطف عليه احد من الناس وبخروج ابوه استطاع أن يهرب من بيت أبيه ووصل لمعسكر المسلمين بالحديبية وهو مقيد بالأغلال، لان مفتاح القيد كان مع ابوه سهيل وكان يسير ويرسف في أغلاله، فجاء به الصحابة، وعندما رآه أبوه وثب قائماً فقال يا محمد: هذا أول ما أقاضيك عليه ابو جندل على أن ترده الساعة معي، والصحابة ينظرون، ومضطربه قلوبهم من هذه المعاهدة، فحاول صلى الله عليه وسلم، أن يجد مخرجا لهذا الموقف الحرج فقال: (يا سهيل إننا لم نوقع الكتاب بعد، فأعتبره سابقاً لها) قال: لا، ووالله يا محمد لا أقاضيك على شيء أبداً، فقال النبي: (اذن فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، فقال النبي: (بلى تفعل يا سهيل) قال: ما أنا بفاعل ولكن في هذا الموقف لم يقبل سهيل، لان القضية تتعلق بابنه ولم يكتف بذلك بل قام يضربه ضربا شديدا امام الكل، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا لأبي جندل، ومما زاد من ألمهم، أخذ يستغيث بالمسلمين وأخذ يصيح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، يا رسول الله أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟، فقال له النبي: (إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهدا، وإنا لا نغدر بهم يا أبا جندل اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجاً ومخرجاً)، ومن شدة تأثر المسلمين بهذا الموقف، ومن شدة اعتراضهم وعدم موافقتهم على هذا البند من الصلح قام عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه لم يتحمل هذا الموقف حين رأى أبو جندل يضربه أبوه والنبي يرفض أن يأخذ ابو جندل في صفوف المسلمين عملا ببنود المعاهدة، فقام عمر بن الخطاب واقترب منه وأخذ يقرب منه مقبض السيف ورجوت أن يأخذه ويضرب به اباه وخاطبه: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، وتم توقيع الصلح وأخذ سهيل ابنه ونسخة من كتاب الصلح، وانصرف سهيل بن عمر بابنه المسلم أبو جندل.
حكم من احصر:
جاء المسلمون معتمرين ومنعوا وما زالوا محرمين، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما على وجوه الصحابة من كدر وقهر وكآبة، وثقل من هذا الصلح على نفوسهم قال:(قوموا الى هديكم فأنحروا، واحلقوا رؤوسكم، يرحمكم الله)، فما قام أحد ونحر، فنظر النبي اليهم وأمر للمرة الثانية فوالله ما قام أحد، وفي الثالثة قال: (ألا تسمعون؟ قوموا الى هديكم فأنحروا واحلقوا رؤوسكم)، وما قام أحد، لانهم كانوا مذهولين، فتركهم ودخل خيمة السيدة ام المؤمنين ام سلمة رضي الله عنها، مغضباً وهو يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله) فقالت: بأبي وأمي أنت ما الأمر؟ قال: (هلك المسلمون) قالت: وما اهلكهم؟ قال: (أمرتهم فلم يأتمروا، أخاطبهم وهم ينظرون الى وجهي ويسمعون كلامي فلا يقوم منهم احد)، فقالت: بأبي وأمي انت يا رسول الله، إنك تعلم كم حمَّلت أصحابك في هذا الصلح فوق ما يطيقون، او كانوا يريدون فكأنما اصابهم الذهول فلم يسمعوا قولك، إن شئت أن لا يتأخر عنك أحد ولا يخالفك، فأخرج انت فأنحر هديك، واحلق راسك، دون أن تكلمهم فوالذي بعثك بالحق لن يتخلف عنك واحد، فجلس حتى زال الغضب من وجهه فاضطبع بردائه ثم خرج متوجها صامتاً لم يكلم أحدا، الى هديه لينحره، ثم قال بأعلى صوته والصحابة يسمعون: (بسم الله، الله اكبر)، فلما رأوه، وثبوا من مكانهم مسرعين وهم يقولون: الله اكبر، رسول الله ينحر ونحن جلوس؟ ودعا حالقه فحلق له، وحلق الصحابة وانتهت هذه الأزمة الكبيرة والمؤقتة بفضل الله عزوجل ثم بحكمة أمنا أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح حكما لمن احصر، حله مكان احصاره.
نزول سورة الفتح:
بعد توقيع الصلح، دخل عمر على ابي بكر في خيمته وقال: يا ابا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس نبينا نبياً حقاً؟، قال: بلى، قال: أليس ما ينطق عن الهوى؟، قال: بلى، قال: ألم يخبرنا في المدينة؛ أننا ندخل البيت مطمئنين محلقين ومقصرين، قال: بلى، قال: فلما لم يتم ذلك؟ فقال ابو بكر : يا عمر إنه رسول الله حقاً، فألزم غرزه حتى تموت، واتهم نفسك ورأيك، ثم لا والله لا أدعك ياعمر حتى تقوم معي الآن، وأجلسك بين يدي رسول الله وتسمعه ما أسمعتني، فأخذه بمجامع ثوبه، ودخل به على خيمة النبي وقال: يارسول الله بأبي انت وأمي اسمع ما يقول عمر؟ فأعاد عمر العبارات نفسها، فقال النبي: (والله اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، لقد اخبرتك أن ندخل البيت محلقين ومقصرين) ثم اخذ النبي بمجامع ثياب عمر وجذبه إليه وقال: (أقلت لك أنك تأتيه هذا العام؟)، قال: لا فقال النبي: (فإنك آتيه ومتطوف به ان شاء الله) فسكت عمر، وأتهم نفسه ورأيه، ورضي برأي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الطريق الى المدينة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح، فإذا بالصحابة يصيحون: يوحى الى النبي، يوحى الى النبي فكانت القصواء عندما يتنزل الوحي عليه وهو راكب عليها لا تستطيع السير تثقل حركتها، فإذا أشتد الوحي تودد ساقيها على الارض، ثم إذا اشتد لا تقوى على الوقوف فتبرك، وتحك بكُلكالها الأرض، فعندما رأوا معالم الناقة قالوا: رسول الله يوحى إليه، قال عمر: في تلك اللحظة فأحسست أن قلبي يخرج من حلقي وقلت ويل أمك يا عمر، لقد أنزل الله بك قرآن يتلى الى قيام الساعة، من انت ياعمر حتى تخالف رأي النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقلت: فتح لي باب من النفاق فمازال الناس ينادون يوحى لرسول الله، حتى سمعت صوتاً ينادي أين عمر؟ أين عمر؟ أجب رسول الله يا عمر، قال عمر: فوالله ما حملتني رجلاي وقلت ليت امك لم تلدك يا عمر، فمشيت الهوينة حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت وجهه مشرقاً ليس به علامات الغضب فنظر إلي وأبتسم وقال: (أقبل يا عمر)، فأقبلت فقال: (لقد انزل الله علي سورة هذه الساعة احب إلي من الدنيا وما فيها ، وأحب الي مما طلعت عليه الشمس. وعندما تلاها علي جبريل قال لي هنيئاً لك يا محمد)، فقلت له: هنيئاً لك يا رسول الله فقرأ النبي: {انا فتحنا لك فتحًا مبينا} الى ان وصل لقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}، فبشر الله نبيه والمؤمنين بفتحين وليس فتح واحد، كانوا الصحابة في طريقهم للعمرة وقلوبهم على اهلهم في المدينة {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} اي كانت يهود خيبر تريد غزو المدينة {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} لكي ما تضيعوا وقتكم وترجعوا فوراً للمدينة، لتقضوا على يهود خيبر الذين كانوا يكيدون للمسلمين وغزو المدينة {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}، بشرهم الله بفتح خيبر ويأتي بعده الفتح الثاني وهو فتح مكة، قرأ النبي الايات وسمعها عمر وحمد الله ان ليس فيها ادنى اشارة لموقفه، وليس فيها طعن ولا لمز له ومع ذلك كله مازال عمر يخاف ذلك اليوم الذي علا فيه صوته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى وهو على فراش الموت يسأل حذيفة بن اليمان يبكي عمر قبل موته ويقول لحذيفة: أنشدك الله يا حذيفة هل ذكر رسول الله اسمي في المنافقين، ويضع خده على التراب وهو في النزع، ويمرغ خده بالتراب ويقول: ويلٌ لعمر إن لم يغفر له رب عمر رضي الله عنه وارضاه
قصة ابو بصير رضي الله عنه:
لم يمضي على صلح الحديبيه إلا بضع أيام حتى وصل ابو بصير للمدينة مشياً على الأقدام، هو من ثقيف، وقد أسلم وتعرض للتعذيب الشديد قي مكة، واستطاع الهرب، ودخل المسجد هزيلاً مغبراً متعباً من السفر، فسلم وردوا عليه، ومن مكارم اخلاق النبي استقبله وقال: (ما أقدمك يا ابا بصير؟)، قال: حب الله ورسوله قال: (ثبَّتَ الله محبة الله ورسوله في قلبك، أجلس يا ابابصير)، فما هو إلا يومين وإذا برسل قريش خنيس بن جابر العامري، وكوثر دليل معه يعرف الطريق، بكتاب من ابي سفيان وسهيل بن عمرو يطلبان رد ابا بصير الى قومه، فدفعه لصحابي ليقرؤه وابو بصير يسمع: الى محمد بن عبد الله، قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا، فقال ابو بصير: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟ فقال له: (يا ابا بصير انا قد اعطينا القوم، واعطونا واشهدنا بيننا وبينهم، وإن ديننا لا يأذن لنا بالغدر، فلا بد أن نوفي بعهدنا فأرجع مع صاحبيك الى قومك، وسيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً قم يا ابا بصير فأرجع مع القوم)، فقام على مضض وكره ولكن الايمان يضطرب بين جنبيه فودع النبي واصحابه وانطلق معهم في اول النهار، وعند ميقات ذي الحليفةأستاذنهما أن يصلي فقد حان وقت الظهر قالوا: أجل، وهو وقت راحتنا ايضاً، ثم جاء واخرج جراب فيه تمر ودعاهم للطعام، فأخرجا سفرتهما وجلسوا يأكلون، ثم قام كوثر ليقضي حاجته، فأخذ خنيس يحدث ابا بصير فأخرج سيفه ثم اخذ يُقلبه، ويهزه في وجه ابو بصير ويقول له مفتخراً: اي ابا بصير لأضربن بسيفي هذا يوماً الأوس والخزرج حتى يدخل الليل فقال: وهل سيفك هذا صارماً الى هذا الحد؟ فقال: أجل، والله إنه لجيد لقد فعلت به كذا وكذا وانت لا تعرفه فقال أبو بصير: اتأذن لي أن أنظر إليه؟، قال: أجل، فأخذه واخذ يقلبه بين يديه حتى تمكن ثم اطاح به حتى أبرده، هعاد كوثر ونظر فأصابه الذعر فجعل طرف ثوبه بين اسنانه، واخذ يجري والسرار يتطاير خلفه، فنظر إليه ابو بصير ويضحك، ثم جمع متاعه، واخذ راحلة المقتول وتوجه للمدينة بكل هدوء، اما كوثر مازال يجري حتى وصل المسجد وكان النبي قد فرغ من صلاة العصر، فقال لهم النبي: (إن هذا الرجل قد رأى ذعراً)، فلما دخل عرفوه فأنطلق مذعوراً مرعوباً خلف كتفي النبي ويقول: مستجيرٌ بك يا محمد، قال النبي:(ويلك ما الأمر؟) قال: قد قتل صاحبكم، صاحبي، وهو قاتلي، فأمنه النبي، وأجلسه واسقاه الماء حتى زال رعبه، وجاء أبو بصير بكل هدوء وقال: السلام على رسول الله قال: (وعليك السلام) قال: يا نبي الله أما انت قد أوفى الله ذمتك، وقد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، واعتصمت بديني ورجولتي ولا حرج عليك، وهذا سلب المقتول اضعه بين يديك، فقال النبي: (يا ابابصير إني اذا خمسته، رأوني قريش لم اوفي لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك، اذهب حيث شئت، ولا تقم في المدينة، فقال أبو بصير: يا رسول الله، أعطني رجالاً أفتح لك مكة فالتفت النبي لاصحابه وقال: (ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال)، سمع العبارة فاستأذن وودع النبي والصحابة ثم خرج، لا أحد يدري أين توجه؟اما الدليل كوثر فأمنه النبي مع رجلين من اصحابه، حتى لا يعتدى عليه واوصلوه الى اطراف مكة، ودخل وأخبر قريش بالذي حدث.
قصة ابو جندل:
وصل خبر ابو بصير مع الدليل كوثر، فتجادل سهيل بن عمرو مع أبي سفيان حتى في من يدفع دية رسولهم، ثم اخذ ابو سفيان بمجامع ثياب سهيل وانتزعه وصرخ به: اصرف عنا هذا البلاء، فلم تدفع دية القتيل، وارتضت قريش بما جرى، وكتفوا بأن النبي قد سلمه ولم يقبله بين اصحابه في المدينة، ووفى بعهده. وكان قد اتجه ابو بصير واختار موقعا حساساً في العيص طريق تجارة قريش الى الشام، وكلما مرت به قافلة من قريش اعترضها وقتل من فيها، وأخذ من غنائمها ما استطاع، وسمع به المسلمون المستضعفون الذين في مكة، وقبائل العرب من حولها، فأخذوا يهربون واحدا وراء الأخر اليه، فكان أبو جندل ابن سهيل منهم، فاصبحوا مجموعة من ثلاثمائة رجلا، فقال ابو بصير: يا ابا جندل، انت أميرنا وإمامنا نصلي ورائك ونقتدي بأمرك واخذوا يهاجمون قوافل قريش، فجن جنونها ماذا نفعل ليس لهم حل؟ وكل هذا قبل أن يمضي عام على صلح الحديبية، واجتمعت قريش فاختارت ابا سفيان ورهطا من قومه وفداً الى رسول الله، ومعهم كتاب موقع من سهيل بن عمرو والشهود الذين كانوا معه، وجاء ابو سفيان للنبي قائلا: انشدك ربك والرحم الذي بيننا، إلا قبلت رجاءنا يا محمد قال: (وماهو طلبكم؟) قال: ان تأوي إليك جماعتك ابو بصير وابو جندل وكل من اراد ان يهاجر، وامسح هذا البند من الصلح، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في وجه اصحابه وقال لهم على سمع ابو سفيان: (ارأيتم حين رضيت وأبيتم؟)، فقبل النبي، ثم أمر وبحضور ابي سفيان ان يكتب الى ابي بصير وابو جندل أن يقدما الى المدينة ومن معهما، ورجع ابو سفيان، ووصل كتاب النبي الى ابي بصير، وقد حضره الموت رضي الله عنه، فقيل له: هذا رسول رسول الله فأخذ الكتاب وقبله، ووضعه على عينيه، ثم قرأ الكتاب وهو يجود بنفسه وهو يقرأ الرسالة ويردد الصلاة والسلام على رسول الله، وفاضت روحه ووقع الكتاب على صدره، فاخذ الكتاب ابو جندل، وجهزوه وصلوا عليه ودفنوه في موقعه، ثم انطلقوا الى المدينة.
وصية النبي لكل امير جيش:
عن بريدة الاسلمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: “اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم، أم لا؟”. قال عبد الرحمن هذا أو نحوه، [رواه مسلم]
الفصل الخامس:
اسباب غزوة خيبر:
خيبر هي مدينة تقع في شمال شرق المدينة المنورة ومعناها الحصن، سكانها لم يظهروا العداء للمسلمين حتى نزل فيهم كبار اليهود الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، فكلهم حقد وكراهية للإسلام وللمسلمين، وللنبي صلى الله عليه وسلم ويرغبون بالعودة الى ديارهم في المدينة المنورة، فمنذ أن نزلوا في خيبر أصبحت خيبر هي وكر الدسائس والمؤامرات، واثارة الحروب ضد المسلمين وخرج منها وفد لحشد قريش والأحزاب لغزو المدينة، والنبي القائد لم ينسى يهود خيبر وما فعلوه فأجل فتح ملفها حتى تأتي الفرصة المناسبة، وبلغه بعد صلح الحديبية أن يهوداً لم يرق لهم هذا الصلح، فسعت لتحريض قريش على نقض الصلح، لكن قريش رفضت نقضه، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فبعد عشرون يوما من صلح وعلى الفور كان قرار النبي صلى الله عليه وسلم التوجه لخيبر، وكره خروج المنافقون معه لأن وجودهم يضعف الصف الإسلامي، وهناك علاقة حميمية بينهم وبين اليهود، وهم عيونا لليهود داخل الجيش، فأمر ألا يخرج معه إلا من شهد الحديبية فقط وبذلك ضمن صلى الله عليه وسلم، ألا يخرج في الجيش الا المؤمنون فقط، لأن الله تعالى شهد لمن بايع بيعة الرضوان بالإيمان قال تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} وخرج صلى الله عليه وسلم بجيش قوامه الف واربعمائة رجل من أصحاب الإيمان الخالص لله وعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجها لخيبر.
وفد اليمن:
كان من ضمنه ابو هريرة رضي الله عنه: أسمه عبد الرحمن بن صخر الأزدي، جاء مسلما مع وفد من أسلم من اهل اليمن الى المدينة المنورة، كان شاب نحيلا لم يتجاوز الثلاثين عاما، وكانت تبدو عليه ملامح الفقر والبؤس الشديد، وله هرة صغيرة يحملها على كتفيه، يطعمها ويعطف عليها، واصبحت أشهر هرة خلقها الله سبحانه، فلقد كناه الناس بابي هريرة لشدة اعتنائه بها، كان اكثر صحابي نقلا للحديث على وجه الارض والذي لا يخلو كتاب يتحدث عن الإسلام من ذكر كنيته الشهيرة أبي هريرة، لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم لاكثر من اربع سنوات فقط من أصل ثلاث وعشرين سنة من عمر الدعوة الاسلامية، وحفظ عن النبي حوالي اربع آلاف حديث، وكان من فقراء المدينة أهل الصفة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطف عليهم كثيرا، ودائما ينفق عليهم مما افاء الله عليه، لذلك لزم النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ من الاحاديث الكثير، كان لطيفاً جدا وخلوق ومرح صاحب دعابة، وكان النبي يحبه ويناديه أبا هر، وقد ذكر اسمه في سجل العظماء، واطلق عليه اسم نيل الأوطار، فلقد طار ذكره، وعلا صيته، وأصبح مرجعاً لا يستغني عنه أي طالب علم، ظل ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم، لا يفارقه أبدا وعاش بعد النبي سبعة واربعين عاما، رضي الله عنه وأرضاه، جاء الى المدينة مؤمناً مهاجراً، وكان المسلمون قد خرجوا الى خيبر فصلى الصبح في المدينة، ثم لحق بالمسلمين الى خيبر.
الخروج لخيبر:
بعد خروج النبي من المدينة، أرسل رأس المنافقين عبدالله بن أبي ابن سلول إليهم يخبرهم بأن محمدا سائر إليكم، فخذوا حذركم، فلما وصل الخبر قالوا بستهزاء: محمد يغزونا؟ هيهات هيهات ولكنهم اخذوا يستعدون وأرسلوا الى سيد غطفان، يا عيينة نعطيك نصف ثمار خيبر، في سبيل ان تقف معنا في قتال المسلمين فوافق الأحمق المطاع وأعد جيشا قوامه أربعة آلاف مقاتل، وعلم النبي بخبرهم، فقرر ان يرسل على الفور سرية الى غطفان حتى يظنوا ان النبي سيغزو ديارهم وليس خيبر، وأمرها أن تظهر أمرها، وتحدث صوتا عاليا حتى تلفت اليها الأنظار، وعندما سمع جيش غطفان الصوت، انزل الله الرعب في قلوبهم، وعادوا مسرعين إلى ديارهم، قرر النبي ان ينزل بجيش المسلمين في شمال خيبر، حتى يحول بين خيبر وبين غطفان، إن فكرت العودة لحرب المسلمين وسار لخيبر على بركة الله، فقال النبي: (يا ابن الاكوع اسمعنا من هيناتك وحرك بنا الركب) فسار عامر امام الركب يردد بصوته الجميل ويرتجز الشعر ‘اللهم لولا أنت ما اهتدينا // ولا تصدقنا ولا صلينا’ الى آخر الابيات فقال له النبي: (يرحمك الله)، فقطعوا الطريق الذي يحتاج خمس ليالي في ثلاث ليالي، وسار الجيش بروح ايمانية عالية جدا، مع علمهم بالصعوبة الشديدة للمعركة، فكانوا يكبرون ويهللون ويدعون الله تعالى بأصوات مرتفعة الله أكبر، لا إله إلا الله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (اربؤوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم) وكان عبدالله بن قيس رضي الله عنه يسير خلف دابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يردد لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقال له النبي: (يا عبدالله بن قيس، ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟) فقال: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فلما اشرف على خيبر قام النبي وصلى بأصحابه المغرب والعشاء جمع تقديم بعيدا عن حصونهم، حتى لايروه حتى اذا دخلت العتمة تقدم بجيشه بهدوء الى حصونهم وأمر المسلمون ان يصلوا الفجر مغلسين وكان اليهود اذا اقبل الليل دخلوا حصونهم واغلقوا ابوابهم، وفي الصباح يفتحون ابواب حصونهم ويخرجون للعمل، صلى بهم الفجر وبدأ خروج اليهود من الحصن الى مزارعهم وهم يحملون أدوات الزراعة، فلما رآهم النبي قال لأصحابه: (قفوا)، ثم قال: (اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، اقدموا بسم الله)، فتفاجأ اليهود فصاحوا في فزع: محمد والخميس، واخذوا يهربون الى حصونهم، وصاح بهم النبي، وسمعها كل اليهود: (الله أكبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المُنذرين).
حصون خيبر (1):
هرب اليهود ودخلوا في حصونهم، وخيبر مقسمة الى ثلاثة مناطق الاولى: النَّطاة فيها حصن ناعم وحصن الصعب وحصن القلعة. الثانية: الشَّق فيها حصن أبي وحصن النِّزار. الثالثة: الكتيبة فيها حصن القموص والوطيح والسلالم. طبعاً هذه الحصون مصممة بحيث إذا حدث أقتحام لحصن منها يستطيعون الإنسحاب الى الحصن الذي يليه، وفيها حصون وقلاع أخرى ولكنها كانت صغيرة، والمشكل هنا الحرب حرب فتح حصون وحرب العرب كر وفر، وغير معتادين على فتح الحصون. وبدوأ بمهاجمة خط الدفاع الأول حصن ناعم أقوى الحصون، وأخذوا في رمي المسلمين بالسهام وبالحجارة من فوق الحصن وكان النبي والصحابة الكرام قد وقفوا في المنزلة، فكان اليهود اذا القوا الحجارة الضخمة من داخل الحصن تتدحرج حتى تصل الى جيش المسلمين وتصيبهم، فجاء الى النبي الحباب بن المنذر وقال: يا رسول الله إن هذا المنزل قريب من حصونهم، وهم يدرون أحوالنا ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم، وهو مكان غائر وأرض وخيمة بين النخلات وقد يتسلل اليهود من بين النخلات، ولو أمرت بمكان خالٍ عن هذه المفاسد نتخذه معسكرا فأعجب النبي برأيه وقال: (أشرت بالرأي)، وقال: (اذا أمسينا تحولنا) فلما جاء الليل ذهبوا الى وادي الرجيع، وجاء راعي حبشي اجيرا عند يهودي، الى النبي وقال: اعرض عليّ الإسلام فعرضه عليه، فدخل الايمان لقلبه فقال: إن أنا أسلمت فماذا لي؟ قال: الجنة، فأسلم وقال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، فكيف أصنع بها؟ فقال له: (اضرب في وجهها فإنها سترجع إلى صاحبها) فقام فأخذ حفنة من حصباء فرمى بها في وجهها وقال ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم رضي الله عنه إلى ذلك الحصن فقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، فأتي به إلى النبي، فلما نظر إليه اعرض عنه، فأستغرب الصحابة فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟ فقال لهم: (لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، قد كان الإسلام من نفسه حقا، وإن الشهيد إذا اصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين، وإن معه الآن زوجتيه من الحور العين تنفضان التراب عن وجهه وتقولان له: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك)، … يتبع أن شاء الله.
حصار حصون خيبر (2):
كانت حصون خيبرة محصنة جدا، استمرت محاولات المسلمين لفتح حصن ناعم، وواجه المسلمون مقاومة شديدة، وجرح خمسين من الصحابة بسبب رمي السهام والحجارة من الحصن وأثناء الحصار خرج من الحصن قائد اليهود اسمه مَرحَب يطلب المبارزة، وكان عملاقا ضخم الجثة وكان من أشد الفرسان، وكانوا يقولون أنه يغلب ألف مقاتل وحده، فخرج له عامر بن الأكوع رضي الله عنه، كان فارسا قويا ودار بينهما قتال شرس وكان يقاتل في حماسة، فضرب اليهودي ضربة قوية، ولكن مَرحَب ابتعد وطاشت ضربة عامر فلم تصب مَرحَب فأصابت ركبت عامر واستشهد بسيفه فقال البعض: قتل نفسه فقال النبي: (إنه شهيد وإن له لأجرين)، وكان ممن استشهد محمود بن مسلمة الأنصاري، وقد حارب حتى أعياه الحرب، وثقل السلاح وكان الحر شديدا، ألقى عليه اليهود حجر من فوق الحصن فكسرت الخوذة على راسه وتهشمت، ودخل الحديد في جلد رأسه ونزلت جلدة جبينه على وجهه، وخرجت عينه من مكانها فأدركه المسلمون، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فأرجع الجلدة إلى مكانها وعصبه بخرقة، واستشهد رضي الله عنه من شدة الجراحة بعد ثلاثة ايام، وأصاب المسلمون جوع شديد، ولم يكن معهم من الطعام إلا السويق، واشتكوا للنبي صلى الله عليه وسلم الجوع، وقبل ان تغيب الشمس رأى النبي غنم حول الحصن ترعى قال: (ما خرجت هذه الغنم ترعى من غير راعي، ولعل لها مداخل ومخارج للحصن)، ثم ألتفت الى اصحابه وقال: (من رجل منكم يطعمنا منها ويرى لنا الطريق؟)، فقام ابو يسر بن عمر رضي الله عنه قال: انا يارسول الله، فأنطلق وكان النبي قد دعا له فقال: (اللهم متعنا به ونضَّر وجهه)، واخذت الغنم تدخل في مساربها فأدرك آخرها فحمل شاتين ورجع، يقول : فأتيت للنبي بالشاتين، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلي وقال لي: (نضَّر الله وجهك)، ثم أمر أن تذبح الشاتين وأن تقطع، فأمر النبي بالشواء فاخذ الصحابة يشون ويضعون الشواء في وعاء وجلس النبي صلى الله عليه وسلم عند الوعاء ويضع يده في الوعاء ويمسك اللحم ويقول للصحابة: (خذوا واطعموا اصحابنا، خذوا واطعموا اصحابنا)، عاش ابو يسر مائة واثني عشرة سنة فكان يحدث هذا للتابعين وآخر من مات من الصحابة في المدينة، يقول ابو يسر: والذي بعثه بالحق ، لقد أطعم الجيش كله وما يزال بين يديه لحم مشواه، قال له التابعين متعجبين: كم كنتم؟ قال: اربعة عشرة مئة قالوا: وهل أكلتم جميعاً؟ قال: والله قد شبعنا، وفضل عن زادنا الى الغد. استمر قتال المسلمين اثنا عشر يوما ولم يحقق المسلمون أي شيء وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك اليوم بالشقيقة، ولم يستطع أن يخرج للقتال. …يتبع أن شاء الله.
حصار خيبر (3):
في اليوم الثالث عشر من الحصار أعطى النبي الراية لعدد من اصحابه، ولم يستطيعوا فتح الحصن، وأحبط المسلمون، ولا زالت أمامهم حصون كثيرة، شعر النبي بالأزمة النفسية التي فيها المسلمون، وأراد أن يعيد روحهم المعنوية فقال:(لأعطينَّ الراية غدا رجلا، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه). قال عمر: ما تمنيت الإمارة يوما إلا ليلتها، لشهادة رسول الله ان من سيعطى الراية يحبه الله ورسوله، وباتوا وكلهم يرجون أن يحملوا الراية، وعند صلاة الفجر قالوا: كنا نتقاتل على الصف الأول، فلما انتهت الصلاة ألتفت النبي على أصحابه ووقف متكأ على سيفه، وأخذ يستعرضنا والعيون والآذان والقلوب معلقة تنتظر من الذي سيعطيه؟ قال عمر: فأخذت اتطاول فلما وقع نظر النبي عليَّ ثم جاز قلت: ثكلتك امك يا عمر لست انت فلما استعرضنا جميعا قال: (أين علي؟) قالوا: يا رسول الله يشتكي عينيه قال عمر: ففرحت واذا بالنبي يقول: (ادعوه لي) فجيء يقوده رجلين فقال: يا رسول الله إني أرمد كما ترى، لا أبصر موضع قدمي، فأجلسه النبي، ثم وضع رأسه في حجره، ونفث في كفه وفتح عينيه فدلكهما فبرأ، قال علي: فو الذي بعثه بالحق فما رمدت ولا صدعت وما اشتكيتهما ابدا، وكان بين يدي النبي خرقة سوداء فجدلها على راس علي، ودفع الراية اليه وقال: (يا علي امضي على بركة الله يفتح الله عليك ان شاء الله، امضي ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) فركب الفرس وصاح: يا رسول الله اقاتلهم حتى لا ابقي منهم احدا، على ماذا اقاتلهم؟فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (قاتلهم على ان يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)، هنا يعطيهم النبي الفرصة الأخيرة اذا دخلوا في الإسلام، عفا الله عما سلف، وهذا هي قمة الرحمة لنشر دين الله. وانطلق كالسهم، والمسلمون خلفه، فكان اول من وصل الى الحصن وغرس الراية في أصل الحصن واطلع يهودي من أعلى الحصن وقال: من أنت؟ فقال: أنا على بن أبي طالب فقال اليهودي: غلبتم وعلوتم وحق ما أنزل على موسى، وخرج إليه بطلهم اليهودي مَرحَب بسلاحه ودعا علي للمبارزة وهو يرتجز: (قد علمت خيبر أني مرحب // شاكي السلاح بطل مجرب)، فأجابه علي: (أنا الذي سمتني أمي حيدره // ضرغام آجام وليث قسوره) ثم التقيا فأختلفا بضربيتين فأراد مرحب ان يضرب علي بالسيف على راسه فتلقى علي ضربته بالترس، فثبت سيف مرحب بالترس حتى قسمه نصفين، فأنفتل مرحب يريد ان يضرب علي، فنظر علي فلم يجد الا ضرفة باب الحصن الذي فتح، فأخذه بيده الشمال واقتلعه وجعله ترس بيده يتلقى ضربات مرحب، ثم ضربه علي بالسيف ضربة قوية فشق بسيفه خوذته وشقه نصفين، حتى وصل الى رئته فأستقر بها فوقع على الارض، قال الصحابة: عندما سقط الباب على الارض كأنه جدار انهار من ضخامته، كيف اخذه علي وحمله بشماله؟ لقد اجتمعنا سبعة نزحزح ذلك الباب كي نميطه عن الطريق ما استطعنا، إنما هي إرادة الله كن مع الله ترى الله معك، اصدق مع الله، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
فتح حصون خيبر الباقية:
وجد المسلمين في ذلك الحصن منجنيق، آلة تستخدم في رمي الحجارة الثقيلة على الأسوار فتهدمها ولم يكن العرب يعرفونه، انتقل اليهود الى حصن القلعة وكان هو أمنع الحصون لأنه فوق قمة جبل، ومن الصعب جداً الوصول اليه، وفرض النبي الحصار عليه واستمر ثلاثة أيام، ويأتي توفيق الله تعالى ونصره فألقى الله الرعب في قلب رجل اسمه عزول أراد ان يفعل شيء يحفظ به نفسه واولاده وزوجته وماله، فأتى وتسلل من الحصن، وطلب مقابلة النبي، قال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت السنين تحاصرهم ما بالوا بك ولكن هناك طريقة واحدة لفتح الحصن، قال النبي: (ما هي؟)، قال: أمني قال النبي: (أمنتك) قال: وزوجتي وأبنائي قال: (نعم)، قال: وأموالي قال: (نعم)، قال: إن لهم جداول يخرجون بالليل يشربون منها ثم يعودون الى قلعتهم، فلو قطعت عليهم الطريق خرجوا لقتالك، فأمر النبي أن يقطع عنهم جداول الماء فاضطر اليهود الى الخروج، ودار قتال في منتهى الضراوة، حتى انتصر المسلمون وفتحوا حصن القلعة بعد ثلاثة أيام، ثم انتقل النبي الى منطقة الشق، وبدأ بحصن أبي وتم حصاره، وخرج أحد اليهود يطلب المبارزة، فخرج اليه أبو دجانة رضي الله عنه فقتله ثم دار قتال عنيف وانتصر المسلمون، واقتحموه فهرب اليهود الى حصن النزار، كان على جبل مرتفع، حصنوا فيه نساءهم وأطفالهم وأموالهم، فتحصنوا داخله ولم يخرج أحد منهم لقتال المسلمين، وقاموا برشق المسلمين بالنبل والحجارة واستمر الحصار فترة طويلة، وكان المسلمون قد وجدوا داخل حصن الصعب المنجنيق، أمر النبي، بنصبه وبدأ يضرب اسوار الحصن حتى تهدم جزء من السور ، فتسلل المسلمون الى داخل الحصن، ودار قتال من أعنف أنواع القتال، وتم النصر وفتحه المسلمون وأخذ جميع ما فيه من النساء سبايا وكان منهن السيدة صفية بن حيي والتي اعتقها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وتزوجها، وكانت هناك حصون صغيرة أخلوها اليهود وهربوا إلى منطقة الكتيبة وتحصنوا بحصونها، ومعنوياتهم قد انهارت تماماً وبدأ المسلمون في حصار حصن القموص، واستمر أربعة عشر يوما، ودار قتال مرير حول الحصن وفي النهاية عندما شعروا بالموت، وان جيش محمد صلى الله عليه وسلم لا يهزم، طلب اليهود أن يتفاوضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافق على شروط الإستسلام، ولم يفاوضهم على الصلح.
استسلام زعيم خيبر:
هو كنانة بن الربيع بن ابي الحقيق، وهو من نسل هارون اخو نبي الله موسى عليه السلام، أرسل يقول: اعطني الآمان اكلمك، فأعطاه النبي الأمان فنزل كنانة ومعه رهط منهم، وعرض الصلح فقال النبي: (كنت قد عرضت هذا عليكم من قبل ودعوتكم الى لا إله إلا الله فأبيتم، فأما الصلح الآن فعلى شروطي انا، لا على شروطكم أنتم) ودار بينهما حوار طويل وفي النهاية تم الإتفاق على شروط الإستسلام: حقن دماء اليهود، على أن يخرجوا من خيبر بنسائهم وأبنائهم وبملابسهم فقط، وأن يتركوا كل أموالهم وسلاحهم وديارهم، وأن يركبوا دواب دون الخيل تحملهم الى خارج خيبر. فقال النبي: (على أن لا تخفوا شيئاً من أموالكم، فإذا كتمت منه شيئاً، أستبيح بها دمك، وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله). ورضي بهذه الشروط، وشهد رجال من قومه، ورجال من اصحاب النبي، على هذا الصلح. فتح كنانة ابواب الحصون وطلب منه النبي ان يسلم له: الصفراء أي الذهب، والبيضاء الفضة، والخف والكراع اي الماشية، والحلقة أي السلاح واخذ كنانة يقدم للنبي، فلما انتهى، قال له النبي: (لم يبقى عندك شيء يا كنانة؟)، قال: لا، قال: (فإن أخفيتني شيء لا تنسى، برئت منك ذمة الله وذمة رسوله، وكنت مباح الدم)، قال: نعم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا ابن الربيع، هنالك اشياء كثيرة تخفيها، وما أزال على قولي وصلحي، لا تبقي شيئاً، وابرء ذمتك، فإن لم تصدقني هدرت دمك)، قال: نعم فنظر النبي فيه وقال: (أتممت ولم يبقى عندك شيء؟)، قال: نعم، فصاح النبي به صيحة ارعدت فرائصه: (يا ابن الربيع، إنك لمستخفٌ بأمر السماء، إن أطلعني الله على شيء أخفيته، أهدرت دمك)، قال: نعم، قال: (اني ممهلك ومذكرك وسائلك، أين مسك حيي بن اخطب؟) كان يجمع فيه حيي المجوهرات والقطع الثمينة، مصنوع من جلد الخاروف، ليكون مخزن للمال، وما عاد يتسع للمجوهرات فصنع مسك من ثور، ثم صغر ولم يعد يتسع له، فصنع مسك جمل، وعندما اجلاهم النبي سمح له بحمله معه، فضحك وقال: تعلم يا أبا القاسم، ما حل بنا من ترحال ونزول وهجرة، لقد أنُفق ذلك كله، فقال النبي: (يا كنانة الوقت قريب ولا يمكن أن ينفق هذا المال في هذه المدة، فإن اطلعني الله عن مكانه واستخرجته انا، استبيح به دمك؟)، قال: نعم، فغضب النبي وقال: (قُم يا علي، قُم يا ابن العوام إنطلقا الى دار كنانة، فإذا دخلت باب بستانه، فعد اربع نخلات عن يمينك، ثم احفر تحت الخامسة فأتياني بالمسك)، فانطلقا فحملاه ووضعاه بين يدي النبي، وقال النبي: (ماهذا يا كنانة، ألم يكن هذه المسك تحت النخلة الخامسة على يدك اليمنى اذا دخلت بستانك؟)، قال: اجل يا أبا القاسم، فقال النبي: (كنت قد امهلتك كثيراً، ولكنك أستخففت بأمر السماء وانت تعلم كما كان يعلم حيي من قبلك اني نبي، وأن النبي يوحى إليه، قم يا محمد بن مسلمة فأضرب عنقه)، ليأخذ ثأر أخيه، فقام وضرب عنقه،
قدوم ام حبيبه وجعفر من الحبشة:
بعد أن بدؤا اليهود الخروج من خيبر والتوجه ناحية الشام، جاءوا الى النبي وقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، فأستحسن النبي رأيهم ووافق عليه لأنه يعلم أن المسلمين لا يستطيعون القيام على هذه الأرض، لكبرها وبعدها عن المدينة، على أن يكون لهم من الزرع النصف وللمسلمون النصف، وشرط عليهم: (على أنَّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم)، لاشعارهم بأن وجودهم مهدد حتى يخافوا من أن يغدروا بالمسلمين، وعين عبد الله بن رواحة حتى يقوم بتقدير الزروع ومحاسبة اليهود عليها، جلس صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم خيبر، وقد نشر أصحابه حرساً حول الحصون وإذا برجل يجري ويقول: يا رسول الله هذا جعفر بن ابي طالب قد اقبل من الحبشة، قال النبي: (جعفر يا مرحباً) فقام النبي وترك القسمة، وكان يلبس إزارا ورداء، كما يلبس المحرم قال الصحابة: فمن فرحته قام وألقى ردائه، وأخذ يهرول بالإزار فقط، قال: (مرحبا بمن أشبه خَلقي و خُلقي، وأيمَّ الله لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟)، ثم أعتنقه وقبل بين عينيه، فرحب به وبمن معه من اصحابه ثم اجلسهم حوله وقال: (ما الذي اقدمكم الى خيبر؟) قال: قدمنا المدينة من ثلاث ايام ، فعلمنا ان رسول الله في خيبر، فلم نبت ليلة واحدة حتى لحقنا بك، وكان مع جعفر وفد من النجاشي، فقام صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله فقال: (إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم)، وجلس يحدثهم: (ألا تخبروني بأعجب شيء رأيتم بأرض الحبشة؟)، قال شباب منهم: يا رسول الله بينما نحن جلوس إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم وعلى رأسها قلة فيها ماء، فمرت بصبي فدفعها فوقعت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما قامت التفتت إليه وقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فستعلم أمري وأمرك عنده، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدقت كيف يقدس الله قوما لا يأخذ لضعيفهم من قويهم)، وكان من جملة من قدم معهم رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة، كانت ممن هاجر الهجرة الثانية للحبشة مع زوجها عبدالله بن جحش وكانت حامل فوضعت انثى وسمتها حبيبة، وارتد زوجها عن الإسلام وتنصر وبقيت هي على إسلامها، فابتلاه الله بمرض فأهلكه فمات نصرانيا فأصبحت أرملة غريبة وبنتها يتيمة، هل ترجع الى مكة؟ أين ستقيم؟ في دار ابيها ابو سفيان اشد رجل عداوة لرسول الله أين تذهب؟ وماذا تفعل؟ وبلغ امرها رسول الله فارسل إلى النجاشي ليزوجها منه.
زواج النبي من امنا ام حبيبه:
ترملت رضي الله عنها في الحبشه، فبعث النبي للنجاشي يقول له: (وكلتك نفسي بخطبة رملة بنت ابي سفيان)، وطار النجاشي فرحاً بوكالته، فأرسل الى المهاجرين فحضروا فقال: من أقربكم رحماً بأم حبيبة بنت ابي سفيان؟ فقام خالد بن سعيد رضي الله عنه فقال له النجاشي: إن رسول الله قد وكلني ان اخطب رملة له، وأن أتم الزواج هنا، فأرسل النجاشي الى ام حبيبة جارية من جواريه فقالت: إن الملك قد ارسلني اليك ويقول: إن رسول الله قد كتب إليه أن يزوجك منه، فطارت من الفرح فقالت: أعيدي ما قلت فأعادته، قالت: أحقاً ما تقولين رسول الله يخطبني؟ قالت: نعم قالت: استحلفك بالله أنت واثقة مما تقولين، رسول الله يخطبني أنا قالت: نعم وقد ارسلني الملك إليك لتحضري عقد الزواج، فقالت لها: بشرهُ الله بالخير ومن شدة فرحتها خلعت ما معها من اساور من فضة واعتطهم للجارية، وتم العقد وأمهرها النجاشي من ماله نيابة عن النبي، اربع مائة دينار ذهبية، وأمر بأن تصنع وليمة وقال: اجلسوا، فإن من سنن الأنبياء، إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، وارسل الجارية بالمهر الى أم حبيبة رضي الله عنها فقالت: لم يكن لدي مال عندما بشرتني لأعطيك، واعطتها خمسين دينار من المهر قالت الجارية: لا، إن الملك أمرني أن أرجع ما اعطيتني إياها، وقد أمر نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من عطر وعنبر وحلي، ثم قالت: ولكن أريد منك حاجة يا أم حبيبة قالت: ما حاجتك؟ قالت: أن تقرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وتعلميه أني قد اتبعت دينه، تقول أم ٠حبيبة: كانت تلك الجارية كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك، أن تقرئي رسول الله السلام، ولما سمع ابوسفيان بهذا الزواج، سُر بما فعله النبي مع ابنته، ورجعت أمنا ام حبيبة مع جعفر، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر بنى بها، ثم أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت معها جارية النجاشي وأقرأته منها السلام، فتبسم وقال: (وعليها السلام ورحمة الله وبركاته).
محاولة تسميم النبي في خيبر:
قبل أن يرحل النبي اقبلت امرأة يهودية، وقالت: اريد ان اكرم رسول الله بشاة مصلية، وسألت: أي عضو في الشاة يحب رسول الله، فقيل لها: الذراع اليمنى من الشاة، فقامت بوضع السم على الشاة واكثرت منه على الذراع، وجاءت مبتسمة وقالت: هذه هدية لك يا رسول الله، كان معه عدد من اصحابه واقربهم منه بشر بن البراء، فأخذ قطعة من الذراع ولاكها، ثم وضع النبي الذراع بين اسنانه، وكاد أن يقضم منه، ثم رده وقال: (ارفعوا ايديكم إن هذا الذراع ليخبرني انه مسموم) وكان بشر بن البراء قد أكل من الشاة قطعة وابتلعها فقال بشر: والذي بعثك بالحق لقد شعرت بذلك من أكلتي التي أكلت، فقال له النبي: (فلم لم تلفظها) قال بشر: ما منعني أن ألفظها الا كراهية أن أنغص عليك طعامك نفسي لك الفداء يا رسول الله ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا له بالمرأة، فلما حضرت سألها النبي: (يا زينب أوضعتي السم في هذه الشاة؟) قالت: نعم فقال: (ما حملك على ذلك؟) قالت: قد بلغت من أهلي ما لا يخفى عليك، قتل زوجي واخي وابني فقلت اضع لك السم، فإن كنت ملكاً متغطرساً نستريح منك، وإن كنت نبيا اطلعك الله عليه ولم يضرك، ولأنها صدقت عفا عنها النبي، وسأله الصحابة: ألا تقتلها يا رسول الله؟ فقال: (لا قد عفونا عنها) ولكن عندما تأثر بشر بالسم وتغير لونه واصبح لا يستطيع ان يتحرك من مكانه، ومات في اليوم الثاني أمر النبي صلى الله عليه وسلم ان يحضروا زينب وأن تقتل قصاصا لأنها قتلت بشر، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على الكاهل وهو الموضع بين الكتفين وظل يعتريه المرض كل عام من أثر هذا السم، حتى مات بعد ذلك بثلاثة سنوات متأثرا بذلك السم كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: (يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ)، النبي صلى الله عليه وسلم يخبر السيدة عائشة عن سبب موته. الأبهر: هو اكبر شريان في جسم الإنسان، يوزع الدم المؤكسج الى جميع أجزاء الجسم ويخرج من البطين الأيسر في القلب، ولذلك كان ابن مسعود وغيره يقولون أنه صلى الله عليه وسلم مات شهيدا، المغضوب عليهم هم قتلة الانبياءموقف
موقف قريش من فتح خيبر:
أسلم الحجاج بن علاط حديثا وشارك في خيبر، فلما تحقق النصر للمسلمين، جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالاً متفرق عند تجار مكة، هل تأذن لي أن آتي مكة وأن اقول، فأذن له، فلما رآه أهل مكة قالوا: هذا الحجاج بن علاط عنده والله الخبر فأنطلقوا إليه ليسمعوا منه الخبر قالوا: أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار الى خيبر، فضحك وقال: لقد هزم محمداً هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقد أخذوه اهل خيبر اسيراً عندهم وقالوا: لن نقتل محمدا، حتى نبعث به الى اهل مكة، فيقتلوه بين أظهرهم، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، فضاجت قريش كلها بين مصفر ومصفق وراقص وواضع يده على راسه، من فرحهم، فصاحوا وامتلأت مكة بالأفراح، ثم قال الحجاج أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فيء محمد واصحابه، قبل أن يسبقني إليه التجار، فجمعوا له كل ماله الذي بمكة، فجاء العباس رضي الله عنه وكان يكتم اسلامه وقف بجانب الحجاج مهموماً مكسوراً مهزوماً، حزيناً قد دمعت عيناه قال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذي جئت به؟ فأبتسم الحجاج وقال: جئتك والله بما يسرك يا أبا الفضل، والله لقد تركت ابن اخيك قد فتح الله تعالى عليه خيبر وصارت خيبر واموالها كلها له ولأصحابه، وتركته عروسا على ابنة حيي بن اخطب سيدهم ففرح العباس وقال: أحقاً ما تقول يا حجاج؟ قال: نعم والله، ولكن أكتم علي الخبر ثلاثا فإني أخشى الطلب، وبعدها تكلم بما حدثتك فهو والله الحق ثم أخذ الحجاج أمواله وانطلق وترك قريش في فرحة لا توصف، ينتظرون اهل خيبر ان يحضروا لهم النبي اسيراً مكبلاً بالأغلال، فلما مرت ثلاثة أيام قام العباس رضي الله عنه واغتسل، ولبس اجمل الثياب، وتعطر ثم جاء بكل هدوء وسكينة الى قريش، وكانوا مجتمعين عند الكعبة فنظروا اليه وقالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد على حر المصيبة فضحك وقال: كلا والله الذي حلفتم به، ولكن ابن اخي محمدا قد فتح خيبر، وصارت له ولأصحابه، وهذه هي بنت سيدهم حيي اصبحت زوجة له فقاموا واقفين مذهولين قالوا: أحقاً ما تقول؟ من أتاك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم واخبركم به الحجاج بن علاط ولقد اسلم، واتبع دين محمد، وما قال لكم ما قال إلا ليأخذ ماله ثم يلحق به فصاحوا: لقد خدعنا والله، ثم لم تمر الا أيام قليلة حتى جاءهم الخبر فأسقط في أيديهم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }
زواج النبي من امنا صفيه:
وقال النبي: (قم يا بلال فأتني بأهله) فقام وجاء بزوجتي كنان، ومر بهما على قتلى اليهود، فلما نظرت صفية وجدت أكثرهم من اهلها مسكت نفسها، ولكن ضرتها ولولت وشقت ثيابها وصكت وجهها وجلست على الأرض وحثت التراب على رأسها، فأنتبه النبي، فقال: (ما هذا؟) قيل: بلال ومعه أزواج كنانة، وما زالت الفتاة تولول وتصرخ فاعرض النبي بوجهه عنها قال: (اعزبوا عني هذه الشيطانة) ثم نظر لبلال بوجه غاضب وقال: (يا بلال أمررت بالنساء على قتلاهم؟) قال: أجل، قال: (أنزعت منك الرحمة يا بلال، حتى تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟) فأستغفر بلال، وقال: استغفر لي يا رسول الله قال: (يغفر الله لك) ثم نظر لصفية فأطرقت رأسها حياءاً، ثم لاذت من وجهه ووقفت خلف منكبه فأمر النبي، أن ترسل الى خيمة ام سلمة رضي الله عنها تكريماً لأدبها، فلما فرغ من قسمة الغنائم دخل على الخيمة ثم نظر الى صفية وقال لها: (أنتِ أبنت حيي بن اخطب؟) قالت: أجل يا رسول الله قال: (أمؤمنة انتِ، وتكتمي ايمانك) قالت: يا رسول الله، …، سمعت عمي يقول لأبي، اي يا ابن ام، أهو هو؟ فقال أبي: أيِّ وربِ موسى وعيسى إنه هو، وإني أعرفه اكثر مما أعرف ابنتي هذه قال: تعرفه بنعته وصفاته؟ قال: نعم والله قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته ما حييت، فقال: يا ابن أم أطعني في هذه، وأعصني بما شئت لا تناصب الرجل العداء، فإن ظهر أمره دخلنا فيما دخل الناس به، وإن هلك أصيب على يد غيرنا قال: لا، قال: لَِم تناصبه العداء؟ قال: لِمَ بعثه الله من ولد اسماعيل ولم يبعثه من ولد اسحاق، ووعيت هذا كله فوقع الإيمان في قلبي من ذاك اليوم، وأنك نبي، ولكن كنت لا أملك من أمري شيئاً وعلمت انك نبي، وانا اشهد أن لا اله الا الله، وأنك رسول الله خاتم النبين، فأصطفاها لنفسه صلى الله عليه وسلم وألقى عليها الحجاب وعرض عليها الزواج فوافقت، وقالت: يا رسول الله! قد كنت أتمنى ذلك في الشرك فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام؟ وجعل صداقها هو عتقها وبقيت في خيمة ام سلمة أيام علمتها الوضوء والصلاة والطهارة، وقد حاضت ثم طهرت، فلما ترك خيبر وأصبح على بعد حوالى عشرة كيلو مترات من خيبر أراد أن يدخل على السيدة صفية، فامتنعت عنه، ولم يراجعها حتى اذا ابتعدوا عن ارض خيبر ووقف النبي للمبيت قامت، فأغتسلت وامتشطت وتطيبت، ثم أرسلت امرأة الى النبي تقول له: إن صفية تعرض عليك إما أن تأتيها أو تأتيك فذهب النبي لخيمتها فوجدها قد أعدت نفسها، فجلس في خيمتها قال: (نعم يا صفية) قالت: فداك ابي وامي وكل آل حيي يا رسول الله أريد أن احدثك ونظر النبي في وجهها فوجد في عينها اخضرارا فسألها عن ذلك فقالت: رأيت رؤيا، فقصصتها على كنانة، رأيت القمر قد جاء ماشيا من يثرب الى خيبر، فلما استقر واكتمل ووقف فوق خيبر وقع واستقر في حجري، فغضب كنانة غضباً لم أرى مثله من قبل ولطمني على وجهي لطمة وقال: يا عدوة نفسها أتطمعين أن تكوني زوجة عند ملك يثرب محمد؟ فوقع ذلك في قلبي، وقلت في نفسي ارجو ذلك، فقال لها النبي: (يا صفية فلماذا رغبتي عني، ما حملك على الامتناع أولا، وانتظرتي حتى الان)، قالت: خشيت عليك من قرب اليهود، ورأيت ما اعدت زينب فإني خشية والدماء ما تزال حارة ، وإن أنت نمت في خيمتي وعلمت يهود أني أصبحت فراشاً لرسول الله، ان يثور الدم في عروقهم من جديد ويثأروا بك غدرا، ووالله ما فعلت ذلك، إلا من خوفي عليك من غدرهم يا رسول الله، وتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا لها بالخير ومسح بيده على اثر تلك اللطمة، فزال ما عليها من اثار وعادت عينها أحسن مما كانت، وبنى بها صلى الله عليه وسلم.
دفاع النبي عن امنا صفيه:
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر ومعه امنا صفية، سمع بجمالها نساء الأنصار، فجئن ينظرن اليها وجائت معهن امنا عائشة وهي منتقبة تخفي وجهها تريد أن تراها، فعرفها النبي فخرج ورائها ثم أخذ بثوبها وقال لها: (كيف رأيتِ؟) قالت: رأيت يهودية بين يهوديات فقال لها النبي: (لا تقولي هذا، فقد أسلمت)، وكذلك في حجة الوداع اخذ ازواجه معه جميعهن، فجاءته امنا صفية وقالت: يا رسول الله برك جملي فلم يقم، فعالجه النبي فلم يقم، فنظر لازواجه، وكان مع امنا زينب اكثر من جمل فقال: (يا زينب افقري أختك جملاً حتى نعود)، فغلبتها نفسها فردت في ترفع: أنا أعطي يهوديتك هذه، فغضب النبي غضبا شديدا، وصاح بها وقال: (مه بئس ما قلتي يا زينب) فهجرها مع انها اقرب نسب منه، وزوجه الله أياها، وكانت تفخر عليهن وتقول: ما منكن امرأة إلا زوجها أبوها او اخوها، إلا انا زوجني الله من فوق سبع سماوات، هذه زينب يغضب عليها النبي، ويهجرها، ويقاطعها، ولا يقسم لها بالمبيت، ولا يكلمها وتركها لا يتحدث اليها، طوال ايام حجة الوداع، حتى عاد الى المدينة، الى ان مرض، وثقل عليه المرض وعلم انه مقبوض فذهب لحجرتها، وكانت عندما هجرها قد طوت فراش النبي ونامت على الارض، فقام وجاء متعب صلى الله عليه وسلم وقد اثقله المرض وكان يتكأ على علي والعباس، لما رأته فرحت ولم تسعها الارض من فرحتها فقامت تستقبله فجاء بنفسه للفراش وفرشه ونام تلك الليلة عندها، ولولا انه لم يفعل ذلك ما كان كلمها احد بعد موته، من اجل امنا صفية المؤمنة الصادقة، امنت بالنبي لسماع والدها وعمه، ومن مواقف النبي معها كانت ازواج النبي فريقان، عائشة وحفصة وسودة فريق مع بعض وباقي زوجات النبي فريق، فحاولت السيدة صفية التقرب لضرائرها، ولكن كانت كثيرا ما توجه اليها الإهانات والسهام الجارحة، بأصلها اليهودي، وكان صلى الله عليه وسلم يدافع عنها ويقف الى جوارها، واشتكت اليه وهي تبكي أن عائشة وحفصة تكلمتا وقالتا: نحن أكرم على رسول الله منك فنحن بنات عمه وكذا وكذا، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم دموعها بيده الشريفة وقال لها: (ألا قلت؛ وكيف تكونان خيراً مني، وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى) عليهم الصلاة والسلام، واستمر دفاعه حتى آخر أيامه، وقبل وفاته بيوم واحد، وقد اجتمعت أمهات المؤمنين حول فراشه صلى الله عليه وسلم فكانت اقرب ازواجه اليه امنا صفية، فلما رأت النبي تأخذه الغيبوبة ثم يفيق شفقت عليه وقالت: اني والله يا نبي الله، ليت الذي بك بي يا رسول الله، واني أعلم ان الموت حق ولكن لا اطيق ان أراك تغيب ثم تفيق، فتغامزت عائشة وحفصة بالنظرات، تقول امنا عائشة: فما راعنا إلا أفاق رسول الله من غيبته وهو يقول: (قمنَّ فمضمضنَّ افواهكن)، فقلن في دهشة: من أي شيء؟ فقال: (من تغامزكن بصفية والذي نفس محمداً بيده، لقد أسلمت فحسن إسلامها، وآمنت فكمل أيمانها). فزرع لنا النبي هذه المعاني والدروس في قصة امنا صفية وهي دروس مهم للمسلمين، رضي الله عنهن جميعا وارضاهن.
الفصل السادس:
تبليغ دعوته للعالم:
بعد رجوع النبي من خيبر بثلاث أيام، وقف وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس، إن الله بعثني رحمة وكافة، فأدوا عني رحمكم الله ولا تختلفوا عليّ، كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم عليه السلام)، فقالوا: وكيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام يا رسول الله؟ قال: (دعاهم الى تبليغ دين الله، فمن أرسل الى جهة قريبة اطاع ومن أرسل الى جهة بعيدة، كره وأبى) فقالوا: لن نختلف عليك يا رسول الله، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم، في إرسال الرسائل الى الملوك والزعماء داخل وخارج الجزيرة العربية، لأن الإسلام دين عالمي، بل وللجن أيضاً، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ويقال: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} والأحاديث في ذلك كثيرة جدا، ومن مكاسب صلح الحديبية، كان أعتراف قريش بالدولة الإسلامية وقريش هي قبيلة معروفة، لكل دول العالم القديم، فأصبح للدولة الإسلامية مكانتها بين دول العالم القديم، كان العرب اتباع لمعسكرين فارس الدول الشرقية، ومعسكر الروم الدول الغربية، بلا دين وعندما جاءهم الاسلام واعزهم ورفع شأنهم، حررهم من هذه التبعية فكانوا خير امة اخرجت للناس وإذا تخلوا عن هذا الدين عادوا لما كانوا عليه أذناب لغيرهم.فقال له اصحابه: يا رسول الله، إنهم لا يقرؤون كتابا إلا إذا كان مختوما فصنعوا للنبي خاتم يختم به رسائله مكتوب فيه محمد رسول الله من أسفل الى أعلى، ذلك حتى لا يعلو اسم محمد اسم الله وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه. فبدأ صلى الله عليه وسلم برؤوس تلك الأمم واعظم دولتين، كسرى فارس وقيصر الروم، وخاطبهم بلهجة القوي المتمكن، فهو رسول الله ومؤيد منه جل في علاه، وسيد ولد آدم والخلق جميعا قوله: (أسلم تسلم) أي إن لم تسلم لن تسلم. فأرسل النبي عدة رسائل مع اصحابه وانطلقوا جميعاً من مسجده في وقت واحد، رسالة الى هرقل قيصر الروم وحملها دحية الكلبي رضي الله عنه، والى كسرى ملك فارس وحملها عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، والمقوقس حاكم مصر حملها حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وللنجاشي ملك الحبشة حملها عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه، وللمنذر بن ساوى ملك البحرين وحملها العلاء بن عمرو الحضرمي رضي الله عنه، ولهوذة بن علي ملك اليمامة وحملها سَليط بن عمر رضي الله عنه، وللحارث بن أبي شَمِر ملك دمشق، وحملها شجاع بن وهب رضي الله عنه، ولأمير بُصرى والي الروم عليها، حملها الحارث بن عمير الاسدي رضي الله عنه، وهذا الوحيد الذي قتل من الرسل، قتله فورا.
وصول رسالة النبي لهرقل:
وقعت حرب بين الفرس والروم ، وانتصر الفرس وكانت قريش تميل للفرس، ففرحت وتوعدت من دخل في دين محمد أنه سيأتي يوم لنا ونقضي على هذا الدين، حينها كان المسلمون مستضعفين في مكة، فأغتم النبي والمسلمون لذلك، فأنزل الله {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} فكانت الايات تأكيد لأهل مكة ان رسول الله مرسل من عند الله، وأن الروم سيغلبوا الفرس، ففي الوقت الذي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسائله كان نصر الروم على الفرس على يد هرقل، كما اخبر الله تعالى نبيه تماماً، وقيصر هو لقب لحاكم الروم الاول لأنهم استخرجوه من بطن أمه التي ماتت في مخاضها به، ومن يحكم الروم بعده كان يأخذ لقب قيصر، وكان يسيطر في ذلك الوقت على نصف أوروبا الشرقية تركيا الشام مصر شمال افريقيا وكلها مطلة على البحر الابيض لذلك سمي في ذلك الوقت بحيرة رومانية، وإقامة هرقل كانت في حمص وكان نذر إن نصره الله على الفرس أن يأتي مشياً على قدميه من حمص الى بيت المقدس شكرا لله على نصره في حربه ضد الفرس، فخرج ماشيا وتبسط له البسط وتوضع عليها الرياحين ليمشي عليها. كان صلى الله عليه وسلم يختار السفير حسن الهيئة والوجه، فاختار الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، وكان دحية حسن الهيئة حسن الوجه، وله ميزة خاصة من الله عزوجل، وهي ان جبريل عليه السلام كان عندما يأتي الى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة بشرية كان يأتيه في صورة رجل حسن الهيئة يشبه دحية وعندما يرى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على شكل دحية، بشكل بدوي يقول له مرحبا بأخي جبريل فكانت من خصائصه وشدة بصيرته النورانيه صلى الله عليه وسلم يعرف الملائكة بأي شكل وأي صورة لم تكن هذه الخصيصة موجودة إلا عنده صلى الله عليه وسلم، ونص رسالة النبي الى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين) ثم ختمها بقوله تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ})، وانطلق بها دحية ولما وصل اخبروه ان هرقل موجود الآن في بيت المقدس فذهب اليه واستأذن بالدخول، فلما دخل اعطاه الرسالة، فلما نظر وقرأ له الترجمان ما فيها كان يقف بجانب الترجمان اخو هرقل فلما سمع الترجمان يقرأ من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم ضرب صدر الترجمان ضربة شديدة ونزع الكتاب من يده، وأراد أن يقطعه فقال هرقل لأخوه: ما شأنك؟ فقال: تنظر في كتاب رجل قد بدأ بنفسه قبلك وسماك قيصر صاحب الروم، وما ذكر لك ملكا؟ فقال له هرقل: إنك أحمق صغير، أتريد أن تمزق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟ ولعمري إن كان رسول الله كما يقول لنفسه، أحق أن يبدأ بها مني فلما انتهى الترجمان من قراءة الرسالة قال هرقل: هذا كتاب لم أسمع بمثله وكان هرقل متدينا وذو علم ، وكان يعلم من الكتب التي قرأها من كتب أهل الكتاب أن هناك نبيا خاتما بعد عيسى وقد بشر به عيسى وموسى عليهما السلام وقرأ صفاته في تلك الكتب ولكن لم يكن يعلم أن هذا الرجل الذي ارسل اليه هو هذا النبي أم لا ولذلك لم يتعجل في الرد على دحية الكلبي وأمر جنوده أن يأتوا له ببعض العرب من أهل مكة لكي يسألهم عن هذا النبي الذي ظهر في بلادهم وقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، فكان أبو سفيان زعيم قريش في تجارته فقبض الجنود على بعض تجار مكة كان يتاجرون في غزة، قال أبو سفيان: ادخل مع أصحابه من التجار الى مجلس هرقل وحوله حاشيته من الوزراء والأمراء وقادة الجيش والعلماء ورجال الدين، سأل هرقل التجار بترجمانه: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا إليه فقال: أدنوه مني، واجعلوا أصحابه خلف ظهره فقد يستحوا أن يكذبوه في وجهه ويكذبوه وهو لا ينظر اليهم، وهذا يدل على حكمته ودقته وعلى شدة اهتمامه بقضية حبيبنا صلى الله عليه وسلم، ثم قال لترجمانه قل لهم: إني سائلٌ هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه وبذلك يتأكد هرقل من صدق أبو سفيان،
استجواب ابو سفيان:
قال هرقل لترجمانه اسأله كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، هل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قال: لا، هل كان من آبائه من ملك؟قال: لا، هل أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون، فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فهل يغدر؟ قال: نحن معه في مدة لا ندري ماهو فاعل فيها، فهل قاتلتموه؟ قال: نعم، فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، ماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا ويقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، وأراد ابو سفيان ان يطعن في صدق النبي فقال: أخبرك عنه أيها الملك خبراً تعرف به أنه قد كذب، قال: وما هو؟ إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح، فوقف احد البطاركة المسؤولون عن المسجد الاقصى وكان بجانب هرقل، قال: صدق أيها الملك، فنظر إليه هرقل فقال: ما أعلمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا: لا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فلما أصبحت جئت إليه فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا لهذا الأمر فقال هرقل لقومه: يا قوم ألستم تعلمون أن بين يدي الساعة نبيا بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله في غيركم ثم نظر هرقل لابي سفيان، ولحاشيته من الوزراء والأمراء والعلماء ورجال الدين وبدأ يذكر سبب هذه الأسئلة بالتحديد، وما هي استنتاجاته فقال للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أشرف نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فقلت لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بمن قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فقلت لا، فلو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فقلت لا، فلم يكن ليصدق مع الناس ويكذب على الله، وسألتك هل أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فقلت أن ضعفائهم، فالضعفاء هم اتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطةً لدينه بعد أن يدخل، فقلت لا، وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلباً فتخرج منه، وسألتك هل يغدر فقلت لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت إنه يأمركم ان تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، إعلم يا هذا إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، ثم طوى الرسالة وقبَّلها ووضعها على رأسه، ثم أمر أن تحفظ في الديباج. قال أبو سفيان: فلما قال هرقل ما قال كثر عنده الصخب فأمر أن نخرج، فنظرت الى اصحابي وقلت: لقد بلغ من أمر ابن ابي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر.
موقف هرقل وعماله من الرسالة:
كثر الصخب وارتفعت الاصوات عند هرقل، فقام وانطلق متوجها من الاقصى الى مقر حكمه حمص، واخذ معه حامل الرسالة، فلما وصل أمر أن يجتمع عنده عظماء الروم في دسكرة له، فلما اجتمعوا أمر ان تغلق الابواب، ثم قال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوا الابواب قد أغلقت، فقالوا له: اتدعونا أن نترك النصرانية ونصير عبيدا لأعرابي؟ فقال لجنده ردوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، ثم اكرم هرقل دحية غاية الاكرام وحمله بالهدايا، وقبل ان يغادر دحية، جاءته رسالة من عامل هرقل والي دمشق، الحارث بن أبي شمر، الذي بعد ما قرأ رسالة النبي، قال من ينزع مني ملكي؟ اني سائر اليه ولو كان باليمن لجئت اليه، وقال: انقل لصاحبك ما سمعت، ونادى: يا قائد الجند جهز لي جيشا اغزو المدينة، وتذكر أنه ليس صاحب الامر، وارسل الى هرقل يقول فعلت كذا وكذا، قال دحية: جاء رسول بن ابي شمر ملك الشام لهرقل وانا عنده قال: فغضب هرقل غضباً شديداً، وأمر أن يرسل إليه أن لا تفعل ولا تزعج الرجل واكرم وفادة حامل الرسالة واعتذر للرسول واكرمه وحمله هدايا، ولغى فكرت غزو المدينة. وكذلك موقف عامله شرحبيل بن عمرو الغساني والي البلقاء، عندما رأى حامل الكتاب قال له: الى اين؟ قال: الى ملك بُصرى، قال: لعلك من رسل محمد الذي يزعم انه نبي؟ قال: نعم فما كان منه الا ان ضرب عنقه فورا، قبل ان يستلم الكتاب، وغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وحزن، ولم يقتل من رسل النبي إلا هذا، وبسبب مقتله كانت غزوة مؤتة التي وقفها فيها الكون كله. وما اشبه اليوم بالأمس، سبحان الله الذي قال: {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} هرقل عظيم الروم استقبل الرسالة وكاد ان يسلم، والذين تحت يديه من العرب هم الذين اساؤوا، وكان هرقل يوقن من الكتب التي قرأها أنه في يوم الأيام سيتحول كل الملك الذي بين يديه الى رسول الله، ووجد هرقل نفسه بعد ذلك منجرفا ومنقادا لحرب المسلمين في مؤتة وتبوك، ثم بعد ذلك الحروب المتتالية في الشام ومصر في عهد أبي بكر وعمر ويبدو أن فتنة الكرسي لا تعدلها فتنة كان هذا هو موقف الدولة الرومانية، تردد في لحظة فاصلة، ثم حروب طاحنة، وهذا الموقف نراه كثيرا في التاريخ، فكثير من زعماء ورجال الدين في العالم يعرفون صدق الإسلام، ويعرفون نبؤة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يرفضون الإسلام حفاظا على كراسيهم وعروشهم،
رسالة النبي الى كسرى:
كسرى هو لقب كل من يحكم إمبراطورية فارسية، واسمه خُسرو الثاني ولقبه إبرويز أي المنتصر، وحامل الرسالة الصحابي عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، وهو الذي في عهد عمر بن الخطاب أسره الروم وطلب منه ملك الروم أن يتنصر فرفض، ثم قال له: تنصر أشركك في ملكي، فأبى فأمر به أن يصلب وترمى عليه السهام فلم يجزع، فأمر بأنزاله، وأمر بقدر فيه ماء يغلي وأمر بإلقاء أسير فيها امامه ليخيفه، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر فلما ذهبوا به بكى؛ فقال: ردوه فقال: لم بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله، فتعجب وقال له: قبَّل رأسي وأنا أخلي عنك فقال: وعن جميع أسرى المسلمين؟ فقال: نعم فقبل رأسه فأطلق سراحهم، فلما رجعوا الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقصوا عليه ما حدث، وقام عمر الى عبد الله بن حذافة وقبل رأسه، هذا هو الصحابي الجليل الذي حمل الرسالة لكسرى، أختاره النبي لهذه المهمة، وكان يعلم النبي أن الكبرياء في نفس كسرى، فلما دخل عبد الله على كسرى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده فقال عبدالله: إنما أمرني رسول الله أن أدفعه لك يدا بيد وأنا لا أخالف أمراً لرسول الله، فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا حتى ناوله الرسالة بيده، وكان نصها يختلف عن صيغة خطابه رسالة هرقل، فدفعها كسرى الى المترجم وقرأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله، الى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله الى الناس كافة، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فإن تُسلم تَسلم، وإن أبيت فإن عليك إثم المجوس. فكان صلى الله عليه وسلم، يخاطب كل رجل بما يليق به، فليس الخطاب الواحد يصلح للناس جميعاً، وما ان سمع كسرى رسالة النبي حتى استشاط غضبا، واخذته العزة بالاثم وخطف الرسالة من يد المترجم ومزقها وهو يقول في غطرسة: عبد من رعيتي يكتب اسمه قبلي، ثم ارسل الى عامله على بلاد اليمن على الفور واسمه باذان أن يبعث رجلين من رجاله ليأتي له برسول الله إلى المدائن عاصمة فارس، وكان كسرى يريد بذلك اذلال الرسول والمسلمين،
اسلام باذان واهل اليمن:
قام باذان عامل كسرى على اليمن بتنفيذ أمره وأرسل جنديين للقبض على النبي، وفي الطريق مروا بالطائف، وعلم أهلها ان كسرى يطلب محمد ففرحوا واستبشروا وقال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، وكفيتم الرجل، ورجع رسول رسول الله الى المدينة واخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بما حدث، فسخر النبي وضحك وقال: (مزق الله ملكه)، ووصل الجنديين الى المدينة المنورة، وكان قد حلقا شعر رأسيهما ولحيتيهما وبقي شاربيهما طويل، فلما رآهما النبي اشاح بوجهه عنهما، قال: (من أمركم بتغير خلق الله؟) قالا: ربنا، وابلغا النبي بما قال كسرى، وقالا: وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، وكان الوقت ليلا، قال لهما النبي: (اذهبا الآن وأتياني غداً) فلما دخلا عليه قال لهما النبي: (ادعوكما الى الله ان تسلمان وتؤمنان بالله وأني محمد رسول الله)، فأرتعدت فرائصهما من هذه الكلمات، ووقفا ولم يجيبا بشيء، وقالا: إنما نحن رسل نبلغ، فقال لهما: (ارجعا الى صاحبكما في اليمن، واخبراه إِنَّ ربي قتل ربَّه هذه الليلة بعد منتصف الليل، وإن ابنه شيرويه هو الذي قتله)، ففزعا وقالا له: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب عنك هذا، ونخبر الملك باذان؟ فقال النبي في كل هدوء وثقة: (نعم أخبراه ذاك عني وقولا لباذان؛ إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي الى الخف والكراع، وإن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك) فلما انطلقا وفي الطريق قال احدهما للآخر : إن صدق فهو حقاً رسول من عند الله، وصل الجنديان الى باذان، واخبراه برسالة النبي؛ وإن للرجل هيبة لا يجرء احد أن يدنو منه اذا حدثنا ترتعد فرائصنا وقد اخبرنا أن ربه قد قتل ربنا، وأن ابنه شيرويه قد اعتدى عليه فقتله، وان ابنه قد انتزع الملك منه، قال باذان: إن كان نبيا حقا فسيكون ما قال، ننظر فإن صحت اخباره آمنا به واتبعناه وما لبث ايام حتى جاءه خطاب من شيرويه ابن كسرى الى باذان يقول فيه: إنه قد قتل أباه أبرويز، لأنه قد قتل الكثير من أشراف فارس، ويطلب منه بيعة أهل اليمن، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى يكتب إليك فيه فلا تزعجه حتى يأتيك أمري وعلم باذان الليلة التي قتل فيها أبرويز فوجد أنها هي نفس الليلة التى أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فأيقن أنه رسول، وأن الذي أخبره هو وحي من عند الله تعالى لأن المسافة بين المدينة والمدائن هائلة وبعيدة ومستحيل على أهل هذا الزمن بأي صورة من الصور أن يعرفوا الأحداث التي تحدث في بلد آخر إلا بمعجزة خارقة، وهنا أخذ باذان قرار الإسلام فورا فأسلم، وأسلم أبناؤه، وأسلم كل من في اليمن من الفرس تقريبا وأسلم الرسولان اللذان بعثهما باذان إلى رسول الله، ثم أسلم بعد ذلك كثير من أهل اليمن، وكان اسلام اليمن اضافة كبيرة جدا لقوة المسلمين، أما كسرى فارس الجديد فلم يفكر في الإسلام وظلت العلاقات بين الدولة الاسلامية والفارسية متجمدة الى أن بدأت المواجهات في عهد الصديق رضي الله عنه.
رسالة النبي الى المقوقس حاكم مصر:
المقوقس هو لقب كل من كان يحكم مصر، وكان مسيحيا وتابعا للإمبراطورية الرومانية، وكانت لغة اهلها اللغة القبطية، فخاطبهم صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي خاطب فيها عظيم الروم هرقل لانهم اهل كتاب، وحمل الرسالة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وعندما توجه حاطب الى مصر، وجد المقوقس قد رحل الى الإسكندرية فتوجه اليه، وسلمه الرسالة، وكان نصها بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط، وختمها بالاية { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } قال حاطب: قرأها وأمعن النظر فيها، واعاد القراءة اكثر من مرة، ثم طوى الرسالة وقبلها ووضعها في قطعة من حرير ثم وضعها في صندوق، وأمن عليها جارية خاصة له مقربة له بالقصر وأمر أن يجهز لي مكان للراحة في قصره، فبعد أن أخذت راحتي دعاني لمجلسه وقد جمع عنده اكابر حاشيته وقال: إذا كان صاحبك كما تقول نبي، والنبي مؤيد من ربه، ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده مكة إلى غيرها، أن يهلكهم الله فلا يبقى له عدو، فقال حاطب بكل هدوء: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله؟قال: بلى، قال: فماله حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يقتلوه ويصلبوه، أن لا يكون دعا عليهم، أن يهلكهم الله تعالى، لكنه صبر حتى رفعه الله إليه؟ فتبسم المقوقس وقال: أحسنت جواباً، أنت حكيم جاء من عند حكيم، ثم قال: لقد قرأت الرسالة وفهمتها، فأمهلني الآن، قال حاطب: فمكثت عنده ثلاثة ايام، ثم دعاني الى مجلسه وأخذ يسألني عن الاسلام، وعن النبي، ثم قال: هذه صفته، وكنت أعلم أن نبيا قد بقي، وكنت أظن أن مخرجه بالشام، فأراه قد خرج من أرض العرب، ثم دعا كاتبه وكتب الى النبي: (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم الروم سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبياً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وكسوة، وقد أهديت لك بغلة تركبها والسلام)، وامنا مارية القبطية التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم احدى الجاريتين والتي انجبت له ابراهيم وسيرين التي تزوجها حسان بن ثابت رضي الله.
هدايا المقوقس للنبي:
قال حاطب رضي الله عنه: أرسل معي المقوقس هدايا للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتان: هما مارية القبطية واختها سيرين كان مقوقس القبط قد رباهما في قصره وتعلمتا دين النصرانية، وكانتا مقربتان إليه، وعندما قرأ الرسالة رأى أن خير ما عنده يقدمه للنبي هاتين الجاريتين، هذا في الظاهر وفي الحقيقة كما قال صلى الله عليه وسلم: عنه عندما قرأ حاطب على النبي رسالة المقوقس، تبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكاً وقال لاصحابه: (ثعلب مراوغ) فعندما ارسل المقوقس الجاريتين كهديتين وتكريماً في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم اما في الحقيقة ارسلهما عيون له فالأولى مارية اصبحت ام للمؤمنين رضي الله عنها، وتسرى النبي صلى الله عليه وسلم بها، فلقد عرض عليها الإسلام فأسلمت فأراد ان يعتقها ثم يخطبها ثم يضمها الى أمهات المؤمنين ويتخذ لها حجرة، فرجته بغاية الأدب وقالت: يا رسول الله، لقد تربيت على الرهبانية عند القبط حتى اتقنت ديننا، فألفت نفسي الرق والعبودية، واخشى ان لا اكون بمستوى الأحرار، فإني اكون اقرب لخدمتك وانا أمه فتسرى بها وهي أمه، فحملت بمولود لرسول الله وهو ابراهيم الذي ولد وعاش ثمانية عشر شهرا، فلما بدأت تظهر صفاته الخلقية، كان اشبه الناس خلقاً برسول الله وفي شرعنا، قد جعل الاسلام شروط للتسري ومنها الأمة المملوكة الرقيقة، إذا انجبت غلاما فأبنها يحررها، فلم تعد مارية القبطية أمة وإن كانت هي تريد ان تبقى أمة، فأصبحت حرة وأم لنا جميعا رضي الله عنها، وتوفت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر بن الخطاب ودفنت بالبقيع بجانب ولدها ابراهيم. والجارية الثانية هي سيرين اخت مارية اهداها النبي صلى الله عليه وسلم الى شاعره الانصاري حسان بن ثابت رضي الله عنه فأعتقها حسان وتزوجها واصبحت صحابية جليلة تروي الحديث رضي الله عن امنا مارية واختها سيرين، ولقد ولدتا في محافظة منيا في صعيد مصر وكانتا من كبار عائلات الاقباط المصريين انذاك وسلبها المقوقس هي وأختها سيرين، من أهلها الذين كانوا من أعيان المصريين وأشار المقوقس إلى مكانتيهما الاجتماعية فى رسالته للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لهما مكان في القبط عظيم، فمارية من صميم مصر .
– طبيب خصي، قد تعلم الطب وبرع فيه فأرسله للنبي كطبيب وجاسوس في آن واحد، فقبل النبي كل الهدايا الا الطبيب بعد ان اكرمه واستضافه قال له: (ارجع لصاحبك وقل له لا يحتاج لطبيب)، لأنه من هديه لنا: لا نأكل حتى نجوع، وإذا اكلنا نقوم دون الشبع، فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد اكلت يوما مرتين قالت رضي الله عنها: فوكزني بأصبعه في بطني وقال: (ليس لك همٌّ إلا بطنك يا عائشة؟ والذي نفس محمد بيده أكثر الناس شبعاً في الدنيا، اكثرهم جوعاً يوم القيامة).
– ومنها الف مثقال من الذهب الخالص، وزعها النبي فورا على فقراء المسلمين امام عين الطبيب، حتى اذا ما رجع ينقل ما رأى، النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج الى مال.
– ومنها بغلة شهباء، سأل المقوقس حاطب ماذا يركب نبيكم اذا اراد التنقل؟ قال: يركب ما تيسر له، فرس احيانا، وجمل احيانا، وأتان احيانا، فعلم انه لا توجد بغال عند العرب، فأرسل للنبي بغلة بيضاء واستغربها الصحابة اي نوع من الدواب هذا؟ فأوضح لهم النبي ذلك، وكان من خلقه ان يسمي كل شيء له به علاقة، ثيابه وسلاحه ودوابه، فسمى البغلة دلدل وكان يركبها دائما في داخل المدينة.
– ومنها زق من عسل، عسله من اطيب الانواع على وجه الارض واحبه كثيرا، من انتاج مدينة اسمها بنها من صعيد مصر هي شبه جزيرة، ثمارها وخيراتها كثيرة، والى يومنا هذا مشهورة بالعسل وذلك لدعاء النبي لها بالبركة. – ومنها ثياب من نسيج قطن مصر، وبسط قطع سجاد للارض، نظر اليها النبي واتلف ما وجد فيها صورة صليب، واستعمل الباقي.
– ومنها بعض العود والمسك استخدمه صلى الله عليه وسلم جميعا، وسأل المقوقس حاطبا، قال: يا حاطب، هل يكتحل نبيكم؟ قال: نعم، وينظر في المرآة، ويرجل شعره، فأرسل له مربعة ليضع فيها المكحلة وقارورة الدهن والمشط والمقص والمسواك، ومكحلة من عيدان شامية ومرآة ومشطا. عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سبع لم تفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر القارورة التي يكون فيها الدهن والمشط والمكحلة، والمقراض والمسواك، والمرآة وفي رواية والإبرة، والخيط. ثم اسكن النبي ام المؤمنين مارية رضي الله عنها في دار الحارث، فلم يحب ان يضع لها حجرة بين ازواجه وأراد ان يبعدها عن امنا عائشة شديدة الغيرة، قالت أمنا عائشة: ما أدخلت علي زوجة من ازواج رسول الله ما أدخلته مارية القبطية مع أن النبي لم يقسم لها ليلة كباقي زوجاته. ثم حملت من النبي صلى الله عليه وسلم، وخبر حملها أبهج المدينة كلها. فأمر ان يتخذ لها بيت في العوالي جهة مسجد قباء، حتى اذا كمل حملها ووضعت ابنها ابراهيم، ومن فرحة الصحابة به أولم كل بيت في المدينة فرحا بهذا المولود.
رسالة النبي للنجاشي:
اصحمة بن ابجر بعد موته: النجاشي لقب لمن يحكم الحبشة، أرسل النبي هذه الرسالة مع الصحابي عمرو بن امية الضمري، وكان نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله الى النجاشي عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، ادعوك بدعاية الله فإني انا رسول الله، أسلم تسلم، فإن ابيت فإن عليك اثم النصارى من قومك، ثم ختم الرسالة بالاية {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }، ولم يسلم، (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [رواه مسلم]).
اما الاولى كانت قبل صلح الحديبية، مع نفس الصحابي عمرو بن امية الضمري الى النجاشي واسمه اصحمة بن ابجر وقد اسلم على يد جعفر بن ابي طالب، وحين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم موته، قام ووقف على باب المسجد وقال: الصلاة على اخيكم ملك الحبشة اصحمة بن ابجر فصلى عليه صلاة الغائب في المدينة مع اصحابه. وكان من نصها؛ بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله الى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها الى مريم البتول الطاهرة فخلقه كما خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه وإني ادعوك الى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني فإني رسول الله وإني ادعوك وجندك الى الله عزوجل ولقد بلغت ونصحت فأقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى. ومعها رسالة اخرى تكلف النجاشي بأن يزوجه، برملة بنت ابو سفيان ام حبيبة ولم يدخل موضوعه الشخصي ضمن رسالة دعوته الى الله، فأخذهما النجاشي وقبلهما ووضعهما على رأسه وعينيه، ونزل عن سريره تواضعا وامر ان تحفظ الرسالتين بقطعة من حرير.
الفصل السابع:
غزوة ذات الرقاع:
قرر النبي صلى الله عليه وسلم، تأديب غطفان وبعض القبائل التي تأامرت على المدينة فلم تكن هناك لحظة ضائعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة صحابته، وقد سمع النبي باجتماع قبيلتين من غطفان وهي بني أنمار وبني مُحارب ويريدون الإغارة على المدينة، فخرج صلى الله عليه وسلم، بنفسه الى ديار غطفان في جيش قوامه سبع مئة مقاتلا وهو عدد قليل نسبيا في مواجهة غطفان، لأنه لا يريد ترك المدينة بلا جيش يحميها، ولم يكن مع المسلمين سوى ستين أو سبعين بعيرا، يتناوبون ركوبها، وسار الرسول مسافة كبيرة بجيشه في عمق الصحراء وتوغل حتى بلغ ديار غطفان وهي إلى الشمال الشرقي من المدينة على مسافة حوالي ثلاثمائة كم، والصحابة يسيرون على أقدامهم، حتى بليت نعالهم وتلفت أقدامهم، وسقطت أظافرهم، وأخذوا يلفون الخرق وقطع القماش على أقدامهم، فلذلك سميت هذه الغزوة بذات الرقاع، وعندما وصل الجيش الإسلامي إلى ديار غطفان كانت الظروف كلها في صالح غطفان فأعدادهم كبيرة، والمعركة في ديارهم، وفي الطرق والدروب التي يعرفونها جيدا والمسلمون أعدادهم قليلة، وهم قادمون من مسافة بعيدة، ومرهقون وقد تلفت أقدامهم من السير في الصحراء ومع كل هذه الظروف التي في صالح غطفان فإن غطفان اصابها الرعب وانسحبت من أمام المسلمين، ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينسحب فيها أعداء المسلمين خوفا منهم وكان ذلك توفيقا من الله تعالى لذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وهذا هو الإعداد الذي أمر الله به نبيه، لا كما يفهمه الناس اليوم قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الإعداد هنا القوة الإيمانية ومعطوف عليها رباط الخيل هو السلاح فالمؤمن الحق صاحب الإيمان الصادق، الذي يقفو اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصحابه إيمانه يهز قلوب الاعداء واذنابهم وشياطينهم، وله رهبة في قلوبهم هذا ما يخيفهم ويرعبهم، المؤمن الصادق لأنهم يعلمون أن هذه الفئة لا تلتفت لتطور السلاح، وقوة العدو متوكلون على الله ثم بإيمانهم فقط، لو وقفت الجبال في وجههم لأزالوها وكيف يصل المؤمن لهذا الايمان؟ بطاعة الله ورسوله باتباعه السنة. عاد المسلمون الى المدينة دون قتال وهكذا يكون وقد كسرت الاجنحة الثلاث ممن اشتركوا في غزوة الاحزاب من يهود وقريش وغطفان.
ارسال السرايا:
قبل وبعد غزوة ذات الرقاع، ارسل النبي ست سرايا متتالية الى قبائل غطفان وغيرها وبعد هذه السرايا لن ترفع رأسها مرة أخرى أمام المسلمين، بل استكانت شيئا فشيئا حتى استسلمت، ثم أسلمت واحدة بعد الأخرى، وهي:
– سرية غالب بن عبد الله الليثي رضي الله عنه الى بني الملوح قبل غزوة ذات الرقاع وكان سببها ان بني ملوح قد قتلوا بعض أصحاب النبي فأرسل اليهم غالب بن عبد الله الليثي ومعه سبعة عشر رجلا فوصلوا اليهم قبل غروب الشمس فلما كان الليل أرسلوا جندب الجهني ليستطلع فبينما هو منبطح خرج رجل من القوم من خيمته فقال لأمرأته: اني أرى على التل سوادا لم أره في أول يومي، فانظري الى أوعيتك لعل الكلاب تكون قد جرت منها شيئا فنظرت ثم قالت: ما فقدت من أوعيتي شيئا فقال لها: ناوليني قوسي وسهمين، فأرسل أحد السهام فأصابت جندب فانتزعه جندب وثبت مكانه لا يتحرك فارسل سهم آخر فوقع في منكبه فانتزعه وثبت مكانه، فقال الرجل لأمرأته: لو كان ربيئة للقوم لتحرك، لقد خالطه سهمان ولم يتحرك، فاذا أصبحت فاتي بالسهام لا تمضغها الكلاب، ثم دخل الى خيمته مرة أخرى فلما اطمأنوا وناموا شن المسلمين عليهم الغارة في الليل وقتلوا منهم من قتلوا وساقوا الانعام ثم طاردهم عدد كبير من بني الملوح حتى اذا قربوا من المسلمين نزل سيل عظيم ولم يكن في السماء سحابة واحدة وكان بين الفريقين وادي فامتلأ الوادي بالماء فحال بين الفريقين، ونجا المسلمين من مطارديهم، وشاهد الأعداء المسلمين وهم يسوقون أنعامهم متوجهين الى المدينة، ولم يستطيعوا الإقتراب منهم.
– سرية ابو بكر الصديق الى بني فزارة يتبعون لإغطفان وقد اغاروا عليهم بعد صلاة الفجر و غنموا منها المسلمون ورجعوا.
– سرية عمر بن الخطاب الى هوازن ارسل النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ومعه ثلاثين رجل الى هوزان
فلما وصل الخبر الى هوزان هربوا جميعا من الخوف فلما وصل عمر بن الخطاب الى مكان لهم اسمه تُربَة لم يجدوا أحد منهم فانصرفوا راجعين الى المدينة.
– سرية غالب بن عبد الله الليثي هذا الصحابي رضي الله عنه خرج على رأس سريتين ذكرنا الاولى وهذه الثانية ارسله صلى الله عليه وسلم الى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة في ناحية نجد وكان معه مئة وثلاثين رجل من الصحابة فهجموا عليهم جميعا، وقتلوا جمعا من أشرافهم واستاقوا الانعام والشاة، ولم يأسروا أحدا وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد رضي الله عنهما الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، يقول اسامة: كان رجل من القوم اسمه نهيك بن مرداس إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، فعندما انهزموا يقول اسامة: فتبعته أنا ورجل من الأنصار، فرفعت عليه السيف فقال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، ثم وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى ما أقدر على أكل الطعام، فلما قدمت المدينة استقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلني واعتنقني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة بن زيد يسأل عنه أصحابه، ويحب أن يُثنى عليه خيرا، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فأخذ الصحابة يحدثون رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وبطولته، قالوا: يا رسول الله لو رأيت ما فعل أسامة، لقيه رجل فقال الرجل لا إله إلا الله فشد عليه أسامة فقتله، فما راعنا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم رفع راسه ونظر الى اسامة مغضبا وصاح به وقال: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟)، فقال أسامة: إنما قالها خوفا من السلاح، فقال النبي: (فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) قال أسامة: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
دخول مكة لعمرة القضاء:
مر عام على صلح الحديبية وفي ذي القعدة من السنة السابعة اعلن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سيخرج لأداء العمرة وألا يتخلف عنها أحد شهد الحديبية، وكانت اول عمرة يقوم بها وكان عمره ستين عاما، خرج ومعه الفين من الصحابة غير النساء والصبيان وأحرموا من ذي الحلفية، وبدؤا التلبية وقلد واشعر هديهُ فقدم ستين ناقة هديً بالغ الكعبة على عدد سنين عمره صلى الله عليه وسلم، وامر اصحابه أن يشتركوا في الهدي فكل خمسة في بدنة، واتجهوا ملبين ولم تقطع التلبية الى مكة، وأمر اصحابه أن يخرجوا بالسلاح الكامل وهي السيوف والرماح والسهام والدروع وغير ذلك كما خرجوا بمائة فارس ، ولم يخرجوا بالسيوف فقط فقال اصحابه: يارسول ألم تشترط قريش، أن نخرج للعمرة بسلاح المسافر؟ فقال لهم:(إن لا ندخل فيه الحرم فيكون قريب منا فإن هاجنا من قريش هيجٌ كان سلاحنا وخيلنا قريبة منا)، فقدم مئة فارس محرمين ومدججين بالسلاح، قال: (نضع السلاح والخيل بمر الظهران خارج مكة)، فلما اقتربوا من مر الظهران، رأتهم عيون قريش، فأسرعوا منذرين: قد قدم إليكم محمداً بسلاح الغازي لا بسلاح المسافر، ففزعت وقالت: ما أحدثنا حدثا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟وأسرعت بأرسال مكرز بن حفص ومعه رجال من قريش فلما وصلوا وجد النبي واصحابه محرمون، والهدي مقلد ومشعر بين ايديهم والناس يلبون، ولكن بجانبهم كان الخيل والسلاح فقال: والله يا محمد ما عُرفت صغيراً ولا كبيراً بالغدر فما هذا السلاح الذي نرى؟ قال له النبي: أن لا ندخل عليكم الحرم بالسلاح، ولكن يكون قريب منا، فإن هاجنا منكم هيج يكون قريب منا فقال له: هكذا عُرفت براً صغيراً وكبيراً، لست بغادر فحيهلا فانطلق مكرز يطمئن قريش ويفتح له الطريق حتى لا يعارضه أحد وقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح وهو على الشرط الذي شرط لكم، وقامت قريش بترك مكة كما كان الإتفاق لمدة ثلاث أيام، وخرج أهل مكة جميعا الى جبال مكة ودخل صلى الله عليه وسلم مكة راكبا على ناقته القصواء ومن حوله الصحابة وهم يلبون في مشهد مهيب رائع وكان يقود زمام راحلته عبدالله بن رواحة شاعره الانصاري.
كانت قريش قد اشاعت مقالة سترون اليوم قوماً يطوفون بالبيت، قد أوهنهتم حمى يثرب، واطلع الله نبيه عن طريق جبريل ما تقوله قريش، فلما دخل صلى الله عليه وسلم ونظر للجبال وعليها رجال قريش، وعبد الله بن رواحة ماسك بزمام القصواء، عندما سمع النبي يلبي، وأمرهم صلى الله عليه وسلم ان يكبروا، فقال شعراً معتزاً بنبيه ودينه، قال: < خَلّوا بَني الكُفّارِ عَن سَبيلِهِ، خَلّوا فَكُلُّ الخَيرِ في رَسولِهِ، قَد أَنزَلَ الرَحمَنُ في تَنزيلِهِ، في صُحُفٍ تُتلى عَلى رَسولِهِ، بِأَنَّ خَيرَ القَتلِ في سَبيلِهِ، يا رَبُّ إِنّي مُؤمِنٌ بِقيلِهِ، أَعرِفُ حَقَّ اللَهِ في قَبولِهِ >. فلما قال هذا الشعر، قال عمر معترضاً: يا ابن رواحة، مه شعرٌ بين يدي رسول الله وهو محرم ملبي، وقد اشرفنا على الحرم؟ فقال النبي: (إني اسمع يا عمر، فخلي عنه والذي نفس محمداً بيده لشعره أسبق الى قلوبهم من نضح النبل أما بلغك يا عمر ما يقولون؟)، قال: ماذا يقولون يارسول الله؟ قال: (أتاني جبريل وأخبرني انهم يقولون سيطوف اليوم بالبيت قوم أوهنتهم حمى يثرب)، قل يا ابن رواحة فأخذ ابن رواحة يردد الشعر، دخل النبي مكة راكباً على ناقته، وحوله الصحابة وهم يلبون، في مشهد رائع فلما دخل الحرم من جهة المسعى ونظر الى الحرم قال: (إيهاً يا ابن رواحة ومجد لنا الله قل: لا اله الا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده واعز جنده وهزم الاحزاب وحده) فأخذ بن رواحة يقول والصحابة يرددون خلفه بصوت اهتزت له مكة كلها والنبي راكب على ناقته القصواء معتمراً، وحوله الفين من اصحابه يلبون ويكبرون، على مسمع قريش، فلما اقترب من الكعبة نزل عن راحلته واقترب منها وراع الصحابة شي جديد الإحرام يعرف من ايام ابراهيم عليه السلام ان يلبس الانسان إزاراً، ويضع على منكبيه رداء يستر كتفيه، وأصبحت كلمات التكبير (لا اله الا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده واعز جنده وهزم الاحزاب وحده) شعار لنا بعد تكبيرات العيد.
البدء باعمال العمرة:
نزل النبي عن ناقته، واذا به يكشف عن كتفه الايمن، بما يسمى الإضطباع وقال بصوت مرتفع: (رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة)، ثم استلم الحجر الاسود وقبله ثم أخذ يرمل، وأمر صحابته بالرَّمل في الثلاثة أشواط الأولى من الطواف، وستر كتفيه ومشى الهوينة وبقية من سنن الطواف المستحبة، فلما رأى المشركون كيف يطوفون قالوا: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمَى قد أوهنتهم؟ ونراهم يقمزون حول البيت قمز الظبي، لا والله هؤلاء أجلد من كذا وكذا، واتم طوافه سبعاً، ثم مكث عند الحجر الاسود ملياً يقبله ويسكب دموعه فهو مشتاق وكان بجانبه عمر فقال له: (هاهنا تسكب العبرات يا عمر، إن هذا الحجر الاسود يمين الله في الارض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، والإضطباع والرمل وتقبيل الحجر سنة، والنهي عن ايذاء مسلم فرض، فلا تزاحم يكفيك أن تشير للحجر من بعيد بيدك، وتقول بسم الله، الله اكبر، ثم صلى ركعتين خلف مقام ابراهيم وشرب من زمزم، ومضى الى الصفا وقال: (ابدؤا بما بدأ الله به) ثم قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}واستقبل الكعبة ثم رفع يديه وقال: الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده واعز جنده وهزم الأحزاب وحده، ورددوها حتى ارتج المسعى بصوتهم، ثم سعى سبعاً يرمل بين الميلين حتى انتهى عند المروة، ثم قدموا له الهدي فنحر ستين بدنة بيده قائماً، وهو يقول: بسم الله، الله اكبر، منك وإليك، فلما انتهى قال: (نحرت هاهنا ومكة كلها منحر)، ثم دعى حالقه فحلق رأسه، وقريش تنظر اليه، وقد سطعت مكة بنوره وهيبته، وكيف اصحابه حوله إذا ألتفت الى جهة ألتفتوا، واذا تكلم صمتوا واصغوا، فاهتزت قلوبهم فمنهم من قال: لِمَ نكابر على أنفسنا، حقاً ان محمداً ليس كالبشر، إنه رسول كما يقولون ثم اخذ الناس يحلقون ويقصرون فألتفت النبي صلى الله عليه وسلم الى عمر وقال: (هل صدقك الله وعده يا ابن الخطاب؟) فقال: أشهد أنك رسول الله وصدق الله تعالى وعده، ثم حل النبي احرامه واغتسل ولبس ثيابه وذهب الى قبته عند الابطح، ثم رجع الى الحرم وقد انتصف النهار، ولم يستفز احد من قريش، ولكنه إذا استفز لا يقبل المذلة ابدا، ولكنه قيد نفسه واصحابه طاف بالبيت وحوله الاصنام فلم يعثروا بصنم ولم يحركوه من مكانه، فصلى والاصنام امامه، ولم يأذن لصحابي ان يحرك صنم من مكانه وعندما أراد ان يرفع الآذان قال: (يا بلال ارقى الصفا فأذن للظهر، وأذن بلال رافعا بأعلى صوته فارتجت مكة كلها بصوت آذانه، الله اكبر الله اكبر، الله اكبر الله اكبر وجبال مكة طربت بذكر الله، وقريش تسمع لبلال الذي عذبته على رمضاء مكة، وشعاره أحد أحد، أشهد ان لا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا رسول الله …، وصلى بهم النبي، وخلال ثلاث ايام صلى بهم قصرا، واخذ يحدث اصحابه عن بناية هذا البيت وقصة ابراهيم وجدهم اسماعيل ولماذا نطوف سبعاً ونسعى سبعاً وماقصة زمزم ، ولماذا نهرول في المسعى بين الميلين فكان يعطيهم الدروس الميدانية، وفي اليوم الثالث جاءه عمه العباس رضي الله عنه، يحدثه عن ميمونة رضي الله عنها.
زواج النبي من ام المؤمنين ميمونة:
جاء العباس عم النبي في اليوم الثالث من عمرة القضاء وحدثه عن اخت زوجته ام الفضل واسمها برة، قد اسلمت وزوجها بقي مشرك ومات على شركه، وكان عمرها ستة وعشرين عام فلجأت لبيت العباس، قال: يارسول الله إن برة اخت ام الفضل امرأة تكتم ايمانها وهي الآن أيِّم تريد صحبتك للمدينة او تأذن لها بالهجرة، فقال له النبي: (بل خيرٌ من ذلك يا عباس إذهب إليها يا علي وقل لها ان رسول الله يخطبك لنفسه)، فجاءها علي واخبرها، وكانت تركب على بعير، ففرحت فرحاً شديداً وقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، فجعل النبي وليها العباس، فأنزل الله مقراً هذا الزواج، قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}، والآية شهادة لها بالإيمان، وقوله تعالى: {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}، أي بغير صداق، وقوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي هذه خصوصية فقط للنبي صلى الله عليه وسلم، فبعد زواجه منها سماها ميمونة لأن الزواج وقع في مناسبة ميمونة، وكانت آخر من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، تألف به قريش وقبيلتها بني هلال، لأنها كانت ترتبط بصلات نسب مع كثير من سادة وأشراف قريش، ثم جاء سهيل بن عمرو ومعه رجال من قريش الى خيامهم في الابطح فوقف وقال: يا محمد قد أنتهت زيارتك فأرحل عنا، فنظر إليه صلى الله عليه وسلم، مسالماً متبسماً مشرق الوجه وقال: (يا سهيل وما عليك لو زدت فيها بعض اليوم فلقد تزوجت من بنت الحارث، فما عليكم لو أعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه وشاركتمونا أياه)، فقال في جفاء: لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج من أرضنا، وأعرس حيث شئت وفارق بلادنا، فغضب سعد، ووثب قائماً في وجه سهيل وقال: لا أمك لك، يخرج من بلدك؟ والله ليست ارضك ولا أرض آبائك، انها ارض الله الحرام وبلده ومسقط رأسه، والله لا يخرج منها الا طائعا راضياً، فأشار النبي الى سعد، أن أسكت وان إجلس، ثم ابتسم صاحب الخلق العظيم مرة اخرى مخاطباً سعد وسهيل يسمع، قال: (يا سعد لا تؤذي قوماً زارونا في رحالنا، من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه)، ثم نظر لسهيل وقال له: (حباً وكرامةً يا سهيل قم يا ابا رافع فأذن بالرحيل)، فقام ونادى بالرحيل، وقال النبي لسهيل: (ولكن تأذنوا لابي رافع أن يبقى الى المساء حتى يخرج بابنت الحارث، وامر أصحابه ان لا تغيب شمس ذلك اليوم، ورجل من اصحابه في مكة، فأتى الى منطقة اسمها سرف قريبة من التنعيم، فنزل فيها وضرب خيامه بها وانتظر قدوم ابا رافع بأم المؤمنين ميمونة وبنى بها صلى الله عليه وسلم، وعاشت ام المؤمنين الى عهد امير المؤمنين عمر، وعندما شعرت بأقتراب أجلها، قالت: اي بني امير المؤمنين أرى ان أجلي قد دنى، وإني احب أن ادفن في البقعة التي بنى بها عليٌَ النبي صلى الله عليه وسلم، فما عليك لو حملتني الى هناك ففاضت روحي في سرف ودفنت فيها؟ قال: السمع والطاعة يا ام المؤمنين، فأمر ان تجهز وتحمل الى سرف، وضربوا لها خيمة في نفس البقعة التي ضربت خيمة الزواج فيها واقاموا من حولها وتوفت هناك فدفنت في مكان ما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بالتمام، وقبرها اليوم معروف ويزار.
ما حدث اثناء رحيل النبي بعد عمرة القضاء:
تبع المسلمون فتاة صغيرة وهي عُمارة بنت حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء واسد الله ورسوله، وبما ان كنيته ابا عُمارة اشتهر هذا الاسم على ابنته، واسمها الحقيقي امامة، عندما علمت ان النبي سيخرج، خرجت ووقفت له بالطريق ونادت بأعلى صوتها للنبي: يا عم يا عم فسمعها علي فتناولها من يدها، بعد ان استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وقال علي: علامَ نترك بنت عمنا يتيمة بين أظهر المشركين؟ وذهب بها الى فاطمة وقال: دونك ابنةَ عمكِ، ولكن لاشك أنها كانت تعاني وهي تقيم بين المشركين لأنها ابنة حمزة الذي قتل الكثير من قريش في بدر وأحد، فهم يرون فيها ابنة من قتل منهم، وقريش هي التي قتلت أباها في فهي تراهم الذين قتلوا أباها، وصلوا المدينة المنورة واختصم في كفالة عمارة زيد بن حارثة وجعفر وعلي إبني أبي طالب فقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي وقال زيد بن حارثة: ابنة أخي وقال علي: أنا أخذتُها وهي ابنةُ عمي، فقال النبي لعلي: (أنت مني وأنا منك)، وقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا)، ثم قال لجعفر: (إنك أشبهت خَلقي وخُلقي)، ثم قال: (أما الفتاة او الجارية، فإنها لخالتها وإن الخالة بمنزلة الام كما ان العمة بمنزلة الوالد)، ففاز بها جعفر بن أبي طالب لأن جعفر متزوج من خالتها فالأولى أن الذي يتولى رعايتها هي خالتها كما أن جعفر لا يحل لها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ؛(إن المرأة لا تنكح على عمتها ولا على خالتها)، وكان أول شيء فعلته عمارة، أن سألت عن قبر أبيها، وذهبت لزيارته، وهكذا كان الصحابة يتنافسون على كفالة اليتيم، وكانت الكفالة الحقيقية، هي أن يكون اليتيم مع ألابناء، فينشأ نشأة طبيعية، ولأن حركة الجهاد كانت كبيرة وكان هناك الكثير من الشهداء، ولا يتركون امراة مات عنها زوجها بلا زواج، فكانوا يتنافسون كما رأينا على كفالة اليتيم ليرى الخيرات والبركات والرحمات تتنزل عليه صباً من السماء، والتوفيق والنجاح في كل أمور حياته في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة، وظهرت عزة المسلمين وقوتهم أمام قريش وأمام كل العرب وارتفعت أسهم المسلمين الى السماء
قرار اسلام خالد بن الوليد وعثمانبن طلحة:
تأخر إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه، لأنه كان من بيت يكره الإسلام. فأبوه نزلت فيه عشرون آية من سورة المدثر، وكان خالد يخشى على مكانته، فهو من السادة وقائد فرسان قريش، واسباب إسلامه كثيرة، مشاهدته في صلح الحديبية المسلمون وهم يصلون، فعلم إن القوم ممنوعون، وعمرة القضاء تركت أثراً آخر، أقرار من قريش أن تخلي له مكة، فيطوفون وحدهم، في وضح النهار محرمين ملبين مكبرين، وحول البيت آلهتهم التي طالما سفه احلام من يعبدها ورجالات قريش تنظر إليه فحرك تفكير العقلاء، يعود بعد سبعة اعوام في وضح النهار وحوله الفي رجل محرمين يطفون ويعلنون دينهم علانية في مكة ولا يستطيع احد أن يعارضهم ما سر هذا الرجل؟ لقد قاتلناه مراراً فأنتصر علينا، وها هو قد طاف في الكعبة مع كنا نستهين بهم ونعذبهم، من أين يستمد قوته؟ وقريش قد أذعنت له، وقضى على آخر اليهود في خيبر، واليوم يدخل مكة في وضح النهار. قلت في نفسي: لم تعد مكة دار إقامة، لعله يأتي في كل عام فيعتمر ويحج، ولعل أمره يظهر على قريش ففكرت أن أغادر الى الحبشة فتذكرت ان النجاشي قد دخل في دينه فقلت: اخرج الى قيصر سيعرض علي النصرانية وادخل في دينه ما دمت في حماه وموالي للعجم فأفقد قومي وعشيرتي أين أذهب؟ وبينما انا كذلك، واذا بقارع يقرع الباب ويسلمني رسالة من اخي الوليد قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإني لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، يا خالد مثل الإسلام لا يجهله أحد؟ وقد سألني رسول الله عنك، وقال: (أين خالد؟)، فقلت: يأتي الله به مسلماً إن شاء الله، فقال: (ما مثل خالد يجهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجَدَّهُ مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدَّمناهُ على غيره)، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة، فلما قرأت كتابه زدت رغبة في الإسلام، وسرني سؤال رسول الله عني وقوله: ما مثل خالد يجهل الاسلام، فاهتز قلبي بهذه الرسالة، فهزتني مقالته، وجعلتني أقُلب الأمور رأساً على عقب واقول: لقد قاتلته مراراً، وانا لا أدافع عن عقيدة ولا حتى أدري لما اقاتله؟ لماذا لا ادخل في دينه؟ واخذت أفكر واتدبر أمري، فنمت ليلتي تلك ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فيها المياه تتدفق، فقلت: إنها رؤيا، لأن صدقت فإني خارج من دين قريش الى دين محمد، فقررت أن أدخل الإسلام واردت ألا اهاجر وحدي، فذهبت الى صديقي صفوان بن أمية وعرضت عليه أن يدخل في الإسلام ويهاجر معي فقال: والآت لو لم يبقَ غيري من قريش لما اتبعته، فقلت في نفسي: رجل قُتل أباه وأخاه يوم بدر فأعذره، ثم ذهبت الى صديقي عكرمة بن أبي جهل وعرضت عليه أن يسلم ويهاجر معي فقال: لو لم يبقَ غيري من قريش لما اتبعته فقلت: وهذا اعذره لقد قتل اباه يوم بدر، ويحمل عار ابيه، فمضيت وقلت: لا أكلم أحداً، حتى لا يفشوا أمري فيسخر مني اهل مكة، وفي طريقي لقيني عثمان بن طلحة، فقلت: هذا اشد انكاراً من الذين قبله فقد قتل ابوه وعمه واخوته الاربعة يوم احد، فلا افضح امري بين يديه فلما لقيني عثمان سلم علي وسلمت عليه ثم اخذت اناقشه في الأمر واقول: ألا ترى أن أمر محمداً، قد علا علوا منكراً فما أصبحنا إلا بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، قال فأنصت إلي تماماً وقال: وأنا كذلك يا خالد فقلت: ألم يستقم الميسم فما علينا لو دخلنا في دين محمد يا عثمان؟ فقال: هذا ما عزمت ان أحدثك به والله لقد طاب المنسم يا خالد، فعلامَ نكابر؟ واتفق الإثنان على الخروج وتواعدا.
اسلام عمر بن العاص:
تأخر إسلامه لأنه من بيت يكره الإسلام، فأبوه العاص بن وائل كان من اشد أعداء وإيذاء للنبي ونزل فيه قوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر}، فقال النبي: (اللهم سلط عليه شوكة من أشواك الأرض)، فدخلت شوكة في قدمه، فتورمت ومات على اثرها. كان يخشى على مكانته الكبيرة في قريش والجزيرة، وبعد غزوة الأحزاب رأى عمرو بن العاص بحنكته السياسية أن الأمور ستتجه بعد ذلك لصالح المسلمين، فالتحالف لم يستطيع أن يفعل شيئا، ولم يكن متقبلًا لفكرة أن يدخل في الإسلام، فقال لرجال من قريش: إني أرى أمر محمد يعلوا علواً منكرًا وأني أرى ان نلحق بصديقي النجاشي، فلئن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن مَن قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خيراً وإن ظهر محمد كان النجاشي بيننا وبينه فقال أصحابه: إن هذا لهو الرأي، فقال: وأحب ما يهدى اليه الأدم(الجلود) فاجمعوه لنهديه، ثم توجهوا الى الحبشة. ووجد عنده عمرو بن أمية الضمري حامل رسالة النبي للنجاشي، ففكرت ان اطلب منه أن يسلمني عمرو بن أمية الضمري لاقتله، وبذلك اكون قد صنعت شيئا لقريش يرفع بها مكانتي في مكة فدخلت عليه، وسجدت له كما كنت أصنع فقال: مرحبا بصديقي، أهديت الي من بلادك شيئا قال عمرو: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أُدُماً كثيراً، ثم قدمه اليه فأعجبه فلما رأيت نفسه قد طابت قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، هو عدو لنا، فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وأعزتنا، قال عمرو: فغضب النجاشي غضباً، لم أرى النجاشي قد غضب مثله من قبل، حتى كاد الدم أن يتفجر في وجهه، ثم مد يده فضربني بها على انفي ضربة ظننت أنه قد كسره، وخلعه من مكانه فتدفق الدم على ثيابي، ورأيت من الذل والمهانة مالم أرى ومالم أتوقع، فوددت لو انشقت لي الأرض وابتلعتني خوفا منه ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ويغضبك ما سألتكه، فقال النجاشي: يا عمرو أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ قال عمرو: أيها الملك، أكذاك هو؟ اتشهد له ذلك؟ قال النجاشي: أي ورب محمد وعيسى وموسى يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى وإنه رسول من عند الله، ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنده، فنزلت الهداية من الله على قلب عمرو بن العاص، في تلك اللحظة كان عمرو يفكر ويبحث عن الحق صدقاً قال عمرو للنجاشي: ايها الملك ألا خلوت بي؟ قال النجاشي: حبا وكرامة، فلما خلوت به قلت: أتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم فبسط النجاشي يده، فبايعه عمرو بن العاص على الإسلام، فأسلم رضي الله عنه، وهو الذي فتحت مصر وفلسطين على يده.
التقاء خالد وعثمان وعمر:
لم يخبر عمرو بن العاص أصحابه بشيء مما حدث، ولا باسلامه، ثم بقي في مكة كاتما اسلامه حتى أعد نفسه للهجرة، ثم خرج سرا الى المدينة المنورة لإعلان اسلامه بين يدي النبي، وفي الطريق قابل خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة متوجها الى المدينة ليعلنا أسلامهما، فسلم عليهما، وقالا له: ما الذي اخرجك وعهدنا بك في الحبشة؟ قال عمرو: وما الذي اخرجكما انتما؟ قال خالد: فعلمت أنه يقصد هدفاً ولكنه يراوغ وقال: والله لقد استقام المَنسِمُ يا عمرو وان الرجل لنبي، إذهب معنا فأسلم، فحتى متى؟ قال عمرو: فأنا والله ما جئت إلا لذلك. فقص عليهم ما حدث معه مع النجاشي وانه اسلم على يده، قال خالد: فسررنا به وانطلقنا ركباً ثلاثة، نقطع الطريق حتى وصلنا اطراف المدينة، فجلسنا نستريح ونبدل ثيابنا ونجهز انفسنا لمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال خالد: فما ادهشني إلا وأخي الوليد يأتي مسرعاً إلينا ويقول: أسرع يا خالد فرسول الله في انتظاركم في المسجد، قلت: رسول الله ينتظرنا؟ لم نرسل له أحد يعلمه بقدومنا، قلت: من أخبره؟ قال: آتاه جبريل واخبره أنكم أتيتم مسلمين طائعين، وقد فرحنا بإسلامكم هيا اسرعوا، قال: فأسرعنا الخطى، حتى اذا وقفنا بباب المسجد، ونظرنا إليه نظر إلينا مشرق الوجه مبتسماً ضاحكاً، وقام إلينا مسروراً واستقبلنا وعانقنا ويقول: (مرحباً بإخواننا، مرحباً بإخواننا)، فجلست بين يديه، وبايعته على الاسلام وقلت له: يا رسول الله اغفرلي تلك المواقف التي وقفتها عليك، واخذت سيفي من عنقي، ووضعته بين يديه وقلت: وهذا اقدمه لك فوضع يده على كتفي وابتسم في وجهي وقال: (يا خالد الاسلام يهدم ما قبله واحتفظ بسيفك هذا واجعله معنا)، ثم تقدم عثمان بن طلحة وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ثم تقدم عمرو بن العاص وقال: ابسط يمينك فأبايعك فبسط النبي يده فقبض عمرو يده، فقال له النبي: (مالك يا عمرو؟)، قال: أردت أن أشترط، قال النبي: (تشترط ماذا؟)، قال: أشترط أن يغفر لي، فقال له: (يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، واسلامه اضافة كبيرة الى المسلمين، فقد كان من أحكم وأدهى العرب وهو الذي فتح مصر وفلسطين وقال عنه النبي كلمات لم يقلها لأحد غيره: (أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص)، وعندما احتضر عمرو حول وجهه الى الجدار وأخذ يبكي فجعل ابنه يقول له: يا أبتاه أما بشرك رسول الله بكذا وكذا، فقال: إني قد كنت على أطباق ثلاث قد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله مني ولا أحب إلي الا أن أستمكن منه فأقتله، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلتني أن أصفه لك ما أطقت؛ ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. وكذلك كان اسلام خالد اضافة هائلة الى قوة المسلمين، وكان له دورا رئيسيا في حروب الردة التي حفظت كيان الدولة الإسلامية ثم فتح العراق والشام، وهزم الفرس والروم وهو من القادة النادرين الذين لم يهزموا في أي معركة، وقال عنه عمر بن الخطاب: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد، وقال عنه أصدقائه وأعدائه الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام، رضي الله عن صحابة رسول الله اجمعين
الباب السادس:
الفصل الاول:
اول المعارك العالمية معركة مؤتة:
سبب المعركة: بعد عمرة القضاء كان هناك عدة سرايا بعضها كان فيها قتال، وفي جمادى الآخرة من السنة الثامنة من الهجرة كانت معركة مؤتة وهي أول مواجهة للمسلمين مع الإمبراطورية الرومانية، وسببها أن النبي أرسل الحارث بن عمير برسالة الى أمير بصرى، يدعوه فيها إلى الإسلام، فاعترض طريقه ملك الغساسنة، وهي مملكة تدين بالنصرانية، وموالية للإمبراطورية الرومانية، وقد سقطت وانتهت في الفتح الإسلامي للشام، فقبض على حامل الرسالة، وقال: أين تريد؟، قال: الشام، قال: لعلك أحد رسل محمد؟ قال: نعم فأمر به فأوثق وقتل صلباً، وبدأت الدولة الرومانية والقبائل العربية الموالية لها في شمال الجزيرة، في تعقب وقتل كل من يسلم، حتى قتل والي معان بالأردن لأعلان إسلامه، وكان قد أسلم دون أن يرسل اليه النبي، والحروب في الإسلام تكون بهدف الدفاع عن النفس ضد أي اعتداء، ولتأمين حركة الدعوة الإسلامية، ومنح الناس حقهم في الاعتقاد، وحقهم في اختيار الدين الذي يريدونه ومما جعل النبي يسارع بارسال هذا الجيش لمواجهة الإمبراطورية الرومانية والقبائل الموالية لها في شمال الجزيرة، ليكسر حاجز الخوف من مواجهة الإمبراطورية الرومانية في الغرب أو الفارسية في الشرق، أو أي دولة مهما بلغت قوتها، فقام باعداد جيش قوي قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وجعل على رأسه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان النبي قد أعده اعداداً خاصاً، حيث قاد سبع سرايا وأكثر قائد أرسله النبي في سرايا، قالت امنا عائشة رضي الله عنها: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم، ولو بقي حياً بعد الرسول لأستخلفه وكان زيد رجلا قصيرا أسمرا أفطس الأنف، وعمره ثلاث واربعين عاما، وعقد لهم لواءا ابيضا مكتوب عليه لا اله إلا الله محمد رسول الله، وأعطاه لزيد، وقد عيَّن ثلاثة أميراء لتوقعه حرباً ضروساً في هذه المعركة، ثم قال النبي: (إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فإن أصيب ابن رواحة فليرتضِ المسلمون برجل منهم فليجعلوه عليهم)، وأوصاهم أن يأتوا مكان مقتل الحارث بن عمير رضي الله عنه، ويدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله تبارك وتعالى وقاتلوهم، وكان من ضمن الجيش خالد بن الوليد، إذن بشر الامراء بالشهادة، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة حتى لا يشق على أمته، ويتعود على الاعتماد على أنفسهم، ولتربية وأعداد صف من القادة ينهضون بالرسالة بعده صلى الله عليه وسلم.
وصية النبي لجيش مؤتة:
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الجيش وقال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، ولا تمثلوا ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين)، ثم ودعوهم بالدعاء، قالوا: صحبكم الله، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فرد عليهم عبد الله بن رواحة بشعر، فقال: (لكنني أسأل الرحمن مغفرة // وضربة ذات فزع تقذف الزبدا)، (أو طعنة بيدي حران مجهزة // بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا)، (حتى يقال إذا مروا على جدثي // أرشده الله من غاز وقد رشدا)، وانطلق الجيش على بركة الله، في يوم الخميس من شهر آب والجو شديد الحرارة، قبل سقوط قرص الشمس حتى يبيتوا خارج المدينة، ثم ينطلقوا يوم الجمعة الى مؤتة، وفي يوم الجمعة وقف النبي صلى الله عليه وسلم على منبره يخطب، وعبدالله بن رواحة بين الصفوف، فلما فرغ النبي من صلاته قال له: (وما أبطأك عن صحبك يا بن رواحة، لما لم ترح معهم؟) فقال: احببت ان اجمع معك يا رسول الله فلعلها تكون اخر جمعة، قال الصحابة: فرفع النبي صوته بلهجة المعاتب المغضب وهو يقول: (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الارض جميعاً ما أدركت غدوتهم)، فانطلق مسرعاً، واشعلت هذه الكلمات النور في قلبه، وسار الجيش ووصل بعد أسبوعين الى منطقة معان في جنوب الأردن، فوصلت اخبار الى زيد بن حارثة بأن الدولة الرومانية قد أرسلت جيشا قوامه مئتي ألف مقاتل، منهم ومن اتباعهم العرب فيهم خمسين ألف فارس، تأمل! مقابل ثلاثة آلاف مسلم، ويدل هذا على مدى الرعب الذي كان فيه الروم، والهيبة العظيمة التي استطاع النبي تحقيقها للدولة الإسلامية، فعرض زيد بن حارثة المستجدات واستشارهم، وكانت الأغلبية في الجيش مع الدخول في الحرب، فكان أجرأ قرار عسكري على مر التاريخ كله، فوقف عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا بقوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهورٌ وإما شهادة، ووصل المسلمون الى قرية شارف بعدما اقاموا يومين في معان، ولكن كانت غير مناسب للقتال فانحازوا الى قرية مؤتة، وأقاموا معسكرهم هناك وكان سبب الاختيار هو استغلال مزارع القرية وبيوتها لتكون حماية طبيعية للجيش فلا يتمكن الرومان من تطويق الجيش، وتكون المواجهة بنفس أعدادهم، ووصلت جيوش العدو، أمواج بشرية هائلة تنساب الى أرض المعركة، والمسلمون واقفون ثابتون كالجبال، قال أبو هريرة: شهدت مؤتة، فلما رأينا المشركين، ما لا قبل لنا به من العدد، والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، مالك كأنك ترى جموعاً كثيرة؟قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر إنا لم نُنصر بالكثرة، وجاءت ساعة الصفر، وأعطى زيد بن حارثة اشارة البدء الى أصحابه.
بدء معركة مؤتة:
جاءت ساعة الصفر، وأعطى زيد بن حارثة رضي الله عنه اشارة البدء وانطلق زيد كالسهم صوب جيوش الأعداء وهو يحمل الراية، وانطلق معه المسلمون وقد ارتفعت صيحات التكبير واستمر القتال طوال اليوم، وكان صمود وأداء المسلمون مفاجأة للعدو، فقد كانوا يتوقعون ألا تستمر سوى ساعات ففوجئوا أن المسلمون يقاتلون بشراسة وشجاعة لم يشهدوا مثلها وحاولوا تطويق المسلمين، ولم يمكنوهم ونجحت خطة القائد زيد في الاستفادة من جغرافية أرض مؤتة فلم يتمكنوا من تطويق الجيش المسلم وركزوا هجومهم على القائد ومزقته رماح الروم وهو مقبلاً عليهم كالأسد حتى استشهد رضي الله عنه فوجدوا فيه أكثر من تسعين جرحا، ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وكان عمره ثلاثة وثلاثين عاما وتكالبوا عليه وأصيب عشرات الإصابات، وهو لا يتوقف عن القتال فمازال يقاتل، فقطعت يده التي يحمل بها اللواء، فأمسك اللواء بيده الأخرى فقطعوها فحمل اللواء بعضديه، ثم استشهد رضي الله عنه، فاخذ اللواء عبد الله بن رواحة ولكنه تردد، فخاطب نفسه قائلاً: [أقسمت يا نفس لتنزلنه // راضية او مكرهنة]. [إذا أجمع الناس وشدوا الرنه // مالي أراك تكرهين الجنه]، وحمل الراية، وقاتل حتى قتل شهيداً رضي الله عنه، فأسرع ثابت بن ارقم وكان ممن شهد بدرا فأخذ اللواء وتراجع به للخلف قليلا، وزرعه في الارض ليتجمع الناس حوله ونادى بأعلى صوته إليك اللواء يا ابن الوليد فقال له خالد بن الوليد: أنت أحق به مني فقال ثابت: خذه يا خالد فوالله ما أخذته إلا لك ألم يقل النبي اذا أصيب عبدالله بن رواحة يصطلح الناس على رجل، هل تصطلحون على خالد فقال الناس: نعم فأخذ اللواء خالد، وارتفعت الروح المعنوية للمسلمين من جديد. وقد كشف الله لنبيه ما يحدث في أرض المعركة، نظر الصحابة لوجه النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوه محزوناً وإذا به يرفع راسه للأفق، وهو ينظر لأرض المعركة ثم قال: (لقد لقي إخوانكم عدوهم اليوم أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر، فقطعت يده التي يحمل بها اللواء، فترك سيفه الذي يقاتل به، وأمسك اللواء بيده الأخرى، فقطعت يده الاخرى، فأخذ اللواء بعضديه، فأصيب، ثم أخذ اللواء بن رواحة وتردد قليلا ثم أستنزل نفسه)، ثم استعبر النبي، واخذت عيناه تذرفان الدمع ثم قال: (ثم أخذ اللواء سيف من سيوف الله تبارك وتعالى ففتح الله على يديه)، قال النبي: (لقد رفعوا إلي في الجنة على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبدالله بن رواحة أزْوِرَاراً عن سرير صاحبيه) فقالوا: عم هذا؟ فقال: (تردد عبد الله بعض التردد ثم مضى فقُتِل ولم يُعقّ)،
قيادة خالد بن الوليد لمعركة مؤتة:
رأى كثرة العدو، ومن المحال هزيمتهم، فلما جاء الليل وتحاجز الفريقان، وبات الرومان يتحدثون عن شجاعة المسلمون واستبسالهم، كان قرار خالد أن ينسحب بالجيش، لأن المسلمون وان كانوا قد حققوا تفوقا في اليوم الأول، فليس هناك احتمال لتحقيق النصر الكامل، ولا يمكن مثلا تعقب الروم والتوغل داخل الأراضيهم بهذا الجيش الصغير، وهنا اخذ يفكر خالد لو انسحب المسلمون من أمام الرومان بطريقة طبيعية، فلابد أنهم سيلحقوا بهم وستكون مجزرة حقيقية يباد فيها الجيش بأكمله، فوضع خطة انسحاب محكمة، أراد بها ايهام الجيش الرومي، ان انسحاب المسلمون هو خدعة يريد بها استدراجهم، فلا يلحقوا بهم وبذلك ينجو بالجيش المسلم بلا خسائر، فوضع خالد أعظم خطة انسحاب في التاريخ فقام رضي الله عنه بالخطوات التالية؛ جعل الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثير الغبار الكثيف ويصاحب ذلك اصوات التكبير، فيُخيل لهم أن هناك مددا لا ينقطع طوال الليل يصل الى المسلمين، وعندما جاء الصباح جعل في خلف الجيش وعلى مسافة بعيدة منه مجموعة من الجنود خلف أحد التلال فأختار مئة فارس وقال: قفوا خلف تل مؤتة فإذا طلعت الشمس تأتوني عشرة عشرة، وكل عشرة معهم لواء تضربون الارض بالخيل وتثيرون الغبار فٱذا هدأت الغبار تتقدم عشرة، يضربون الارض بالخيل وهكذا عشرة عشرة، وقام بتغيير ترتيب الجيش فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان الجيش في الصباح، ورأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيرت، أيقنوا أن هناك مددا قد جاء للمسلمين، فانهارت معنوياتهم وساد فيهم الرعب والارتباك، وفي ذلك الوقت قام خالد بهجوم قوي ومباغت، وقتلوا الكثير من الروم ومن شدة القتال تكسرت في يد خالد بن الوليد تسعة أسياف، قال: فصبرت معي صفيحة لي يمانية، رضي الله عنه وقبل أن يعيد الروم ترتيب صفوفهم، أعطى خالد لقادته الإشارة بالارتداد الى الخلف كما اتفق معهم، فأخذ الجيش يغادر أرض المعركة بكل هدوء وثقة وانضباط، وكان خالد يجول بفرسه بين الجيش ليشرف على عملية الإنسحاب، وشاهد الرومان المسلمون وهم يرتدون الى الخلف بعد الهجوم الكاسح الذي قاموا به، اعتقدوا أنه مدد يصل الى الجيش المسلم، فأيقنوا أن هذا الإنسحاب مكيدة يريد بها المسلمون استدراج الجيش الرومي الى أحد الكمائن، وهم يعرفون أن العرب يجيدون الكر والفر والكمائن في الحرب، فخافوا من تتبع المسلمين، وأصدر قادة الروم أوامرهم بعدم تعقب جيش المسلمين، وهكذا نجحت خطة خالد وخدعته العسكري الباهرة، وعاد الجيش الى المدينة سالما، وكان اليوم الأول من القتال في صالح المسلمون تماما فقد ثبتوا أمام الرومان، وأفشلوا خططهم في تطويق المسلمون، والنتيجة بعد الانسحاب كان عدد قتلى الرومان، جاء في كتاب فقه السيرة عددهم كان مالا يحصى، وقيل بعد الفتوحات الاسلامية ودخول الناس في دين الله اخبر العرب الصحابة أن عدد قتلاهم كان في مؤتة فوق ثلاثة آلاف. في حين اتدرون كم كان عدد الشهداء؟ كان اثنا عشر شهيدا.
قبل عودة جيش مؤتة:
اخبر اصحابه بما حدث في المعركة بعد أن كشف الله للنبي أرض المعركة، قبل ان يعود الجيش للمدينة بشهر، وبعد ان ابلغهم، خرج صلى الله عليه وسلم من مسجده، وهو يكفكف دمعه متجهاً الى اهل جعفر بن ابي طالب، وهم أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجته وابنائه عبدالله و محمد، فقال لها: (ائتيني ببني جعفر) فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه حتى نقطت لحيته الشريفة، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال وقد حجرش وخنقته العبرة: (احتسبي يا امة الله، لقد اصيبوا هذا اليوم)، فلم املك نفسي، فقمت أصيح واجتمع علي النساء فقال النبي: (يا أسماء لا تقولي هجرا ولا تضربي خدا)، وغلبه البكاء وخرج وهو يقول: (اللهم قد قدم إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته) وخرج إلى أهله وقال: (لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم)، قال عبدالله بن جعفر: فقامت سلمى مولاة النبي وأحضرت شعيرا، فطحنته ونسفته، ثم طبخته وأدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا، فأكلت من ذلك الطعام، وأخذني رسول الله معه أنا واخي محمد وابقانا عنده ثلاثة أيام، ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فمن السنة صنع الطعام لأهل المتوفى قدوة بالنبي، ولأنه ابن عمه وهو أقرب ناس لآل جعفر قد صنع لهم الطعام، فليصنع آل ابن رواحة، وليصنع آل زيد، وليصنع آل الشهداء. فلما اقترب الجيش من المدينة ارسل خالد رجل من طرفه يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم الجيش ولم يكونوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سرد لأصحابه تفاصيل المعركة وهم في ارض المعركة، فجاء ذلك الرجل الى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل الى مجلسه وقال : يا رسول الله أرسلني إليك خالد بن الوليد وهو امير الجيش اخبرك بمقدمهم فقال له الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : إن شئت فأخبرتني، وإن شئت فأخبرتك قال: فأخبرني يا رسول الله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصف له فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره ، وإن أمرهم لكما ذكرت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم
استقبال جيش مؤتة:
وقف النبي وقال للناس: (اخرجوا لملاقاة اخوانكم)، فأخذ الناس يسألون هذا الصحابي عن تفاصيل المعركة، وكيف نجا المسلمون فلما سمع الصحابة ذلك غضبوا وقالوا: ألم تتبعوهم؟ قال: لا، لقد رأى خالد ان ننسحب خيراً لنا فقالوا: سترون منا اليوم، فخرج النبي بنفسه راكبا على دابة صغير، والصبية مسرعين يستقبلون آبائهم، فقال النبي: (اعطوني ابن جعفر) فأخذه ووضعه في حجره، وقال: (هنيئا لك، أبوك يطير مع الملائكة في السماء ودعا له: (اللهم بارك له في صفقة يمينه)، قال عبد الله فوالذي بعثه بالحق نبيا ما بعت شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه، فلما اقتربوا وإذا بأهل المدينة يحثونهم بالتراب ويقولون لهم: يا فرارون فررتم من سبيل الله؟ فوقف النبي ورفع كلتا يديه وقال: (لا تقولوا لأصحابي فرارون، ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عزوجل، وإن خالداً قد تحيز إلي وأنا فئته)، ففهموا تماماً ما يقول النبي، قال تعالى:{أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ}، أي أن خالداً تحيز إلى النبي وهو فئته، وبقي الصغار الذين لا يدركون كلام النبي، كلما لقوا رجل ممن شهد مؤتة قالوا: انت من الفرار؟ فتأثر بهذا الكلام سلمة ابن ام سلمة، فهو حديث عهد بعرس فجلس في البيت ثلاثة أيام لا يأتي للمسجد، وافتقده النبي فقال لأم سلمة: (ما شأن سلمة؟ قالت: والذي بعثك بالحق لا أدري، سأسأل عروسه فأتتها وقالت: مابال سلمة لا يحضر الجماعة، فوجدته جالساً في زاوية البيت يبكي وقد تسلخت عيناه قالت: ما هذا يا بني قال: كلما أتيت المجلس قيل لي: انت من الفرار، فأصبحت لا اطيق ان أرى احد، فذكرت ذلك للنبي فقام على الفور وخطب في اصحابه، ونهى كبيراً وصغيراً ان يقول لأحد من جند مؤتة انت من الفرار، ثم ذهب بنفسه الى بيت سلمة واخذ بيده وأتى به الى المسجد، قال خزيمة بن ثابت الانصاري رضي الله عنه: حين دارت المعركة كنت أرقب روميا من أمرائهم، على رأسه بيضة في وسطها ياقوته فجعلته هدفي، لعلِ أغنم هذه الياقوته، حتى قتله، ثم انتزع الياقوته من خوذته، فلما أتينا المدينة وضعتها بين يدي رسول الله وقلت: يا رسول الله انا قتلت ذلك الامير وهذا سلبه، فنفلنيها وفي عهد عثمان بن عفان بعتها بألف دينار واشتريت بها بستان من نخيل. وقال عوف بن مالك الاشجعي رضي الله عنه: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ومعي مددي -أي حبل- وسيفي ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين فجعلت مددي كفخ خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر الرومي على الارض، وعلته وقتلته وحز فرسه وسلاحه.
الفصل الثاني:
الخروج لسرية ذات السلاسل:
بلغ رسول الله أن جمعا من قبيلة قضاعة قد تجمعوا يريدون غزو المدينة، وهم في منطقة تسمي السُلاسِل نسبة لبئرها السلسل وعرفت السرية بذات السُلاسل، واختار النبي لقيادتها عمرو بن العاص، رغم حداثة اسلامه، وعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء وخرج على رأس جيش قوامه ثلاث مائة، فكان يسير بالليل ويكمن في النهار حتى لا ترصده العيون حتى اقترب، وبعث عمرو بن العاص العيون، فوصل اليه أن أعدادهم كبيرة جدا فأمر الجيش بعدم القتال، وأرسل الى النبي يطلب منه المدد، فأرسل النبي اليه مئتين من الصحابة وابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما من ضمنهم، وهذا لا يعني الأمارة تكون لمن هو افضل، فأصبح جيش المسلمين عددهم خمسمئة ولكن لم يحدد النبي من هو أمير الجيش، واعتقد أبو عبيدة أنه هو الأمير وجاء موعد الصلاة وتقدم ليؤم الصلاة، فقال له عمرو بن العاص: أنما قدمت علي مددا، وأنا الأمير، وليس لك أن تؤمني، وغضب لأبي عبيدة من جاء معه فقالوا لعمرو بن العاص: كلا بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه فرفض عمر بن العاص هذا الحل ، لأنه لا يمكن أن يكون هناك قائدان للجيش، فقال أبو عبيدة: انت الأمير يا عمرو وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك، فقد قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا) فقال عمرو بن العاص: فاني الأمير عليك فقال أبو عبيدة: فدونك، وتقدم عمرو بن العاص وصلى بالمسلمين وفيهم من فيهم، فالإمامة بالصلاة لا تعني الافضلية فلقد صلى النبي وهو خير الخلق اجمعين وراء ابي بكر، وابي عبيدة، وعبدالرحمن بن عوف، فالمطلوب الوحدة وعدم الإختلاف، من الطبيعي تختلف الافكار ولكن لا يصل هذا الخلاف الى النزاع والشقاق وسفك الدماء بل يتحدون ويتجمعون حول رأي واحد لأنهم طلاب آخرة، وأراد النبي أن يدرب الصحابة على ادارة الخلافات، والأزمات التي تواجه الأمة من بعده، فوضع القاعدة وهي تطاوعا ولا تختلفا وذلك قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. وقبل المعركة رفض عمر بن العاص ان يوقد أي رجل نارا، وغضبوا فشكوا لابي بكر شدة البرد فقام ابو بكر الى الامير وكلمه فرفض، قال ابو بكر: وما عليك يا عمرو لو اشعلوا نارا فقد اهلكهم البرد قال: لا لا، لا يوقد أحد منهم نارا إلا قذفته فيها فقال ابو بكر: سمعا وطاعة. وبدأ القتال ووقعت معركة هائلة،وانتصر المسلمون، وأمر المسلمين بعدم تتبع قضاعة فغضبوا فلم يغنموا، وحدث أن احتلم عمرو بن العاص في ليلة شديدة البرودة، فأشفق وتيمم وصلى بالناس صلاة الصبح، ولم يقتنع الصحابة برأيه، وعندما عادوا الى المدينة اشتكى الصحابة للنبي فسأله: (يا عمرو لما منعتهم أن يوقدوا نارا؟) فقال: كرهت أن يرى عدوهم قلة عددهم، فأقره النبي على ذلك، ثم قال: (ولما منعتهم بعدم تتبع قضاعة ليغنموا منهم؟) فقال: يا رسول الله، كرهتُ ان يكون لهم مدد، فإذا توغلنا أنعطفوا علينا، فأحببت ان انجو بأصحابي وأردهم لك سالمين، وأقره النبي، قال الصحابة: يا رسول لقد صلى بنا وهو جنب فقال له: (أصليت بالناس جنبا يا عمرو؟) قال: يا رسول الله اني سمعت الله يقول {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فإن انا اغتسلت قتلت نفسي، فتيممت من شدة البرد، فتبسم النبي ولم يقل شيئا، وكان اقرارا لاجتهاده عمرو، فلما رأيت انه سُر بما صنعت، فحدثت نفسي إنه لم يبعثني على مثل ابي بكر وعمر ، إلا لمنزلة لي عنده خاصة قال فأتيته وجلست بين يديه وقلت: يا رسول الله من احب الناس عندك؟ فقال: (عائشة)، فقلت: بأبي وامي لست اسألك عن اهلك، قال: (فأبوها)، قلت: ثم من؟ قال: (عمر) قلت: ثم من؟ فأخذ يعد لي رهطً من مهاجرين وانصار فسكتت مخافة أن يجعلني في آخر المسلمين،
نقض قريش صلح الحديبية:
كانت القبيلة الضعيفة لتحمي نفسها تتحالف مع قبيلة قوية، فكل قبيلة ملزمة بهذا التحالف أن تدافع على القبيلة الأخرى إذا وقع أي اعتداء، بعد الصلح دخلت قبيلة خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخلت خزاعة في حلف مع المسلمين، قامت قبيلة بنو بكر ودخلت في حلف قريش، لأن خزاعة وبنو بكر بينهم حروب وعداوت قديمة، وثارات كثيرة، شاب من بني بكر، وقف يردد الشعر ويهجو النبي، فسمعه شاب من خزاعة، لم يتحمل ان يهجو محمد وهو حليفهم يعني انت تهجونا فما كان من هذا الشاب الخزاعي إلا أن قام وضربه وشج رأسه، هنا ثار الدم في رؤوس القبيلتين فأخذت قريش تحرض حليفتها على قتال خزاعة وأعانتهم بالسلاح والدواب، بل واشترك بعض فرسانهم كعكرمة بن ابي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وقالت لهم: باغتوهم في الليل، وجاوؤهم ليلاً بغتة وهم آمنون على ماء لهم، يقال له الوتير وقتلوا منهم بعض رجالهم فلما رأت خزاعة أنهم سيهزمون وقتل منهم بعض رجالهم هربوا و دخلوا الى الحرم، فقالوا لقائد بني بكر نوفل بن معاوية: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم، الله الله في إلهك، فإننا نحتمي به في البيت فقال نوفل: لا إله هذه الليلة وصاح برجاله: يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون وتسرفون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ فقتلوا منهم عشرين رجلا من خزاعة، فكان نقض واضحا وصريحا لصلح الحديبية من قريش، وعندما كان النبي في حجرة امنا ميمونة، قالت رضي الله عنها: سكبت له وضوءاً فلما شرع في وضوئه ومضمض واستنشق، وأراد أن يغسل وجهه نفض يديه من الماء وقال: (نُصِرتَ، نُصِرتَ، نُصِرتَ)، فقلت: بأبي وامي يارسول الله، من تكلم؟ قال: (لقد حدث حدثا في خزاعة الليلة، وسمعتهم يستنصرونني، فوالذي نفس بيده لأنصرنهم) ثم أتم وضوئه وقام يصلي ولم تخبر ميمونة أحدا بهذا الحديث فهي خاصية من خصائص الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم يكلم النبي أحد ومضت ثلاثة أيام، فلما وقع هذا الاعتداء، انطلق فورا من خزاعة عمرو بن سالم الخزاعي الى المدينة يستنصر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل، وقف على باب المسجد، وهيئته هيئة المذعور، والنبي بين أصحابه، فسلم ثم قال شعرا: (يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا،، حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا ،، أنّ قريشاً أخلفوك الموعدا ،، ونقضوا ميثاقك المؤكّدا ،، هم بيِّتونا بالوتير هجدا ،، وقتلونا ركعا ً وسجدا ،، فانصر رسول الله نصرا أبدا ،، وادع عباد الله يأتوا مددا ،،)
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في قوة وحزم: (نُصِرتَ يا عمرو بن سالم، والله لأنصرنكم، ولأمنعنكم مما أمنع منه نفسي وأهلي) وكان قرار النبي صلى الله عليه وسلم، أن ينتقم لخزاعة من بني بكر ومن قريش لإعتدائهم عليهم، ونقضهم صلح الحديبية، فقال: (يا عمرو ارجع الى مكة، ولا تخبر أحدا أنك جئتنا إلا قومك وليتفرقوا، وأسكنوا حتى يأتيكم أمري)، ودخل صلى الله عليه وسلم بيته ولم يحدد كيف يكون هذا الإنتقام وكيف يكون هذا العقاب،
توسلات قريش البائسة:
كان نقض قريش صلح الحديبية اعتداء وتهورا وتصرفا أحمقا غير مبرر، وأخذت قريش تبحث عن حل للمشكلة فقالوا: ما فعلناه إن بلغ محمداً، فهو نقض للصلح فما العمل؟ قريش خائفة لان القوة الآن في صالح المسلمين، وتضاعفت أعداد المسلمين، لذلك اجتمعت وقررت أن ترسل ابي سفيان، فقالوا له: اخرج إلى محمد فكلمه في تجديد العهد وزيادة المدة، ومنها تذهب لزيارت ابنتك، رمله زوج محمد، ومن خلالها تصل لمحمد، وأطلب إليه أن يشد بالعهد ويزيد في المدة، فخرج وحده، وهذه هي أول مرة في تاريخ قريش تقدم فيه مثل هذا التنازل، ولكنها رأت أنه خير لها ألف مرة، فيما لو قام المسلمون بغزو مكة، وهذا يدل على مدى الرعب والرهبة الذي كانت فيه قريش، وصل أبو سفيان الى المدينة، واتجه الى ابنته أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، طرق باب حجرتها، فلما فتحت نظرت الى أبيها وكان هذا اللقاء بعد غياب ستة عشر سنة، فكان أبو سفيان يعتقد منها استقبالاً حافلاً ولكنها نظرت إليه كعدو لرسول الله، فسكتت ولم تتكلم وحارت بأمرها فأراد ابوها أن يفك هذه الحيرة، فدخل من دون أن تقول له ادخل ولما ان أراد أن يجلس على الفراش الوحيد في الغرفة، وهو فراش النبي، اذا بها تسرع وتطوي الفراش حتى لا يجلس عليه، فتعجب وكانت صدمة له، فأراد ان يخرج من هذا الحرج وقال لها بلطف: يا بنية، ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ فقالت في صلابة وجفاء واضح: هو فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه وقال: يا بنية، والله لقد أصابك بعدي شرٌّ كبير قالت: بل أصابني الخير الكثير، وهداني الله تعالى للإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر، واعجب منك يا أبتِ وأنت سيد قريش وكبيرها، قال: أأترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ فتركها وخرج واتجه الى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم وجلس وقال: يا محمد حين انعقد الصلح مع قريش لم أكن شاهده، وقد تبدلت الايام وتغيرت، وأمر قريش بين يدي فأحببت ان أتيك واشد بالعهد وازيد بالمدة، فقال له النبي: (هل كان هناك حدث؟) قال: لا معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا لانغير ولا نبدل، قال: (إذن هو ذاك العهد على ما هو عليه) ثم أعرض بوجهه عنه صلى الله عليه وسلم فخرج أبو سفيان واتجه الى أبو بكر وقال: يا با بكر كلم لنا صاحبك يجدد العقد ويزيد في المدة فقال له: جواري في جوار رسول الله، فخرج وتوجه الى عمر بن الخطاب وطلب منه كما طلب من أبي بكر ولكن عمر رد عليه: أنا أشفع لكم عند رسول الله، فوالله الذي لا إله الاهو، لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به. فخرج أبو سفيان واتجه الى علي ودخل عليه في بيته، فقال أبو سفيان: يا علي، إنك أَمَسُّ القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة، فاشفع لي الى محمد فقال على بن ابي طالب: ويحك يا أبا سفيان! والله إذا عزم رسول الله على أمرٍ ما نستطيع أن نكلمه فيه فقال: أليس عندكم من قِرا، فأحضرت له السيدة فاطمة الضيافة وكان الحسن طفلا صغيرا، يلعب في البيت فأراد أبو سفيان أن يتلطف اليها لعلها تشفع له، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بُنيك هذا فيُجير بين الناس، ارفعي ولدك هذا، وقولي قد أجار الحسن بن علي، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ ولكنها تجاهلة مزاحه وقالت في وقارها: والله ما بلغ بُني ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسقط في يد أبو سفيان وقال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ والأبواب كلها قد سدت فانصحني فقال له: والله يا أبا حنظلة لا أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك انت سيد بني كنانة، فقم فأَجِر بين الناس، ثم الحق بأرضك. فقال: أوترى ذلك مُغنياً عني شيئاً؟ قال: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام ودخل المسجد وقال: يا أيها الناس، إني قد أَجرت بين الناس فلم يعبره أحد وركب بعيره راجعا إلى مكة، ومر في طريقه على سلمان وصهيب وبلال فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فسمعهم أبو بكر فنهرهم قائلا: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فذهب أبو بكر وأخبر النبي فقال: (يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) وفورا ذهب اليهم وقال لهم: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخيَّ، فوصفوا بقوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
ليس كل مخالفة خيانه:
لمارجع ابو سفيان، قال أشراف مكة: ما وراءك؟ فقال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة، فوالله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بأمر صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا؟ قالوا: فبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أُجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك، وعلمت قريش أن قيام النبي بغزو مكة أمر محتمل. أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من القبائل خارج المدينة أن يتجمعوا في المدينة، والجيش بالإستعداد، وكما هي عادة النبي لم يخبر أحدا أين وجهته، وكان شديد الحرص على كتم الخبر، واخبر فقط كبار الصحابة المقربين، الذين طلب منهم مهمات عسكرية محددة، والغاية دخول مكة بلا قتال وسفك دماء بالحرم، فاستخدم كل عوامل القوة ليستسلموا، وكان من دعائه: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها)، وجعل وحدات بقيادة عمر بن الخطاب على مداخل المدينة لمنع تسرب اي معلومه، وكان ممن اخبر حاطب بن ابي بلتعة رضي الله عنه، هو من المهاجرين ومن الذين اشتركوا في بدر وأحد الخندق والحديبية، وحامل الرسالة الى المقوقس، وفي لحظة ضعف كانت له زلة، لأن له بمكة تجارة وبعض أهل بيته، ويعاني من ايذائها له في أهله وماله، وليأمن شرهم أراد أن يؤدي لهم خدمة، فكتب اليهم كتابا أخبرهم فيه بمسير النبي اليهم، وأعطاه لامرأة اسمها سارة قد قدمت تشكو الحاجة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان في غنائك ما يغنيك؟) فقالت: ان قريشا تركوا الغناء، منذ قتل منهم من قتل ببدر، فأعطاها النبي ثم عرض عليها الإسلام فرفضت، وقبل منها النبي أن تبقى بالمدينة على كفرها، فقام حاطب وحملها رسالة، وأعطاها مبلغا من المال على أن تبلغها الى قريش وقال لها: اخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا، فجعلت الكتاب في قرون رأسها، وهي لا تعلم مضمون الكتاب، ولبست لباسها واتجهت نحو مكة وعندما رأى الحرس انها امراة تركب دابة لم يلتفتوا اليها فليس لهم شأن بها فتركوها.
اخبار النبي بما صنع حاطب:
هبط جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما صنع، فقال: (قم يا علي والزبير وطلحة والمقداد، وأدركا امرأة بمحل كذا، قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها) فخرجوا مسرعين حتى أدركوها في ذلك المحل، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها، فاستنزلوها وفتشوها والتمسوه في رحلها فلم يجدوه، فقال علي: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ولا كذبنا، ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك ونمزق عليك الثياب، قالت: اعطيكم الكتاب ولكن اصرفوا وجوهكم عني، فأعرضوا بالنظر عنها، واستخرجته من شعرها، فأخذه علي ثم تركوها، ورجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين اصحابه، فقال: (اقرأ الكتاب يا علي)، وحاطب بين الناس فقرأ علي: من حاطب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لينصرنه الله تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن الله تعالى ناصره ووليه فنظر النبي لحاطب وقال له: (ماهذا يا حاطب؟ فقال: بأبي وأمي انت يارسول الله، والله ماكفرت منذ ان آمنت، ولكن امهلني حتى اقول لك، قال: (قل)، قال: يا رسول الله، لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وليس احد من اصحابك من المهاجرين إلا ولهم قرابات يحمون بها أهليهم وأمواله، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم، أن اتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي: (أما أنه فقد صدقكم)، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يا عمر ومن قال لك انه منافق، انسيت انه بدري، ومايدريك يا عمر، أن الله تجلى واطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: قد رضيت عنكم فأفعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، قال عمر: فما بقي بدري في المسجد إلا وجهش، فبسببها كانت هذه البشرى لاهل بدر، ثم اكب حاطب على يدي النبي صلى الله عليه يقلبهما ويبكي ويقول: والله لم انافق يا رسول الله، والنبي يقول له: (وانا اشهد)، فرفع من قدره أمام المسلمين، لتضحياته الكثيرة، فليس معنى أنه أخطأ مرة أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما قدمه من قبل، ولا يكون عونا للشيطان على حاطب، فالمسلم عندما يرتكب ذنبا يوسوس اليه الشيطان، أنه قد أضاع كل شيء ويحبطه عن التوبة، والنبي لا يريد لحاطب أن يسقط في هذه الدائرة، والبطولة هي أن تأخذ بيد المخطىء وتصلحه، وقد سجل القرآن هذا الموقف لحاطب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } إذن وصفه بالايمان، واعداء الله هم أعداء حاطب، ثم دعى النبي صلى الله عليه وسلم ربه: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها).
الفصل الثالث:
خروج النبي لفتح مكة:
خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة صائما هو وجيشه الذي قوامه عشرة آلاف مقاتل مدججين بالسلاح، لم تشهد الجزيرة هذا العدد الكبير الا جيش أبرهة في عام الفيل الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الخروج في العشر من رمضان من الثامنة من الهجرة، حتى اذا وصلوا الى موضع اسمه الكديد أفطروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يفطر حتى دخل مكة، وقريش لا تعلم شيئا عن تحركات المسلمين، وقد أعمى الله الأخبار عنها، وفي هذه الأثناء خرج العباس بن عبد المطلب بأهله من مكة مهاجرا الى المدينة، لأنه كان عيناً للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فكان آخر من هاجر من المسلمين، فقابل جيش المسلمين في منطقة الجحفة وسر به النبي صلى الله عليه وسلم، وانضم الى الجيش، وأرسل أهله وثقله إلى المدينة، فلما وصل صلى الله عليه وسلم الى مَرُّ الظهران وهو وادٍ في شمال مكة يبعد عن مكة اثنان وعشرين كيلومتر فعسكر الجيش، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يوقد كل منهم نارا فأوقدوا عشرة آلاف نار، حتى اذا رأتهم عيون قريش تصيبهم الرهبة، وجعل قائد الحرس هو عمر بن الخطاب، وكان العباس عندما راى جيش المسلمين وكثرتهم، أشفق على قريش فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم واتجه الى مكة، حتى يقنع قريش بأن تستسلم وتطلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خرج من مكة أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الأخبار بأنفسهم، فلما رأوا النيران قال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، هذه النيران كنيران عرفة، فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة هي أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فسمعهم العباس فنادى بأعلى صوته: يا أبا حنظلة فقال أبو سفيان: أبا الفضل؟ قال: نعم قال أبو سفيان: مالك، فداك أبي وأمي؟ فقال: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله في الناس، على رأس عشرة ٱلاف مدجج بالسلاح، يا ويل قريش والله، واصباح قريش قال أبو سفيان: فما الحيلة يا ابا الفضل فداك ابي وأمي؟ قال العباس: اتسأل المشورة هذا الليلة يا ابا حنظلة؟ والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب خلفي على هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله فأستأمنه لك، ورجع حكيم وبديل الى مكة.
اسلام ابو سفيان:
وصل العباس ومعه ابا سفيان، فكلما مر على أحد من المسلمين قال: من هذا؟ فاذا اقترب قالوا عم رسول الله على بغلته فيتركوه حتى مر على قائد الحرس عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ ثم قام فنظر فرأى أبو سفيان فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم أخذ عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه وقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه، قال العباس: يا رسول الله، إني قد أجرته فأصر عمر على قتله وأخذ يتحدث الى الرسول في ذلك والعباس يرد على عمر والنبي لا يرد عليهما، قال العباس: فلما أكثر عمر في شأنه ومجادلته قال العباس: مهلا يا عمر فوالله لو كان أبو سفيان من بني عدي ما قلت هذا، ولكن لأنه من بني عبد مناف، فقال له: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك الا أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم، ثم قال الرسول للعباس: (اذهب به يا عباس الى رحلك فاذا أصبحت فأتني به)، فذهب ونظر ابو سفيان للصحابة منهم من قام يصلي، ومنهم من يقرأ القرآن، ومنهم من قام يناجي ربه، فلما صار وقت الفجر قام بلال يأذن للصلاة وثار الناس وهرعوا للصلاة، فهذا التحرك أرعب أبا سفيان ففزع وقال للعباس: يا أبا الفضل ما يريدون؟ هل أمر محمد بشيء؟ قال: لا يا ابا حنظلة أنها صلاة الفجر، قال: كم مرة تصلون باليوم قال: خمس مرات وهذه صلاة الفجر هي اقربها لمرضاة الله واخذ يخبره عن فضلها، فقام ينظر فرأى الصحابة يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبادرون لخدمته، ثم رآهم يركعون إذا ركع ويسجدون إذا سجد فقال: يا عباس ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فقال له العباس: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه فقال: ما رأيت ملكاً مثله، لا كسرى ولا قيصر، ولا في بني الأصفر، لقد اصبح ملك ابن اخيك عظيماً فقال له: إنها النبوة يا ابا سفيان وليست الملك، قال: نعم هو ذاك، فلما جاء الصباح جاء العباس ومعه أبو سفيان، قال له النبي: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟)، فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لو كان مع الله إله غيره، لقد أغنى عني اشهد أن لا إله إلا الله فقال النبي: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله)، فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم قبل أن تضرب عنقك، قال: فإني اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، ثم قال العباس: يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم انطلق اباسفيان الى قومك، واخبرهم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن)،
تحطيم مقاومة قريش:
قال النبي للعباس: (يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها، ولا تلعب به نفسه)، فالرسول صلى الله عليه وسلم هدفه هو أن يدخل مكة بلا قتال ومن غير سفك للدماء، ويعتمد في ذلك على اخافة قريش حتى تستسلم وتجبن عن القتال، فذهب به ومر الجيش كله أمام أبو سفيان، وكانت كل قبيلة تمر تحمل رايتها، يسأل عنها: يا عباس من هذه؟ يرد عليه: غفار، يقول: ما لي وغفار، يا عباس من هؤلاء؟ سليم، ما لي وسليم، يا عباس من هؤلاء؟ مزينة يا أبا الفضل ما لي ولمزينة، قد جاءتني تقعقع من شواهقها يا عباس من هؤلاء؟ جهينة، ما لي ولجهينة، يا عباس من هؤلاء؟ بنو ليث بن بكر، وبنو ضمرة بن بكر نعم أهل شؤم والله، هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم، أما والله ما شوورت فيهم ولا علمته، ولكنه أمر حُتِم، يا عباس من هؤلاء؟ أشجع، هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال ابو سفيان مدهوش: يا عباس من هؤلاء؟ قال العباس: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً، قال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: نعم، ثم قال له العباس: الحق الآن بقومك وحذرهم، فانطلق الى مكة، وهي من الرعب في نهاية، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قبحك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فقامت اليه زوجته هند ونادت: يا معشر قريش اقتلوا هذا الشيخ الأحمق، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ قال أبو سفيان: لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فقد جاءكم ما لا قِبَل لكم به، تفرق القرشيون ولزم كثير منهم دورهم ولجأ البعض إلى المسجد، وبذلك نجحت خطة النبي صلى الله عليه وسلم في تحطيم مقاومة قريش، ومع ذلك رفض بعض شبابها الإستسلام وقرروا المقاومة، وفي نفس الوقت استعد الجيش لدخول مكة.
يوم دخول مكة:
قرر النبي دخول مكة بأربعة كتائب وجعل على ثلاثة من أبناء قريش لتأليفهم، والرابعة من الانصار تدخلها من اربعة جهات في نفس الوقت، الأولى خالد بن الوليد يدخل من أسفل مكة، والزبير بن العوام على الثانية يدخل من أعلى مكة مع النبي، والثالثة أبو عبيد بن الجراح يدخل من جهة أخرى من أعلى مكة، والرابعة سعد بن عبادة يدخل من غرب مكة، ليستفيد من التفوق العددي، كانت ضربة قاضية لجيش قريش، فعجز عن التجمع للمقاومة، وقد أمرهم أن لا يقاتلوا احداً إلا إذا قاتلكم، فتذكر النبي ما قال لعثمان بن أبي طلحة عندما جاء ليدخل الكعبة على عادة قومه، فوضع عثمان يديه على الباب وصده عن الدخول، فقال النبي له: (ما بك يا عثمان؟) قال: انت رجل فارقت دين قومك فعلام تدخل كعبتهم، فقال له: (يا عثمان كيف ترى إذا كان هذا المفتاح يوماً في يدي أضعه أنا حيث أشاء)، فقال بأستهزاء واستخفاف لاستحالة صعود الخيل جبل الحجون: إذن ذلك يوم طلعت فيه الخيل من الحجون وذُلة يومها قريش، وقالها يوما العباس لابي سفيان: ألا تعلم أن محمداً صادقاً قال: نعم لم نجرب عليه كذباً قط قال: ألا ترى أن اصحابه يزيدون ولا ينقصون قال: نعم قال: ألا ترى انه دين حق، فما عليك لو اتبعناه فقال: انا اتبع محمداً؟ يتيم ابا طالب، راعي الغنم في قريش، نعم يا ابا الفضل اتبعه إذا رأيت نواصي الخيل تطلع علينا من الحجون، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يدخل بالخيل من الحجون ليحقق لهم المستحيل، وسمع بعض الصحابة سعد بن عبادة يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فوصلت للنبي فقال الصحابة: يا رسول الله، والله لا نأمن سعدا ان تكون منه في قريش صولة، فأمر النبي بعزل سعد عن القيادة وجعل مكانه ابنه قيس فلم يتأثر سعد ولا الانصار، ودخلوا من الجهات الاربعة بلا اي مقاومة، إلا كتيبة خالد بن الوليد حيث تجمع بعض رجال قريش بقيادة عكرمة بن ابي جهل وصفوان عند جبل الخندمة، وكان فيهم جماش بن قيس، قالت له زوجته كانت مسلمة بالسر: لمن تعد هذا السلاح؟ قال: بلغني أن محمداً يريد أن يفتح مكة، قالت: أبعد ما صنع بخيبر، يقوم له احد دع عنك هذا، قال: فلئن كان لأخدمنك خادما من بعض من أستأسره، فقالت: والله لكأني بك وقد رجعت تطلب مخبأ أخبئك فيه، فلما تصدوا لقوات خالد بالسهام، أصدر خالد بن الوليد أوامره بالإنقضاض عليهم، وما هي الا لحظات حتى تشتتوا وفروا، فهرب جماش واخذ يجري الى منزله فدخل مرعوباً وقال: اغلقي الباب، أما سمعتي ابو سفيان يقول من دخل داره واغلق بابه فهو آمن، فقالت وهي تضحك: فأين الخادم؟
فقال شعرا:(وأنتِ لو أبصرتنا بالخندمة // إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة // يقطعن كل ساعد وجمجمة
ضربا فلا تسمع إلا غمغمة // لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة)،
فضحكت منه وسخرت واغلقت الباب عليه كي يكون في أمان
كيف دخل النبي مكة:
لما علم النبي بقتال خالد، قال: (قم يا علي وانطلق الى خالد، وقل له يرفع يده عن دماء الناس)، ولما سأل النبي خالد: (كم قتلتم منهم؟)، قال: هم سبعون يارسول الله، فقال: (الله اكبر لقد أردنا أمراً، وأراد الله آخر)، وقبل أن يدخل مكة اغتسل، نزع عنه السلاح ولبس لباسه، وأعتم بعمامته السوداء التي لبسها ليلة الاسراء والمعراج وقد ارخى طرفيها على كتفيه ثم قال لعمه العباس: (اصرخ بالانصار ولا يأتيني إلا انصاري)، فنادى: يا معشر الانصار الى رسول الله، فأسرع الانصار إليه ووقفوا حوله فقال لهم النبي: (يا معشر الانصارى ارايتم قريش)، قالوا: نعم، قال: (فإن برزت لكم فحصدوهم حصداً، حتى توافوني على الصفا)، لانهم ليسوا من مكة وليس لهم ارحام بها، فتأخذهم شفقة الرحم فقالوا: سمعاً وطاعةً يا رسول الله فحمل الانصار فقط سلاحهم ومشوا بين يديه صلى الله عليه وسلم ثم ركب ناقته القصواء، وتقدم نحو مكة فطلع على اهل مكة من الحجون على ناقته القصواء، والانصار حوله مدججين بالسلاح، وياله من مشهد بعمامته السوداء فلما رأى قريش من الاعلى، وقوف تنظر إليه والناس تستشرفه طأطأ راسه حتى أن شعر لحيته يكاد يمس ظهر راحلته، ساكباً دموعه، يمشي الهوينة تواضعاً لله تعالى وهو يتلو قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} فلما وصل للكعبةواستقبل الحجر الأسود بعصاه وطاف بالبيت، وأخذ قوسه وأخذ يدفع به الأصنام حول الكعبة وهو يقول: {جَاءَ الْحقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنّ الْبَاطِلَ كانَ زَهُوقاً} ثم طاف بالبيت سبعة ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية من المسجد، وأرسل بلالا الى عثمان بن طحة قال: له أحضر لرسول الله مفتاح الكعبة، فسأل امه عن المفتاح فقالت: هو معي قال: أعطينيه فقد طلبه رسول الله قالت: لا والآت لا أعطيك أياه قال: يا أماه إن لم تعطينيه، أرسل غيري ليأخذه قالت: ليبعث محمد من شاء، تأخر عثمان، قال النبي: (قم يا عمر فأتني بمفتاح الكعبة)، فأنطلق عمر، كان اذا صاح بأعلى صوته أرتجت الطرقات بصوته، ويفر الشيطان من المكان الذي يكون فيه عمر، فدنى من البيت ونادى بصوته: يا عثمان أين المفتاح؟ رسول الله بأنتظارك، قال عثمان: فاهتزت الدار كأن بها رعد فأخرجت أمي المفتاح وقالت: خُذ لا تدع عمر يدخل فأخذه وانطلق به الى رسول الله.
استسلام قريش:
جاء عثمان ومعه المفتاح فعندما دنى من النبي ليعطيه المفتاح، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم قبل عشر سنين، فأخذته الرهبة فسقط المفتاح من يده، فظلل النبي صلى الله عليه وسلم بثوبه على المفتاح، ثم انحنى إليه واخذه ثم قال لعثمان: (يا عثمان اتذكر يوم قلت لك كيف بك إذا رأيت المفتاح في يدي، أضعه انا حيث اشاء)، قال: نعم يارسول الله قال: (أرايت اليوم نواصي الخيل تطلع من الحجون)، قال: أشهد أنك رسول الله، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم على درج الكعبة ففتح الكعبة، وأمر بمحو الصور داخل الكعبة، ثم غسلها بماء زمزم، وصلى داخلها ركعتين وقيل ثماني ركعات ثم خرج وقريش واقفة تنتظر مصيرها، فأسند يديه على جانبي الباب وخطب الناس وقال: (لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب)، ثمّ تلا: { يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} ثم قال: (يا معشر قريش ويا أهل مكّة ما ترون أنّي فاعل بكم؟)، وسكت، فأخفضوا رؤوسهم، وقالوا من غير أن يرفعوا رؤوسهم، مقولة الذليل المسترحم، قالوا بلسان واحد: أخٌ كريم وابن أخ كريم رحيم، فرد عليهم بأبتسامة الرضا والطمئنينة، حتى يطمئنوا بأن الحال يصدق المقال: (فاني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فخرجوا فكأنهم نشروا من القبور، وكان أهل مكة أفضل ما يطمحون اليه هو أن يسترقهم المسلمون.
احداث يوم الفتح:
وبعد أن عفا النبي عن قريش، فاكمل خطبته: (إن مكة حرَّمها الله يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحُرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب). ثم نزل صلى الله عليه وسلم يستقبل بيعة من يريدون الدخول في الاسلام، وجلس في صحن الكعبة ووقف بجانبه ابو بكر وعمر وعلي بين يديه يقدم له الناس افواجاً ليبايعوه، فتزاحمت قريش تبايعه، ولا يزال يحمل مفتاح الكعبة، فطلب العباس أن يعطيه مفتاح فيكون له ولأبنائه من بعده ولبني هاشم شرف الإحتفاظ بمفتاح الكعبة، والعناية بشئونها من تنظيف وكسوة وغير ذلك، فأراد أن يجمع بين السقاية والسدانة، فرفض ذلك، وطلب أيضا علي رضي الله عنه منه أن يجمع لبني هاشم السقاية والسدنة، فقد أنزل الله على نبيه وهو في داخل الكعبة: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، فقال النبي: (يا علي رد المفتاح الى عثمان) فأخذه عثمان، وقال له: (خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، فلما مات عثمان انتقلت السدانة الى أخيه شيبة ثم توارثها أبناءه الى يومنا هذا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فاخذ يدعو الله تعالى ويذكره، وحانت صلاة الظهر فأمر بلال، فصعد فوق الكعبة وأذن للصلاة، وصلى النبي بالمسلمين، ثم ارسل مناديا ينادي: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلّا كسره)، وقال أسامة بن زيد للرسول: ألا تنزل في دارك؟ فقال النبي: (وهل ابقى عقيل لنا دارا)، فلم برد هذه البيوت تأليفا لقلوب من أسلم منهم ولأنهم هجروها في الله تعالى، ثم ضربت خيمة صغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم في الأبطح، فنزل فيها وزوجتاه أم سلمة وميمونةرضي الله عنهما وجاء أبو قحافة والد أبي بكر الصديق قد تجاوز عمره تسعين عاما، ممسكا بيده ابو بكر يقوده، فلما رآه النبي قال له: (هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟)، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. فمسح النبي على صدره وقال: (اسلم تسلم) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله. فقال ابو بكر: والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه، وذلك لأنه كان أقر لعينك، وكان رأس أبي قحافة ولحيته كالثغامة فقال: (غيروهما، وجنبوهما السواد) وفي رواية (واجتنبوا السواد)
من المواقف التي حدثت بعد الفتح:
كان أبو سفيان جالسا يحدث نفسه، بان يجمع للرسول بعض القبائل لحربه، وكانت أحد القبائل الكبيرة لا تزال في عداء مع النبي وهي هوازن، فبينما هو كذلك فوجىء بأن النبي خلفه يضرب على ظهره، وقال: (إذن يخزيك الله)، فرفع أبو سفيان رأسه، فقال: أشهد أنك رسول الله. وأراد فضالة بن عمير قتل النبي، وكان شديد الكراهية للنبي، أظهر الإسلام، ثم حمل سيفه واخفاه بين ملابسه، وكان النبي يطوف بالبيت، فأخذ يدنو منه فلما اقترب، قال له النبي: (أفضالة؟)، قال: نعم، فضالة يا رسول الله، فقال له: (ماذا كنت تحدث به نفسك؟)، فقال: لا شيء، كنت أذكر الله، فتبسم النبي وقال: (استغفر الله يا فضالة)،ثم وضع يده على صدر فضالة، وقال: (استغفر الله يا فضالة)، فسكن قلب فضالة، قال: فوالذي بعثه بالحق نبيا، ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه صلى الله عليه وسلم. وأقام النبي في مكة تسعة عشر يوما، وخلالها حطم الأصنام وامر باخراج حجارتها خارج الحرم، وأرسل عددا من السرايا لتحطيم الأصنام في المناطق المحيطة بمكة، وذلك لتطهير الجزيرة من رموز الشرك والوثنية، وكانت هذه السرايا اشارة لمرحلة جديدة من التوحيد الإعتقادي والعملي. فأرسل سعد بن زيد الأشهلي ومعه عشرين فارسا في الرابع والعشرين من رمضان لهدم صنم مناة كانت بالمُشلل على ساحل البحر الأحمر، فقال له سادن الصنم: ماذا تريد؟ قال: هدم مناة، فلما اقترب منها صاح السادن: مناة دونك بعض عصاتك، لاعتقاده ستصيبه لعنة الآلهة، فتقدم وهدمه. وأرسل خالد بن الوليد على رأس ثلاثين فارسا لهدم العزى، وكانت في نخلة شمال شرق مكة، فوصلوا اليها فكسروا الصنم وهدموا بيته، وخالد يردد: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك. وأرسل عمرو بن العاص لهدم سواع، وكان عند قبيلة هذيل على بعد خمسة من الكيلومترات عن مكة، فلما انتهى اليه عمرو بن العاص كان عند الصنم سادنه فلما رأى السادن الخيول، قال لعمرو بن العاص: ما تريد؟ فقال له: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه فقال السادن: لا تقدر على ذلك قال عمرو: لِمَ؟ قال: تُمنع قال له عمرو: ويحك حتى الآن أنت في الباطل، وهل يسمع أو يبصر؟ ثم تقدم عمرو بن العاص فكسره ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ فقال: أسلمت لله، اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله.
من الذين اهدر دمهم:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهدر دم خمسة عشر حددهم بالإسم، لانهم قاموا بجرائم شديدة في المسلمين، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، ولم يقتل منهم سوى اربعة فقط، وعفى عن الباقين. منهم:
*مقيس بن صبابة، أسلم وحدث أن قتل أحد الأنصار أخيه خطأ في أحد الغزوات ظنا منه أنه من العدو، فأخذ الدية ثم قتل هذا الأنصاري، وارتد وعاد مشركا الى قريش، فلما كان الفتح قتل قصاصا.
*عبد الله بن الأخطل، والجاريتين المغنيتين، أسلم وهاجر، ثم بعثه النبي لأخذ الصدقة، وكان معه مولى له مسلما، فأمر مولاه أن يصنع له طعاما، ثم نام فلما استيقظ وجد مولاه نائما ولم يصنع شيئا فقتله، ثم خاف أن يقام عليه الحد، فارتد وعاد الى مكة، وكان شاعرا فأخذ يهجو النبي، وله جاريتين تغنيان بهذا الشعر، فلما كان يوم الفتح ركب فرسه ولبس درعه وأقسم لا يدخلها النبي، فلما رأى خيل المسلمين خاف وذهب الى الكعبة وتعلق بأستارها، فرآه النبي وأمر بقتله، وقتلت احدى الجاريتين، وطُلِب العفو عن الثانية فعفا عنها.
*عبد الله بن أبي سرح كان ممن يكتب الوحي ثم ارتد ولحق بمكة ليرضي قريش، فأخذ يشوه مصداقية النبي والوحي ويقول: إن محمدا لا يعلم ما يقول، وكتبت له {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله {ثم أنشأناه خلقا آخر} فقلت: {فتبارك الله أحسن الخالقين} قبل أن ينطق بها محمد فقال: (اكتب ذلك هكذا أنزلت)، فإن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي، وكل ما كنت أقوله يقول لي اكتب هكذا نزلت، فلما كان يوم الفتح وعلم بإهدار دمه، لجأ إلى عثمان بن عفان وكان أخيه من الرضاعة قبل أن يقتل، فغيبه في بيته حتى هدأ الناس واطمأنوا، أتى به إلى النبي وهو في صحن الكعبة، وقال: يا رسول الله بأبي انت وامي، بايع عبد الله بن ابي سرح، فكررها عثمان ثلاثا، فلم يرد عليه واستدار النبي بوجهه، فنظر فيه وقد علاه الغضب وقال: (نعم ابسط يدك يا ابن ابي سرح) وبايعه وأمنه، فشعر عثمان أنه أثقل على رسول الله، فأخذه عثمان وخرج به من الحرم فقال لأصحابه وهو مغضب بصوت مرتفع: (أعرضت عنه مراراً وهو مهدور الدم، ألا قام إليه بعضكم فيضرب عنقه؟)، وقد أخذ عباد سيفه لقتله ينتظر إشارة من النبي، فقال لعباد وهو مغضب وقد ارتفع صوته: (انتظرتك أن تفي بنذرك)، قال: يا رسول الله خفتك، أفلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال النبي وهو مغضب اكثر واكثر ورافعاً صوته وهو يقول: (سبحان الله، إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين فكيف بمحمد رسول الله؟) فسكت الصحابة، وكان يستحيي عبد الله من مقابلة النبي، فقال عثمان: بأبي انت وأمي يارسول الله، إن عبدالله لا زال يذكر جرمه ويستحي منك، فقال: (يا عثمان الإسلام يجبّ ما قبله)، وقد حسن اسلامه.
*اسلام هند: كانت ممن أهدر دمهم، وزوجة أبي سفيان وأم معاوية، والتي مثلت بحمزة في احد، يوم الفتح لزمت منزلها وعلمت بهدر دمها. امر النبي عمر بن الخطاب ان يقف بين يديه وتجمع النساء ليبايعن النبي، (قالت امنا عائشة: ما وضع صلى الله عليه وسلم يده بيد امرأة إلا امرأة تحل له، أو ذات محرم،) وبسط يده في الهواء، وبسطت نساء قريش أيدهن وتمت البيعة، وكانت هند متنقبة بين النساء، قد أخبرت انه لا يقتل من اسلم، قال: (ابايعكن على ان تشهدن ان لا اله الا الله، وأن محمد رسول الله)، قالت النساء: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: (وألا تقتلن اولادكن من املاق)، فقالت هند: لقد ربيناهم صغاراً يا رسول الله، وحصدتهم يوم بدر كباراً، فأنت وهم أعلم عند الله، فعرفها من صوتها، فقال: (أهندٌ بنت عتبة؟)، فأماطت النقاب وقالت: نعم بأبي وأمي انت يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتنفعني رحمك، فتبسم لها صلى الله عليه وسلم ضاحكاً، وقال: (مرحبا بك) وقال: (وألا تزنين)، فقالت هند: أو تزني الحرة بأبي انت وامي؟فضحك وضحك عمر، قالت: والله يا رسول الله ما كان على وجه الارض اهل خباء احب إلي ان يذلوا من اهل خباءك، ثم ما اصبح اليوم اهل خباء على وجه الارض، احب إلي من ان يعزوا من اهل خباءك، لقد كنا في جاهلية يا رسول فأصفح الصفح الجميل، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد عفونا وصفحنا يا ابنت عتبة)، فقالت: يا رسول الله لقد نهيت على أن يسرق المسلم او يأكل حراما، إن ابا سفيان رجل بخيل يعسر علينا في النفقة، وكنت آخذ من ماله خفية، فأوسع على نفقتنا فهل يحل لي ذلك؟ فقال ابو سفيان: أما ما أخذتي في ما مضى فأنتِ في حل منه، أما بعد اليوم فلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك: (خذي يا ابنت عتبة ما يكفي لنفقتكم بيسر)، فرجعت هند وقد أنار وجهها وقلبها بنور الايمان، وكانت صادقة الإيمان، حتى اذا دخلت دارها اسرعت الى صنمها فألقته في الارض، ووضعت قدمها عليه وقالت: لقد كنا معك في غرور، الحمد لله الذي اخرجنا من الظلمات الى النور.
*عكرمة بن ابي جهل: هو ممن قام بنقض صلح الحديبية وشارك بني بكر بقتال خزاعة، فأهدر النبي دمه، فلما دخل المسلمون مكة هرب واتجه الى اليمن، وامرأته أم حكيم بنت الحارث اخت ام المؤمنين ميمونة بنت الحارث ام حكيم اسلمت قبل الفتح وانفصلت عنه بحكم الاسلام فالمسلمة لا تحل لكافر، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لقد شمل عفوك قريش كلها وإن عكرمة رجل من رجالات قريش، سمع بدمه المهدر ففر الى الساحل هاربا ، ألا تأمنه يا رسول الله؟ فرق قلب النبي وقال لها: (أدركِ زوجك فهو آمن)، فخرجت في طلبه الى اليمن، ولحقته وقالت: قف يا بن عم لقد جئتك من عند اكرم الناس، واوصل الناس، جئتك من عند رسول الله وقد أخذت لك الأمان فلا تهلك نفسك، فقال: أومحاسبي هو؟ قالت: لا قد صفح واعطاك الامان، فأرجع فإنه ابن عمتك، وعزه عزك وشأنه شأنك، فرجع معها وهو قادم بالطريق والنبي صلى الله عليه وسلم جالس بمكة بين اصحابه واذا بالنبي يأتيه الوحي من السماء، ان عكرمة قد آمن ورجع فقال لاصحابه: (لقد رجع إليكم عكرمة مسلما مهاجرا، فمن رآه منكم فلا يؤذيه بسب أبيه)، فلما قدم عكرمة لساحة الحرم، ففزع إليه صلى الله عليه وسلم بأزار دون رادء عاري المنكبين وهو يقول بأعلى صوته: (مرحباً بمن جاءنا مؤمنا مهاجراً)، قال عكرمة: يا رسول الله فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو وأنت غائب عنه، فقال النبي: (اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال مني من عرض في وجهي أو أنا غائب عنه)، فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صدٍ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا كنت أقاتل في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، وكان رضي الله عنه من فضلاء الصحابة رضي الله عنه، وما خاض المسلمون بعد اسلامه معركة الا خاضها معهم، واشترك في حروب الردة، ثم لما فرغ اتجه الى الشام، واشترك في معركة اليرموك، ولما اشتد الكرب على المسلمين في معركة اليرموك، نزل من على جواده وكسر غمد سيفه، ونادي بأعلى صوته: من يبايعني على الموت، فباعيه البعض على الموت، وأوغل في صفوف الروم فبادر إليه خالد بن الوليد وقال: لا تفعل يا عكرمة فإن قتلك سيكون شديداً على المسلمين، فقال: إليك عني يا خالد، فلقد كان لك مع رسول الله سابقة، أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول الله، فدعني أكفر عما سلف مني، وظل يقاتل حتى مات شهيدا رضي الله عنه.
*المغنية سارة: التي قدمة للمدينة وطلبت المساعدة، فأعطاها النبي وسمح لها البقاء في المدينه، ولكنها خانت وحملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، الى قريش تخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم اليهم فلما كان فتح مكة اختفت ثم جائت الى النبي واستئمنته، وأسلمت وعاشت حتى خلافة ابو بكر الصديق.
*صفوان بن أمية: كان من أشد قريش عداوة للنبي وايذاءا للمسلمين، وشارك بنقض صلح الحديبية، وشارك بني بكر بقتل خزاعة، وقاتل خالد بن الوليد عند دخوله مكة عند الخندمة، فهرب، فجاء ابن عمه عمير بن وهب للنبي، وقال: بأبي وأمي انت يا رسول الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب فأمنه، فانك أمَّنت الأحمر والأسود، فقال له: (أدرك ابن عمك فهو آمن)، فقال : يا رسول الله اعطني آية حتى يثق بي صفوان، قال: (خذ هذه عمامة رسول الله أمان لصفوان)، فأنطلق عمير يسابق الريح حتى أدركه فقال له: يا ابن عم على رسلك لا تهلك نفسك فنظر إليه وقال: اغرب عني وهل نسيت انك شيطان قريش، واصبحت شيطان المسلمين، لعلك جئت تأسرني الى محمد قال عمير : لا والذي خلق السموات والارض، وبعث محمد نبيا، يا صفوان لقد جئتك من عند أفضل الناس وأبرّ الناس وأحلم الناس وخير الناس وهو ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك، فقال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم جئتك من عنده بأمان لك قبل ان تدخل مكة، ثم أراه عمامة النبي وقال له: هذه عمامة رسول الله وقد رأتها قريش كلها هي أمان لك، فدنى صفوان بحذر وقال: اعطنيها واخذ العمامة، ثم ركب ناقته وقال لعمير: انطلق امامي فجعله يمشي أمامه وهو خلفه حتى اذا وصل ارض الحرم ظل راكباً على راحلته، ووقف صفوان ونادى بأعلى صوته يا محمد يزعم صاحبك هذا انك قد أمنتني، قال له: (صدق وانت آمن)، قال: يا محمد لا تكرهني على دينك أمهلني بالخيار شهرين فقال له: (أنت بالخيار أربعة أشهر) واسلم قبل مضي شهرين.
*زهير بن أمية والحارث بن هشام؛ كانا شديدا في كفرهما فاختبئا في بيت أم هانىء وآجرتهما، تقول: فدخل عليّ أخي علي، فقال: والله لأقتلنهما، قالت: فحلت بينه وبينهما، فخرج فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب فسلمت عليه فقال: (من هذه؟)، فقلت: أم هانىء بنت أبي طالب فأخرج رأسه صلى الله عليه وسلم من خلف الرداء وقال: (مرحبا بأم هانىء، ما جاء بك؟)، فأخبرته، فقال: (أجرنا من أجرتِ، وأمنا من أمنتِ فلا نقتلهما)،
*وحشي بن حرب: هو الذي قتل حمزة رضي الله عنه يوم أُحد، وكانت الصحابة أحرص شيء على قتله، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف وقد علم أن دمه قد أهدر ، ثم بلغه أن من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً لا يسفك دمه، وفي حنين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين، جاء وحشي متنكرا حتى وقف وراء النبي صلى الله عليه وسلم والناس كثير وهو متلثم وقال: إني اشهد ان لا اله الا الله، وانك يا محمد رسول الله فألتفت النبي إليه وقال: (من؟)، فكشف اللثام عن وجهه وقال: وحشي ابسط يدك يا رسول الله ابايعك، فقال: (أوحشي؟)، قال: نعم، قال: (قاتل حمزة؟ اجلس بين يدي وحدثني كيف قتلت حمزة؟)، قال: أقبل اسلامي أولاً يا رسول الله، واغفر لي يارسول الله قال: (اما اسلامك فقد قبلناه، ولكن اجلس حدثني كيف قتلت حمزة وهو اسد الله واسد رسوله)، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يحدثه كيف قتل حمزة، غدرا لا مبارزة، فلما أخذ وحشي يتكلم، قال الصحابة: بكى النبي صلى الله عليه وسلم وعلا نحيبه، حتى أبكى كل من حوله، فلما فرغ وحشي، قال له: (أما إسلامك فقد قبلناه ولكن غيب وجهك عني الساعة)، قال: لا، والذي بعثك بالحق لا أقوم حتى تستغفر لي، فأستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم ومسح صدره وقال: (قم يا وحشي قد قبلنا اسلامك وغفر الله لك)، ارأيتم مكارم الاخلاق؟ صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} هل رأيتم اعظم من هذه المواقف؟ في ساعة ينقلب الغضب الى رضا، والعداوة الى محبة ويمسح صدره ويستغفر له، قام وحشي وقد اسلم ولما قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولحق بالرفيق الاعلى، خرج وحشي وقاتل في حروب الردة في خلافة أبو بكر، فكان هو الذي قتل مسيلمة الكذاب بحربته التي قتل بها حمزة فكان يقول: أرجو ان تكون هذه بتلك.
*الحويرث بن نقيد وكان من أشد قريشا ايذاءا للمسلمين، واشترك مع هبار بن الأسود في محاولة منع السيدة زينب بنت النبي من الهجرة، وأخذا ينخسا الجمل الذي كانت تركبه، حتى سقطت على صخرة، وكانت حامل فسقط جنينها، ولم تزل مريضة حتى ماتت، فتعلق الحويرث بأستار الكعبة فقتله علي بن ابي طالب رضي الله عنه.
*وهبار كان كذلك من أشد قريش ايذاءا للمسلمين، فكان ممن أهدر دمه، فلما علم هرب واختفى، حتى عاد صلى الله عليه وسلم الى المدينة ثم دخل يوما على النبي وهو في مسجده فقال الصحابة: يا رسول الله هذا هبار بن الأسود، فقال النبي: (قد رأيته)، فأشار إليهم أن يجلسوا، ثم وقف هبار أمام النبي وقال: السلامُ عليك يا رسول الله، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، لقد هربتُ منك في البلاد يا رسول الله، وأردتُ اللحوق بالأعاجم، ثم ذكرت فضلك وبرّك وصَفحك عمّن جهل عليك، فاصفح عن جهلي وعما كان يبلغك عني، فإني مقرٌ بسوأتي معترف بذنبي، فأطرق النبي رأسه حياءا من كثرة اعتذاره، وبكى صلى الله عليه وسلم حتى ابتلت لحيته فرفع رأسه وقال: (اللهم إني عفوت عن هبار فأعفو عنه)، والإسلام يجب ما كان قبله.
*وكعب بن زهير من أكبر شعراء العرب، كان يهجو النبي بشعره وينشره بين العرب، ويطعن في عرض النبي، فلما بلغه أن النبي قد أهدر دمه، هرب من مكة، وكان لكعب اخ مسلماً أخذ يراسله ويلك ادخل على رسول مسلماً فإن رسول الله لا يقتل مسلما، فجاء كعب للمدينة ونزل عند رجل صديق له يعرفه قال له: ابيت عندك الليلة حتى تدخل بي على محمد في صلاة الفجر ، كي لا يراني احد فإني مهدور الدم فأمنه، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم، من صلاته واستدار، تقدم كعب بين الصفوف ودنى من رسول الله والوقت ظلمة، فقال كعب: يا رسول الله إن كعب بن زهير الشاعر المهدور دمه، يريد ان يأتيك مسلما تائبا فهل اذا جئت به أمنته وقبلت اسلامه؟ فقال له النبي: (إن جاء مسلماً قبلناه) فقال كعب: ها انا بين يديك اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد انك رسول الله، فقال النبي: (انت كعب؟)، فوثب أحد ليضرب عنقه، فأشار له النبي ان اجلس، فقام كعب وأنشد فلما وصل الى بيت الشعر: إنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ // مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فخلع بردته واعطاه اياها، هذا النبي الذي قال: (من صنع لكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، وهذه العباءة بقيت عند كعب، ولما كان معاوية في زمن خلافته عرض على كعب عشرة آلاف درهم ليأخذها منه، فرفض وقال: ما كنت لأؤثر بثوب رسول الله الذي أعطانيه أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته عشرين الف وأشتراها منهم.
اسلام ام هانئ:
ولم تكن أم هانئ قد أسلمت، فأسلمت في ذلك اليوم، يوم فتح مكة وزارها النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وقال لها: (هل عندك من طعام نأكله؟)، قالت: بأبي وامي انت، ليس عندي إلا كسر يابسة وأنا أستحي أن أقدمها إليك، فقال: (هلمي بهن، فكسرهن في ماء)، وجاءت بملح فقال: (هل من أدم)، فقالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل فقال: (هلميه، فصبه على الكسر وأكل منه، ثم حمد الله ثم قال: (نعم الأدم الخل ، يا أم هانىء لا يقفر بيت فيه خل) يقول جابر رضي الله عنه في الحديث المرفوع إن الله يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له حتى يفرغ، وجاء نعم الأدم الخل، اللهم بارك في الخل، فإنه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خل، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى بعض حجر نسائه فدخل ثم أذن لي فدخلت فقال: (هل من غداء؟)، فقالوا : نعم، فأتى بثلاثة أقرصة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرصا فوضعه بين يديه وأخذ قرصا فوضعه بين يديّ ثم أخذ الثالث فكسره، فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي ثم قال: (هل من أدم؟) فقالوا: لا إلا شيء من خل قال: (هاتوه، فنعم الأدم الخل)، فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من رسول الله والذي سمع حديث جابر من التابعين قال: ما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر، وقد ثبت في العلم الحديث أن الخل غني بالمواد الغذائية وله خصائص مضادة للفيروسات ويساعد الجسم على التخلص من السموم ويقوي مناعتك ويحمي جسمك من العدوى اجعلوه في صحن صغير على مائدة طعامكم حتى لو اكل كل شخص ثلاث لقمات منه مع كل وجبة طعام.
الفصل الرابع:
الطريق الى حنين:
قبيلة هوازن؛ هي واحدة من أكبر وأشرس قبائل الجزيرة العربية، وتضم عددا كبيرا من القبائل، وأكبرها بنو نصر، وبنو سعد قبيلة حليمة السعدية مرضعة النبي، وثقيف في الطائف، وكانت القبائل تعيش حياة التفرق والتنافر والإقتتال فيما بينها، وفي أثناء اقامة النبي صلى الله عليه وسلم، في مكة وصل اليه أن عدد كبير من قبائل هوازن قد اجتمعت لأول مرة في تاريخها لحرب المسلمين وقبائل هوازن من القبائل القوية المتغطرسة، والتي رفضت أن تستسلم وتخضع للنبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمعت في جيش كبير، بقيادة مالك ابن عوف النَّصْري، كان شابا ومن أشهر فرسانهم ومعروف بخططه العسكرية المميزة وشاعرا وخطيبا مفوها، وله قدرة فائقة على حشد الناس والتأثير عليهم، وقبلت ثقيف أن تسير تحت امرته، وقبل أن يخرج مالك بن عوف أمر هوزان بأن يأخذوا النساء والأطفال والأنعام والأموال وكل ما يمتلكوه فتوضع خلف الجيش، وذلك لتحفيزهم على القتال، ويستميتوا في الدفاع عنهم، وخرج الجيش لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج مع الجيش شيخهم دريد بن الصمة كان اعمى وعمره أكثر من مئة وعشرين سنة ليأخذوا مشورته ورأيه وقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه، فوصل الجيش لوادي أوطاس، على بعد خمسين كيلومتر من مكة، فقال: بأي وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس فقال: نعم مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضَرِسٌ ولا سَهْلٌ دَهِسٌ، ثم قال دريد: ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير؟ قالوا له: لقد اصطحب مالك بن عوف أموالهم ونساءهم وأبناءهم فقال: أين مالك؟ فجاء، فقال له دريد : يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده، لقد اصطحبت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم ولما ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم فقال: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك فأخرج بالمقاتلة فقط، ثم إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب، وخافته العجم، وأجلى اليهود، وأصر مالك على رأيه وقال: والله لا أطيعك، إنك قد كبرت وضعف رأيك، فقال دريد: يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم وممكِّن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فسل مالك سيفه وقال: والله لتطيعُنَّني يا معشر هوازن أو لأتكِئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، فأطاعته هوازن وكان مالك يعلم أن المسلمين يقاتلون رغبة في الشهادة، فأراد أن يعوض بذلك التصرف هذا التفاوت الكبير بين الروح المعنوية بين الجيشين.
وادي حنين: كان وصول هوازن الى سهل أوطاس في صالحهم، فنظم مالك جيشه تنظيما جيدا، فرتبه في صفوف متوازية الخيل في المقدمة ثم الرَّجَّالة خلفهم ثم وضع النساء فوق الإبل خلف الرجال، ثم جعلوا الإبل صفوفا والبقر والغنم خلف الجيش كي لا يهرب الجيش، ووضع الكمائن في قمم الجبال والشعاب والمضايق والمنعطفات والأشجار التي على جانبي وادي حنين، الذي سيمر منه المسلمون ليصلوا الى سهل أوطاس، وأخذ يخطب فيهم ويحمسهم ويقول: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى من لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم، فإذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جُفون سيوفكم وشُدوا شَّدةَ رجل واحد عليهم، وعندما وصل الى النبي صلى الله عليه وسلم أن هوازن قد خرجوا بنسائهم وأبنائهم وأموالهم، قال: (تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله) وخرج لقتالهم في شوال من السنة الثامنة، بعد فتح مكة بـتسعة عشر يوما، فخرج بعشرة آلاف مقاتل وخرج معهم ألفين من أهل مكة ممن اسلموا ومنهم ثمانين رجل من المشركين منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو خرجوا حمية لبلدهم مكة، وهو أكبر عدد في تاريخ المسلمين، ولم يكتف النبي بسلاح الجيش الذي فتح به مكة، بل قال لصفوان: (بلغنا ان عندك سلاح)، فقال صفوان: نعم، قال النبي: (اعرنا من سلاحك)، فقال صفوان: أغصب يا محمد، فقال النبي: (لا بل عارية مضمونة يردها محمد رسول الله)، فاستعار منه مئة درع، ومن نوفل بن الحارث ألف رمح وعين صلى الله عليه وسلم، حراسة مشددة حول مكة، لانه لم يتهاون بهوازن، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش فلما مروا بشجر سدرة، وكان المشركون يعظمونها ويعلقون عليها أسلحتهم، فقال من أسلم حديثا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله اكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى عليه السلام اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون)، ثم قال النبي لمن حوله: (لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، ولم يحسب جيش المسلمين حسابا لهوازن، لأن عددهم كبير، وقد انتصر المسلمون بأقل من هذه الأعداد، وبدأوا يتحدثون عن كثرة أعدادهم، وأن النصر محقق، وقال أكثر من واحد: لن نهزم اليوم من قلة، وسمعها النبي فحزن حزنا شديدا وظهر على وجهه صلى الله عليه وسلم، قد اعتمدوا على الأسباب وليس على رب الأسباب، وتوكلوا على أنفسهم وليس على الله، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}.
معركة حنين: كان وصول المسلمين الى وادي حنين مع الفجر، في غبش الصباح وعندما أصبح أكثر الجيش داخل الوادي، أعطى مالك بن عوف اشارة البدء، فبدئت هوازن باطلاق السهام بالآف، والمسلمون لا يعرفون مصادر السهام لظلمة المكان واختفاء العدو، فاضطربت صفوف المسلمين، وماج بعضهم في بعض، وبدأ المسلمون في التراجع والفرار، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}، ولم يثبت حول النبي صلى الله عليه وسلم سوى ابو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد وعبد الله بن مسعود وأيمن ابن أم أيمن، فاندفع النبي وحده بدابته التي اهداه اياه المقوقس، في اتجاه المشركين، قال العباس اخذ النبي يدفع دابته للأمام وهو يقول بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، هلموا إلي أيها الناس أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله) فأخذ العباس يشد لجام بغلته ليمنع النبي من الإنطلاق وسط هذه الأمواج من هوازن، ويقول: فداك نفسي لا تعرف بنفسك فأنت بغية القوم، فقام صلى الله عليه وسلم ووقف على دابته، ووضع قدميه في ركابها حتى اصبح قائما لا جالسا وهو ينادي بأعلى صوته: (انا النبي لا كذب انا ابن عبد المطلب) وكان هذا الموقف هو أعظم مشاهد القتال في التاريخ كله، وأراد النبي في هذه اللحظات الحرجة أن يستخلص المسلمون الصادقون، فصاح النبي بعمه، وكان جهير الصوت، قال: (يا عباس اصرخ يا أصحاب السمرة يوم الحديبية)، فهؤلاء الذين بايعوا النبي على الموت في صلح الحديبية والذين فتح بهم خيبر وهم خير أهل الأرض في ذلك الوقت، فصاح: يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا أصحاب سورة البقرة، رسول الله يدعوكم، وسمع المسلمون صوت العباس فأخذوا يجيبونه، يالبيك يالبيك وارتفعت أصوات الصحابة من كل مكان في أرض المعركة يالبيك يالبيك، فقال العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. وكان الرجل منهم يحاول أن يصل الى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع أن يصل اليه بسبب الزحام الشديد والفوضى في أرض المعركة، فكان ينزل من على فرسه، ويتجه الى الصوت، حتى يصل الى النبي، وتجمع حول النبي عدة اهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر من المهاجرين والأنصار، وهذا الرقم الذي لا يغلب وكان الصبح قد طلع ورأى الناس بعضهم بعض، وبدأ النبي القتال مرة أخرى بهؤلاء المجموعة من الصحابة الكرام، فاستقبلوا العدو وحملوا عليهم، ثم بدء بقية المسلمون يتجمعون حول النبي، وعادوا ينظمون صفوفهم وقال النبي: (الآن حمي الوطيس)، ووقع قتال من أشرس أنواع القتال، وأخذ بيده الشريفة حفنة من الرمال، وألقاها في وجه هوازن وهو يقول: (شاهت الوجوه، انهزموا ورب محمد، اللهم نصرك الذي وعدت)، قال العباس: فما رأيت أحداً من هوازن إلا يفرك عينيه، ونزلت الملائكة لتثبيت قلوب المسلمين، ورأى المسلمون هذه الملائكة في صورة نمل أسود كثير يغطي أجساد المشركين، بينما رأى المشركون هذه الملائكة في هيئة رجال بيض يرتدون عمائم حمراء أرخوها بين أكتافهم، ويمتطون خيل بلق، فلما رأى المشركون هذه الكتائب أصابهم الرعب، وكان ممن حضر شيبة الحجبي ادعى الاسلام، فرأى هذه الملائكة، فقال: يا رسول الله اني لأرى خيلا بلقا، فقال له النبي: (يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر)، ثم وضع النبي يده على صدر شيبة، وقال: (اللهم اهدِ شيبة)، قال شيبة: فوالذي بعثه بالحق ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد من خلق الله أحب إلي منه، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}، وبدأت هوازن في الفرار تاركين خلفهم نسائهم وأبنائهم وأموالهم، وتحولت سريعا هزيمة المسلمين الى نصر ساحق، وكان فرار هوازن في ثلاثة اتجاهات، جزء الى أوطاس وهو السهل الذي الى جانب وادي حنين وجزء الى بلدة نخلة، والجزء الأكبر اتجه الى مدينة الطائف ومعهم قائدهم مالك، فاندفع المسلمون خلفهم يطاردونهم حتى يمنعوهم من التجمع مرة أخرى، الى أوطاس والبعض الى نخلة بينما توجه الجيش الرئيسي بقيادة النبي الى الطائف.
حصار الطائف: وصل النبي صلى الله عليه وسلم الى الطائف، والمسلمون يتوقعون معركة هائلة ولكن كانت المفاجأة، أن تجمعت قبائل هوازن، ورفضت الخروج لقتال المسلمين، واختاروا أن يمكثوا في حصونهم دون قتال وخافوا وجبنوا من الخروج لحرب المسلمين لانقاذ نسائهم وأبنائهم وأموالهم، وكان ذلك خزيا كبيرا لهوازن، وهزيمة جديدة لهم وأمر النبي بحصارهم، وكان حصنهم أمنع حصون الجزيرة، وبدأت هوازن في اطلاق السهام بكثافة شديدة، مثل الجراد بينما لم تكن سهام المسلمين تصل اليهم، وأصيب عدد كبير من المسلمين، فقرر النبي تغيير مكان الجيش، ودعا الحباب بن المنذر رضي الله عنه الذي اشار على النبي بتغيير مكان الجيش في بدر فكان ذلك سببا من اسباب النصر، وكذلك اشار على النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير مكان معسكرهم أثناء حصارهم لحصن ناعم في خيبر، فقال النبي: (يا حباب انظر مكاناً مرتفعا مستأخرا عن القوم) فانطلق حتى انتهى الى موضع هو الآن مكان مسجد الطائف، وأمر النبي بأن يتحول الجيش الى هذا المكان، واحتاج المسلمون لتدمير الأسوار الى المنجنيق، فقرروا صناعة منجنيق، وبالفعل صنعوا منجنيق تحت اشراف سلمان الفارسي، كما صنعوا دبابة خشبية لأول مرة، وبالفعل بدأ المسلمون في قذف أسوار الطائف بالمنجنيق وسار عدد من الجنود تحت الدبابة الخشبية، واستطاع المسلمون كسر جزء من الاسوار وكاد المسلمون الدخول، ولكن هوازن قامت بالقاء الحسك الشائك المُحمَّى في النار، فأصيب المسلمون اصابات بالغة، ولم يستطيعوا التقدم في اتجاه الحصن، ثم أمر النبي ان ينادي أصحابه أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، وكان الهدف من ذلك هو حرمان هوازن من طاقة هؤلاء العبيد والحصول على معلومات عسكرية من داخل الحصن، وبالفعل بدء العبيد يفرون من الحصن الى المسلمين، ووصل عددهم ثلاثة وعشرين، ولكن شددت هوازن الحراسة ومنعت هروب العبيد، وبدء النبي يستجوبهم، وعلم منهم أن داخل الحصن طعام وشراب يكفيانهم لمدة سنة على الأقل، واستمر الحصار اربعين يوما، استشهد فيها عدد من الصحابة، وجرح عدد كبير منهم، وقرر النبي صلى الله عليه وسلم رفع الحصار والعودة واستشار في ذلك بعض الصحابة وكان ممن استشارهم صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلمي، هو الذي قاد بنو بكر في الاعتداء على خزاعة منذ ثلاثة اشهر، وقتل منهم داخل الحرم، وكانت هذه الحادثة سببا في فتح مكة، فبعد كل هذا التاريخ الأسود مع المسلمين فان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ويستشيره وسنجد أنه سيأخذ بمشورته، و كان هذا من حكمته وقرر النبي صلى الله عليه وسلم رفع الحصار وأمر عمر بن الخطاب فاذن في الناس بالرحيل فقال بعض الصحابة: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال لهم: (فاغدوا على القتال)، فلما جاء الصباح قاتل المسلمون هذا اليوم واصيب بعض المسلمون بجروح، فدعى النبي لهوازن أن يسلموا، واستجاب الله تعالى لدعاء النبي وأسلمت بعد أقل من عام واحد.
توزيع غنائم حنين: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تجمع الغنائم في وادي الجعرانة القريب من حنين، وبعد فك الحصار عن الطائف توجه النبي الى الجعرانة لتوزيع الغنائم، وكانت أكبر وأعظم غنائم في تاريخ العرب وبلغت: اربعة وعشرون ألف رأسا من الأبل واربعين ألف من الأغنام، ومئة وخمسون كيلو جرام من الذهب والفضة، وستون ألفا من السبي، وجلس النبي متأنياً في قسم الغنائم وهو يرجو أن تأتي هوازن مسلمة ومن ضمنها بنو سعد ففيهم عماته وخالاته من الرضاعة، وكان يرجو أن يأتوا مسلمين فلا يقعون بالسبي، وهم من كرام العرب فلم يحب أن تسبا نسائهم واولادهم، ولكنهم تأخروا فأضطر أن يوزع الغنائم وكانت القاعدة الشرعية، أن أربعة أخماس الغنائم توزع بالتساوي على الجيش والفارس يأخذ ثلاثة اضعاف الراجل لأن الفارس ينفق بنفسه على فرسه، والخمس يتصرف فيه رئيس الدولة كما يشاء، فأخذ كل جندي جملين أو عشرين من الشياه، أو جمل وعشر من الشياه، أما السبي فكان البعض يأخذ والبعض لا يأخذ والذي لا يأخذ يعوض بالفضة، أما خمس الله ورسوله تم توزيعها على زعماء القبائل المختلفة، فأراد النبي أن يألف قلوبهم، ويشتري رضا هؤلاء الزعماء بالمال، فهو يشتري استقرار الدعوة الاسلامية، وجاء ابو سفيان وقال وهو ينظر الى الغنائم: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالاً، فتبسم النبي ولم يرد عليه، فقال ابو سفيان: يا رسول الله اعطني من هذا المال، فقال النبي: (يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية من الفضة، وأعطوه مائة من الإبل)، فقال أبو سفيان: يا رسول الله، ما اعظمك واكرمك وأحلمك وابني يزيد، فقال النبي: (يا بلال زن له أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل)، فقال ابو سفيان: وابني معاوية،فقال النبي: (يا بلال زن له أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل)، فذهل وقال: ما أعظم كرمك، وما احلمك، فداك أبي وأمي، لقد حاربتك، فنِعمَ المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، وحدث نفس الموقف مع حكيم بن حزام من أشراف مكة، وهو قرابة السيدة خديجة، ثم نظر النبي لحكيم وقال: (يا بلال اعطي حكيم مثلما اعطيت ابا سفيان)، فقال حكيم: ما احلمك واكرمك، زدني فليس لي ولد مثل ابي سفيان فأعطاه مائة ثانية، ثم سأله فأعطاه مائة ثالثة، فقال النبي: (يا حكيم إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة)، قال: والذي بعثك بالحق ما أردت إلا أن أسبر المواقف فوالذي بعثك بالحق لا أخذ إلا العطاء الاول فقط وقال: والله يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أسأل أحدا بعدك شيئا، ولا آخذ من أحد شيئا بعدك حتى أفارق الدنيا، وبر حكيم بقسمه، فأبى أن يأخذه كذلك في عهد ابو بكر وعمر بن الخطاب حتى فارق الحياة رضي الله عنه، وممن تألف قلوبهم النبي هو صفوان بن أمية، اشترك في حنين وهو لا يزال مشركا وطلب المهلة حتى يسلم شهرين فأعطاه، واستعار منه النبي عدة المحارب عارية مضمونة، وقد أعطاه مائة من الأبل كما أعطى زعماء مكة ثم وجده النبي ما زال واقفا ينظر الى أحد شعاب حنين وقد مُلئ إبلاً وشاة وقد بدت عليه علامات الإنبهار، فقال له النبي: (أبا وهب، أيعجبك هذا الشعب؟ هو لك وما فيه) قال صفوان: لي؟ قال: (نعم)، فأشرق وجهه وقال: إن الملوك لا تطيب نفوسها بمثل هذا، ما طابت نفس أحد قط بمثل هذا إلا نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فأسلم صفوان رضي الله عنه وصدق إسلامه.
موقف الانصار من غنائم حنين: عندما وجد الانصار عطاء النبي من خمسه لسادة قريش مسلمها وكافرها عطاء ليس له حدود وجدوا في انفسهم فقال بعضهم لبعض: لقد لقي النبي قومه غفر الله لرسول الله يعطي قريش ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم بالامس؟ فلما بلغت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم كان لها أثر في نفسه وارسل الى سعد بن عبادة، وقال لسعد : (يا سعد ما مقالة بلغتني عن قومك؟)، قال: اجل يا رسول الله ان هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظيمة في قبائل العرب، ولم يكن لهذا الحي من الأنصار منها شيء، فقال النبي: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟)، فقال: ما أنا إلا رجل من قومي، فقال النبي: (إذن فاجمع لي قومك لا يخالطكم غيركم)، فجمع الأنصار أوس وخزرج في شعب لم يدخل فيه إلا انصاري، وأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم لا يصحبه إلا الصديق ابو بكر فحياهم بتحية الاسلام ثم حمد الله وأثنى عليهم ثم قال: (يا معشر الأنصار ألم تكونوا كفارا فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟) ثم قال: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل؟ قال: (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم قولوا: ألم أتيتنا مكذباً فصدقناك ؟ ألم تأتينا مخذولاً فنصرناك؟ ألم تأتينا طريداً فآويناك؟ ألم تأتينا عائلاً فواسيناك؟)، فأرتفع صوت الانصار بالبكاء وضج المكان وهم يقولون: المنة لله ورسوله يا رسول الله فقال لهم: (ما مقالة بلغتني عنكم ووجدة وجدتموها في انفسكم تقولون: لقد لقي محمد اليوم قومه، يا معشر الانصار أوجدتم في أنفسكم لعاعة من الدنيا تألفت بها قلوب قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟)، فقالوا: أوفاعل انت يا رسول الله؟ قال: (اجل المحيا محياكم، والممات مماتكم انت الشعار والناس دثار، فوالذي نفس محمد بيده لو سلك الناس قاطبةً شعباً، وسلك الانصار شعب لسلكت مسلك الانصار، و لولا الهجرة لكنت واحدا من الأنصار)، ثم بسط يديه وهو يقول: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)، يقول الانصار: فظننا انه لن يسكت حتى يعد مئة جيل من الانصار وبكى صلى الله عليه وسلم وقال: (الم اعهد إليكم يوم العقبة الدم الدم والهدم الهدم أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم المحيا محياكم، والممات مماتكم)، فبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم وهم يقولون: رضينا برسول الله صلى الله عليه سلم رضينا، رضينا، خذ ما بأيدينا من اموال واعطيها لاهل مكة، فازوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
اسلام وفد هوازن: من الذين وقعوا في الأسر يوم حنين الشيماء أخت النبي من الرضاعة، وكانت تشترك مع أمها في رعاية النبي وتلاعبه وتعتني به، فكانت تقول: إني أخت صاحبكم من الرضاعة، وجائوا بها الى النبي فقالت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال لها: (ما أنكرك فمن أنت؟)، قالت: إني لأختك من الرضاعة، قال: (إن تكوني صادقة فإن بك منّي أثرا لن يبلى)، فكشفت عن عضدها ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، عرفها وقام لها قائما ورحب بها، وبسط لها ردائه وأجلسها، وذرفت عيناه بالدموع، ثم قال: (إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك فارجعي إلى قومك)، فأعطاها مالا وغلاما وجارية، ولما توفي النبي ارتد قومها بنو سعد فكانت الشيماء ممن ثبتوا وأخذت تنشد الشعر تدافع فيه عن الإسلام، وعرفت بكثرة العبادة رضي الله عنها، جاء وفد من هوزان وعدد من اشرافهم، فأسلموا ثم كلموا النبي في الغنائم، قالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وانت خير مكفول، ونرغب الى الله وإليك يا رسول الله، فقال لهم: (قد كنت استأنيت بكم بضع عشرة ليلة، وقد وقعت المقاسم مواقع فأي الأمرين أحب إليكم، أطلب لكم السبي أم الأموال؟)، قالوا: يا رسول الله فالحسب أحب إلينا ، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: (أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين وأشفع لكم، فكلموهم انتم وأظهروا إسلامكم وقولوا: نحن إخوانكن في الدين)، فلما صلى النبي الظهر استأذنوه في الكلام، فأذن لهم، فتكلم خطبائهم ، وطلبوا رد سبيهم، فلما فرغوا، قال: (قد رددت الذي لبني هاشم، والذي بيدي عليهم، فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل، ومن كره أن يعطي ويأخذ الفداء فعليَّ فداؤهم)، فأعطوا ما بأيديهم، وطلب القليل الفداء. وكان قد فر مالك بن عوف الى ثقيف، فكان مثل اللاجىء عند قبيلة أخرى، وكان منبوذا لأنه المسئول عن مصيبة وفضيحة هوازن وفقد ابناؤه وامواله، وبينما هو في هذه الحال المؤسف المخزية، لقد سأل النبي عنه، فقيل له: إنه في الطائف يخشى على نفسه، فقال النبي: (أخبروا مالك إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله)، فأسرع وجاء وأسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه أهله وماله، ثم أعطاه النبي فوق ذلك مائة من الإبل، وأعاده زعيما على من أسلم من قبائل هوازن، أراد النبي أن يوظف امكانات مالك بن عوف القيادية لمصلحة الدولة الإسلامية، فكلفة بمهمة الإغارة على الطائف وهي اشبه بحروب الإستنزاف الآن، حتى أسلمت ثقيف بعد ذلك.
سفانه بنت حاتم الطائي: في شهر ربيع الآخر من السنة التاسعة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، علي ومعه الف وخمسمائة من الأنصار، الى قبيلة طيء، لهدم صنم طيء الفِلس، وكان سيدهم عدي بن حاتم الطائي وقد تنصر، فشن عليهم المسملون الغارة مع الفجر، وهدموا صنمهم واصطحبوا معهم أنعام كثيرة وسبي، وفر قائدهم عدي الى الشام وأخذ زوجته وولده تاركاً اخته سفانة من ضمن السبايا، ومن عادة النبي أن يفصل بين الاسرى الرجال في جهة، والنساء والصغار مع امهاتهم، خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليؤدي إحدى الصلوات، فلما رأته سفانة وقفت واعترضت طريقه وناشدته بصوت مرتفع: يا محمد هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك، قال: (ومن وافدك؟) قالت: عدي بن حاتم، قال: (الفار من الله ورسوله؟)، ثم مضى، فحين انتهى ورجع قامت وأعترضت طريقه مرة ثانية، فقالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ من الله عليك، يا محمد إن رايت أن تخلي عني، ولا تشمت بي قومي فإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي، فرق قلب النبي صلى الله عليه وسلم لحالها وقال: (قد فعلت، يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق، وإن الله يحب مكارم الأخلاق)، فقام أبو بردة بن دينار فقال: يا رسول الله، الله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يُدخِل الجنة إلا حسن الخلق)، ثم نظر الى سفانة والى اصحابه وقال: (ارحموا عزيز قوم ذلّ، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال)، قال علي بن ابي طالب لسفانة: سليه الحملان فسألته فأعطاها ما تركبه، وقال لها النبي: (فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنيني)، وأقامت حتى قدم ركب من قضاعة، فجاءت الى النبي وقالت: يا رسول الله إن القوم من قضاعة، وهم فرع من قومي أجد فيهم من أثق به ابلغ معهم مأمني، إن شئت فأذن لي بالرحيل، فجهزها واكرمها واوصى بها خيرا، ووقف صلى الله عليه وسلم يودعها مع الركب، فرفعت يديها للسماء وقالت: شكرتك يدٌ افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يدٌ استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك الى لئيم حاجة ولا سلب نعمة كريم إلا وجعل لك سبباً لردها عليه، فأشرق وجه النبي صلى الله عليه وسلم معجباً ببلاغتها وحسن كلماتها فرد عليها بالدعاء قائلا: (اللهم اهدي قومها وأتينا بهم طائعين)، ولمس من ذلك انها آمنت ولكنها كتمت إيمانها لسببين عزة في نفسها أن تعلن اسلامها وهي اسيرة فيقال أسلمت مجبرة، وحتى ترى موقف اخيها عدي، وتوجهت الى أخيها عدي بالشام.
اسلام عدي بن حاتم: لما غارت عليه خيل المسلمين، كان قد جهز نفسه للهرب قبل وصول المسلمون، فقال لغلامه مادحا: يا فلان لا أبا لك، اختر لي من الأبل نياق سمان سراع أعتمد عليها، وتكون في مقربة مني فإن سمعت بخيل محمدٍ قدمت واخبرني، فلما أقتربت من ديار طيء اخبره الغلام، قال عدي: فركبت على النياق وحملت زوجتي وولدي وأصابتني ساعة ذهول فتركت اختي سفانة ثم انطلقت وقلت: ليس لي إلا أرض الشام فإنها تدين بالنصرانية وانا واحد منهم، فكانوا اذا تنصر عربي جعلوا له عندهم مكانة، فلما أتيت الشام وعلموا بأمري جعلوا لي ارضاً وحائطاً وضربوا لي قبة وزينوها واقام من معي ومن اعرف من حولي. فلما وصلت اخته سفانة الى الشام سألت أين أجد بن حاتم؟ قالوا: عند تلك القبة فذهبت إليه، فلما رأها من بعيد وعرفها، هرول إليها مسرعاً يستقبلها وهو يقول: مرحبا مرحبا ببنت حاتم الطائي، فقالت: أعزب عني أيها القاطع الظالم قال: فألتزمت الصمت حتى دنت ودخلت وجلست بالخيمة وذهب عنها الغضب فقال: اعذريني يا اختاه ولا تقولي إلا خيرا، اجل لقد قصرت في حقك، وصابتني ساعة ذهول حين قدمت خيل محمد والمسلمين، اخبريني يا اختاه عن امرك، فأخبرته كيف منَّ عليها رسول الله واعتقها قال: يا أختاه كيف رأيتِ الرجل؟ قالت: رأيت فيه كل خير، ورأيت منه كل خير، وقد رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، وإن يكن نبياً فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ ملكه، فإحسان النبي صلى الله عليه وسلم لأخته سفانة توجه الى المدينةالمنورة، ودخل على الرسول في المسجد، وهو يظن أنه سيلقى ملكاً، قال: فسلمت عليه، فقال النبي: (من الرجل؟)، قلت: عدي بن حاتم فقال: (مرحبا بك)، فقام وأخذ بيدي وتوجه بي الى بيته، فلقيته في الطريق امرأة ضعيفة متقدمة في السن، ذات هيئة رثة فاستوقفته، فوقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها وما زال واقفاّ يكلمها، والذي بعثه بالحق نبيا، لم يدر وجهه عنها ولم يعطها ظهره ولم يتركها، حتى كانت هي التي قطعت الحديث واستدارت وتركته قائما، فقلت ويل أمك يا عدي انت لا تقف مع ملك من ملوك الدنيا، فليس هذا من فعل الملوك ثم دخل بيته وقدمني بالدخول، فتناول وسادة فقذفها الي وقال: (اجلس على هذه)، فقلت: بل أجلس أنت، فقال: (بل أنت اجلس إنما أنت الضيف والكرامة للضيف)، فجلست وجلس النبي متربعاً على الأرض، فقلت: هذه أخرى يا عدي وهل الملوك تجلس على الارض؟ فقال النبي: (مرحبا يا عدي بن حاتم، كيف انت؟)، وأخذ يحدثني، فلما استأنست معه بالحديث رفع رأسه إلي وقال: (يا عدي أسلم تسلم)، فقلت: إن لي ديناً، قال: (أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟)، قلت: بلى، قال: (ألست نصرانين ركوسين)، أي يخلط معها عبادة الاصنام، قلت: بلى، قال: (ألست تأكل المِربَاع؟)، أي ربع غنائم الحرب، قلت: بلى، قال: (فإن ذلك لا يحل لك في دينك)، فتضعضعت لذلك، واخذ يعد لي أشياء عني كأنه كان يعيش معي، ثم قال: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم، فإنه ما يمنعك أن تسلم وتدخل في هذا الدين قلة أهله وكثرة عدوه، ألا والذي نفسي بيده يا عدي، ليوشكن أن ترى القصور البيض قد فتحت على أيديهم، وجاست بها خيل المسلمين، يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين خصاصة تراها من حولي، ألا والذي نفسي بيده ليوشكن ان ترى الغلمان يطفون بالمال لا يقبله احد، ولا يأخذ منه شيء، بل يزيدون عليه حتى يرجع لبيت مال المسلمين اكثر مما خرجوا به، وتوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت)، وأخذ يعدد لي كل شيء في نفسي كان يحجبني عن الاسلام، ثم قال: (يا عدي اسلم تسلم)، فقلت: بأبي وامي انت يا رسول الله كيف علمت عني كل هذا؟ فقال: (يا عدي إنما انت تجلس مع نبي ورسول ليس مع ملك من ملوك الدنيا)، فقلت: اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله، وعاش عدي مئة واربعين عام لخلافة علي بن ابي طالب، وشهد المعارك مع علي كلها، واستشهد علي رضي الله عنه وبقي عدي على قيدالحياة، قال للتابعين: والذي بعثه بالحق لقد عشت حتى رأيت اثنتين من نبوأة النبي، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن على كنوز كسرى بن هرمز ودخلت بخيلي قصور كسرى وجمعنا غنائمها، وها انا رأيت المرأة تخرج من الحيرة حتى تؤم بيت الله الحرام لا تدخل بجوار احد، وأحلف بالله لترون الثالثة وترون الغلمان يطفون بالمال لا يقبله احد، ولا يأخذ منه شي بل يزيدون عليه حتى يرجع لبيت مال المسلمين اكثر مما خرجوا به.
الفصل الخامس:
سبب غزوة تبوك:
في عام الوفود جاءت القبائل العربية لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، وكذلك القبائل التي تسكن على اطراف بلاد الشام، وحملت اخبار للنبي ان الإمبراطورية الرومانية تحشد جيوشها لغزو الجزيرة، وقد وصلت الى منطقة البلقاء غرب الأردن، وهذا لخوفهم من التصاعد السريع لقوة الدولة الإسلامية والرغبة في كسر شوكتها قبل أن يستفحل خطرها وتهديدها في عقر دارها، وللإنتقام من الإنتصار الذي حققه المسلمون في مؤتة، فاتخذ النبي قراره السريع بالخروج لقتالهم في الشام، وحماية للقبائل التي دخلت في الإسلام لانهم من ضمن مسؤليته، وتدعيم لقوة وسلطان المسلمين في الجزيرة. مع أن الجيش الذي سيظل في مكانه سيتمتع بميزة هامة، مع أن الآخر سيصل مرهق لبعد المسافة وحرارة الصيف في صحراء قاحلة، وطرق وعرة، ومع ذلك اتخذ النبي القرار بالزحف في اتجاه الشام، مع علم النبي أن الجنود الرومان والغساسنة لا يتحملون التوغل في الصحراء وهذه المسافة الطويلة وفي هذه الحرارة العالية، أمر النبي الصحابة بالتجهز للقتال، كما أرسل الى القبائل التي دخلت في الإسلام، وإلى مكة ليستنفرهم للقتال، ولأول مرة يعلن صلى الله عليه وسلم وجهة الجيش، لبعد المسافة والطرق وعرة والحر شديد، فينبغي أن يستعدوا، لدرجة أن النبي أمر أن يصحب كل رجل معه نعلان، وكذلك تجهيز أنفسهم نفسيا لهذه الغزوة الشاقة، وحث النبي أصحابه على الصدقات لتجهيز الجيش، فتسارع الصحابة في الصدقة، وكانت لأغنياء الصحابة نفقات عظيمة كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي وغيرهم الكثير، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله كذلك، قال عمر: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فجئت بنصف مالي، وقلت: اليوم اسبق ابا بكر، فقال النبي: ما أبقيت لأهلك؟ قال عمر: مثله، ثم أتى أبو بكر، وتصدق بأربعة آلاف درهم، فقال له النبي: ما أبقيت لأهلك؟ فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا أسابقك الى شيء أبدا. وتصدق فقراء المسلمين بما يقدرون عليه، حتى أن بعضهم تصدق ببعض التمر، وبعثت النساء بحليهن من خواتم وخلاخل وحلق وغير ذلك. أما أكثر من أنفق هو عثمان بن عفان، وقف وقال: علي مئة بعير بأحلاسها واقتابها في سبيل الله، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم درجة من على المنبر ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله، عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم درجة ثانية على المنبر ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله, عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله حتى شنق أسقيتهم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر الدرجة الثالثة وهو يقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ، ماضر عثمان ما عمل بعد ليوم).
حال الصحابة في الانفاق للغزوة:
أنفق الصحابة رضوان الله عليهم الكثير من المال ومع كل هذه النفقة فلم تكفِ الأموال لتجهيز كل من أراد الخروج للجهاد في هذا الجيش فلم يكن عند المسلمون الأموال لشراء أبعرة تكفي كل المسلمين، فكانوا يأتون من لا يملكون المال للجهاد من فقراء المسلمين الى النبي، يقولون: يا رسول الله احملنا فيطرق رأسه ويقول لهم: (والذي نفسي بيده لا أجد ما احملكم عليه)، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}، منهم علبة بن زيد خرج من المسجد وهو يبكي، الى بيته وأخذ يصلي طويلا في الليل، ثم رفع يده مناجيا الله تعالى: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أحمل عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض، قال عثمان: فلما تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، رق النبي لهم ودمعت عيناه فوثب العباس وقال: احمل منهم اثنين، وقام ياميز بن عمرو الضمري قال: وانا احمل اثنان، فقلت: للثلاثة الذين بقوا وانا أحملكم، فأتيت داري وحملت في كمي ألف دينار ذهبية وأتيت بها للنبي، قال الصحابة: فجاء عثمان وقال: بأبي وامي انت يا رسول الله، يأتيك الضعفاء من الناس، فحتى لا تعتذر إليهم أضع هذه بين يديك، واخذ بكمه وهر الدنانير الذهبية في حجر النبي، فما زال عثمان يهر ويهر حتى أصبح كوماً في حجر النبي، وقال: هذه حتى لا تعتذر لأحد يارسول الله، فنظر النبي فيها ونظر في وجه عثمان، ثم اخذ يقلبها بيديه، وهو يقول: (ما على عثمان ما صنع بعد اليوم، لا يضر عثمان ما صنع بعد اليوم، ليصنع عثمان ما شاء بعد اليوم)، وأخذ يدعو لعثمان: (اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض)، عز على عثمان ان يدمع الفقراء فيدمع النبي صلى الله عليه وسلم لدموعهم.
حال المنافقون والاستعداد للغزوة:
قام عبدالله بن سلول بجمع الذين على شاكلته في فناء داره، فكانوا حوالي ثلاثمئة، وجلس يحدثهم قال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال ، ولا أرى محمد ينقلب الى المدينة ابدا، إن لنخشى الروم ونحن في ديارنا أنذهب الى ديارهم؟ هكذا يكون اسلوب المنافقين في الكلام تماما قلوبهم كقلب كبيرهم الذي ورثهم النفاق، فأخذوا يطلبون الإذن من النبي بعدم الخروج للقتال، ويتعللون بعلل واهية، مثلا الجد بن قيس منافق، وابنه عبدالله مؤمن صادق من الصحابة، جاء الجد الى النبي وقال: تأذن لي يا رسول الله هذه المرة ان اجلس في المدينة وان لا ارتحل؟ فقال له النبي وهو يبتسم: (إنك موسر يا جد فتجهز، تجهز في سبيل الله)، فقال: يا رسول الله إني ذو ضبعة وقومي يعلمون ذلك، واخاف ان افتن بالنساء وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأُفتتن فتربد وجه النبي ثم اعرض عنه وهو مغضب وقال: (قد أذنت لك فلا تخرج)، فلما خرج، قام ابنه عبدالله وقال: يا ابتي لما تعتذر لرسول الله وقد اكد عليك وقال لك مرتين: تجهز تجهز؟ فكيف تخالف رسول الله وتعتذر له بما ليس فيك؟ فقال: يا بني أيحسب محمد ان قتال بني الاصفر معه اللعب ، لكأني انظر الى اصحابه مجدلين بالحبال، فقال ابنه مستغربا: ابتاه هذا شعار المنافقين، فصرخ وقال: اسكت يا ولد انا اعلم منك بالدوائر، فقال له ابنه: والله إن هذا لهو النفاق بعينه، فخلع نعله وضرب به وجه ابنه، وبقي الولد متأدب بتأدب القران الكريم، قال: إني والله لا ارد عليك بشيء ولكني ارجو ان ينزل الله بك قرآن يتلى الى قيام الساعة، فأنزل الله {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}، قال له أبنه: ألم أقل لك؟ فقال له: اسكت يالكع، فوالله لأنت أشد عليّ من محمد، وكان المنافقون يحاولون تثبيط المسلمين عن النفقة ويقولوا عن المتصدق: ما فعل هذا الا رياء، وعندما يتصدق الفقراء يقولون: ان الله لغني عن هذه الصدقة، وكانوا يتجمعوا في بيت اليهودي سويلم ويثبطون الناس عن الخروج والغزو ويتعللون بشدة العدو، والحر الشديد، ويقولون أن الوقت هو وقت جنى الثمار قال الله تعالى مخبرا عنهم {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} بشرهم بنار جهنم فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر من اصحابه، وأمره أن يحرق عليهم البيت.
غزوة تبوك:
اكتمل تجهز الجيش وبلغ تعداده ثلاثين ألف مقاتل وعشرة آلاف فرس، وأطلق عليه جيش العسرة، لأن الخروج في هذا الجيش كان أمر عسير وشاق والجزاء دائما على قدر المشقة، فمن يصوم في الصيف ليس كمن يصوم في الشتاء والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، ليس كمن يقرأه بسهولة، والذي أطلق عليه جيش العسرة هو القرآن قال تعالى:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}، أسباب الصعوبة بعد المسافة، وقلة المؤن من الطعام والشراب، وقلة الأبعرة، وخروجه وقت جني الثمار، خرج النبي على رأس الجيش، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم اثنان وستين عاما، وكان خروجه في يوم الخميس غرة رجب من السنة التاسعة، واستعمل النبي على المدينة محمد بن مسلمة وخلف النبي صلى الله عليه وسلم على أهله علي بن أبي طالب، وحتى هذا الموقف لم يتركه المنافقون فقالوا: أنه ترك عليا في المدينة لأنه استثقله، فلحق علي بالجيش وذكر ذلك للرسول فقال له: (كذبوا، إنما خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، وعن هذه المواقف قال الله تعالى في سورة التوبة: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ، فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ، وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ، وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ، وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ، رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ، لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
الخروج للغزوة: تجمع جيش المسلمين وعدده ثلاثين الف للخروج لقتال الروم في الشام قبل أن يتحرك الروم في اتجاه المدينة خرج في يوم الخميس غرة رجب من السنة التاسعة من الهجرة، وكانت هذه هي أصعب غزوات النبي لأن المسافة بعيدة جدا، تصل الى حوالي ألف كيلو متر، في صحراء قاحلة وطرق وعرة، والحرارة شديدة جدا، وعدد قليل من المراكب، فكان كل ثلاثة أو أربعة أو أكثر يتعاقبون على بعير واحد ومعنى هذا أن كل رجل في الجيش يسير على قدميه حوالي سبعمئة كم وعسكر بالجيش بالقرب من المدينة وانطلق الجيش، وأخذ المنافقون ينسحبون واحداً تلوى الاخر فكانوا يتخلفون عن الجيش، ويعودون الى المدينة، فكان كلما تخلف واحد ورأه الصحابة يقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)، وبعد مسيرة ثلاثة ايام من المدينة، راى من كان آخر الجيش ان ابا ذر قد جلس وتأخر ولم يلحق بهم، فأخبروا النبي أن ابا ذر قد تخلف، واذا بالنبي يكرر المقولة نفسها التي قالها عن المنافقين، ومع ذلك لم يستثنيه بوصف اخر فقال: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم)، قال ابو ذر: جلست أعالج بعيري، فلما أعياني تركته باركاً في الصحراء، وأخذت متاعي على ظهري ولحقت مشياً بالجيش على قدماي، فلما كانوا على مقربة من تبوك، استراح الجيش وكان الصحابة قلقون على ابي ذر، فأخذوا يراقبون الطريق لعله يلحق، فنظروا من بعيد فإذا برجل يسير على قدميه ومتاعه على ظهره، فقال أحد الصحابة: يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق، فما راعنا إلا والنبي يشير بأصبعه بأتجاه الرجل من بعيد ويقول: (كن أبا ذر كن أبا ذر) فلما اقترب تبينه المسلمون وقالوا: يا رسول الله، الله اكبر هو والله أبو ذر فقال النبي: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة امة وحده)، وقد تحققت نبوءة النبي فيه في خلافة عثمان مات وحيدا ودفنه عبدالله بن مسعود، قدم ابو ذر وقد جف ريقه من العطش، وقد تسلخت قدماه من المشي على الرمال الحارة، وقد أتعبه حمل متاعه على ظهره، وهو يتلهف أن يلحق بالنبي؛ فأقترب وجلس بين يدي النبي وقال: يا رسول الله استغفر لي، قال له النبي: (من اي شيء؟)، قال: أعياني بعيري فعالجته حتى يأست منه فتركته في الصحراء، وحملت متاعي على ظهري، حتى لحقت فأستغفر لي عن هذا التأخر، فذرفت عين النبي وقال: (لقد حط الله عنك يا أبا ذر في كل خطوة مشيتها سيئة وكتب لك حسنة ورفعك بها في الجنة درجة)، وكان ممن تخلف عن مسيره مع رسول الله الصاحبي الجليل أبو خثيمة قال: عندما مضى النبي بالجيش، قلت في نفسي أني في استعداد وفي سعة، فإذا انطلق الجيش انطلقت، فبقيت في داري ولم اعسكر مع الجيش فلما انطلق الجيش قلت: الحق بهم اخر النهار فأنا على استعداد فغلبتني نفسي ونمت تلك الليلة، فلما كان النهار مضيت في بعض شأني ثم عدت الى حائطي وكان عندي زوجتان وكان يوما حارا فلما دخلت حائطي وجدت زوجتاي في عريشتين لهما في حائط قد رشت كل منهما عريشتها، وبرّدتا فيها ماء، وهيأتا طعاما، وترجو كل واحدة ان اكون نزيلها وكان يوما شديد الحر، فلما دخلت نظرت إلى زوجتي وما صنعتا فقلت: رسول الله خير خلقه الله، وخاتم رسله مع خيرة صحبه تحت حر الشمس، وعسيف الرمال، يسير في سبيل الله في الحر وأبو خثيمة في ظلّ بارد وماء مهيأ، وامرأة حسناء؟ ما هذا بالنصف وماهذا من شعائر الايمان والله، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيئا لي زادا ففعلتا ثم ركب بعيره وأخذ سيفه ورمحه ثم انطلق يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل بتبوك فلما دنا أبو خثيمة قال الناس: هذا راكب مقبل فقال النبي: (كن أبا خثيمة)، فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة فلما أناخ أقبل يسلم على رسول الله وهو يقول: يا رسول الله استغفر لي لقد كان من أمري كذا وكذا اخبر النبي بقصته فرفع النبي إليه رأسه بجد وقال له: (أولى لك يا أبا خثيمة) ثم قال له النبي: (أذهب فأستغفر الله).
حال الصحابة في الطريق لتبوك: فقد دخلوا في جوع وعطش شديدين، فلقد كانت المؤن قليلة جدا حتى كان الرجلين يقسمان التمرة بينهما وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يمصها هذا، ثم يمصها هذا، واضطر الصحابة الى أكل ورق الشجر حتى تورمت شفاههم ثم نفذ الماء وأصاب الجيش عطش شديد، قال أحد الصحابة: حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وبدأ المسلمون من شدة العطش ينحرون الأبعرة ويعصرون ما في بطونها من فرث ليشربوه، مع قلة الأبعرة وحاجتهم الشديدة اليها، قال عمر رضي الله عنه: خرجنا في حر شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على صدره، فشكوا ذلك للنبي، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله قد عوّدك الله من الدعاء خيرا فادع الله لنا قال: (أتحب ذلك يا ابا بكر؟)، قال: نعم ورفع يديه صلى الله عليه وسلم فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون إليه وكانت تلك السحابة لم تتجاوز العسكر وكان رجلا من الأنصار قال لآخر متهم بالنفاق بينهم: ويحك قد ترى، فقال هذا المنافق: سحابة مارّة وانتهت فأنزل الله تعالى وتجعلون رزقكم أي بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون أي حيث تنسوبه للطبيعة تجمعت السحب في السماء ونزل المطر، فسقوا وارتوا وسقوا أنعامهم ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال عمر: يا رسول الله لو جمعنا ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها، فجاء المسلمون بكل ما ما بقي لهم من طعام فبارك النبي صلى الله عليه وسلم عليها حتى ملأ الزاد والطعام كل المعسكر، ومر الجيش في سيره على منازل ثمود قوم نبي الله صالح عليه السلام، وقد أخبر القرآن العظيم أن قوم صالح قد أهلكوا في هذه المنطقة، وهذه المنطقة بها أبيار للمياه، فأسرع المسلمون وشربوا وملئوا أوعيتهم بالماء، وعجنوا العجين بهذا الماء ليصنعوا خبزا يأكلوه بعد طول جوع ولكن المفاجأة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرهم بأمر شاق جدا وهو ألا يشربوا من هذا الماء، حتى العجين الذي عجنوه بهذا الماء فلا يأكلوا منه، بل يعطونه طعاما للإبل، لأن هذا الماء هو ماء قوم ثمود فهو ماء غير مبارك فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً)، ولم يجادل أحد النبي لأن عبودية الله تعالى وطاعة رسوله، لا تقتضي معرفة الحكمة من كل أمر بل إن بعض الأوامر قد يخفي الله عز وجل حكمتها عنا ليختبر مدى طاعتنا له، قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} اذن كان هذا الأمر هو اختبار جديد وابتلاء جديد للمسلمين كابتلاء جيش طالوت بعدم شرب المياه من النهر، ومثل تحريم أكل لحوم الحمير الأهلية في خيبر، ونجح الجيش في هذا الاختبار الجديد ولم يشربوا من ماء ثمود مع شدة حاجتهم، وايضا قال لهم النبي: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم)، وقنع النبي رأسه بالثوب وغطاه وأسرع بالمسير، ولم يدخل.
نماذج من حال المنافقين:
، النموذج الاول: خرج مع الجيش بعض المنافقون رغبة في الغنائم، ورهبة من أن يفتضح أمر نفاقهم؛ فعندما جلس النبي ليستريح، كان الوديعة بن ثابت والجلاس بن عمرو ومخشن بن حمير من المنافقين يجلسون في خيمة واحدة، وقبل الرحيل ختموا جلستهم بغيبة لرسول الله، قال وديعة: لقد صدق والله ابن سلول أتحسبون أن جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً، والله لكأني بكم غداً مقرنين في الحبال، فضحكوا، أما جلاس معه ربيبه عمير كان مؤمنا، فقال: والله لئن صدق محمدٌ، لنحن شر من الحمير، فأجابه الفتى عمير بلغة المؤمن الصادق الذي لا تاخذه في الله لومة لائم: أنت شر من الحمير وإن لرسول الله صادق، فقال مخشن: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مئة جلدة، وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمار بن ياسر: (قم يا عمار بن ياسر أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا، وقال فلان كذا، واجابه فلان بكذا، وقل لهم أنا محمد رسول الله)، فقال الصحابة: من يارسول الله؟ فسماهم النبي بأسمائهم، فانطلق يشق الصفوف، حتى أدركهم فقال: قفوا مالحديث الذي دار بينكم تنتقصون فيه رسول الله؟ فقالوا: ماقلنا شيئاً، وأقسم الجلاس والله ما قلنا شيء، فقال عمار: لا بل قلت يا فلان كذا، وقلت يا فلان كذا، فقام وديعة يجري وراء رسول الله، فجعل يتعلق بناقته يريد الاعتذار فلم يلتفت النبي إليه، فأمسك بحقاب الناقة واخذ يجري خلف النبي وهو يقول: يا رسول الله، اسمعني، إنما كنا نخوض ونلعب، وإذا بالراحلة تثقل وأخذت تمشي ببطئ، وعلموا أنه يوحى اليه، قال تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُمۡ لَیَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} فجاء مخشن الى النبي وجلس بين يديه وهو خجل مطرقاً رأسه الى الارض مشرقاّ وقد تاب الى الله توبة صادقة ويقول: بأبي وامي انت يا رسول الله، والله ما قلت إلا خيراّ، فنظر إليه نظرة رضا وهو مبتسماً وقال: (لقد انزل الله قرآن وانت ممن عفى عنك)، فقال مخشن: يا رسول الله، لعله قعد بي اسمي واسم أبي فأنا مخشن بن حمير وإن لكل مسمى من اسمه نصيب، فقال النبي مبتسما: (لا عليك فأنت بعد اليوم عبدالرحمن)، فسأل الله تعالى أن يقتل شهيدا ولا يعلم الناس بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يجد له الناس أثر فلقد صدق الله في توبته.
النموذج الثاني: مضى النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه لتبوك واستراح ليلاً، وانطلقت الابل في الوادي فلما كان وقت الرحيل افتقدوا ناقة النبي القصواء فلم يجدوها، وأخذ الصحابة يبحثون عنها وطال البحث عنها ولم يجدوها، والنبي جالسٌ في خيمته ومعه صحابي جليل عقبيا بدريا عمارة بن حزم رضي الله عنه، وفي خيمة عمارة كان يجلس فيها أصحابه ومنهم واحد اصله يهودي من بني قينقاع، اسلم نفاقاً اسمه زيد بن اللصيت فقال زيد بن اللصيت: يالا العجب أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، ويخبرنا عن ما مضى وبما هو آتي وهو لا يدري أين ناقته؟ يقول عمارة: فما راعنا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يتغير وجهه وهو يقول: إن رجلاً منافقاً في خيمة واشار بأصبعه بعيداً يقول: هذا محمد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لعبد الله ورسوله، وما أعلم إلا ما علمني الله، وها هو اخي جبريل قد حضر يعلمني اين الناقة، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها)، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال لاصحابه: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا ونحن جلوس عنده، اذا به يتغير وجهه ويشير بأصبعه ويقول إن منافقا في خيمة يقول كذا وكذا، واخبرنا عن مكان الناقة، فأنطلقوا فوجودها كما قال واحضروها، فقال رجل: والله ما قام من مجلسنا رجل واحد وإن زيد والله هو من قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فوثب عمارة على زيد مغضبا، يجأ في عنقه ويقول: إلي عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر، اخرج عدو الله من رحلي، فلا تصحبني بعد اليوم ساعة واحدة، لماذا؟ لان النبي قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، وتجهز النبي للرحيل، وأمر رجل من أصحابه: (نادي بالجيش وقل لهم: ألا إن رسول الله يقول لكم: إنكم مشرفون على تبوك غدا ان شاء الله تعالى، وستصلون إليها عند الضحى فمن سبقنا إليها فلا يقرب ولا يمس احد ماءها حتى احضر)، فيها عين ماء ضعيفة تبك الماء بكا، لذلك سميت تبوك، فلما وصلوا احاط الجيش بهذه العين ينتظروا النبي فلما وصل نظر الى البئر الى عينها وقال: (هل مس الماء منكم أحد؟)، فقال بعض الصحابة: أجل يارسول فلان وفلان؛ قال معاذ: فسبهم النبي، وقال لهما ماشاء الله له ان يقول، ثم قال: (لينزل منكم رجل يجمع لي ما أمكن من الماء)، فأحضر له من ماءها، فغسل صلى الله عليه وسلم فيه يديه، ثم غسل وجهه، ثم مضمض فيه، ثم ارجعه للوعاء ثم اعطاه للرجل وقال: (خذ وأدر الماء في العين)، فلما اداره فارت الماء وعلت ولها أذيذ كأن الماء انفجر من الارض انفجاراً، فما ادركنا الرجل حتى اخرجناه قبل ان يغرق حتى امتلأ الحوض وجلسنا على حفافه نغرف بأيدينا. فقال صلى الله عليه وسلم: (اشهد ان لا اله الا الله وأني رسول الله)، ثم نظر لمعاذ وقال: (يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ههنا ملىء جنانا وبساتين)، وتبوك كانت ارض صحراء ذات رمال، وها هي تبوك قد ملئت جنان وبساتين، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تحقق النصر واعمال النبي فيها: كان ممن خرج الى تبوك الصحابي ذو البجادين وفي الطريق اصابته الحمى ومات، وهو من قبيلة مزينة عندما أسلم جرده أهله من كل أمواله، حتى جردوه من ثيابه، وكان يعلمون شدة حياءه، فأخذ بجاد وشقه واتزر به وذهب الى المدينة، دخل المسجد النبوي فصلى الصبح، فبعد انتهاء النبي من الصلاة أخذ يتصفح وجوه اصحابه فلما رآه قال له: (من أنت يا فتى؟)، فقال: أنا عبد العزى، فقال له النبي: (بل أنت عبد الله، انزل قريباً منا)، وصحب النبي، وكان كثير العبادة، وكثير قراءة القرآن، قال عبدالله بن مسعود: قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَرَأَيْتُ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَاتَّبَعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر، وَإِذَا عبد الله ذو البجادين المزني قَدْ مَاتَ، واذا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحفر، ثم قال: (أَدْلِيَا لِي أَخَاكُمَا)، ثم وضعه الرَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده وقال:(رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتَ لَأَوَّابًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ). فقلت لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الْحُفْرَةِ، وكان ذو البجادين أحد الخمسة الذين نزل النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الى قبورهم. ووصل المسلمون أخيراً الى تبوك، ولكن كانت المفاجأة أن الجيوش الرومانية العملاقة، قد فرت الى داخل بلادها عندما علمت بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، برغم تفوقهم الكبير على المسلمين في العدد والعدة والخبرات القتالية وتدريب الجنود، فحين علمت بقدوم ثلاثين الف مسلم، قارنت هذه بالمواجهة التي كانت في مؤتة منذ عام وكيف كان التفوق لصالح المسلمون، وكيف كان عدد قتلاهم كثير، برغم أن عدد المسلمين كان ثلاثة آلاف مقاتل فقط، ولذلك كان قرارهم هو الإنسحاب أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعتدي النبي على القبائل العربية المقيمين في تبوك التي تحالفت مع الروم مثل لخم وجذام لم يهدم بيوتهم، ولم يأسرهم، ولم يقتل نساء واطفال وشيوخ، ولم يهدم بنية تحتية، وبقي النبي معسكرا عشرين يوماً كاملاً، مع أن عادة الجيوش المنتصرة البقاء في أرض المعركة ثلاثةأيام فقط ليثبت أنه الجيش المنتصر.
: بعد النصر، أخذ يبث العيون حتى لا يكون للعدو خطة، فلما اطمئن بأنه لا يوجد لهم تجمع، وأنه قد داخلهم الرعب، قال: (لقد نصرت بالرعب مسيرة شهر)، ثم أراد أن يوجه رسالة للروم وحلفائها من العرب، فكان منهم ملك دومة الجندل، قد نصبه هرقل حاكماً واسمه أكيدر بن عبدالملك الكندي، أرسل له سرية قوامها اربع مئة فارساً بقيادة خالد بن الوليد، وقال: (اذهب لدومة الجندل وأتني بملكها اكيدر حياً لا تقتله)، قال: فإن قاتلني يا رسول الله وتحصن في حصنه؟ قال: (يا خالد إنك ستجده يصيد البقر خارج حصنه فخذه على غرة)، وانطلق حتى اقترب وأرتقب دخول الليل، فجلسوا يرقبون الحصن، وكان اكيدر مع زوجته على سطح الحصن يسمر ليلاً وحوله القينات فسمعت زوجته صوت البقر الوحشي يحك قرونه في باب الحصن، فأطلت وقالت متعجبة: أي اكيدر هل رأيت مثل هذا؟ فنظر على الابقار قال: لا، لطالما أعددت لها الخيل، وهي الآن تأتي الى باب الحصن؟ قالت: فهل يترك هذا؟ قال: لا فأمر بفرسه وخرج ومع نفر من أصحابه، واخاه ولي عهده واسمه حسان، وأخذ في مطاردة البقر، فأخذت البقر تجري الى الجهة التي فيها خالد فتبعها اكيدر فتلقته خيل خالد ودار قتال محدود، انتهت بأسر أكيدر وقتل اخيه حسان وكان يرتدي ثيابا من الحرير مشغولة بالذهب وفي عنقه صليب من ذهب، وفر من معه من رجاله الى الحصن واغلقوا الابواب، فأمر خالد من معه أن يأخذوا سيفه وثيابه وصليبه الذهبي غنيمة، ثم قال لأكيدر: فلتأمر رجالك ليفتحوا أبواب الحصن الآن فقال اكيدر: يا خالد إذا رأى قومي ملكهم اسيراً مجدلاً في الحبال، لن يفتحوا ابواب الحصن ولن يطيعوه لأنه اصبح اسيراً، فإن شئت أن تتم الأمور، ولك علي ذمة الله وعهده أن أصالحك مقابل حقن دماء قومي، ولكن فك قيدي حتى يسمعوا قولي قال خالد: لك ذلك، ففك قيده وتقدم اكيدر ونادى الحراس انا اكيدر افتحوا لي الباب، ففتحوا دون أن تراق قطرة دم واحدة، وصالح على شيء من سلاح ومال مقابل حقن للدماء وعلى أن يسير معه الى النبي، وكان خالد قد أمر بعض اصحابه أن ينطلقوا بما غنموا من حسان ليبشروا النبي بقدوم خالد ومعه ملك دومة الجندل، فوصلوا الى النبي، ووضعوا بين يديه ما غنموا عن حسان، قال الصحابة: فأخذنا نتلمس الثوب ونعجب منه لنعومته وكيف طرز بالذهب، فقال النبي: (اتعجبون من هذا؟ وأشار بيده الى الثوب)، قلنا: نعم يا رسول الله قال:(والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة يمسح بها يديه ويلقيها أحسن من هذا وأعز)، فجاء خالد ومعه اكيدر، فلما دخل اكيدر على رسول الله ووقع نظره على النبي، أرتعدت فرائصه وخر ساجداً بين يدي رسول الله، فأشار النبي وهو يقول: (لا، لا، لا تفعل إنما انا عبد الله ورسوله، لا ينبغي السجود إلا لله)، فجلس وصالح على دفع الجزية، وكتب له النبي كتاباً وجعله ملكاً على قومه كما كان، ولكن ولائه لدولة الاسلام وخلى سبيله، فلما سمع ملوك وامراء الشام المجاورين للجزيرة بما حدث مع أكيدر أتوا لمصالحة النبي على الجزية، وهكذا أحكم النبي سيطرته على كامل شمال الجزيرة العربية، وفقدت الإمبراطورية الرومانية حلفائها وسقطت هيبتها، ورجع النبي المدينة، في رمضان من السنة التاسعة للهجرة.
العودة من تبوك: وعند العودة أصابهم عطشاّ شديداً وتعبا وهوانا، واخذ المنافقون يستغلون هذه الظروف، ويسخرون من هذا الجيش وهذا الخروج ومن كبار الصحابة كعثمان وعبدالرحمن بن عوف الذين انفقوا اموالهم لهذه الغزوة يقولون: أنفقتم اموالكم، فلا أنتم قاتلتم، ولا أنتم غنمتم فعلى اي شيء أنفقتم؟، لو كنت عملت بالمال الذي أنفقته كم كنت ربحت؟. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكشف النقاب عن المنافق رجاء أن يحسن إسلامه فيحقق الله في النبي قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، ومن أجل ان لا يؤذي اقاربهم من الصحابة، وحتى لا يخرجوا من صفوف المسلمين علانية وينضموا الى العدو، فهيأ الله السبب للنبي لعله يعظهم فيزدادوا ايماناً فأشتد بهم العطش، فاشتكى الصحابة لرسول الله العطش فقال: (هل معكم شيء من ماء؟)، فجمعوا له مقدار، فقال لهم: (احضروا لي وعاء من أوعيتكم التي تسقوا بها دوابكم)، فأخذوا يفرشوا وعاء من الجلد، ثم تحلقوا حوله، قالوا: لقد أحاط بذلك الإناء اكثر من مئتي رجل، لا يزاحم رجل منهم الآخر فأخذ النبي الإناء الصغير فوضع يده اليمنى فيه فما ستر الماء جلدة يده، ثم قرأ ماشاء الله له ان يقرأ ثم دعا بما فتح الله عليه من دعاء ثم نفث بين أصابعه، ففارت اربعة عيون من الماء بين اصابعه تنبع وتسكب في ذلك الوعاء الكبير ثم قال: (استقوا واملؤا اسقيتكم)، فأخذنا نملأ بضع نهار حتى استقينا وسقينا دوابنا وملأنا أوعيتنا، والماء يفور من بين اصابعه صلى الله عليه وسلم ونحن ننظر، ثم قال: (هل بقي لكم من حاجة من ماء؟)، قلنا: اللهم لا، قد أكتفينا يا رسول الله فقال: (اشهد أن لا إله إلا الله وأني عبدالله ورسوله)، ثم قبض يده فتوقف نبض الماء، فقال الصحابة لبعض من لمسوا منهم النفاق: ويلكم ألم يكفيكم هذا؟ قالوا: بلغنا عن أهل الكتاب أن موسى قد ضرب الحجر بعصاه فأنبثقت منه أثنتا عشرة عيناً، ولكن السفهاء لم يفرقوا أنه من الطبيعي ان ينبع الماء من الحجر ومن الأرض، وأن ينزل من السماء، ولكن ليس من الطبيعي أن ينبع من يد بشر ويبقى بحدود اربع ساعات يتدفق من يد، فهذه معجزة، وفاقة المعجزات، وانزل الله سبعين آية من سورة التوبة، منها اخبار عن ما وقع، ومنها عن ما سيقع، بدأت بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } و {انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم يصفهم الله عزوجل {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، والعتاب الرقيق جداً،{عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}.
محاولة قتل النبي: بعد نزول الآيات من سورة التوبة أحس المنافقون أنهم انكشفوا ولم يبقى إلا أن يذكرهم بأسماءهم، وعلموا أن للنبي موقف وشأن معهم بعد نزول هذه الآيات، فأتمروا ليلاً، واتفقوا على أن يقتلوا النبي غيلة، ومن سنته إذا كان متجهاً الى غزوة، يسير في المقدمة، وهو راجعاً منها يسير في آخر الجيش ويقول: (خلوا ظهري للملائكة وسيروا بين يدي) فقالوا: نقتله غيلة فإنه يسير في آخر الجيش، وعند الظلام نختلط بين الناس فلا يعلم أحد من قتله ومن أغتاله، وأطلع الله نبيه على مؤامرتهم، فأراد أن يكشفهم حتى لا يلام فيهم فلما أنطلق للسير ليلاً، أقبل على وادٍ متسع يسير فيه الجيش وكان على يمين هذا الوادي طريق ضيق يقال له العقبة، فأمر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وكان يقود ناقة النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي في الجيش: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تسلكوا الوادي، وإنه آخذٌ في العقبة وحده فلا يتبعه أحد، فإن الوادي أيسر لكم وأسهل)، فهمس المنافقون بعضهم لبعضٍ وقالوا: هذه فرصتنا نتبعه ثم نزحمه في الطريق فنلقيه عن ناقته في الوادي فيتردا، ثم نختلط بين الناس فلا يعلم كيف مات فيقولوا عثرت به ناقته فسلك النبي العقبة، وكان معه اثنان من أصحابه فقط حذيفة بن اليمان يقود الناقة وعمار بن ياسر كان خلف الناقة لأنها عقبة حادة، فكان يلتقط بعض المتاع إذا سقط، فتلثم المنافقون حتى يتخفوا تماماً وتبعوا النبي، فلما كانوا على قرب منه، أحس بهم، وكان من عادته لا يلتفت فقال: (من القوم يا حذيفة؟ لقد قلت لا يتبعني احد) فلما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد احس بهم، اسرعوا بالسير وراء النبي، فجفلت الناقة واهتز بعض المتاع فسقط بعض متاعه ولكن الله ثبته على راحلته ، فلم يؤذى، فترك حذيفة خطام الناقة وأخذ محجناً يضرب وجوه رواحلهم وهو يقول: دونكم دونكم يا اعداء الله ورسوله، واخذ عمار بن ياسر ايضا يدافع عن النبي فخاف المنافقون وانهزموا وانحدروا سريعاً الى الوادي واختلطوا في الناس، فقال النبي: (اعرفتهم يا حذيفة؟)، قال: لا والذي بعثك بالحق ولكني عرفت بعض رواحلهم، قال: (اتعلم ماذا كانوا يريدون؟)، قال: لا والذي بعثك بالحق، قال: (عزموا على ان يلقوا رسول الله من على راحلته حتى يقتل ثم يختلطون بين الناس، فيقولون عثرت به ناقته)، ومضى النبي حتى اتم العقبة ثم انحدر الى الوادي، وكان قد انتهى الليل وقارب الفجر فامر أن يعرس الناس، حتى كان الفجر فصلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر في أرض برحة، ثم أستقبل الناس بوجهه ثم أمر حذيفة أن ينادي: من منكم تبع النبي في العقبة؟ فلم يتكلم احد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في اصحابي اثنا عشرة منافقاً قد تبعوا محمد رسول الله في هذه الليلة الى العقبة وعزموا أن يلقوه عن ناقته ثم يزعموا أنه قد عثرت به ناقته، ولكن هموا بما لم ينالوا، لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، منهم ثمانية اللهم أرميهم بالدبيلة)، قالوا: وما الدبيلة يا رسول الله؟ قال: (سراج من نار يظهر بين اكتافهم حتى ينجم من صدورهم)، فوثب أسيد بن حضير فقال: بأبي وامي انت يا رسول الله، اطلعنا عليهم ما دام الله قد أطلعك، فلتقم كل عشيرة الى صاحبها فتضرب عنقه فلا يطالب به أحد، فقال النبي: (لا يا اسيد)، قال: فداك ابي وامي أطلعنا عليهم ، فوالذي بعثك بالحق لا تقوم من مقامك حتى تكون رؤوسهم بين يديك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أكره أن يقول الناس إن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم)، فقال: يا رسول الله هؤلاء ليسوا بأصحابك، فقال رسول الله: (أليس يظهرون الشهادة)، فقال: (يا حذيفة سأطلعك على اسماءهم واسماء آباءهم ولكن اكتم عليهم ذلك، حتى تنصح من يلي امركم بعدي). فكان صلى الله عليه وسلم، إذا مات منافق لا يصلي عليه ويقول: (صلوا على صاحبكم)، ويخرج فإذا رأى الصحابة ذلك علموا أن هذا مات على نفاقه.
قصة مسجد الضرار: كان المنافقون قد بنوا مسجد قريب من قباء، وطلبوا من النبي ان يصلي فيه قبل خروجه لتبوك، فقال لهم: (إنا على سفر ولكن إذا رجعنا صلينا فيه إن شاء الله)، وكان المسجد قد فتح وصلي به قبل غزوة تبوك، وعندما سألهم الناس لماذا أتخذتم مسجدا آخر قبالة مسجد قباء؟ قالوا: اتخذناه للمريض والشيخ المسن والليلة المطيرة، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك، وقصة هذا المسجد أنه كان في المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم رجل اسمه أبو عامر كان قد تنصر قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من سادة الأنصار وعلم أن هذا الزمان زمان نبي فترهب وتنسك طمعا في أن يكون هو هذا النبي، وأطلق عليه أهل المدينة أبو عامر الراهب فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وهاجر الى المدينة خاب ظنه وحقد على النبي صلى الله عليه وسلم ورفض الإسلام وزاد حقده بعد نصر بدر ثم ذهب الى قريش وأخذ يشجعهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرجت قريش لغزو المدينة في أحد وقبل بداية المعركة تقدم بين الصفوف، وأخذ ينادي على الأوس حتى يخذلوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أنا أبو عامر الراهب ولكن الأنصار سبوه وقالوا له: بل أنت أبو عامر الفاسق فلما انتهت المعركة لحق بهرقل قيصر الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده هرقل وأقام عنده وأخذ يراسل المنافقين في المدينة، ويسعدهم بأنه سيأتي بجيش هرقل لغزو المدينة ثم أمر أتباعه من المنافقين أن يبنوا مسجدا ليكون مقراً لهم وقال لهم: اتخذوا لكم مسجدا ظاهره لإقامة الصلاة، وحقيقته تعقدون به أمركم وتتشاورون حتى لا يطلع عليكم اصحاب محمد ، فإذا اعددتم سلاحاً ورجالاً جئتكم بمدد من الروم فأخرجناه هو واصحابه من المدينة فكان هذا المسجد الذي أمرهم به ابو عامر الفاسق حقيقته ليقوموا من خلاله ببث أفكارهم الهدامة ونشر فتنهم في المدينة، وحتى يقدم عليهم فيه من يقدم بكتبه اليهم وحتى ينزل فيه عندما يأتي وبالفعل بنوا مسجدا بجوار مسجد قباء وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم : لقد بنيناه للضعفاء وطلبوا من النبي أن يقدم للصلاة فيه وكان ذلك قبل خروجه الى تبوك فعصم الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وقال لهم: (انا على سفر ولكن اذا رجعنا ان شاء الله)،
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم في طريق عودته من تبوك نزل جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر مسجد الضرار وأنهم أرادوا به التفريق بين المؤمنين، وعقد المؤامرات، حتى إذا كان على مقربة من المدينة، وكان من سنته لا يدخلها ليلاً ابداً، وارسل البشائر فأنتدب اثنين من الصحابة وهما مالك بن الدخشم ومعن بن عدي ليبشروا الناس بقدوم الجيش ليستعدوا للقاء ذويهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم سراً بينه وبينهم: (انطلقوا فأخبروا الناس أن جيش المسلمون قد رجعوا سالمين غانمين فإذا أخبرتم الناس انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فحرقوه على من فيه ثم هدموه)، وأعرس وبات خارجها ليدخلها عندما ترتفع الشمس وقت صلاة الضحى، فأنطلقوا واخبروا الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم والجيش قد قدموا سالمين، وكان المنافقين قد ارجفوا في المدينة بأن محمداً وجل اصحابه قد هلكوا في الطريق من الحر والعطش، وكانوا كل يوم يشيعون إشاعة ارجاف، فكان أهل المدينة في كآبة وحزن، لن يروا وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ولن يروا مجمل أهلهم الذين خرجوا فلما شاع الخبر بالبشرى واشتغل الناس كلهم بالاستعداد لأستقبال ذويهم من المجاهدين وذهب الصحابة الذين أمرهم النبي بحرق مسجد الضرار الذي كان يعقد فيه المنافقون مؤتمرهم ذهب الصحابة الذين أمرهم النبي بحرق مسجد الضرار الذي كان يعقد فيه المنافقون مؤتمرهم ، واشعلوا جريد من اوراق النخيل وألقوه من نوافذ ذلك المسجد فأخذ المنافقون يفرون من ها هنا وهناك ، ثم هدموا المسجد على قواعده فلم يبقى له أثر ولما كان الصبح دخل النبي صلى الله عليه وسلم مدينته المنورة فلما أشرف على المدينة يقول الصحابة فلما ترأت له المدينة فلما ترأت له المدينة طرح ردائه عن منكبيه وقال: (هذه طابة هذه طابة هذه طابة أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد)، فلما وقع نظره على جبل أحد، اوقف راحلته واستقبل جبل أحد وقال: (هذا جبل يحبنا ونحبه ويجعله الله على باب الجنة)، هل تعلمون لماذا؟ إن هذا الجبل التي سالت عليه دماء النبي صلى الله عليه وسلم يوم احد وسالت عليه دماء سبعين شهيد من اصحاب النبي على راسهم عمه حمزة أسد الله ورسوله دماء الشهداء الصادقين يكرمها الله، حتى الارض التي سالت عليها دمائهم حتى الجبل ومع أن الجنة ليس فيها جبال، ولكن سيرفع الله جبل احد يوم القيامة ويكون على باب الجنة، وكل من دخل الجنة سيرى جبل احد على بابها وذلك تكريماً لدماء الشهداء فيا امهات الشهداء طوبى للأبطال الشهداء، طوبي للشهداء، وويلٌ للجبناء، فلا نامت اعين الجبناء ثم دخل المدينة صلى الله عليه وسلم وكان من سنته أن يدخل مسجده اولاً، فيصلي فيه ركعتين فإذا فرغ من صلاته، أتى بيت فاطمة ابنته رضي الله عنها فيسلم عليها ويطمئن عنها، ثم طاف على حجرات ازواجه يسلم عليهن، يقول الصحابة فركع كعادته وظننا أنه سينطلق، فإذا به أخذ مكانه في المحراب وجلس
المخلفون عن تبوك: قسموا الى؛ فئة تخلفت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لإدارة شؤن المدينه، وفئة تخلفوا ولكن ليس فيهم نفاق، وفئة تخلفوا نفاقاً، وهناك قوم كان لهم أعذار وهم الضعفاء والمرضى وغيرهم، قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريق العودة للمدينة: (إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مَسِيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العُذْرُ)، قالوا: يا رسول اللّه، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة حبسهم العذر)، كالشاب الذي أراد أن يخرج وليس له عذر، نظر النبي إليه وقال: (أليس لك أم؟)، قال: نعم، قال: (فمن يخدمها؟)، قال: أنا، قال: (من لها غيرك؟)، قال: الله، قال: (إلزمها فإن الجنة عند رجليها)، جلس النبي صلى الله عليه وسلم، واقبل الذين تخلفوا يقدمون الاعذار، ويحلفون ما تخلفنا عنك إلا لضرورة وعذر ويصطنعون الأعذار، ويقولون: استغفر لنا يا رسول الله، فيستغفر لهم فأنزل الله قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، فأخذوا يعتذرون والنبي يقبل عذرهم على ظاهره لا يناقشهم حتى فرغوا وكانوا قريب الثمانين رجلا، ثم أقبل ثلاثة رجال من خيار الصحابة، كعب بن مالك بايع يوم العقبة، وهلال بن امية، ومرارة بن الربيع، شهدوا بدرا، قال كعب: لم اتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر لانهم خرجوا للعير وليس للقتال، فأخذت اقول: انا قادر على التجهز في اي وقت، وتجهز الناس حتى اصبح النبي على سفر ولم أصنع شيئاً، فقلت: انا قادر على ان انطلق في اي وقت، ولم اكن عقدت نية للتخلف عن رسول الله وخرج صلى الله عليه وسلم لتبوك، وطفقت اعدو لكي اتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، وغلبتني نفسي، واصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون وانا لم اتجهز، ثم رجعت الى بيتي اريد ان اتجهز فلم ازل اتمادى حتى اسرعوا وتفارط الغزو، كنت اذا خرجت من بيتي وطفت في طرقات المدينة كان يحزنني أني لا أرى لي أسوة، لا اجد إلا رجلا مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، وانا والله لست من هؤلاء ولا من هؤلاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال: (ما فعل كعب بن مالك؟)، فقال له رجل من بني سلمة غفر الله له: يارسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقام له معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: لا والله، بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عن كعب إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعت خبر قدوم النبي، حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بما أخرج من سخطه غدا، واخذت أستعين بكل ذي رأي من أهلي، فلما سمعت بوصول النبي صلى الله عليه وسلم، زاح عني الباطل، والله لا اجمع على نفسي ذنبين، تخلف وكذب والله سأصدق الله ورسوله، فلما انتهى الناس جئت إليه امشي الهوينة، فلما سلمت تبسم تبسُم المغضب، ثم قال: (تعال يا كعب)، فتقدمت أمشي الهوينة إليه فقال وهو مغضب: (تعال فأجلس)، فجلست بين يديه فقال: (ما خلفك عني؟)، قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد اعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي، وإن حدثتك بصدق تسخط علي ويرضى الله والله ماكان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت، فقال صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك)، فتعجب الصحابة الذين كذبوا يصافحهم النبي ويستغفر لهم ويجدد لهم البيعة، والذي صدق يعرض عنه ثم لا يقبل له حديثاً، ويأمر الناس لمقاطعته، وذلك لأن الله عزوجل جعل لنا نواميس، فربى نبيه على الجلال فكلفه بما لم يكلف به المؤمنين وحرم عليه مالم يحرم على المؤمنين، فهل أمركم الله بقيام الليل فرضا؟ لا بل ندبه لكم ندباً، فمن لم يقم الليل فليس بعاصي أما النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا نام ليلة ولم يقم الليل قضاها في الليلة الثانية، إذن تربية الرجال في ميزان الله لا تكون بالدلال، وعلى قدر اهل العزم تأتي العزائم، وإذا سمعت نص قرآني وتدبرته يذهلك ذهولاً، اقرأ ماذا يقول الله عز وجل اية في سورة الاحزاب، قال تعالى يخاطب امهات المؤمنين نساء النبي: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وحاشهن من ذلك، ولكن الله ضرب مثالاً: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} لأنه بيت يتنزل فيه القران ونسائه امهات للمؤمنين يجب ان يكنَّ القدوة الحسنة في المجتمع وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وهكذا الصديقون من الصحابة لا يسامحون بمثل هذه الأخطاء حتى يطهرهم الله في الدنيا. أما المنافقون فلهم يوم يجعل الولدان شيبا.
مقاطعة الثلاثة المتخلفين: بدأت أول مراحل الابتلاء، قال كعب: وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله، بما اعتذر به إليه المخلّفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك، قال كعب: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان هلال بن امية ومرارة بن الربيع قالا لرسول الله مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية؟ رجلان اعرف صلاحهما وصدقهما، فطمأنت نفسي، لقد ذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة ثم كان الابتلاء الثاني، حيث نهى رسول الله كافة المسلمين عن التعامل معهم، وكان ذلك شديدا عليهم، قال كعب: حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، واستمرت المقاطعة بكل ثقلها وآلامها خمسين يوما، ذاقوا فيها من المصاعب، قال كعب: فلم يكلمنا من المسلمين احد كنا نطرح السلام على الرجل فلا يرد علينا احد، أما صاحبي لزما بيتهما واخذهم البكاء ، وكنت اشب منهما فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلم عليه، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فكنت إذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ وإذا انتهيت من الصلاة صرف نظره عني، وكنت اخشى أن تقبض روحي وانا بهذه المقاطعة، فإن الاعمار بيد الله فاموت، فكنت اتمنى أن تنتهي هذه المقاطعة فأموت فيصلي علي النبي، مضى الشهر وجاء رسول من رسول الله وقال لي: يا كعب يأمركم رسول الله ان تعتزلوا نسائكم، فقلت لزوجتي ألحقي بأهلك حتى يحكم الله فينا، واصبحت أبيت على سطح داري واتوجه الى الله بالدعاء، وجاءت زوجة هلال بن امية وكان كبير بالسن وليس عنده من يخدمه فقالت: يا رسول الله بأبي انت وامي، إن هلال كبير في السن وليس هنالك من يخدمه اتأذن لي ان أصنع له طعامه واغسل له ثيابه؟ قال: (اخدميه ولكن لا يقربنك بشيء فإنه لا يحل له ذلك)، فقالت: بأبي وامي انت والله مابه حراك بشيء، فإنه منذ أن أمرت الناس بمقاطعته ما جف له دمع ولا تناول طعام ولا نام بليل، قال كعب: حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فقلت: يا ابن عم السلام عليك، فوالله ما ردَّ علي السلام فكررتها فلم يرد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت فاعدت السؤال فسكت ولم يرد علي بشيء، فكادت ان تزهق روحي فصرخت بأعلى ما املك من صوت نشدتك الله هل تعلمن أني أحب الله و رسوله؟ فقال ابا قتادة بصوت منخفض بينه وبين نفسه: الله ورسوله اعلم، ففاضت عيناي بالبكاء وتوليت، جاءه الابتلاء الثالث، قال كعب: وبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتابا من ملك غسان مكتوب بماء الذهب وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه من ملك غسان الى كعب بن مالك أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، ويعلم ملك غسان لو ارتد كعب عن دينهه لكان له أثر في شق صف المسلمين، فكان هذا الكتاب بمثابة الابتلاء فحين قرأت الرسالة فتوجهت مسرعاً الى منزلي ورميت بها بالتنور فسجرتها به حتى لا تميل لها نفسي يوما، ثم توجهت نحو المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فدخلت فسلمت فلم يرد علي احد فقلت: بأبي وامي انت يا رسول الله لقد طال هجرك لي حتى طمع بي أهل الروم، فلم يرد علي بشيء ولم يحرك ساكناً، فطفقت أبكي في المسجد بصوت مسموع، حتى قارب هجرنا خمسين ليلة، فصليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا.
توبة الله على الثلاثة المتخلفين: توبة الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك: كان النبي يصلي قيام الليل، قالت ام سلمة: فركع وسجد ثم جلس وأطال جلوسه حتى إذا سلم عن يمينه وإذا وجهه يبرق كأنه البدر ليلة التمام، فسلم عن شماله ثم ألتفت إلي مبتسماً ضاحكاً مستبشراً وهو يقول: (بشرى أم سلمة لقد تاب الله على كعب وصاحبيه)، فوثبت وأخذت خماري ثم تداركت وقلت: بأبي وامي يارسول الله اتأذن لي أن أنطلق وأبشر كعب، فقال لي متلطفاً: (يا ام سلمة إذن يحطمكم الناس، ويمنعوكم من النوم حتى الصبح انتظري بعد صلاة الفجر)، وخرج الى صلاة الفجر، فأقام الصلاة بلال، ثم صلى الفجر بالناس ثم استقبل وجوه أصحابه، وكنت انا في مصلى النساء ورآئهم، فأستقبلنا صلى الله عليه وسلم وتلى الآيات في التوبة التي نزلت على كعب وهلال ومرارة وأعلن ان الله قد تاب على كعب وصاحبيه، فوثب شيخ الصحابة ووثب عمر وانطلقا يتسابقان أيهما يبشر كعب، قال ابو بكر: فأدركت أن عمر سيسبقني فقد كان أخف مني واسرع فصعدت على تل في جوار المسجد وصحت بأعلى صوتي يا كعب بن مالك أبشر فقد تاب الله عليك، يا كعب بن مالك أبشر فقد تاب الله عليك، -كررها- قال كعب: فبينما أنا جالس على سطح داري، وقد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ يصيح ويقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فقد تاب الله عليك وأيقنت أنه ابو بكر، نظرت فإذا عمر يجري إلي مسرعاً وعانقني وهو يبكي ويقول: ابشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك لقد تاب الله عليك وهذا رسول بين اصحابه في المسجد ينتظرونك، فلم أتمالك نفسي فخررت ساجدا لله ثم قلت في نفسي البشرى لمن سبق إلي صوته فالبشرى لأبي بكر ووالله الذي لا إله إلا هو لم اكن املك في ذلك اليوم شيء لأني تصدقت بكل ما أملك وكنت لا أملك الا ثوبان فقلت: هما لأبي بكر، واستعرت ثوبين فلبستهما، فأقبل الناس يبشروننا انا وصاحبي، فأنطلقت الى المسجد واخذ يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئونني بالتوبة، هنيئاً يا كعب توبة الله عليك ويصافحوني ويعانقوني حتى دخلت المسجد امشي الهوينة حتى وقع نظري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلي وقد اشرق وجهه فقال: (ابشر يا كعب ورفع يده اليمنى، ابشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ أن ولدتك امك)، فقلت: أمن عندك يارسول الله، أم من عند الله؟ قال: (بل من عند الله)، فأكببت أقبل رأسه ويديه، ثم جلست وتلى علينا الآيات، قال تعالى: {لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، معنى خُلفوا أي تأجل الحكم عليهم، حتى يحكم الله فيهم من بين الذين تخلفوا جميعاً، لأن اولئك منافقين فقُبلوا على علاتهم، وهؤلاء مؤمنون صادقون خُلفَّ أمرهم وتأجل حتى يحكم الله فيهم، اي هؤلاء الثلاثة تأجل الحكم فيهم وهم حالة خاصة، قال كعب: ثم جدد لنا رسول الله البيعة واستغفر لنا، فقلت: بأبي وامي انت يا رسول الله، إن من توبتي لله وعهد علي ان اخرج من مالي كله لله، فتقبل مني مالي صدقة يا رسول الله، فقال: (لا يا كعب احفظ عليك بعض مالك)، فقلت: اتصدق بنصفه، قال: (لا)، قلت: ثلثه، قال: (ثلثه والثلث كثير)، فجئت بثلث مالي وجاء هلال بثلث ماله وجاء مرارة بثلث ماله وجعلناه صدقة بين يدي رسول الله يتصرف بها كيف يشاء واثنى الله على ذلك بنص قرآني قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقول كعب: ومضى سائر اليوم نستقبل المهنئين ونحن نفرح بهذه التوبة، فقلت على ملأ من الصحابة: يا رسول إن عهد الله علي بأن لا اتكلم بعد اليوم إلا صدقاً، فكان يعرف كعب بأنه الصادق والصديق.
الدروس المستفادة:
-يجوز للرجل ان يخبر الناس عن تقصيره في طاعة الله ليتأسوا بذلك فيهجروا المعاصي ويتركوا الذنوب،
-يجوز تعزير المتخلف عن الجهاد حتى يشعر بألم المخالفة، لأن إهمالهم وعدم السؤال عنهم يفسدهم ويعرضهم للزلل والزيغ.
-الحذر من النفاق والمنافقين، والدفاع عن الاخ المسلم في غيابه، كما رد معاذ رضي الله عنه على من طعن في كعب.
-الستر على صاحب الخطأ رجاء إصلاحه وعدم فضح أمره، فكان النبي يقول في نصيحته: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) ولا يصرح بأسمائهم رجاء إصلاحهم وتجنبا لفضح أمرهم.
-معصية الله من أقبح الأعمال تجعل العبد يعيش في ظلام دامس يكره نفسه ويكره الحياة ولن يشعر بالسعادة.
-نقبل من الناس بالظاهر ونترك السرائر إلى الله تعالى، فمع أن النبي كان يعلم كذب المنافقين إلا أنه قَبِلَ منهم ووكِل سرائرهم إلى الله.
-فضيلة الصدق وملازمته، وان كان فيه مشقة، فإن عاقبته خير ،
-استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين في مسجد إقامته أول قدومه قبل كل شيء، هذه من السنن المنسية.
-يستحب للقادم من سفر إذا كان مشهوراً بين الناس أن يقعد لهم في مجلس بارز هين سهل الوصول إليه.
-استحباب بكاء المذنب على نفسه إذا وقعت منه معصية
-أن مسارقة النظر في الصلاة لا يبطلها كقوله: فكنت إذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا انتهيت من الصلاة صرف نظره عني
-السلام يسمى كلاما ، وكذلك ردّ السلام. فمثلاً أنسان حلف ان لا يكلم فلان من الناس، فإذا جاء وقال السلام عليكم، فرد عليه وعليكم السلام، هنا يحنث في يمينه ويعتبر كلمه.
-ويستحب له سجود الشكر اذا بلغ ببشارة، واستحباب التبشير بالخير والإسراع والمسابقة كما فعل ابو بكر وعمر.
-جواز استعارة الثياب للبس.
-أنه يستحب لمن حصلت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة أن يتصدق بشيء صالح من ماله شكراً لله تعالى على إحسانه.
الفصل السادس:
ابو بكر اميرا للحج: بألهام من الله دون نص قرآني، اختار النبي صلى الله عليه وسلم عدم الخروج للحج في العام التاسع من الهجرة، وانتدب أبا بكر الصديق أميرا للحج، ليخرج بلاثمئة رجل ومن أراد أن يرافقهم من اهل الأعراب من حول المدينة، كان الناس كلهم يحجوا اقتداءً بملة نبي الله ابراهيم عليه السلام، ولكن اليهود عندما قبض الله نبيه موسى إليه، غيروا وبدلوا فأسقطوا الحج من شريعتهم وأخذوا يحجون الى بيت المقدس، وكذلك تبعتهم النصارى لأن المسيح عيسى عليه السلام ايضاً بعث في بني اسرائيل، ولكن لم يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم نص قرآني يغيرها لهم وما كان صلى الله عليه وسلم يشرع إلا بوحي، ولكن كره أن يحضر الموسم وفيه ما لا يتفق مع خلق الإنسان الطبيعي. الخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب الصديق ليكون اميراً على المسلمين، وأوصاه بأن لا يغير شيئاً في ما أعتادت عليه قريش لأن الله لم يأمره بشيء وان يحج بالمسلمين على ملة التوحيد، وارسل معه عشرين ناقة ليقدمها هديً بأسم النبي طعمة للفقراء والمساكين واخذ ابو بكر لنفسه خمس نياق، وبعد خروج وفد الحج، نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيات من صدر سورة التوبة، فالقران لم يكن مرتباً كالترتيب الحالي، فعندما نزلت الآيات ارسل النبي صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه ليقرأها على الناس يوم الحج الاكبر، وكتب له كتاب لأمير مكة حتى يعمل بمضمون هذه الآيات وأوصاه بأربعة بنود يبلغها للناس يوم الحج الأكبر فأنطلق وأذن له النبي أن يركب على ناقته القصواء كشاهداً عليه أنه نائبا عن النبي، وارسل معه ابو هريرة يزكي شهادته فقال له: (تحج مع الناس فإذا كان يوم الحج الأكبر، وفاض الناس من عرفة واجتمعوا في منى اقرأ عليهم هذا الكتاب والآيات التي نزلت)، حتى إذا أقترب من الركب سمع ابو بكر رغاء ناقة النبي صلى الله عليه وسلم القصواء فعرفها، فقال: ألا تسمعون؟ إنه رغاء القصواء، قالوا اجل، قال: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمُر بالحج فلحق بنا، فتوقف الركب كله ينتظرون قدوم الناقة، فلما زال عنها السراب وظهر لهم من يركبها، اذ به علي فسلم على الصديق ومن معه، فسأله ابو بكر: يا ابن عم رسول الله أتابع أم أمير؟ قال: بل تابعٌ، ونائبٌ عن رسول الله لأقرأ على الناس وابلغهم رسالته يوم الحج الأكبر صبيحة النحر واقرأ عليهم ما أنزل الله من آيات.
يوم الحج الاكبر: ومضى الركب حتى إذا كان يوم الحج، ووقف الناس كما يقفون على عادتهم، فلما افاض الناس، استأذن علي من ابي بكر ان يبلغ الناس رسالة رسول الله فأذن له، وذلك لأن العرب عندها ما يسمى العرف والعادة ولا تناقض نصاً شرعياً فقد أقرها الاسلام، وجاء النص على لسان النبي بقوله: (العادة محكمة)، وفي عادة العرب
لا ينوب في الأمور العامة إلا من كان من عصبته، وهي خمسته بالدم لا ثأر بعد الجد الخامس وهذا ما يعرف بالفقه في كتب الاسلام واسمه العاقلة وهم الذين يلزمون بالدية فعلي يلتقي مع النبي في الجد الأول وأما ابو بكر فلا يلتقي بالنبي من الجد الخامس، فهو من فخذ آخر، ولو سأل سائل لماذا لم يرسل عمه العباس، لانه كان حديث عهد بالإسلام أما علي فهو من الأوائل في الاسلام ومن الشهود على العهود، وهكذا كان اختيار النبي، فوقف علي خطيباً بالناس، فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: ايها الناس، إني رسول رسول الله إليكم لأبلغكم ما انزل الله واسن سنن تتبع بعد اليوم، ثم تلى: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. فكانت اربعة احكام؛ يمنع الطواف بالبيت بعد هذا اليوم عريان، لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، من كان بينه وبين رسول الله عهد فهو الى مدته والذين لا عهد لهم فمعهم مهلة اربعة أشهر، وألا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. فامر ابو بكر رجال لهم صوت جهوري يبلغون عن لسان علي حتى يبلغ القاصي والداني وكُلف أمير مكة أن ينفذ هذه الاحكام بعد موسم الحج وأن تهيئ مكة لأستقبال النبي في العام القادم حاجاً. وسمي هذا العام بعام الوفود.
احداث العام التاسع من الهجرة: -وفاة النجاشي ملك الحبشة،
وقد تولى حكم الحبشة وهو ابن تسعة أعوام بعد موت عمه بصاعقة، وانتشرت سيرته الطيبة وعدله في كل مكان، اسلم وكتم اسلامه، حفاظا على حياته وملكه، وقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وفي رجب من السنة التاسعة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوفاة النجاشي فقال: (مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة)، وصلى النبي عليه صلاة الغائب وكان الوحيد الذي صلى عليه النبي صلاة الغائب، لأنه مات في أرض ليس فيها من يصلي عليه.
-وفاة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أم كلثوم رضي الله عنها، وقد ولدت للسيدة خديجة، قبل البعثة بستة سنوات، وجاهدت وعانت وطأة الحصار مع المسلمين في شعب أبي طالب، وعاشت كل لحظات معاناة المسلمين في مكة قبل الهجرة وهاجرت وتزوجت من عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد وفاة أختها رقية في السنة الثالثة من الهجرة، ولم تنجب حتى ماتت رضي الله عنها في شهر شعبان من السنة التاسعة من الهجرة، بعد عودة المسلمين من تبوك، وجلس النبي على قبرها وهو يبكي حزنا عليها، وواسى زوجها وقال: (لو كانت عندنا ثالثة لزوجتها عثمان).
-وفاة عبد الله بن أبي بن سلول والذي عرف برأس المنافقين، لحقده على الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه اعد هجرته سببا في عدم تنصيبه ملكا على المدينة، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر، ولم يتوقف لحظة عن الكيد ضد النبي والمسلمون وتعاون مع اليهود وقاد جماعة المنافقين وكانت خطورته مكانته الكبيرة بين قومه، وكان له ولد وحيد عبد الله من خيار الصحابة، كان شديد البر بأبيه، ومع ذلك كان من أشد الناس على أبيه، فلما توفي ذهب ابنه الى النبي وسأله أن يعطيه قميصه يكفنه فيه فأعطاه، ثم سأل النبي أن يصلي عليه، فقام النبي يلبي طلب هذا الصحابي المؤمن الصادق، فقام عمر وأخذ بثوب النبي وقال: يا رسول الله، قد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال النبي: (يا عمر إنما خيرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وسأزيده على السبعين)، وصلى عليه النبي، قال عمر: فعجبٌ لي وجرأتي على رسول الله، ولكن نزل بعد ذلك قول الله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وبموته انحسرت جدا حركة النفاق في المدينة، وكان استمرار وجودهم مؤكدا لأن المنافقون لا يختفون أبدا من أي مجتمع مسلم.
عام الوفود:
اسلام عروة ين مسعود الثقفي: في عام الوفود شهدت المدينة حضور مكثفا للوفود من كل أنحاء الجزيرة العربية، زادت عن ستين وفداً، فجائت الى المدينة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما شاهدت قوة الدولة الإسلامية، ومن الوفود جاء مقتنعا بالإسلام والبعض جاء خوفا وطمعا في الدولة الإسلامية الناشئة القوية، وكان أول هذه الوفود قدوماً وأهمها من ناحية الأثر وفد ثقيف، وهي أكبر بطون قبيلة هوازن، وأشهرها، وكانت شبه مستقلة عن هوازن وتسكن مدينة الطائف على بعد حوالى مئة كم جنوب شرق مكة، وهي المدينة الثانية في بعد مكة، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي وهو أكبر زعماء الطائف، وأسلم بين يدي النبي وقال عنه النبي: (أنه يشبه المسيح عيسى عليه السلام) ثم سأل عروة النبي أن يرجع الى قومه بالإسلام، فقال له: (إن فعلت فانهم قاتلوك) فقال: يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبصارهم فعاد، وأظهر اسلامه ودعا قومه الى الإسلام، ولكنهم رفضوا وسبوه وأغلظوا له القول وفي فجر اليوم التالي، صعد عروة على سطح منزله وأذن للصلاة، فخرج أحد الرجال ورماه بسهم فوقع على الأرض، وقال له أهله: ما ترى في دمك؟ فقال عروة: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ فلما بلغ النبي قال: (مثلُ عروة في قومه مثلُ صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه)، فكانت ثقيف في وضع لا تحسد عليه: بسبب هزيمتها في حنين حتى بعد الحصار لم تجرؤ على الخروج لمواجهة المسلمين، ونسائهم وأبنائهم وأموالهم كانت في أيدي المسلمين. وأسلام جميع القبائل حتى بطون هوازن نفسها، والتي ثقيف أحد بطونها. واسلام عروة بن مسعود ومقتله كان حدثا جليلا ومزلزلا. ولأن قائد جيش هوازن مالك بن عوف النصري أسلم وكلفه النبي بحصار الطائف، فضيق ذلك عليهم بشدة،
اسلام ثقيف وهدم صنمها: وصل وفدها المكون من ستة أشخاص على رأسهم عبد ياليل بن مسعود، وأول من رآهم المغيرة بن شعبة، وكان يرعى الابل خارج المدينة، نهض مسرعا فلقيه أبو بكر الصديق وأخبره بقدوم ثقيف فقال أبو بكر: أقسمت عليك بالله لا تسبقني الى رسول الله، حتى أكون أنا من يحدثه، فذهب أبو بكر وبشر النبي، ثم ذهب اليهم المغيرة بن شعبة وعلمهم كيف يحيون النبي، فلما دخلوا لم يحيوه كما علمهم المغيرة، وانما حيوه بتحية الجاهلية، استقبل النبي الوفد استقبالاً طيباً يليق بنبي كريم ولم يذكرهم بشيء من الماضي، وأمر أن تضرب لهم خيمة في المسجد، أرق لقلوبهم، ويستمعوا الى حديث النبي ويشاهدوا أحوال المسلمين، ويتعلموا الإسلام، ويسمعوا القرآن، فكانوا يمكثون في المسجد، ثم يذهبوا الى رحالهم خارج المدينة وكانت بحراسة عثمان بن أبي العاص، فيتركهم عثمان ويذهب الى النبي ليتعلم على يديه، واذا لم يجد النبي يجلس الى أبي بكر أو أبي بن كعب ويتعلم القرآن وحفظ في هذه الأيام سورة البقرة، ثم أتى الى النبي، وقال: يا رسول الله إن القرآن يتفلت مني، فوضع النبي يده على صدره وقال: (يا شيطان اخرج من صدر عثمان)، قال عثمان: فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه، ثم جاء عثمان الى النبي وقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال له النبي: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا)، وأعجب النبي بعثمان وأحبه ورأى فيه خيرا كثيرا، جاء الوفد بعد ذلك ليسلم ولكنهم أرادوه بشروط معينة، فتحدث زعيمهم وقال: أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ فقال النبي: (هو عليكم حرام، فإن الله عز وجل يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا})، قال: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال النبي: لكم رءوس أموالكم إن الله تعالى يقول: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين})، قال: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ فقال النبي: (إن الله قد حرمها، وقرأ: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون})، ثم طلبوا أن يتم اعفائهم من الصلاة، فرفض النبي وقال: (لا خير في دين لا صلاة فيه)، ثم خلا القوم بعضهم ببعض للتشاور وقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا وقال زعيمهم: نعم، لك ما سألت ثم قال: أرأيت الربة أي صنمهم ماذا نصنع فيها؟ فرد النبي بمنتهى الحزم: (اهدموها)، ففزع الوفد وقال كنانة: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: يا ابن عبد ياليل ما أجهلك، إنما الربة حجر، فقال له: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، فبدؤا يساومون في توقيت هدم صنم اللات، فطلبوا أن يترك اللات ثلاث سنوات، فرفض النبي، فطلبوا تترك سنتين فرفض النبي فقالوا: سنة فرفض النبي، فطلبوا شهراً واحدا فرفض النبي، فقالوا: تول أنت هدمها، فأما نحن لا نهدمها أبدا، فأجابهم النبي وقال: (سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها)، فقالوا: ائذن لنا أن نرحل قبل رسولك ونخبر قومنا، فإنا أعلم بقومنا، فوافقهم النبي، ثم قالوا: يا رسول الله أمر علينا رجلا يؤمنا من قومنا، فأمر عليهم عثمان بن ابي العاص لانه أحرص القوم على تعلم الإسلام، ووجد فيه كفاءة قيادية ورفض النبي أن يؤمر عليهم زعيمهم لعدم اقتناعه بالإسلام، وكان تأمير النبي لعثمان بن ابي العاص وهو شاب صغير يدل على اقتناع النبي بالإمكانيات الهائلة للشباب، انطلق الوفد ولكن بقي عندهم مشكلة، مواجهة قومهم بكل هذا، لعلمهم أن غالبية ثقيف لا تزال ترفض الإسلام، فقال كنانة بن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية، وخوفوهم بالحرب والقتال، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، أن نهدم اللات والعزى، وأن نحرم الخمر والزنى والربا، فلما وصلوا خرجت ثقيف لاستقبالهم، فأظهر الوفد الحزن واتجهوا الى اللات، ثم قالوا لهم: أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا أن نهدم اللات، ونترك الخمر والزنا والربا، وأمرنا بالصلاة فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا فقال لهم الوفد: فتهيئوا للقتال وتعبئوا له ورمموا حصونكمة ومكثت ثقيف يومين، ثم القى الله في قلوبهم الرعب، فجاءوا الى الوفد وقالوا لهم: والله ما لنا به طاقة، وقد داخ له العرب، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، وصالحوه عليه فلما رأى الوفد ذلك قالوا لهم: فإنا قد صالحناه على ذلك، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم قالوا: فلم كتمتمونا هذا الحديث، وغممتمونا أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن يذهب الله عنكم نخوة الشيطان.
أسلمت كل ثقيف، ولم تمضِ الا أيام حتى جاءت السرية التي أرسلها النبي لهدم صنم اللات وبرغم أن ثقيف قد دخلت في الإسلام، الا أن دخول الطائف وهدم صنمها أمر غير مأمون على الإطلاق، ومهمة شديدة الخطورة ولذلك أرسل النبي السرية وأمر عليها القائد خالد بن الوليد، وجعل مع هذه السرية المغيرة بن شعبة وهو من ثقيف، فلا شك أن البطن الذي ينتمي اليه المغيرة بن شعبة من ثقيف هو بطن بني متعب سيقوم بحماية المغيرة وحماية المسلمين، وكما أرسل معهم ايضا أبو سفيان بن حرب، وهذه ايضا اشارة هامة الى أن زعيم الوثنية السابق هو الذي يذهب بنفسه لهدم أشهر أصنام العرب، فلما وصلت هذه السرية اتجهت فورا الى اللات فخرجت كل ثقيف رجالا ونساء وأطفالا وتجمعت تشاهد هذا الحدث، وأغلب ثقيف تعتقد أنهم لن يستطيعوا هدم اللات، فقام المغيرة بن شعبة وقال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف فأخذ المعول، فضرب اللات ضربة، ثم سقط على الأرض وأخذ يحرك جسده ورجليه كالمصروع، فاضطربت كل ثقيف وأخذت تصيح وتقول: قتلته الربة، قتلته الربة وفرحت ثقيف وصاحوا: من شاء منكم فليقترب ويهدمها فوثب المغيرة وهو يقول: قبحكم الله يا معشر ثقيف، انما هي حجارة لا تضر ولا تنفع، فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم قام المغيرة وقام معه المسلمون فهدموا اللات عن آخرها ثم قال السادن: إن هدموا الأساس ليخسفن بهم فسمع المغيرة ذلك فقال لخالد دعني أحفر أساسها، فحفر أساسها واسقط في يد ثقيف وبهتت، وحسن بعد ذلك اسلامها ولم ترتد عنه كما ارتدت بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه ثقيف التي كانت في أول الدعوة كلها ضد النبي، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا كان الله معك، يسخر لك أعداءك ليخدموك، وإذا كان الله عليك، سمح لأتفه بشر أن يتطاول عليك هل رأيتم وعد الله، {يُرِيدُونَ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، إنه الله جل في علاه، أقام العباد فيما أراد، وله المراد فيما يريد جل الوحيد الفريد، إنه الله مالك الملك العظيم المتعال، كلنا عبيده وأمرنا في يده، سبحانه وتعالى عما يصفون، أفلح من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوفود الى المدينة: فلما كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه ووقعت عدة معارك كراً وفراً بين قريش والمسلمين، أخذت العرب ترقبُ مصير قريش مع هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا بنتيجة قالوا: إن يكن محمد غير صادق فلن يسلم إذا اعتدى على قريش أو حاول فتح مكة وإن يكن صادقاً وفتحها وظهر على قريش يكن نبياّ حقاً وصدقا، فلما تم فتح مكة وتبعها غزوة تبوك أخذت العرب تفد الى المدينة ليلاّ ونهاراً يدخلون في دين الله، وقد زادت عن ستين وفدا، وقيل أنها وصلت الى مئة وفد، فبعض هذه القبائل جاء الى المدينة مقتنعا بالإسلام، والبعض جاء خوفا وطمعا، وكانت هذه الوفود تختلف أعدادها، فقد تكون عشرة أفراد أو أكثر أو أقل، وتمكث في المدينة بضعة أيام، ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل، فكانت تتعلم في هذه الأيام أصول العقائد والصلاة والفرائض. ومنها وفود خير كانت تريد وجه الله حقاً، وأخرى طلاب دنيا، وظنوا ان بعثة النبي فيها شيء من الزعامة فهم طلاب كراسي.
وفد بنو سعد بن بكر: أحد بطون هوازن، وفد مبارك ممثلاً بضمام بن ثعلبة فقط، وهو من عقلاء القوم وحكمائهم، وقع الخيار عليه لثقتهم فيه وفي رأيه، فطلب منه أن يحدث النبي ويرى فيه رأيه ثم يأتيهم بالخلاصة، فكان خير وفد وخير وافد، قدم على جمل له وحده ودخل المسجد بجمله، وأناخه وعقله على بابه، ثم دخل المسجد وكان النبي متكئاً على ذراعه اليمنى، قال الصحابة: فدخل ضمام وله دوي لا يفهم قال: أيكم محمد بن عبد المطلب؟ فأستند النبي وقال: (نعم انا بن عبدالمطلب)، قال ضمام: أمحمد؟ فقال النبي: (نعم انا محمد بن عبد المطلب)، تقدم ضمام الى النبي وقال: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي: (قد أجبتك)، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال النبي: (سل عما بدا لك فإني لا أجد إن شاء الله تعالى)، قال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال النبي: (صدق)، قال: فمن خلق السماء؟ قال النبي: (الله)، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: (الله)، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: (الله)، قال: اناشدك الله الذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال إلهك وإله ابائك وإله من كائنٌ بعدك، آلله أرسلك إلينا رسولا؟ قال: (اللهم نعم)، قال: زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في اموالنا، تؤخذ من اغنيائنا فتقسم في فقرائنا، قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: (صدقك)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: (اللهم نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: (صدق)، ثم قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيء من القران، فلما انتهى قال ضمام: آمنت بما جئت به، وإني اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وانك يا محمد رسول الله، فوالذي بعثك بالحق وانقذنا بك من الضلالة الى الهدى، لن ازيد عن ما سمعت منك ولا انقص منهن شيء، وأنا ضمام بن ثعلبة وانا رسول من ورائي من قومي إليك، من بني سعد بن بكر، ثم ولى ضمام ورجع الى قومه مسرعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد فقه الرجل، ولئن صدق ليدخلن الجنة)، وصل ضمام الى قومه، فقال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام، اتقِ البرص والجذام والجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، ولا يزال بقومه، حتى أسلموا جميعا رجالا ونساءاً في نفس اليوم الذي عاد فيه. فكان خير وافد رضي الله عنه.
وفد الشر: اجتمع بنو عامر وقالوا: يا عامر ابن طفيل ألا ترى العرب تدخل في دين محمد افواجاً في الليل والنهار؟ فإن نخشى أن يظهر أمره على الجزيرة، فلنأخذ من أمرنا من الآن، فنرى أن تفد إليه واختر من تشاء من الرجال، فأختار أربد بن قيس وآخر يخدمهما، قال: يا أربد إني لا اخشى على نفسي رجل في قومي غيرك، وإني كنت والله أليت على نفسي حتى تتبع العرب كلها عقبي، فاليوم اتبع انا عقب هذا اليتيم من قريش، قم معي ولنا في الطريق حديث وشأن، فأنطلقا وخادمهما، فقال: إني سأفد على محمد، وأنت معي فأكلمه وأشاغله وأصرف وجهه عنك فإذا رأيت أنت الفرصة، فعلوه بالسيف فإذا قتل، فلن يستطيع قومه أن تقاتل العرب فيرضون بالدية فنعقلها لهم وتعود العرب لما كانت عليه، فكانت خطته غدر بالنبي ويتخلص من أربد يقتله أصحاب النبي، ويصبح ملكاً للعرب، ومع ذلك وافقه أربد، فلما قدما تقدم عامر فأخذ يسلم على النبي ويحيه بتحية الجاهلية ويدنو منه وقال: يا محمد خالَّني، فرجع النبي عنه الى الوراء خطوتين، وقال: (لا والله حتى تؤمن بالله وحده)، فأخذ يناقش النبي وهو ينظر الى صاحبه أربد وهو يدور حول النبي، فجعل عامر يخاصم النبي ويجادله، فأخرج سيفه قدر شبر، فيبست يده، وجعل عامر يومىء لأربد، فالتفت النبي ورأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال النبي: (اللهم اكفنيهما بما شئت)، وقال عامر: يا محمد مالي ان أسلمت؟ قال: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم)، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال النبي: (لا ليس ذلك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء)، قال: إذن تملكني الوبر ولا المدر) فقال النبي: (ليس هذا لك ولا لقومك)، فصاح في وجه النبي وقال: أما والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً، وفتيانًا مرداً، ولأربطن في كل نخلة في المدينة فرساً، فقال النبي: (الله يحول بينك وبين ذلك)، فولى وانصرف وهو يرغد ويزبد ويهدد وتبعه صاحبه أربد، واشار النبي لأصحابه بالهدوء فلم يصنع احد منهم معه شيئاً، ثم بسط النبي صلى الله عليه وسلم كفيه للسماء وقال: (اللهم أكفني عامر بن الطفيل بمرض وذلة).
اسلام بنو عامر: في طريق عودة عامر واربد والخادم، أناخا ليلة في دار امرأة من بني سلول، فعندما نام ساعة نظر إليه أربد وقال: ماهذا؟ وإذا بعنقه من الأمام غدة كغدة البعير وأصبح لا يستطيع أن يتحرك فأضطر أن يقيم يوم ويومين وثلاث ليتدبر أمره، وابتعدوا عنه مخافة العدوى، فأصبح يصيح وحده بأعلى صوته ويقول: واا ذلا، أغدةٌ كغدة البعير؟ وميتة في بيت سلولية؟ لا واللات هذا لا يكون، فلما مات خافوا من دفنه وأن ينتقل الطاعون إليهم، فأعطوا المراة دراهم تعويض عن بيتها، وهدموه على جثته، ثم أرتحل أربد مع الخادم حتى اذا وصل، قالوا: ما ورائك يا أربد؟ قال: لا شيء لقد دعانا محمد لعبادة شيء لا نعرفه، فطلبنا منه أن يرنا أياه، فلم يرينا فكيف نعبد من لا نرى ولا نعرف، وليت إله محمد يبرز أمامي الآن فأمطره نبالي، واخبرهم كيف مات عامر، فامضى أربد يومه وليلته، فلما كان اليوم الثاني خرج على بعير له يريد أن يتفقد غنمه وإبله ورعاته، وكان الطقس حاراً قائظاً، فلما ابتعد عن قومه، تكونت سحابة في السماء وخرجت منها صاعقة فأخذت قحف رأس أربد وبعيره فسقط هو وبعيره ميتان، فلما رأى قومه ذلك اجمعوا امرهم ان يرسلوا وفدا ليدخلوا في دين الله جميعا، فلما قدم الوفد الى المدينة، وحدثوا النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث أصحابه قبل ان يأتي وفدهم بما حصل، فقال: (انزل الله علي في شأن عامر بن الطفيل وصاحبه قرآن)، ثم تلى آيات من سورة الرعد: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ، هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}.
وفد نصارى نجران واسلامهم: كان من أهم الوفود التي قدمت المدينة، ونجران هي بلد كبيرة في جنوب الجزيرة العربية، وجُل أهلها من النصارى وولائهم للروم، وكان صلى الله عليه وسلم قد أرسل اليهم كتاباً يدعوهم فيه الى الإسلام، فان ابو فدفع الجزية فلما وصلهم الكتاب قرروا أن يرسلوا وفدا رسميا لمجادلة النبي، وكان ستون رجلا وامرأة وصبيا، منهم اربعة عشر رجلا من وجهائهم يرئسهم ثلاثة من رجال الدين تحت اسماء كانوا يقدسونها، العاقب هو صاحب المرتبة العلية واسمه عبد المسيح وهو من كندى، ثم بعده يأتي الأسقف ثم السيد، فوصل الوفد عند العصر، فخلعوا ثياب السفر وبدلوها ولبسوا الحرير والذهب حتى يبهروا المسلمين وتوشحوا بالصلبان مستعدين لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة رسمية، فرحب بهم النبي ترحيب خير مضاف لخير ضيف وادخلهم الى المسجد وأمر أصحابه على الفور ان يضربوا لهم قبةً في جانب المسجد، وأذن لهم ان يدخلوا بصبيانهم ونسائهم، وأن يمارسوا حريتهم كأنهم في منازلهم، وعندما دخلوا كانت صلاة العصر، فقام المسلمون يصلون، وقام الوفد يصلي صلاته في المسجد فأخذوا يرددون تراتيلهم ورفعوا الأصنام واستقبلوا بيت المقدس فأراد الناس منعهم، ولكن النبي قال: (دعوهم)، وترك لهم حرية ان يختاروا وقت جلوسهم مع النبي والحديث معه، وكانوا يحملون الهدايا للنبي، فبدءوا بتقديمها فكان في الهدايا الثياب والبسط وبعض متاع بلادهم، والجلود المدبوغة فأستعرض النبي هداياهم فقبل كل شيء إلا ما فيه نقش الصليب رده بأدب وقال: (هذا لا يتفق مع سلامة العقيدة)، لأن العقيدة واحدة وهي التي أمر الله بها، فهو دين الله قبل أن يخلق آدم، ودين الملائكة ودين الجن ودين آدم، وجميع الانبياء والرسل الذي انزله الله عليهم جميعاً، فاليهود هم الذين ادخلوا دسيست التحريف على النصارى لذلك وصفهم الله بالقرآن {المغضوب عليهم} لأنهم عصوا الله على علم، أما النصارى فوصفهم بالضآلين لأنهم ضُللوا عن الحقيقة وسبب ضلالهم اليهود الذين قال الله فيهم {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}، ان الدين عند الله الاسلام شريعة أبراهيم عليه السلام ثم طورت بشريعة موسى عليه السلام ثم شريعة عيسى عليه السلام وكانت خاتمة الشرائع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كلها من عند الله، وبعد ثلاثة ايام طلبوا من النبي أن يجلسوا إليه ويحدثوه، فكان وفدهم لا يعبر عن الحقيقة، بل جدل طويل واستمر اياماً، فلما رأى النبي جدلهم عقيماً لا يريدون به معرفة الحقيقة، أختصر الطريق عليهم فدعاهم الى الاسلام قال لهم: (فإني ادعوكم ان تدخلوا في دين الله وان تسلموا)، فلم يقبلوه بل قال له اميرهم عبد المسيح الملقب بالعاقب قال: نحن مسلمون قبلك يا محمد فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إنما يمنعكم من الإسلام ثلاثة؛ عبادتكم الصليب وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً)، هنا تمسكوا بالأمر الثالث واكثروا الجدل فيها قالوا: ما لك تشتم صاحبنا؟ وتقول: إنه عبد لله عز وجل، فقال النبي: (أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول)، فقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب، فإن كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فلم يجبهم، وإذا بالوحي يتنزل ليرد عليهم، ورأوا وهم جالسين عند رسول الله صلى الله عليه، صفاته صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه، ثم قرأ عليهم ما أنزل الله عليه فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، فالنصارى لا ينكرون أن آدم قد خلق بلا أب ولا أم، فلما سمعوا كلام الله اخرسوا واحبطوا وقالوا: أجل ولكن بقي جدالهم بأن نسلم أو لا نسلم.
بعد ما رفضوا المباهلة خيرهم بين ثلاث واختاروا دفع الجزية، ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران كتاب عهد وذمة وقال فيه بالحرف: (اكتبوا هذه ذمة الله وذمة محمد رسول الله لنصارى نجران) فأنقلب القوم الى قومهم راضين، ليدفعوا الجزية لأبي عبيدة، ثم ما أن وصلوا واخبروا قومهم، فقال لهم قومهم: بئس ما رجعتم به إلينا، علمتم أن محمداً على الحق ورضيتم أن يحكم فينا، ولم تتبعوه ولم تصدقوه، فضاج القوم على قادتهم، ثم رجعوا جميعاً الى للنبي مسلمين، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. لأن أهل الكتاب أهل جدل لا طلاب حق. ومن شواهد هذا الجدل، عندما كان علي بن ابي طالب رضي الله عنه اميراً للمؤمنين في العراق، قام بتعيين قاضي ليقضي بين المسلمين، فجاء يهودي لئيم وتنكب خفيتا رحل أمير المؤمنين، حتى إذا وجد منه غفلة، أسقط درعه من على راحلته ثم أخذه ومشى، فقال له علي: يا عبد الله هذا درعي، فقال اليهود: لا يا امير المؤمنين بل هذا درعي، قال: ويلك سقط من على رحلي، قال اليهودي: لا إنه درعي فرفع أمير المؤمنين الأمر الى القاضي، فجاء أمير المؤمنين وجلس وتأخر اليهودي فلما دخل قال القاضي: يا أمير المؤمنين قم وقف الى جانب خصمك، فوقف علي جنب اليهودي مقابل القاضي، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين هل هنالك بينة بأن هذا الدرع لك؟ قال: ليس لي من بينة، قال القاضي: فهل عندك شهود بأن هذا اليهودي اسقطه من رحلك وأحتمله؟ قال: لا، فقال القاضي لليهودي: هل عندك بينة بان هذا الدرع لك قال اليهودي: لا، قال: فهل عندك شهود؟ قال: نعم، ثم احضر الشهود، فأطرق القاضي وتصبب عرقاً، ثم رفع رأسه، وقال: يا امير المؤمنين، والله إني أعلم أنك صادق لا أتهمك بكذب، وأنا على يقين بأن هذا الدرع هو لك، فإنك لا تفتري، ولكن يا أمير المؤمنين لا استطيع ان احكم إلا بشرع الله، فإما بينة وإما شهود وانت قد اعتذرت عن الاثنتين، ولكن خصمك قد أتى بشهود، وأنا ملزم أن أحكم بمن أتى بشهود فالدرع لليهودي وعوضك الله خير منها، فخرج أمير المؤمنين ولم يعقب ولم يحدث ولم يتكلم بحرف واحد، وخرج اليهودي يحمل الدرع، وهو ينظر الى علي رضي الله عنه ويضحك.
اسلام وفد عبد القيس وطلباتهم: وفد كريم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير قبل أن يفدوا، من قبيلة عبد القيس، يسكنون البحرين، لم يصلهم رسل ولا تهديد ولا جيوش فهم لم يُكرهوا على الاسلام، قيل: أن رجلاً منهم جاء الى مكة وسمع بالإسلام، فأتى الى المدينة فأسلم ولم يعلم به أحد، ثم أنطلق وحينما رأوا أنها قد تغيرت أحواله، رأته زوجته يقوم في الليل يغسل أطرافه ثم يتجه الى جهة معينة ثم يركع ويسجد، فذهبت وأخبرت أباها: إني أنكر حال بعلي منذ أن رجع من أرض الحجاز فإنه يقوم في الليل أو النهار يغسل اطرافه، ثم يتجه الى جهة، ثم يحني ظهره مرتين ويُلبس جبهته التراب، فكلمه ابوها عرف منه الاسلام فقبله ودعى قومه إليه فأسلموا، فجمعوا منهم وفداً فقدموا في عام الوفود قال الصحابة: بينا نحن جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لنا: (سيطلع عليكم من ها هنا ركبٌ، هم خير أهل المشرق لم يُكرهوا على الإسلام، قد أمضوا الركائب وأفنوا الزاد)، فلم يملك نفسه عمر وقال: بأمي انت وأمي ائذن لي أن أستقبلهم على ابواب المدينة؟ وانطلق واستقبلهم وكان عددهم اربعين بين رجال ونساء وصبية، فقال عمر: من القوم؟ فقالوا: عبد القيس من البحرين فقال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى، لقد شهد لكم رسول الله قبل أن تصلوه، ثم سار معهم وهو يرحب بهم حتى إذا كان عند ابواب المسجد قال لهم عمر: ها هنا صاحبكم فترجلوا، فألقوا بأنفسهم من على رواحلهم وهرولوا الى المسجد، وأخذوا يقبلون رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه إلا رجلاً واحداً، ويعرف بأشج عبد القيس، بسبب جرح في وجهه بليغ فنزل عن راحلته بكل هدوء، وجمع رواحل القوم حتى لا تسرح ها هنا، وها هنا، ثم أناخها وعقلها، ثم أخرج ثوبين أبيضين نظيفين ثم غسل وجهه بالماء فذهب عنه غبار السفر، ولبس الثياب النظيفة ودخل المسجد بهدوء وسكينة حتى أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وانكب على رأسه يقبله ويقبل يديه وأخذ الناس ينظرون إليه، وكان رجلاً ليس حسن الهيئة، فلما رآهم مستغربين، قال الاشج: يا رسول الله إنه لا يستسقى بمسوك الرجال وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فنظر إليه النبي نظرة سرور وعلاه الرضى وقال له: (إن فيك يا أشج لخلتين يحبهما الله عزوجل ورسوله، الحلم والأناة، فقال: يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: (جبلك الله عليهما)، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله، فقال النبي يخاطب الوفد: (مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى)، فلما كان يحدثهم نظر في رجل منهم وتفرس فيه أنه غير مسلم وكان اسمه الجارود بن بشر، قال الصحابة: فما راعنا إلا والنبي يرفع رأسه ويقول له: (يا جارود إني ادعوك الى لا اله الا الله محمد رسول الله، فتدخل في دين الله)، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله: (إني أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه، إن الدين عند الله الاسلام فهو دين عيسى وموسى ومحمد والناس أجمعين) فقال: والذي بعثك بالحق، لقد وجدت صفتك التي أرى الآن ونطقك الذي أسمع الآن، في الانجيل كما بشر به ابن البتول عليه السلام وانا اشهد ان لا اله الا الله، وانك محمد خاتم النبيين، وكان الجارود سيد قومه في البحرين فلما عاد اسلم قومه كلهم لم يناقشوه ابداً وكان له أثر طيبٌ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ تسللت الردة الى بعض الأقوام، فلما شم الجارود رضي الله عنه رائحة الردة قد تقع في البحرين وقف وجمع قومه وجدد الشهادة وقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وإن مات فإن الموت حق، الله الحي الذي لا يموت، أما والله من بعث محمداً بالحق، ما أرتد احد منكم عن دينه إلا ضربت عنقه هل رأيتم الذي يصدق الله؟
قال الوفد: يا رسول الله إنا حي من ربيعة، وإنا نأتيك من شقة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمر فصل ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع آمركم: بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت فقال رجل منهم: بأبي انت وامي يا رسول الله وما علمك بالنقير وانت ابن الحجاز؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى انكم حين جلستم بين يدي رفع الله لي بلدكم فنظرت فيها فعلمت كل شيء، صلى الله عليه وسلم ماهو الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت الدباء فكان كل اهل الحجاز ٪لا يعرفونه الدباء: هو القرع اليابس الاصفر يشبه البطيخ يفرغ من داخله ويضعون فيه الماء ثم ينبذون فيه شيء من الزبيب أو التمر أو القطين، ويضعون عليه الماء لان ماء البحرين مالحاً فيحلى الماء، فيشربون منه ماء حلو وبارد ولكن بعضهم يضع هذا الماء فترة طويلة فيصبح مسكرا، الحنتم آنية كبيرة مثل الفخار يصنعونها من تراب معين يعجنونه وتبقى طينته طرية ثم يضعون عليه شيء من الدهان كي لا يرشح منها الماء وكانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة النقير جذع النخل ينقرونه ويفرغونه من الداخل ثم يضعون فيه الخمر؛ والمزفت الوعاء المطلي بالزفت فقال الأشج: يارسول الله إن بلادنا وخمة واذا شربنا الماء مطلقاً عظمة بطوننا ولا يستسقي احد منا فهل رخصة لنا بمثل هذه، وجمع بين كفيه كالذي يقدم حفنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبتسم الى الأشج: (يا أشج إني أن رخصت لكم في مثل هذه، شربتم في مثل هذه، وفرد يديه حتى إذا قعدتم وشربتم، وثملة العروق قام احدكم يتفاخر، فقام إليه ابن عمه فلطم ساقه بالسيف فجعله أعرج)، فصاح القوم جميعا نشهد أنك لرسول الله فقام المضروب ساقه وكان مع الوفد ورفع الثوب عن ساقه وقال: اشهد انك رسول الله والله قد فعلت هذا، فقام ابن عمي وضرب ساقي بالسيف، وها انا اعرج عليها يا رسول الله، وهكذا كان وفد عبد القيس من افضل الوفود واطيبها.
وفد بني حنيفة: جاء من اليمامة من جهة اليمن، وكان صاحب الكلمة فيهم مسيلمة بن حبيب، ولم يكن يعرف بالكذاب وكان نصرانياً، واقام في القدس يتعلم الدين النصراني، وكان هناك اخبار من الرهبان أنهم ينتظرون ظهور نبي تحدث عنه الإنجيل وكان كل واحد منهم يمني نفسه ويرجو أن يكون هو النبي المنتظر، فلما عاد مسيلمة الى اليمامة، وجد أن عدداً كبيراً من نصارى بني حنيفة قد تركوا النصرانية ودخلوا في الإسلام، بما في ذلك الأمير ثمامة الحنفي، واشتكى اليه الرهبان من دخولهم في الإسلام، وكان مسيلمة رجلا متكلماً وشاعراً فأخذ يصنع لقومه الشعر والسجع وأخذ يقول: هذا مثل الذي يقوله محمد، هذا مثل الذي ينزل عليه من السماء، وانا قد أنزل علي ولكن اجمع قومه على أن يأتوا المدينة ويقابلوا النبي كسائر العرب، فلما ذهب وفد الى المدينة، ذهب معهم مسيلمة وهو يرتدي الصليب، وكان وهو قادم في طريقه الى النبي كان يقول لكبار قومه إن أشركني محمد معه في الأمر، وعهد إلي به من بعده آمنت به واتبعته وإلا لن أدخل في دينه ابداً، وكان قرار قومه إذا دخلوا المدينة أن يستروه بالثياب تعظيماً له ووقف رجال من قومه أمامه وخلفه، وعن جانبيه ينتظرون قدوم النبي، وقبل قدوم وفد بني حنيفة راع الصحابة بأن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر له وفد اليمامة، صنع شيئاً لم يصنعه من قبل عند استقبال اي وفد، جاء الى نخلة فأخذ بيده منها عرق ليس فيه إلا ورقة واحدة ومضى ومعه عدد قليل من اصحابه فلما أقبل عليهم النبي رحب بهم وسلم، فرفعوا الحجاب من الثياب عن رأس مسيلمة وافسح قومه له المجلس حتى يجلس ويكون هو المتكلم فيهم، فبدأ النبي بالحديث قبل ان يتكلموا على غير عادته، وقال:(والله يا مسيلمة لإن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك وإني لأراك الذي أوريته في نومي، ولن تعدوا أمر الله فيك)، ثم صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عنه، وذهل الصحابة وقالوا: يا رسول الله مالذي أوريته؟ فلما قال له النبي ذلك اضطر الوفد ان يقتربوا من بعضهم كي يتشاورا، والتفت الصحابة الى النبي صلى الله عليه وسلم يسألوه قالوا يارسول الله مالذي أوريته؟ قال: (بينما أنا نائم أوريت في يدي سوارين من ذهب وأهمني شأنهما فأوحي إلي وأنا نائم، أن انفخهما فنفختهما فطارا من يدي)، فقال له الصحابة: فبما أولتهما يا رسول الله، قال: (بكذابان يخرجان في الأمة هذا أحدهما)، وقد سمع الشقي كلام النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يشير إليه ويقول عنه كذاب، فالكفر عناد فلما سمع قومه كلام النبي صلى الله عليه وسلم اتعظوا واسلموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، فأعلن مسيلمة اسلامه نفاقاً وبقي يكتم ما يريد في قلبه، ففقهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدين وعلمهم القرآن ثم أذن لهم وانطلقوا راجعين الى بلادهم قال مسيلمة: يا قوم لقد وجد محمد من قريش من يقف معه، فلذلك دخل الناس في دينه واتبعوه، وأنا لم أجد منكم من يقف معي، فكان حالنا كما رأيتم، فأنا اقسم لكم بربكم ورب محمد بأنه يوحى إلي كما يوحى إليه، واشركني الله معه بالأمر، وقسم الارض فكان نصفها لقريش ونصفها الآخر لبني حنيفة، وقالوا له: نحن معك، ثم أرسل رسالة الى النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيها: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، آلا إني أوتيت الأمر معك، فلك نصف الأرض ولي نصفها، ولكن قريشاً قومُ يظلمون، قال الصحابة: فلما قُرأت الرسالة على النبي ضحك وألتفت الى حامليها، وقال لهما: (ما تقولان انتما؟)، قالا: نقول كما يقول صاحبنا قال النبي: (أتشهدان أني رسول الله)، فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال النبي: (آمنت بالله ورسله، أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لأمرت بضرب عنقكما، ولكن الرسل لا تقتل)، فرد عليه النبي برسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فأنقسم قومه الى نصفين، نصف ثبتوا على ايمانهم والآخر مع مسيلمة الكذاب، وحتى يستعطف مؤيديه قال لهم: يكفيكم صلاتين صلاة اول النهار وصلاة في اخر الليل، ولا بأس لكم في شرب الخمر في المناسبات، وقد اسقطت الزكاة عنكم، وانزل علي مثل قرآنه، قال: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة هذا مثل الذي انزل على محمد،_ والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما وهكذا… فأستخفهم فتبعه ناس من قومه، ومنهم نهار بن عنفوة وقيل الرحال كان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب النبي مدة وقد مر عليه رسول الله وهو جالس مع أبي هريرة ومعهم رجل ثالث اسمه فرات بن حيان، فقال النبي: (أحدكم ضرسه في النار مثل أحد)، فلم يزال ابو هريرة وفرات خائفين حتى ارتد الرحال، وحاجه من آمنوا فعلا: يا مسيلمة، محمد قد ظهر على يده خوارق وإن للنبي معجزات وقد سمعنا من امور خارقة من اخبار محمد، قال: ماذا تريدون؟ قالوا: بلغنا أن محمداً، قد بصق في عين أحد أصحابه، بعد أن قُلعت من مكانها في إحدى الغزوات، قال: أحضروا لي رجل أعور، فأحضروه، فبصق في عينهِ من أجلِ ان يُشفى فعمي، فضحكوا عليه قال: هاتوا غيرها، قالوا: بلغنا أن محمداً، جاء الى بئر ماء مالح وقليل لا يسقي الظمأن، فبصق فيه فكثر الماء وامتلئ البئر على الفور. فذهبوا إلى بئر فيه ماءٌ قليل ، فبصق فيه مسيلمة فجف الماءُ على الفور، فانفض عنه ثلثي من تبعه، ومع ذلك اصر على كفره وأنه نبي يوحى إليه، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثار على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهزم في معركة اليمامة، بقيادة سيف الله المسلول خالد، وقتل على يد وحشي، والكذاب الثاني كان الأسود العنسي، وكان يقيم في صنعاء، ادعى النبوة فقتله قومه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في يومين، وارسلوا بخبره الى النبي فوصل الخبر صبيحة دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وأراح الله الأمة منهما.
دخول الاسلام الى اليمن: كان اسلام أهلها على مراحل، لم يكن اليمن قبل الإسلام دولة لها قيادة موحدة، وانما كانت مجموعة من القبائل تتقاتل مع بعضها البعض وتتناحر، وكانت صنعاء وعدن وما حولهما تابعة للحكم الفارسي، ونصارى نجران تابعة للحكم الروماني، فدخل الاسلام بالتدريج بالدعوة السلمية وعن طريق السرايا والبعوث التي كان يرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت المرحلة الأولى: اسلام أفراد من قبائل مختلفة، مثل أبي موسى الأشعري من قبيلة الأشاعرة، والطفيل بن عمرو من دوس، وقيس بن نمط من همدان ونشط هؤلاء للدعوة الى الاسلام في قبائلهم.
المرحلة الثانية: اسلام باذان الذي عينه كسرى عاملا على اليمن، وكان يحكم صنعاء وعدن وما حولهما، وأسلم كل الفرس تقريبا التي في اليمن، وذلك في السنة السادسة، ومات بعد ذلك، وتولى الأمر بعده ابنه شهر بن باذان، وفي عهده ظهر الأسود العنسي الذي ادعى النبوة، وأسمه عبهلة بن كعب وقد سمي بالأسود لأنه أسود اللون والعنسي نسبة الى قيبلة عنس، وكان سيدا على بعض قبائل اليمن، قوي البنية، حلو اللسان، ويغطي وجهه بخمار، لذلك كان يلقب بذو الخمار، وكان مشعوذا وساحرا يستخدمه لإقناع أتباعه، فأعلن العصيان على النبي، وكان ذلك في محرم من السنة الحادية عشر من الهجرة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين فقط، وتبعته كثير من قبائل اليمن تعصبا، استولى على نجران ثم سار الى صنعاء ومعه سبع مئة مقاتل فخرج اليه شهر بن باذان ملك اليمن المسلم وتقاتلا، فغلبه الأسود العنسي وقتله، وتزوج من امرأته آزاد، وعين ابن عمها فيروز الديلمي عاملا له على الفرس في اليمن، وأصبحت أغلب مناطق اليمن تحت حكمه لمدة خمسة وعشرين يوم فقط، وقد اقنع قومه أنه نبي يوحى إليه وارتد خلق كثير من اليمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الى المسلمين في اليمن يأمرهم بقتال العنسي، فاتفق فيروز مع بنت عمه آزاد على قتل الأسود العنسي، فسقته الخمر حتى نام، ودخل فيروز فقتله وسمع الحراس صراخه، وكان على بابه ألف حارس، وسألوا عما يحدث فأجابتهم آزاد زوجته: النبي يوحى اليه ثم أذن المسلمون في صنعاء لصلاة الفجر وأعلنوا الخبر، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث عن طريق الوحي، فقال لصحابته: (لقد قتل الأسود العنسي الكذاب)، قالوا: من قتله يارسول الله؟ قال: (قتله العبد الصالح فيروز الديلمي)، وكان مقتله قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام فلما وصل خبر مقتله للمدينة كان الصحابة مشغولون بدفن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد عمر بن الخطاب جعل فيروز والي على بعض اليمن، ثم أرسل اليه عمر حتى يقدم عليه الى المدينة المنورة فلما جاء واراد أن يدخل على عمر زاحمه على الباب ناس من قريش، فضرب فيروز شاب من قريش على انفه فدخل الرجل على عمر وأنفه تسيل منها الدماء، واشتكى الشاب الى عمر فقال عمر: ماهذا يا فيروز؟ فقال: يا أمير المؤمنين لقد كتبت إلي، ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول، ولم تأذن له فقال: القصاص فجلس فيروز على ركبيته وقام الفتى القرشي ليقتص منه فقال عمر: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفتى: مالذي سمعته من رسول الله يا امير المؤمنين فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لقد قتل الأسود العنسي الكذاب قتله العبد الصالح فيروز الديلمي ثم نظر عمر للفتى يسأله: أفتراك مقتصا منه بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكى الفتى وقال: قد عفوت عنه، قد عفوت عنه يا اميرا المؤمنين فصاح فيروز: أشهدك يا أمير المؤمنين أن سيفي وفرسي وثلاثين الف من مالي هو هبة له فقَالَ عمر للفتى: عفوت مأجورا يا أخا قريش، وأخذت مالاً.
المرحلة الثالثه اسلام قبيلة حمير، وهي أعظم القوى القَبَلية في اليمن وأعرقها، فقد أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من رسول، حتى أسلم أهل حمير وملوك حمير، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة بعد تبوك وهل تعلمون أن قبيلة حميرية تعيش الى يومنا هذا الحياة البدائية بعيدة عن الحضار،
المرحلة الرابعة: نصارى نجران فقد أقروا بدفع الجزية، ثم جاء وفد منهم بعد ذلك واسلموا.
المرحلة الخامسة: همدان ارسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم علي وعمَّمه بيديه صلى الله عليه وسلم وعقد له لواء ووضع عليه قطعة من عمامته صلى الله عليه وسلم وأمر ان يكتب كتاب لعلي رسالة لأهل همدان وقال له: (انطلق يا علي الى اهل اليمن واقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ الله يثبت لسانك، ويهدي قلبك، وإن الناس سيتقاضون إليك فإن أتاك الخصمان فلا تقضي لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق)، أنطلق ومعه مئة وخمسين رجلا من اصحاب النبي فلما نزل بساحتهم، وأتتهم الأخبار بأن رسول محمد من المدينة قد أقبل ومعه جيش جمعوا له الجموع واعدوا له الجيش، وأراد الصحابة ان يستعدوا للقتال فقال لهم علي رضي الله عنه وأرضاه: على رسلكم، ننفذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم يأمرني ان اقرأ رسالته عليهم؟ قالوا: بلى ولكنهم استعدوا لقتالنا فقال: ونحن قد استعددنا لهم بوحي الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فتقدم إليهم علي وحده ليس معه أحد، ولم يسل سيفاً ولم يحمل ترساً فلما تقدم منهم أخرج الرسالة وقرأها عليهم فعندما أتم القراءة، تفاجئ الصحابة بأن كل همدان وعلى قلب رجل واحد وبلسان واحد يصيحون بأعلى صوتهم نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأسلمت همدان كلها في ساعة واحدة، ثم استقبلوا علي رضي الله عنه خير استقبال هو واصحابه، واخذ علي يعلمهم الدين ويقرأ عليهم القرآن، ثم جاءت الخصوم إليه يتقاضون إليه، فيقضي بينهم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم يسمع من الطرفين ويقضي يقول الصحابة: كان علي أقضى اصحاب رسول الله، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اذا دعى له يوماً فقال: (اللهم وفقه للقضاء)، وهكذا اسلمت همدان وجاء وفد منهم الى المدينة ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة وقبل ان يصلوا الى المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه مخبراً عن اهل اليمن: (أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، هذه شهادة نبينا صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن لمن اتبع سنته واهتدى بهديه، من جهة أخرى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدة سرايا الى بعض القبائل اليمنية التي لم تستجب لدعوة الإسلام فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الطفيل بن عمرو الى قبيلة دوس وأرسل سرية بقيادة خالد بن سعيد بن العاص وسرية بقيادة خالد بن الوليد وسريتين بقيادة علي بن ابي طالب وهكذا عندما جائت السنةالعاشرة كان جميع أهل اليمن قد دخلوا في الاسلام، فارسل اليهم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، وابا موسى الأشعري وكانت مهمتم أن يتوليا قيادة اليمن وقسم لهم النبي صلى الله عليه وسلم اليمن الى قسمين كبيرين قسم تولى قيادته معاذ بن جبل رضي الله عنه وقسم تولى قيادته ابا موسى الاشعري رضي الله عنه عرف كل قسم بالمخلاف، ووصى النبي صلى الله عليه وسلم عاملاه وقال لهما: (يسرا وبشرا ولا تنفرا)، ثم ألتفت الى معاذ وقال وهو يودعه: (يا معاذ عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري)، فبكى معاذ جزعا لفراق النبي صلى الله عليه وسلم.
باب عام الوفود الى المدينة المنورة:
اسلام عروة بن مسعود الثقفي
في عام الوفود شهدت المدينة حضور مكثفا للوفود من كل أنحاء الجزيرة العربية، زادت عن ستين وفداً، فجائت الى المدينة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما شاهدت قوة الدولة الإسلامية، ومن الوفود جاء مقتنعا بالإسلام والبعض جاء خوفا وطمعا في الدولة الإسلامية الناشئة القوية، وكان أول هذه الوفود قدوماً وأهمها من ناحية الأثر وفد ثقيف، وهي أكبر بطون قبيلة هوازن، وأشهرها، وكانت شبه مستقلة عن هوازن وتسكن مدينة الطائف على بعد حوالى مئة كم جنوب شرق مكة، وهي المدينة الثانية في بعد مكة، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي وهو أكبر زعماء الطائف، وأسلم بين يدي النبي وقال عنه النبي: (أنه يشبه المسيح عيسى عليه السلام) ثم سأل عروة النبي أن يرجع الى قومه بالإسلام، فقال له: (إن فعلت فانهم قاتلوك) فقال: يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبصارهم فعاد، وأظهر اسلامه ودعا قومه الى الإسلام، ولكنهم رفضوا وسبوه وأغلظوا له القول وفي فجر اليوم التالي، صعد عروة على سطح منزله وأذن للصلاة، فخرج أحد الرجال ورماه بسهم فوقع على الأرض، وقال له أهله: ما ترى في دمك؟ فقال عروة: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ فلما بلغ النبي قال: (مثلُ عروة في قومه مثلُ صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه)، فكانت ثقيف في وضع لا تحسد عليه: بسبب هزيمتها في حنين حتى بعد الحصار لم تجرؤ على الخروج لمواجهة المسلمين، ونسائهم وأبنائهم وأموالهم كانت في أيدي المسلمين. وأسلام جميع القبائل حتى بطون هوازن نفسها، والتي ثقيف أحد بطونها. واسلام عروة بن مسعود ومقتله كان حدثا جليلا ومزلزلا. ولأن قائد جيش هوازن مالك بن عوف النصري أسلم وكلفه النبي بحصار الطائف، فضيق ذلك عليهم بشدة،
فلما كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه ووقعت عدة معارك كراً وفراً بين قريش والمسلمين، أخذت العرب ترقبُ مصير قريش مع هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا بنتيجة قالوا: إن يكن محمد غير صادق فلن يسلم إذا اعتدى على قريش أو حاول فتح مكة وإن يكن صادقاً وفتحها وظهر على قريش يكن نبياّ حقاً وصدقا، فلما تم فتح مكة وتبعها غزوة تبوك أخذت العرب تفد الى المدينة ليلاّ ونهاراً يدخلون في دين الله، وقد زادت عن ستين وفدا، وقيل أنها وصلت الى مئة وفد، فبعض هذه القبائل جاء الى المدينة مقتنعا بالإسلام، والبعض جاء خوفا وطمعا، وكانت هذه الوفود تختلف أعدادها، فقد تكون عشرة أفراد أو أكثر أو أقل، وتمكث في المدينة بضعة أيام، ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل، فكانت تتعلم في هذه الأيام أصول العقائد والصلاة والفرائض. ومنها وفود خير كانت تريد وجه الله حقاً، وأخرى طلاب دنيا، وظنوا ان بعثة النبي فيها شيء من الزعامة فهم طلاب كراسي.
يتبع أن شاء الله بعض هذه الوفود.
وفد ثقيف وهدم صنمها
:وصل وفدها المكون من ستة أشخاص على رأسهم عبد ياليل بن مسعود، وأول من رآهم المغيرة بن شعبة، وكان يرعى الابل خارج المدينة، نهض مسرعا فلقيه أبو بكر الصديق وأخبره بقدوم ثقيف فقال أبو بكر: أقسمت عليك بالله لا تسبقني الى رسول الله، حتى أكون أنا من يحدثه، فذهب أبو بكر وبشر النبي، ثم ذهب اليهم المغيرة بن شعبة وعلمهم كيف يحيون النبي، فلما دخلوا لم يحيوه كما علمهم المغيرة، وانما حيوه بتحية الجاهلية، استقبل النبي الوفد استقبالاً طيباً يليق بنبي كريم ولم يذكرهم بشيء من الماضي، وأمر أن تضرب لهم خيمة في المسجد، أرق لقلوبهم، ويستمعوا الى حديث النبي ويشاهدوا أحوال المسلمين، ويتعلموا الإسلام، ويسمعوا القرآن، فكانوا يمكثون في المسجد، ثم يذهبوا الى رحالهم خارج المدينة وكانت بحراسة عثمان بن أبي العاص، فيتركهم عثمان ويذهب الى النبي ليتعلم على يديه، واذا لم يجد النبي يجلس الى أبي بكر أو أبي بن كعب ويتعلم القرآن وحفظ في هذه الأيام سورة البقرة، ثم أتى الى النبي، وقال: يا رسول الله إن القرآن يتفلت مني، فوضع النبي يده على صدره وقال: (يا شيطان اخرج من صدر عثمان)، قال عثمان: فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه، ثم جاء عثمان الى النبي وقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال له النبي: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا)، وأعجب النبي بعثمان وأحبه ورأى فيه خيرا كثيرا، جاء الوفد بعد ذلك ليسلم ولكنهم أرادوه بشروط معينة، فتحدث زعيمهم وقال: أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ فقال النبي: (هو عليكم حرام، فإن الله عز وجل يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا})، قال: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال النبي: لكم رءوس أموالكم إن الله تعالى يقول: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين})، قال: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ فقال النبي: (إن الله قد حرمها، وقرأ: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون})، ثم طلبوا أن يتم اعفائهم من الصلاة، فرفض النبي وقال: (لا خير في دين لا صلاة فيه)، ثم خلا القوم بعضهم ببعض للتشاور وقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا وقال زعيمهم: نعم، لك ما سألت ثم قال: أرأيت الربة أي صنمهم ماذا نصنع فيها؟ فرد النبي بمنتهى الحزم: (اهدموها)، ففزع الوفد وقال كنانة: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: يا ابن عبد ياليل ما أجهلك، إنما الربة حجر، فقال له: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، فبدؤا يساومون في توقيت هدم صنم اللات، فطلبوا أن يترك اللات ثلاث سنوات، فرفض النبي، فطلبوا تترك سنتين فرفض النبي فقالوا: سنة فرفض النبي، فطلبوا شهراً واحدا فرفض النبي، فقالوا: تول أنت هدمها، فأما نحن لا نهدمها أبدا، فأجابهم النبي وقال: (سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها)، فقالوا: ائذن لنا أن نرحل قبل رسولك ونخبر قومنا، فإنا أعلم بقومنا، فوافقهم النبي، ثم قالوا: يا رسول الله أمر علينا رجلا يؤمنا من قومنا، فأمر عليهم عثمان بن ابي العاص لانه أحرص القوم على تعلم الإسلام، ووجد فيه كفاءة قيادية ورفض النبي أن يؤمر عليهم زعيمهم لعدم اقتناعه بالإسلام، وكان تأمير النبي لعثمان بن ابي العاص وهو شاب صغير يدل على اقتناع النبي بالإمكانيات الهائلة للشباب، انطلق الوفد ولكن بقي عندهم مشكلة، مواجهة قومهم بكل هذا، لعلمهم أن غالبية ثقيف لا تزال ترفض الإسلام، فقال كنانة بن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية، وخوفوهم بالحرب والقتال، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، أن نهدم اللات والعزى، وأن نحرم الخمر والزنى والربا، فلما وصلوا خرجت ثقيف لاستقبالهم، فأظهر الوفد الحزن واتجهوا الى اللات، ثم قالوا لهم: أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا أن نهدم اللات، ونترك الخمر والزنا والربا، وأمرنا بالصلاة فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا فقال لهم الوفد: فتهيئوا للقتال وتعبئوا له ورمموا حصونكمة ومكثت ثقيف يومين، ثم القى الله في قلوبهم الرعب، فجاءوا الى الوفد وقالوا لهم: والله ما لنا به طاقة، وقد داخ له العرب، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، وصالحوه عليه فلما رأى الوفد ذلك قالوا لهم: فإنا قد صالحناه على ذلك، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم قالوا: فلم كتمتمونا هذا الحديث، وغممتمونا أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن يذهب الله عنكم نخوة الشيطان.
أسلمت كل ثقيف، ولم تمضِ الا أيام حتى جاءت السرية التي أرسلها النبي لهدم صنم اللات وبرغم أن ثقيف قد دخلت في الإسلام، الا أن دخول الطائف وهدم صنمها أمر غير مأمون على الإطلاق، ومهمة شديدة الخطورة ولذلك أرسل النبي السرية وأمر عليها القائد خالد بن الوليد، وجعل مع هذه السرية المغيرة بن شعبة وهو من ثقيف، فلا شك أن البطن الذي ينتمي اليه المغيرة بن شعبة من ثقيف هو بطن بني متعب سيقوم بحماية المغيرة وحماية المسلمين، وكما أرسل معهم ايضا أبو سفيان بن حرب، وهذه ايضا اشارة هامة الى أن زعيم الوثنية السابق هو الذي يذهب بنفسه لهدم أشهر أصنام العرب، فلما وصلت هذه السرية اتجهت فورا الى اللات فخرجت كل ثقيف رجالا ونساء وأطفالا وتجمعت تشاهد هذا الحدث، وأغلب ثقيف تعتقد أنهم لن يستطيعوا هدم اللات، فقام المغيرة بن شعبة وقال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف فأخذ المعول، فضرب اللات ضربة، ثم سقط على الأرض وأخذ يحرك جسده ورجليه كالمصروع، فاضطربت كل ثقيف وأخذت تصيح وتقول: قتلته الربة، قتلته الربة وفرحت ثقيف وصاحوا: من شاء منكم فليقترب ويهدمها فوثب المغيرة وهو يقول: قبحكم الله يا معشر ثقيف، انما هي حجارة لا تضر ولا تنفع، فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم قام المغيرة وقام معه المسلمون فهدموا اللات عن آخرها ثم قال السادن: إن هدموا الأساس ليخسفن بهم فسمع المغيرة ذلك فقال لخالد دعني أحفر أساسها، فحفر أساسها واسقط في يد ثقيف وبهتت، وحسن بعد ذلك اسلامها ولم ترتد عنه كما ارتدت بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه ثقيف التي كانت في أول الدعوة كلها ضد النبي، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا كان الله معك، يسخر لك أعداءك ليخدموك، وإذا كان الله عليك، سمح لأتفه بشر أن يتطاول عليك هل رأيتم وعد الله، {يُرِيدُونَ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، إنه الله جل في علاه، أقام العباد فيما أراد، وله المراد فيما يريد جل الوحيد الفريد، إنه الله مالك الملك العظيم المتعال، كلنا عبيده وأمرنا في يده، سبحانه وتعالى عما يصفون، أفلح من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفد بنو سعد بن بكر:
أحد بطون هوازن، وفد مبارك ممثلاً بضمام بن ثعلبة فقط، وهو من عقلاء القوم وحكمائهم، وقع الخيار عليه لثقتهم فيه وفي رأيه، فطلب منه أن يحدث النبي ويرى فيه رأيه ثم يأتيهم بالخلاصة، فكان خير وفد وخير وافد، قدم على جمل له وحده ودخل المسجد بجمله، وأناخه وعقله على بابه، ثم دخل المسجد وكان النبي متكئاً على ذراعه اليمنى، قال الصحابة: فدخل ضمام وله دوي لا يفهم قال: أيكم محمد بن عبد المطلب؟ فأستند النبي وقال: (نعم انا بن عبدالمطلب)، قال ضمام: أمحمد؟ فقال النبي: (نعم انا محمد بن عبد المطلب)، تقدم ضمام الى النبي وقال: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي: (قد أجبتك)، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال النبي: (سل عما بدا لك فإني لا أجد إن شاء الله تعالى)، قال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال النبي: (صدق)، قال: فمن خلق السماء؟ قال النبي: (الله)، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: (الله)، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: (الله)، قال: اناشدك الله الذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال إلهك وإله ابائك وإله من كائنٌ بعدك، آلله أرسلك إلينا رسولا؟ قال: (اللهم نعم)، قال: زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في اموالنا، تؤخذ من اغنيائنا فتقسم في فقرائنا، قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: (صدقك)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: (اللهم نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: (صدق)، ثم قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيء من القران، فلما انتهى قال ضمام: آمنت بما جئت به، وإني اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وانك يا محمد رسول الله، فوالذي بعثك بالحق وانقذنا بك من الضلالة الى الهدى، لن ازيد عن ما سمعت منك ولا انقص منهن شيء، وأنا ضمام بن ثعلبة وانا رسول من ورائي من قومي إليك، من بني سعد بن بكر، ثم ولى ضمام ورجع الى قومه مسرعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد فقه الرجل، ولئن صدق ليدخلن الجنة)، وصل ضمام الى قومه، فقال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام، اتقِ البرص والجذام والجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، ولا يزال بقومه، حتى أسلموا جميعا رجالا ونساءاً في نفس اليوم الذي عاد فيه. فكان خير وافد رضي الله عنه.
وفد الشر ومحاولة قتل النبي:
اجتمع بنو عامر وقالوا: يا عامر ابن طفيل ألا ترى العرب تدخل في دين محمد افواجاً في الليل والنهار؟ فإن نخشى أن يظهر أمره على الجزيرة، فلنأخذ من أمرنا من الآن، فنرى أن تفد إليه واختر من تشاء من الرجال، فأختار أربد بن قيس وآخر يخدمهما، قال: يا أربد إني لا اخشى على نفسي رجل في قومي غيرك، وإني كنت والله أليت على نفسي حتى تتبع العرب كلها عقبي، فاليوم اتبع انا عقب هذا اليتيم من قريش، قم معي ولنا في الطريق حديث وشأن، فأنطلقا وخادمهما، فقال: إني سأفد على محمد، وأنت معي فأكلمه وأشاغله وأصرف وجهه عنك فإذا رأيت أنت الفرصة، فعلوه بالسيف فإذا قتل، فلن يستطيع قومه أن تقاتل العرب فيرضون بالدية فنعقلها لهم وتعود العرب لما كانت عليه، فكانت خطته غدر بالنبي ويتخلص من أربد يقتله أصحاب النبي، ويصبح ملكاً للعرب، ومع ذلك وافقه أربد، فلما قدما تقدم عامر فأخذ يسلم على النبي ويحيه بتحية الجاهلية ويدنو منه وقال: يا محمد خالَّني، فرجع النبي عنه الى الوراء خطوتين، وقال: (لا والله حتى تؤمن بالله وحده)، فأخذ يناقش النبي وهو ينظر الى صاحبه أربد وهو يدور حول النبي، فجعل عامر يخاصم النبي ويجادله، فأخرج سيفه قدر شبر، فيبست يده، وجعل عامر يومىء لأربد، فالتفت النبي ورأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال النبي: (اللهم اكفنيهما بما شئت)، وقال عامر: يا محمد مالي ان أسلمت؟ قال: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم)، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال النبي: (لا ليس ذلك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء)، قال: إذن تملكني الوبر ولا المدر) فقال النبي: (ليس هذا لك ولا لقومك)، فصاح في وجه النبي وقال: أما والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً، وفتيانًا مرداً، ولأربطن في كل نخلة في المدينة فرساً، فقال النبي: (الله يحول بينك وبين ذلك)، فولى وانصرف وهو يرغد ويزبد ويهدد وتبعه صاحبه أربد، واشار النبي لأصحابه بالهدوء فلم يصنع احد منهم معه شيئاً، ثم بسط النبي صلى الله عليه وسلم كفيه للسماء وقال: (اللهم أكفني عامر بن الطفيل بمرض وذلة).
اسلام بنو عامر:
في طريق عودة عامر واربد والخادم، أناخا ليلة في دار امرأة من بني سلول، فعندما نام ساعة نظر إليه أربد وقال: ماهذا؟ وإذا بعنقه من الأمام غدة كغدة البعير وأصبح لا يستطيع أن يتحرك فأضطر أن يقيم يوم ويومين وثلاث ليتدبر أمره، وابتعدوا عنه مخافة العدوى، فأصبح يصيح وحده بأعلى صوته ويقول: واا ذلا، أغدةٌ كغدة البعير؟ وميتة في بيت سلولية؟ لا واللات هذا لا يكون، فلما مات خافوا من دفنه وأن ينتقل الطاعون إليهم، فأعطوا المراة دراهم تعويض عن بيتها، وهدموه على جثته، ثم أرتحل أربد مع الخادم حتى اذا وصل، قالوا: ما ورائك يا أربد؟ قال: لا شيء لقد دعانا محمد لعبادة شيء لا نعرفه، فطلبنا منه أن يرنا أياه، فلم يرينا فكيف نعبد من لا نرى ولا نعرف، وليت إله محمد يبرز أمامي الآن فأمطره نبالي، واخبرهم كيف مات عامر، فامضى أربد يومه وليلته، فلما كان اليوم الثاني خرج على بعير له يريد أن يتفقد غنمه وإبله ورعاته، وكان الطقس حاراً قائظاً، فلما ابتعد عن قومه، تكونت سحابة في السماء وخرجت منها صاعقة فأخذت قحف رأس أربد وبعيره فسقط هو وبعيره ميتان، فلما رأى قومه ذلك اجمعوا امرهم ان يرسلوا وفدا ليدخلوا في دين الله جميعا، فلما قدم الوفد الى المدينة، وحدثوا النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث أصحابه قبل ان يأتي وفدهم بما حصل، فقال: (انزل الله علي في شأن عامر بن الطفيل وصاحبه قرآن)، ثم تلى آيات من سورة الرعد: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ، هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}.
وفد نصارى نجران واسلامهم:
كان من أهم الوفود التي قدمت المدينة، ونجران هي بلد كبيرة في جنوب الجزيرة العربية، وجُل أهلها من النصارى وولائهم للروم، وكان صلى الله عليه وسلم قد أرسل اليهم كتاباً يدعوهم فيه الى الإسلام، فان ابو فدفع الجزية فلما وصلهم الكتاب قرروا أن يرسلوا وفدا رسميا لمجادلة النبي، وكان ستون رجلا وامرأة وصبيا، منهم اربعة عشر رجلا من وجهائهم يرئسهم ثلاثة من رجال الدين تحت اسماء كانوا يقدسونها، العاقب هو صاحب المرتبة العلية واسمه عبد المسيح وهو من كندى، ثم بعده يأتي الأسقف ثم السيد، فوصل الوفد عند العصر، فخلعوا ثياب السفر وبدلوها ولبسوا الحرير والذهب حتى يبهروا المسلمين وتوشحوا بالصلبان مستعدين لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة رسمية، فرحب بهم النبي ترحيب خير مضاف لخير ضيف وادخلهم الى المسجد وأمر أصحابه على الفور ان يضربوا لهم قبةً في جانب المسجد، وأذن لهم ان يدخلوا بصبيانهم ونسائهم، وأن يمارسوا حريتهم كأنهم في منازلهم، وعندما دخلوا كانت صلاة العصر، فقام المسلمون يصلون، وقام الوفد يصلي صلاته في المسجد فأخذوا يرددون تراتيلهم ورفعوا الأصنام واستقبلوا بيت المقدس فأراد الناس منعهم، ولكن النبي قال: (دعوهم)، وترك لهم حرية ان يختاروا وقت جلوسهم مع النبي والحديث معه، وكانوا يحملون الهدايا للنبي، فبدءوا بتقديمها فكان في الهدايا الثياب والبسط وبعض متاع بلادهم، والجلود المدبوغة فأستعرض النبي هداياهم فقبل كل شيء إلا ما فيه نقش الصليب رده بأدب وقال: (هذا لا يتفق مع سلامة العقيدة)، لأن العقيدة واحدة وهي التي أمر الله بها، فهو دين الله قبل أن يخلق آدم، ودين الملائكة ودين الجن ودين آدم، وجميع الانبياء والرسل الذي انزله الله عليهم جميعاً، فاليهود هم الذين ادخلوا دسيست التحريف على النصارى
لذلك وصفهم الله بالقرآن {المغضوب عليهم} لأنهم عصوا الله على علم، أما النصارى فوصفهم بالضآلين لأنهم ضُللوا عن الحقيقة وسبب ضلالهم اليهود الذين قال الله فيهم {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}، ان الدين عند الله الاسلام شريعة أبراهيم عليه السلام ثم طورت بشريعة موسى عليه السلام ثم شريعة عيسى عليه السلام وكانت خاتمة الشرائع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كلها من عند الله، وبعد ثلاثة ايام طلبوا من النبي أن يجلسوا إليه ويحدثوه، فكان وفدهم لا يعبر عن الحقيقة، بل جدل طويل واستمر اياماً، فلما رأى النبي جدلهم عقيماً لا يريدون به معرفة الحقيقة، أختصر الطريق عليهم فدعاهم الى الاسلام قال لهم: (فإني ادعوكم ان تدخلوا في دين الله وان تسلموا)، فلم يقبلوه بل قال له اميرهم عبد المسيح الملقب بالعاقب قال: نحن مسلمون قبلك يا محمد فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إنما يمنعكم من الإسلام ثلاثة؛ عبادتكم الصليب وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً)، هنا تمسكوا بالأمر الثالث واكثروا الجدل فيها قالوا: ما لك تشتم صاحبنا؟ وتقول: إنه عبد لله عز وجل، فقال النبي: (أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول)، فقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب، فإن كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فلم يجبهم، وإذا بالوحي يتنزل ليرد عليهم، ورأوا وهم جالسين عند رسول الله صلى الله عليه، صفاته صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه، ثم قرأ عليهم ما أنزل الله عليه فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، فالنصارى لا ينكرون أن آدم قد خلق بلا أب ولا أم، فلما سمعوا كلام الله اخرسوا واحبطوا وقالوا: أجل ولكن بقي جدالهم بأن نسلم أو لا نسلم.
استمر جدالهم الى ان طلب النبي الابتهال الى الله، فقالوا: نعم نباهلك ولكن متى؟ فقال النبي: (غداً إذا ارتفعت الشمس)، قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، فغاب عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بقية اليوم وتلك الليلة ولم يكلمهم، وخرج اليهم في اليوم الثاني عند شروق الشمس، وعلى يمينه علي وعلى شماله للوراء قليلا فاطمة وابناءها يجريان بين يديه، وأقبل على القوم، فنظر كبيرهم العاقب لصاحبيه وقال: ويلٌ لكم أتباهلون محمداً؟ وقد خرج إليكم بهذه الوجوه، والذي بعث موسى وعيسى، لقد خرج إليكم محمد بوجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال الرواسي لأزالها، ألا ترون نورهم يسعى بين أيديهم، كفو عن مباهلته، ثم دخلوا للخيمة وقالوا لقومهم: وربِ موسى وعيسى، لو باهلتم محمد اليوم ودعى عليكم بمن معه، فلن يبقى لكم مالٌ ولا ولد، ثم خرج ثلاثتهم الى النبي وقالوا: لا يا محمد معذرة، إن الذي تعجل إليك بالأمر، وقال نعم نباهل، هم عامتنا وأمرهم إلينا فنحن رجال الدين فيهم فنحن لا نريد مباهلتك، ولكن نريدك أن تحكم فينا دون أن ندخل بالاسلام، فبأي شي تحكم فأمرك مطاع، فقال النبي: (أعرض عليكم واحدة من ثلاث إما الاسلام وإما ان تعطوا الجزية كما نص القرآن، وإما الحرب بيننا وبينكم)، فقالوا: نعطيك الجزية ونرجع الى قومنا على ديننا، ولكن ابعث معنا رجل من اصحابك يكون أمين حق أمين يستوفي منا الجزية، ويقضي فينا فيما يقع بيننا من شجار فقال النبي: (أجل سأبعث معكم رجل أمين حق امين)، قال الصحابة: فوالله ما منا احد إلا واستشرف لها فقال: (قم يا ابا عبيدة)، فوقف ابو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، فقال النبي: (هذا أمين هذه الأمة، أمضي معهم يا ابا عبيدة فأقضي في ما بينهم وأستلم منهم جزيتهم في كل عام)، ثم أمر أن يكتب له كتاب آمان، وكانت الجزية أن يدفعوا للمسلمين ألف حلة في شهر صفر، وألف حلة في شهر رجب ومعها ثلاثة آلاف قطعة من سلاح ما بين درع وسيف ولوازم السلاح، وشيء من ذهب، كُتب ذلك في كتاب بالتفصيل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ان يكتب في آخر الكلام هذه ذمة الله، وذمة محمد رسول الله لنصارى نجران، وذمي: يعني صاحب عهد وذمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لمسلم ان يعتدي عليه، هذه حصانة دينية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد ما رفضوا المباهلة خيرهم بين ثلاث واختاروا دفع الجزية، ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران كتاب عهد وذمة وقال فيه بالحرف: (اكتبوا هذه ذمة الله وذمة محمد رسول الله لنصارى نجران) فأنقلب القوم الى قومهم راضين، ليدفعوا الجزية لأبي عبيدة، ثم ما أن وصلوا واخبروا قومهم، فقال لهم قومهم: بئس ما رجعتم به إلينا، علمتم أن محمداً على الحق ورضيتم أن يحكم فينا، ولم تتبعوه ولم تصدقوه، فضاج القوم على قادتهم، ثم رجعوا جميعاً الى للنبي مسلمين، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. لأن أهل الكتاب أهل جدل لا طلاب حق. ومن شواهد هذا الجدل، عندما كان علي بن ابي طالب رضي الله عنه اميراً للمؤمنين في العراق، قام بتعيين قاضي ليقضي بين المسلمين، فجاء يهودي لئيم وتنكب خفيتا رحل أمير المؤمنين، حتى إذا وجد منه غفلة، أسقط درعه من على راحلته ثم أخذه ومشى، فقال له علي: يا عبد الله هذا درعي، فقال اليهود: لا يا امير المؤمنين بل هذا درعي، قال: ويلك سقط من على رحلي، قال اليهودي: لا إنه درعي فرفع أمير المؤمنين الأمر الى القاضي، فجاء أمير المؤمنين وجلس وتأخر اليهودي فلما دخل قال القاضي: يا أمير المؤمنين قم وقف الى جانب خصمك، فوقف علي جنب اليهودي مقابل القاضي، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين هل هنالك بينة بأن هذا الدرع لك؟ قال: ليس لي من بينة، قال القاضي: فهل عندك شهود بأن هذا اليهودي اسقطه من رحلك وأحتمله؟ قال: لا، فقال القاضي لليهودي: هل عندك بينة بان هذا الدرع لك قال اليهودي: لا، قال: فهل عندك شهود؟ قال: نعم، ثم احضر الشهود، فأطرق القاضي وتصبب عرقاً، ثم رفع رأسه، وقال: يا امير المؤمنين، والله إني أعلم أنك صادق لا أتهمك بكذب، وأنا على يقين بأن هذا الدرع هو لك، فإنك لا تفتري، ولكن يا أمير المؤمنين لا استطيع ان احكم إلا بشرع الله، فإما بينة وإما شهود وانت قد اعتذرت عن الاثنتين، ولكن خصمك قد أتى بشهود، وأنا ملزم أن أحكم بمن أتى بشهود فالدرع لليهودي وعوضك الله خير منها، فخرج أمير المؤمنين ولم يعقب ولم يحدث ولم يتكلم بحرف واحد، وخرج اليهودي يحمل الدرع، وهو ينظر الى علي رضي الله عنه ويضحك.
وفد عبد القيس واسلامه:
وفد كريم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير قبل أن يفدوا، من قبيلة عبد القيس، يسكنون البحرين، لم يصلهم رسل ولا تهديد ولا جيوش فهم لم يُكرهوا على الاسلام، قيل: أن رجلاً منهم جاء الى مكة وسمع بالإسلام، فأتى الى المدينة فأسلم ولم يعلم به أحد، ثم أنطلق وحينما رأوا أنها قد تغيرت أحواله، رأته زوجته يقوم في الليل يغسل أطرافه ثم يتجه الى جهة معينة ثم يركع ويسجد، فذهبت وأخبرت أباها: إني أنكر حال بعلي منذ أن رجع من أرض الحجاز فإنه يقوم في الليل أو النهار يغسل اطرافه، ثم يتجه الى جهة، ثم يحني ظهره مرتين ويُلبس جبهته التراب، فكلمه ابوها عرف منه الاسلام فقبله ودعى قومه إليه فأسلموا، فجمعوا منهم وفداً فقدموا في عام الوفود قال الصحابة: بينا نحن جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لنا: (سيطلع عليكم من ها هنا ركبٌ، هم خير أهل المشرق لم يُكرهوا على الإسلام، قد أمضوا الركائب وأفنوا الزاد)، فلم يملك نفسه عمر وقال: بأمي انت وأمي ائذن لي أن أستقبلهم على ابواب المدينة؟ وانطلق واستقبلهم وكان عددهم اربعين بين رجال ونساء وصبية، فقال عمر: من القوم؟ فقالوا: عبد القيس من البحرين فقال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى، لقد شهد لكم رسول الله قبل أن تصلوه، ثم سار معهم وهو يرحب بهم حتى إذا كان عند ابواب المسجد قال لهم عمر: ها هنا صاحبكم فترجلوا، فألقوا بأنفسهم من على رواحلهم وهرولوا الى المسجد، وأخذوا يقبلون رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه إلا رجلاً واحداً، ويعرف بأشج عبد القيس، بسبب جرح في وجهه بليغ فنزل عن راحلته بكل هدوء، وجمع رواحل القوم حتى لا تسرح ها هنا، وها هنا، ثم أناخها وعقلها، ثم أخرج ثوبين أبيضين نظيفين ثم غسل وجهه بالماء فذهب عنه غبار السفر، ولبس الثياب النظيفة ودخل المسجد بهدوء وسكينة حتى أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وانكب على رأسه يقبله ويقبل يديه وأخذ الناس ينظرون إليه، وكان رجلاً ليس حسن الهيئة، فلما رآهم مستغربين، قال الاشج: يا رسول الله إنه لا يستسقى بمسوك الرجال وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فنظر إليه النبي نظرة سرور وعلاه الرضى وقال له: (إن فيك يا أشج لخلتين يحبهما الله عزوجل ورسوله، الحلم والأناة، فقال: يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: (جبلك الله عليهما)، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله، فقال النبي يخاطب الوفد: (مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى)، فلما كان يحدثهم نظر في رجل منهم وتفرس فيه أنه غير مسلم وكان اسمه الجارود بن بشر، قال الصحابة: فما راعنا إلا والنبي يرفع رأسه ويقول له: (يا جارود إني ادعوك الى لا اله الا الله محمد رسول الله، فتدخل في دين الله)، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله: (إني أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه، إن الدين عند الله الاسلام فهو دين عيسى وموسى ومحمد والناس أجمعين) فقال: والذي بعثك بالحق، لقد وجدت صفتك التي أرى الآن ونطقك الذي أسمع الآن، في الانجيل كما بشر به ابن البتول عليه السلام وانا اشهد ان لا اله الا الله، وانك محمد خاتم النبيين، وكان الجارود سيد قومه في البحرين فلما عاد اسلم قومه كلهم لم يناقشوه ابداً وكان له أثر طيبٌ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ تسللت الردة الى بعض الأقوام، فلما شم الجارود رضي الله عنه رائحة الردة قد تقع في البحرين وقف وجمع قومه وجدد الشهادة وقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وإن مات فإن الموت حق، الله الحي الذي لا يموت، أما والله من بعث محمداً بالحق، ما أرتد احد منكم عن دينه إلا ضربت عنقه هل رأيتم الذي يصدق الله؟
قال الوفد: يا رسول الله إنا حي من ربيعة، وإنا نأتيك من شقة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمر فصل ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع آمركم: بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت فقال رجل منهم: بأبي انت وامي يا رسول الله وما علمك بالنقير وانت ابن الحجاز؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى انكم حين جلستم بين يدي رفع الله لي بلدكم فنظرت فيها فعلمت كل شيء، صلى الله عليه وسلم ماهو الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت الدباء فكان كل اهل الحجاز ٪لا يعرفونه الدباء: هو القرع اليابس الاصفر يشبه البطيخ يفرغ من داخله ويضعون فيه الماء ثم ينبذون فيه شيء من الزبيب أو التمر أو القطين، ويضعون عليه الماء لان ماء البحرين مالحاً فيحلى الماء، فيشربون منه ماء حلو وبارد ولكن بعضهم يضع هذا الماء فترة طويلة فيصبح مسكرا، الحنتم آنية كبيرة مثل الفخار يصنعونها من تراب معين يعجنونه وتبقى طينته طرية ثم يضعون عليه شيء من الدهان كي لا يرشح منها الماء وكانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة النقير جذع النخل ينقرونه ويفرغونه من الداخل ثم يضعون فيه الخمر؛ والمزفت الوعاء المطلي بالزفت فقال الأشج: يارسول الله إن بلادنا وخمة واذا شربنا الماء مطلقاً عظمة بطوننا ولا يستسقي احد منا فهل رخصة لنا بمثل هذه، وجمع بين كفيه كالذي يقدم حفنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبتسم الى الأشج: (يا أشج إني أن رخصت لكم في مثل هذه، شربتم في مثل هذه، وفرد يديه حتى إذا قعدتم وشربتم، وثملة العروق قام احدكم يتفاخر، فقام إليه ابن عمه فلطم ساقه بالسيف فجعله أعرج)، فصاح القوم جميعا نشهد أنك لرسول الله فقام المضروب ساقه وكان مع الوفد ورفع الثوب عن ساقه وقال: اشهد انك رسول الله والله قد فعلت هذا، فقام ابن عمي وضرب ساقي بالسيف، وها انا اعرج عليها يا رسول الله، وهكذا كان وفد عبد القيس من افضل الوفود واطيبها.
وفد بني حنيفة
جاء من اليمامة من جهة اليمن، وكان صاحب الكلمة فيهم مسيلمة بن حبيب، ولم يكن يعرف بالكذاب وكان نصرانياً، واقام في القدس يتعلم الدين النصراني، وكان هناك اخبار من الرهبان أنهم ينتظرون ظهور نبي تحدث عنه الإنجيل وكان كل واحد منهم يمني نفسه ويرجو أن يكون هو النبي المنتظر، فلما عاد مسيلمة الى اليمامة، وجد أن عدداً كبيراً من نصارى بني حنيفة قد تركوا النصرانية ودخلوا في الإسلام، بما في ذلك الأمير ثمامة الحنفي، واشتكى اليه الرهبان من دخولهم في الإسلام، وكان مسيلمة رجلا متكلماً وشاعراً فأخذ يصنع لقومه الشعر والسجع وأخذ يقول: هذا مثل الذي يقوله محمد، هذا مثل الذي ينزل عليه من السماء، وانا قد أنزل علي ولكن اجمع قومه على أن يأتوا المدينة ويقابلوا النبي كسائر العرب، فلما ذهب وفد الى المدينة، ذهب معهم مسيلمة وهو يرتدي الصليب، وكان وهو قادم في طريقه الى النبي كان يقول لكبار قومه إن أشركني محمد معه في الأمر، وعهد إلي به من بعده آمنت به واتبعته وإلا لن أدخل في دينه ابداً، وكان قرار قومه إذا دخلوا المدينة أن يستروه بالثياب تعظيماً له ووقف رجال من قومه أمامه وخلفه، وعن جانبيه ينتظرون قدوم النبي، وقبل قدوم وفد بني حنيفة راع الصحابة بأن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر له وفد اليمامة، صنع شيئاً لم يصنعه من قبل عند استقبال اي وفد، جاء الى نخلة فأخذ بيده منها عرق ليس فيه إلا ورقة واحدة ومضى ومعه عدد قليل من اصحابه فلما أقبل عليهم النبي رحب بهم وسلم، فرفعوا الحجاب من الثياب عن رأس مسيلمة وافسح قومه له المجلس حتى يجلس ويكون هو المتكلم فيهم، فبدأ النبي بالحديث قبل ان يتكلموا على غير عادته، وقال:(والله يا مسيلمة لإن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك وإني لأراك الذي أوريته في نومي، ولن تعدوا أمر الله فيك)، ثم صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عنه، وذهل الصحابة وقالوا: يا رسول الله مالذي أوريته؟ فلما قال له النبي ذلك اضطر الوفد ان يقتربوا من بعضهم كي يتشاورا، والتفت الصحابة الى النبي صلى الله عليه وسلم يسألوه قالوا يارسول الله مالذي أوريته؟ قال: (بينما أنا نائم أوريت في يدي سوارين من ذهب وأهمني شأنهما فأوحي إلي وأنا نائم، أن انفخهما فنفختهما فطارا من يدي)، فقال له الصحابة: فبما أولتهما يا رسول الله، قال: (بكذابان يخرجان في الأمة هذا أحدهما)، وقد سمع الشقي كلام النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يشير إليه ويقول عنه كذاب، فالكفر عناد فلما سمع قومه كلام النبي صلى الله عليه وسلم اتعظوا واسلموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، فأعلن مسيلمة اسلامه نفاقاً وبقي يكتم ما يريد في قلبه، ففقهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدين وعلمهم القرآن ثم أذن لهم وانطلقوا راجعين الى بلادهم
في طريق عودة وفد اليمامة
قال مسيلمة: يا قوم لقد وجد محمد من قريش من يقف معه، فلذلك دخل الناس في دينه واتبعوه، وأنا لم أجد منكم من يقف معي، فكان حالنا كما رأيتم، فأنا اقسم لكم بربكم ورب محمد بأنه يوحى إلي كما يوحى إليه، واشركني الله معه بالأمر، وقسم الارض فكان نصفها لقريش ونصفها الآخر لبني حنيفة، وقالوا له: نحن معك، ثم أرسل رسالة الى النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيها: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، آلا إني أوتيت الأمر معك، فلك نصف الأرض ولي نصفها، ولكن قريشاً قومُ يظلمون، قال الصحابة: فلما قُرأت الرسالة على النبي ضحك وألتفت الى حامليها، وقال لهما: (ما تقولان انتما؟)، قالا: نقول كما يقول صاحبنا قال النبي: (أتشهدان أني رسول الله)، فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال النبي: (آمنت بالله ورسله، أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لأمرت بضرب عنقكما، ولكن الرسل لا تقتل)، فرد عليه النبي برسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فأنقسم قومه الى نصفين، نصف ثبتوا على ايمانهم والآخر مع مسيلمة الكذاب، وحتى يستعطف مؤيديه قال لهم: يكفيكم صلاتين صلاة اول النهار وصلاة في اخر الليل، ولا بأس لكم في شرب الخمر في المناسبات، وقد اسقطت الزكاة عنكم، وانزل علي مثل قرآنه، قال: _لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة_ هذا مثل الذي انزل على محمد،_ والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما وهكذا… فأستخفهم فتبعه ناس من قومه، ومنهم نهار بن عنفوة وقيل الرحال كان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب النبي مدة وقد مر عليه رسول الله وهو جالس مع أبي هريرة ومعهم رجل ثالث اسمه فرات بن حيان، فقال النبي: (أحدكم ضرسه في النار مثل أحد)، فلم يزال ابو هريرة وفرات خائفين حتى ارتد الرحال، وحاجه من آمنوا فعلا: يا مسيلمة، محمد قد ظهر على يده خوارق وإن للنبي معجزات وقد سمعنا من امور خارقة من اخبار محمد، قال: ماذا تريدون؟ قالوا: بلغنا أن محمداً، قد بصق في عين أحد أصحابه، بعد أن قُلعت من مكانها في إحدى الغزوات، قال: أحضروا لي رجل أعور، فأحضروه، فبصق في عينهِ من أجلِ ان يُشفى فعمي، فضحكوا عليه قال: هاتوا غيرها، قالوا: بلغنا أن محمداً، جاء الى بئر ماء مالح وقليل لا يسقي الظمأن، فبصق فيه فكثر الماء وامتلئ البئر على الفور. فذهبوا إلى بئر فيه ماءٌ قليل ، فبصق فيه مسيلمة فجف الماءُ على الفور، فانفض عنه ثلثي من تبعه، ومع ذلك اصر على كفره وأنه نبي يوحى إليه، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثار على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهزم في معركة اليمامة، بقيادة سيف الله المسلول خالد، وقتل على يد وحشي، والكذاب الثاني كان الأسود العنسي، وكان يقيم في صنعاء، ادعى النبوة فقتله قومه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في يومين، وارسلوا بخبره الى النبي فوصل الخبر صبيحة دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وأراح الله الأمة منهما.
دخول الاسلام الى اليمن:
كان اسلام أهلها على مراحل، لم يكن اليمن قبل الإسلام دولة لها قيادة موحدة، وانما كانت مجموعة من القبائل تتقاتل مع بعضها البعض وتتناحر، وكانت صنعاء وعدن وما حولهما تابعة للحكم الفارسي، ونصارى نجران تابعة للحكم الروماني، فدخل الاسلام بالتدريج بالدعوة السلمية وعن طريق السرايا والبعوث التي كان يرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت المرحلة الأولى: اسلام أفراد من قبائل مختلفة، مثل أبي موسى الأشعري من قبيلة الأشاعرة، والطفيل بن عمرو من دوس، وقيس بن نمط من همدان ونشط هؤلاء للدعوة الى الاسلام في قبائلهم.
المرحلة الثانية: اسلام باذان الذي عينه كسرى عاملا على اليمن، وكان يحكم صنعاء وعدن وما حولهما، وأسلم كل الفرس تقريبا التي في اليمن، وذلك في السنة السادسة، ومات بعد ذلك، وتولى الأمر بعده ابنه شهر بن باذان، وفي عهده ظهر الأسود العنسي الذي ادعى النبوة، وأسمه عبهلة بن كعب وقد سمي بالأسود لأنه أسود اللون والعنسي نسبة الى قيبلة عنس، وكان سيدا على بعض قبائل اليمن، قوي البنية، حلو اللسان، ويغطي وجهه بخمار، لذلك كان يلقب بذو الخمار، وكان مشعوذا وساحرا يستخدمه لإقناع أتباعه، فأعلن العصيان على النبي، وكان ذلك في محرم من السنة الحادية عشر من الهجرة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين فقط، وتبعته كثير من قبائل اليمن تعصبا، استولى على نجران ثم سار الى صنعاء ومعه سبع مئة مقاتل فخرج اليه شهر بن باذان ملك اليمن المسلم وتقاتلا، فغلبه الأسود العنسي وقتله، وتزوج من امرأته آزاد، وعين ابن عمها فيروز الديلمي عاملا له على الفرس في اليمن، وأصبحت أغلب مناطق اليمن تحت حكمه لمدة خمسة وعشرين يوم فقط، وقد اقنع قومه أنه نبي يوحى إليه وارتد خلق كثير من اليمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الى المسلمين في اليمن يأمرهم بقتال العنسي، فاتفق فيروز مع بنت عمه آزاد على قتل الأسود العنسي، فسقته الخمر حتى نام، ودخل فيروز فقتله وسمع الحراس صراخه، وكان على بابه ألف حارس، وسألوا عما يحدث فأجابتهم آزاد زوجته: النبي يوحى اليه ثم أذن المسلمون في صنعاء لصلاة الفجر وأعلنوا الخبر، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث عن طريق الوحي، فقال لصحابته: (لقد قتل الأسود العنسي الكذاب)، قالوا: من قتله يارسول الله؟ قال: (قتله العبد الصالح فيروز الديلمي)، وكان مقتله قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام فلما وصل خبر مقتله للمدينة كان الصحابة مشغولون بدفن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد عمر بن الخطاب جعل فيروز والي على بعض اليمن، ثم أرسل اليه عمر حتى يقدم عليه الى المدينة المنورة فلما جاء واراد أن يدخل على عمر زاحمه على الباب ناس من قريش، فضرب فيروز شاب من قريش على انفه فدخل الرجل على عمر وأنفه تسيل منها الدماء، واشتكى الشاب الى عمر فقال عمر: ماهذا يا فيروز؟ فقال: يا أمير المؤمنين لقد كتبت إلي، ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول، ولم تأذن له فقال: القصاص فجلس فيروز على ركبيته وقام الفتى القرشي ليقتص منه فقال عمر: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفتى: مالذي سمعته من رسول الله يا امير المؤمنين فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لقد قتل الأسود العنسي الكذاب قتله العبد الصالح فيروز الديلمي ثم نظر عمر للفتى يسأله: أفتراك مقتصا منه بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكى الفتى وقال: قد عفوت عنه، قد عفوت عنه يا اميرا المؤمنين فصاح فيروز: أشهدك يا أمير المؤمنين أن سيفي وفرسي وثلاثين الف من مالي هو هبة له فقَالَ عمر للفتى: عفوت مأجورا يا أخا قريش، وأخذت مالاً.
المرحلة الثالثه اسلام قبيلة حمير، وهي أعظم القوى القَبَلية في اليمن وأعرقها، فقد أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من رسول، حتى أسلم أهل حمير وملوك حمير، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة بعد تبوك وهل تعلمون أن قبيلة حميرية تعيش الى يومنا هذا الحياة البدائية بعيدة عن الحضار،
المرحلة الرابعة: نصارى نجران فقد أقروا بدفع الجزية، ثم جاء وفد منهم بعد ذلك واسلموا.
المرحلة الخامسة: همدان ارسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم علي وعمَّمه بيديه صلى الله عليه وسلم وعقد له لواء ووضع عليه قطعة من عمامته صلى الله عليه وسلم وأمر ان يكتب كتاب لعلي رسالة لأهل همدان وقال له: (انطلق يا علي الى اهل اليمن واقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ الله يثبت لسانك، ويهدي قلبك، وإن الناس سيتقاضون إليك فإن أتاك الخصمان فلا تقضي لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق)، أنطلق ومعه مئة وخمسين رجلا من اصحاب النبي فلما نزل بساحتهم، وأتتهم الأخبار بأن رسول محمد من المدينة قد أقبل ومعه جيش جمعوا له الجموع واعدوا له الجيش، وأراد الصحابة ان يستعدوا للقتال فقال لهم علي رضي الله عنه وأرضاه: على رسلكم، ننفذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم يأمرني ان اقرأ رسالته عليهم؟ قالوا: بلى ولكنهم استعدوا لقتالنا فقال: ونحن قد استعددنا لهم بوحي الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فتقدم إليهم علي وحده ليس معه أحد، ولم يسل سيفاً ولم يحمل ترساً فلما تقدم منهم أخرج الرسالة وقرأها عليهم فعندما أتم القراءة، تفاجئ الصحابة بأن كل همدان وعلى قلب رجل واحد وبلسان واحد يصيحون بأعلى صوتهم نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأسلمت همدان كلها في ساعة واحدة، ثم استقبلوا علي رضي الله عنه خير استقبال هو واصحابه، واخذ علي يعلمهم الدين ويقرأ عليهم القرآن، ثم جاءت الخصوم إليه يتقاضون إليه، فيقضي بينهم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم يسمع من الطرفين ويقضي يقول الصحابة: كان علي أقضى اصحاب رسول الله، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اذا دعى له يوماً فقال: (اللهم وفقه للقضاء)، وهكذا اسلمت همدان وجاء وفد منهم الى المدينة ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة وقبل ان يصلوا الى المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه مخبراً عن اهل اليمن: (أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، هذه شهادة نبينا صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن لمن اتبع سنته واهتدى بهديه، من جهة أخرى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدة سرايا الى بعض القبائل اليمنية التي لم تستجب لدعوة الإسلام فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الطفيل بن عمرو الى قبيلة دوس وأرسل سرية بقيادة خالد بن سعيد بن العاص وسرية بقيادة خالد بن الوليد وسريتين بقيادة علي بن ابي طالب وهكذا عندما جائت السنةالعاشرة كان جميع أهل اليمن قد دخلوا في الاسلام، فارسل اليهم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، وابا موسى الأشعري وكانت مهمتم أن يتوليا قيادة اليمن وقسم لهم النبي صلى الله عليه وسلم اليمن الى قسمين كبيرين قسم تولى قيادته معاذ بن جبل رضي الله عنه وقسم تولى قيادته ابا موسى الاشعري رضي الله عنه عرف كل قسم بالمخلاف، ووصى النبي صلى الله عليه وسلم عاملاه وقال لهما: (يسرا وبشرا ولا تنفرا)، ثم ألتفت الى معاذ وقال وهو يودعه: (يا معاذ عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري)، فبكى معاذ جزعا لفراق النبي صلى الله عليه وسلم.
الباب الثامن:
الفصل الاول:
التجهيز لحجة الوداع: صام صلى الله عليه وسلم رمضان للمرة العشرة في دار الهجرة واعتكف عشرين يوماً، وقرأ له جبريل ما نزل من القرآن مرتين، ولاحظ اصحابه شيئاً لم يشهدوه من قبل وهو تواجد النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في اغلب الساعات، وتكثيفه وعظه وأرشاده، فأستشعروا إنما يودعهم وكأنها اخر سنة من سنين عمره صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابه: (كان اخي جبريل يراجعني القرآن في كل عام مرة أما هذه السنة فقد راجعنيه مرتين)، فلما انصرم رمضان أعلن صلى الله عليه وسلم لأصحابه وارسل الى جميع المسلمين في كافة البلاد أنه خارجاً للحج في هذا العام، فمن أراد أن يشهد الحج مع الرسول صلى الله عليه وسلم فليأتي الى المدينة المنورة، وقد حج مرة واحدة في السنة العاشرة للهجرة، واعتمر اربع مرات، وبعد أن طهرها صلى الله عليه وسلم عام الفتح من الأصنام، أصبحت الكعبة رمزاً لعبادة الله تعالى وحده، وعادت كما طهّرها إبراهيم عليه السلام للطائفين والعاكفين والركع السجود. بدأت الوفود تصل الى المدينة المنورة من كل أنحاء الجزيرة، وضربت لهم الخيام وبلغ عددهم اكثر من مئة وعشرين ألف، لقد امتلأت المدينة وكلهم يريد أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينال شرف الصحبة، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة رقى صلى الله عليه وسلم منبره، وخطب بهم الجمعة ولم يتسع المسجد لهذه الأعداد الهائلة، وأمر النبي رجال خارج المسجد أن يبلغوا الناس عنه، فحثهم على تقوى الله، وأن يعقدوا النية للحج فقال لهم: (من حج فلم يرفث، ولم يسخط، رجع من حجه كيوم ولدته أمه)، وأمر النبي ازواجه ان يتجهزن للحج جميعاً؟ وصلى بالحجيج الظهر من يوم السبت اربع ركعات لا قصر فيها ولا جمع، ودخل الى حجرة امنا عائشة، فأغتسل وتجهز تقول امنا عائشة: فأتيته بالغالية فتطيب وأكثر من الطيب حتى وكأني أنظر الى وبيص المسك في مفرقه قبل عقد نية الأحرام ثم فرق شعره نصفين وألقى نصفه على يمينه ونصفه على شماله صلى الله عليه وسلم، ولبس ثياب الإحرام ثوبين ابيضين، وخرج وأطل على اصحابه واكثر الوفود التي أتت لم تكن رأته من قبل، وكثير من اصحابه لم يراه قبل اليوم محرماً فلما أطل عليهم ضجت المدينة كلها بالصلاة عليه، فحياهم وسلم عليهم ثم ركب ناقته، قال الصحابة: كان الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وبين يديه مد البصر. وكان قد قال صلى الله عليه وسلم: (كنت نبياً وآدم منجدل في طينته بين الروح والجسد)، كان نبياً في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات يتنقل نوره من الأصلاب الطيبة الى الأرحام الطاهرة حتى أستقر في صدفة أمه، فولد نبيا ونشأ صبياً يتيماً وبلغ الحلم نبيا ولكن لم يوحى إليه، فنقول: قبل الوحي وبعد الوحي.
نية احرام النبي: خرج بهم يوم السبت قبل أذان العصر بقليل، فصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين قصراً، وأمر ان تنصب الخيام ويبيت الناس في ذلك المكان يبعد عن المدينة ستة أميال، ليعلم ما لا يعلمه غيره وذلك بفضل ما علمه الله { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}، فصلى بهم المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين، وجاء المخاض أسماء بنت عميس زوجة ابي بكر، ومع ذلك لم تمتنع من الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة، وما هي إلا لحظات حتى جاء الخبر الى ابي بكر لقد ولدت لك ذكراً فسماه محمد، قال ابو بكر: يا رسول الله لقد جاء المخاض لاسماء وولدت، ماذا تصنع اسماء الآن يا رسول الله؟ فقال النبي: (تغتسل ثم تستذفر بثوبٍ سميك وتحرم معنا وتفعل كل ما يفعله الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر)، وحدث مع السيدة عائشة في الطريق بعد ذلك، دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم خيمتها فوجدها تبكي قال: (ما بكِ أنفستي؟)، قالت: أجل يا رسول الله، قال: (وما عليكِ؟ أصنعي كل ما يصنع الحاج، غير أنك لا تطوفين بالبيت)، فبات بهم تلك الليلة ثم صلى بهم الفجر ركعتين، ثم أذنَّ لمن لم يغتسل من الناس، أن يغتسل ويستعد فأغتسلوا واسقطوا شعورهم ولبسوا احرامهم، فكانت هي السنة وبقي الاستعداد والاغتسال في آبار علي عذراً لمن لم يتمكن من ان يغتسل في بيته او المكان الذي هو فيه، فأستعد الناس فأمرهم بصلاة ركعتين منفرده سنة الدخول في الإحرام، وكان عمه العباس رضي الله عنه جهوري الصوت ورجل اخر من الانصار يقفون ويبلغون الناس عنه ما يسمعون، فصلى ركعتين في مكانه وشرع بنيته وهو جالس فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، قالها صلى الله عليه وسلم في مصلاه وهذه هي النية.
وكان صلى الله عليه وسلم قد ساق هديه معه من المدينة، فأشعر وقلد، قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق مئة بدنة وقيل ثلاثة وستين على عدد سنين عمره ساقها بين يديه فجاء علي بن ابي طالب رضي الله عنه من اليمن ببقيتها فأصبح العدد مئة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم هدياً بالغ الكعبة طعمة للفقراء والمساكين، ساق هديه وأعلن نيته في مصلاه، قال جابر رضي الله عنه: أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في مصلاه، قالها صلى الله عليه وسلم في مصلاه، ثم خرج من قبته وركب ناقته واستوت به قائمة، فأعاد تلبيته على سمع الناس مرة أخرى ليسمعوا فتنادى أصحابه قائلون: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحرموا فقال الناس: لبيك اللهم لبيك فلما انطلقت به ناقته وخرج من ذو الحليفة وأصبح في البيداء واجتمع الناس حوله وإني لأنظر مد البصر بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله من الناس وكل واحد يريد أن يأخذ نسكه عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال بأعلى صوته: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، فقال جابر: فالذين سمعوه وهم حوله في مصلاه قالوا احرم وأوجب في مصلاه والذين سمعوه حين استوت به ناقته قائمة على باب خيمته قالوا: احرم حين ركب ناقته والذين سمعوه في الطريق قالوا: احرم حين انطلقت به ناقته بالبيداء ثم قال جابر رضي الله عنه: فوالله إنها لأحرامة واحدة، وانطلق بين مئة ألف ونيف من الألوف المؤلفة الذي ألف بينها الاسلام والايمان قال تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} فكانت هذا الألوف المؤلفة قلوبهم على محبة الله ورسوله انطلقت تلبي وشهدت الأرض، وما فوقها وما تحتها والكون كله والفضاء المحيط بها شهد عرساً إيمانياً لم يشهده من قبل، ولن يشهده من بعد رسول الله وحبيبه صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره و الوحي بين يديه من فوقه وامامه والصحابة من حوله يحفون به من كل جانب أصواتهم ملئت الافق بالتلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة، لك والملك، لا شريك لك ليسوا بحاجة للسلاح، ولا الدروع ، ولا لفئة تحرس، ولا بين يدينا حرس، ولا من يشق لنا الطريق، الجزيرة العربية كلها تدين بالتوحيد تدين بدين الله عزوجل، ففي كل متر مشاه النبي صلى الله عليه وسلم على الارض درس في حجة الوداع، لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون من جميع اقطار الجزيرة العربية أن يجتمعوا معه في المدينة للحج؟ليشهدوا هذه المسيرة وما فيها من دروس.
مقاطعة النبي لزينب بنت جحش: مضى الركب المبارك، وبعد أن مضى في الطريق قيل للنبي: يا رسول لقد برك جمل أم المؤمنين صفية، فعالجوه لها، فلم يقم ولم يعالج حتى هلك الجمل، فنظر النبي لأزواجه فكان اكثرهن أبل أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي تكون ابنت عمته التي زوجه الله أياها في القران الكريم، من فوق سبع سماوات دون ولي أمر، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}، وكانت تفخر على امهات المؤمنين جميعاً تقول: ما منكن امرأة إلا زوجها أبوها او اخوها، إلا انا زوجني الله من فوق سبع سماوات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزينب: (يا زينب أرى أنك اكثر أخواتكِ ظهراً، أفقري أختك جملاً حتى نعود، فقالت وقد غلبتها نفسها رضي الله عنها: تعجلت بالرد، وغاب عنها جلال الموقف، أنهم محرمون والذي يخاطبها رسول الله فهي في تلك اللحظة غلبتها نفسها، لانها نظرت الى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف أنه محمد الزوج فقالت: أنا أعطي يهوديتك هذه؟ فغضب النبي غضبا شديدا وصاح بزينب وقال: (مه بئس ما قلتِ يا زينب)، قال الصحابة: وصمت صلى الله عليه وسلم طويلاً لم يتكلم، ودار الدم في وجهه، وكان يُعرف إذا غضب تربد وجهه كأنه فقء به حب الرمان، فعلموا أنه غضب غضباً شديداً، قالوا: تربد وجهه وزاد على ذلك أن أحمر بياضُ عينيه حتى اصبح كأنه الدم، وترك السيدة زينب لا يتحدث إليها ولا يكلمها طوال حجة الوداع وحتى عاد الى المدينة، الى ان مرض، وثقل عليه المرض وعلم انه مقبوض، ذهب لحجرتها، وكانت زينب عندما علمت انه قد هجرها طوت فراش النبي ونامت على الارض، فقام وجاء وهو متعب صلى الله عليه وسلم وقد اثقله المرض وكان يتكئ على علي وعلى العباس، فقامت زينب لما رأته فرحت فرحا لم تسعها الارض من فرحتها، قامت تستقبله فجاء بنفسه، للفراش وفرشه ونام تلك الليلة عندها، ولولا انه لم يفعل ذلك ما كان كلمها احد بعد موت النبي لان النبي هجرها من أجل موقفها مع صفية بنت حيي المؤمنة الصادقة آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاسلام يجب ما قبله، فالنبي صلى الله عليه وسلم أول من حارب العصبية القبلية وقال: (دعوها إنها منتنة ليس منا من دعى الى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)، فرسول الله صلى الله عليه وسلم المشرع عن ربه المتمثل بحقيقة هذا الدين، هو قرآن يدب على الارض يسير بين اصحابه يهجر، ويقاطع زوجته، بنت عمته وهي من السابقين للإسلام ومن المهاجرات، ونحن نقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم نحب ما كان يحب ومهمتنا من بعده ان ندعوا الناس الى الله ولا ننفرهم فكلنا من آدم، وابليس هو عدونا نحن لا ننظر الى جنسية احد فالنبي صلى الله عليه وسلم زرع لنا هذه المعاني في قصة زينب وصفية وهو درس مهم لكل مسلم.
تغيير النية: قال جابر رضي الله عنه: خرجنا لا نعرف إلا الحج والصحابة جميعاً أحرموا للحج، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه جبريل وقال: يا رسول الله إن الله يأمرك أن تُدخل عمرة في حجة، ثم تلى عليه قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، فأصبح صلى الله عليه وسلم قارناً، وعقد النية على ذلك ولم يعلن لأصحابه حتى لا يلبكهم، بل تركهم يلبون تلبيتهم يكبرون ويهللون ولزم صلى الله عليه وسلم تلبيته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، حتى إذا وصلوا الى موقع يقال له سرف قبل مكة بقليل، دخل على خيمة عائشة فوجدها تبكي قال: (ما بكِ، أنفستي؟) قالت: أجل يا رسول الله، قال: (ما عليكِ، أصنعي كل ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفين بالبيت)، ولما وصلوا قريب من التنعيم، أمر صلى الله عليه وسلم ان تضرب الخيام في مكان اسمه ذي طوى، لأنه وصل مع مغيب الشمس فكان من سنته صلى الله عليه وسلم ان يدخل مكة نهارا، وبات تلك الليلة حتى إذا اصبح اخذ ماء واغتسل وهو محرم، حتى يدخل مكة بما يليق بها فهي بيت الله، واقتدى به اصحابه من استطاع منهم أن يغتسل، فيجوز للمحرم ان يغير ملابس الاحرام ويغتسل ويحك جسمك، ولا يتعطر ويجوز للمرأة المحرمة ان تغتسل وتغير ملابسها، قال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله لو لم أجد إلا رجلي لحككت بها ظهري.
طواف النبي: وفي الصباح ركب صلى الله عليه وسلم ناقته ودخل مكة نهارا في اربعه ذي الحجة ملبياً مكبراً ومعه هذا الجمع الذي بلغ مئة واربعين الفا كلهم يكبرون ويهللون، واستقبله أهل مكة بفرح، فما زال يسير صلى الله عليه وسلم حتى إذا وقع نظره على البيت قال بأعلى صوته معلماً اصحابه: (اللهم إن هذا البلد بلدك، والأمن أمنك، والحرم حرمك، اللهم كما جعلته حرماً آمناً، فحرم جسدي على النار)، ثم مضى وقال: (أضربوا خيامنا في الحجون عند قبر خديجة، فأستراح الناس، وبعد أن استراحوا ركب صلى الله عليه وسلم ناقته ثم يمم وجهه نحو البيت العتيق ودخل من جهة المسعى فلما وقع نظره صلى الله عليه وسلم على الكعبة قال: (اللهم زد بيتك هذا مهابةً وتشريفاً وتعظيماً، وزد اللهم كل من حجه وأعتمره مهابةً وتكريماً وتشريفاً)، ثم نزل من على راحلته وأتى الى الحجر الاسود فأستلمه بيديه ثم وضع شفتيه عليه وقبَّلهُ ثم سكب دموعاً ثم بدأ طوافه ماشياً على قدميه في الشوط الأول وعندما وصل الى الركن اليماني استلمه بيده ولم يقبله ولم يقبل يده، ومضى وقال: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربي اغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم)، فلما وصل صلى الله عليه وسلم للحجر الاسود مرة أخرى لم يصنع كما صنع اولا، لكنه أشار للحجر بيده وقبل يده ومضى حتى أتم ثلاثة اشواط، ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته وطاف واتم أربعة اشواط بعيداً عن جدار الكعبة ليفتح الطريق للناس ويراه الجميع، وكان كلما وصل للحجر الاسود وهو على ناقته أشار إليه بمحجنه ثم قبل راس العصا ومضى، ثم قال لعمر رضي الله عنه:(يا عمر أنت رجل قوي فلا تزحم الناس، إن رأيت فرجة فأستلم، وإلا فأشر بيدك وأمضي)، هذا حتى يعلمنا، وأتم طوافه صلى الله عليه وسلم.
السعي والتحلل: لما أتم النبي صلى الله عليه وسلم طوافه، أتى مقام أبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ قول الله: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فوقف وراء المقام وصلى ركعتين قرأ فيهما بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية الاخلاص، ثم دعى ما شاء الله له أن يدعو ثم توجه صلى الله عليه وسلم الى زمزم، وقال لاصحابه: (أشربوا منها وتضلعوا فوالله ما أحبها إلا مؤمن، وما أبغضها إلا منافق)، ثم حمل إناء فيه ماء زمزم بين يديه ورفعه وهو يقول: (ماء زمزم لما شرب له، خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم، وشفاء سقم، سقيا جدكم أسماعيل)، شرب صلى الله عليه وسلم من زمزم ودعى، قالت امنا عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل ماء زمزم في الإداري والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم، ثم اتجه إلى الصفا وقرأ وهو يرتقي على الصفا قوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}، ثم قال: (أبدأُ بِما بدأ الله به)، ثم وقف على صخرات الصفا وأستقبل البيت، حتى إذا وقع نظره عليه، رفع يديه كهيئة الداعي قائلاً: (بسم الله، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر)، ثم (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده واعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد الا أياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ثم دعى ما شاء الله له ان يدعو، ثم كرر التكبير ثم دعى ما شاء الله له ان يدعو، ثم كرر التكبير وهو مستقبلاً البيت مشيراً بيده إليه حتى إذا أتم ذلك، واصحابه يأخذون عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (خذو عني مناسككم)، ثم اتجه نحو المروة وبدأ سعيه صلى الله عليه وسلم ماشياً، فما زال ينحدر نزولاً من الصفا حتى أستقر في بطن الوادي هرول، وكان يدعو: (ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربي اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا)، حتى إذا رقى المروة صلى الله عليه وسلم قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} وكلما رقى المروة والصفا تلاها، حتى انتهى الشوط السابع عند المروة، وقف واستقبل البيت ودعى الله ماشاء له ان يدعو، وكان اصحابه بين يديه صلى الله عليه وسلم قد ملؤوا المسعى، فقال بأعلى صوته: (من كان قد ساق معه الهدي فليبقى على أحرامه، ومن لم يكن قد ساق هديه فليحل وليجعلها عمرة)، وتباطئ الصحابة، ليس عصيان لأمره ولكن عز على الصحابة أن يحلو ورسول الله لم يحل وهم يريدون أن يفعلوا كفعله، فكررها وقال: (لقد دخلت العمرة على الحج فمن لم يكن قد ساق هديه فليحل وليجعلها عمرة)، فقال سراقة بن مالك رضي الله عنه: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال اصحابه: فشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابع يديه وقال: (بل دخلت العمرة على الحج الى الأبد)، ثم قال لهم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماسقت هدياً ولجعلتها عمرة ولكن سقت الهدي والله تعالى يقول: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وإن محله يوم النحر وفي ارض منى).
اوجه الحج الثلاثة: فتحللوا فمنهم من حلق ومنهم من قصر، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم، فرفع يديه وهو ينظر إليهم وقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، فقال صحابي: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، فقال: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والمقصرين)، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}، فتحلل اصحابه صلى الله عليه وسلم وتحولت حجتهم الى عمرة فسأله احد الصحابة: يا رسول الله أي الحل، فقال: (الحل كله)، فتحللوا من أحرامهم واغتسلوا وتطيبوا وتسرحوا، ولبسوا ثيابهم وامتشطت النساء وتزينة لرجالها، وكان صلى الله عليه وسلم في صحبته ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، وكان علي بن ابي طالب رضي الله عنه قادم من اليمن ليحج ومعه أبل الصدقة وفيها الخمس للنبي، فتحللت فاطمة رضي الله عنها واغتسلت وامتشطت وهي في خيمتها، فوصل علي رضي الله عنه والناس في خيامهم فدخل على السيدة فاطمة رضي الله عنها، فوجدها قد تحللت، فقال متعجباً: ماهذا الذي صنعتِ؟قالت: أمرني به أبي صلى الله عليه وسلم، فأنطلق علي مستغرباً الى النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً وقال: يا رسول الله لقد رأيت فاطمة قد صنعت كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجل يا علي انا أمرتها)، ياعلي بما أهللت وانت قادم؟)، قال: وقفت متحيراً يارسول الله، فقلت: اللهم إني أُهلُ بما أهلَّ به رسول الله، قال: (فإني قد أهللت بالحج والعمرة وإني قد سقت الهدي فأبقى على أحرامك يا علي)، اي حج المقرن، وحكمة الله بالغة لأن النبي خاتم الأنبياء والمرسلين وشريعته هي الماضية الى قيام الساعة والناسخة لما سبقها من الشرائع، فجمع الله له الخير كله في هذه الحجة، فاصبح إما أن يحج الإنسان مفرداً كما حدث مع السيدة عائشة إذن لم تطف بالبيت فلم تكتب لها عمرة لعمرها الشرعي، فلما انتهى الحج وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع الى المدينة قالت: يارسول الله أيرجع الناس كلهم بحجة وعمرة وأرجع بحجة فأنا لم اعتمر؟ فأمر صلى الله عليه وسلم أن تقف الرحال في اطراف مكة وارسلها مع اخيها عبدالرحمن بن ابي بكر وأمره ان يخرج بها الى الحل فأهلت من هناك بعمرة وذهبت وطافت وسعت وتحللت مع اخيها والنبي صلى الله عليه وسلم وجميع المسلمين ينتظرونها، فكان هذا وجه الافرادت تأتي بالعمرة بعد الحج، وأما المقرن ينوي عمرة وحجة في نسك واحد، وأما المتمتع يقدم العمرة على الحج، ويتحلل من العمرة ويلبس الثياب ويغتسل ويتطيب الحل كله، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة يُحرم الحاج في الفندق في مكان سكنه وينوي الحج.
الوصول الى عرفة: بقي صلى الله عليه وسلم على إحرامه، ورجع الى مكان اقامته عند الحجون، فأخذ يصلي قصرا بأصحابه عند خيامه، وليس عند الكعبة خوف الإزدحام الناس كلهم عند صلاته، فأعطى الناس راحتهم ، فمن شاء فليصلي في الكعبة ومن شاء فليصلي في رحاله، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة اربعة أيام وفي يوم التروية أمر الناس أن يستعدوا لأحرام الحج، فأغتسل صلى الله عليه وسلم وهو محرم وتوجه بمن معه من المسلمين إلى منىً ونزل بها، وصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وفجر عرفة في منىً، ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، ثم سار صلى الله عليه وسلم ملبياً مكبراً حتى أتى القبة فنزل بها، واغتسل صلى الله عليه وسلم وهو محرم، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فركبها وأتى بطن الوادي، وأمر ان يجتمع الناس حوله في نمره فوقف على ناقته فخطب فيهم، وكانت خطبته جليلة عظيمة، في يوم الجمعة يوم عرفه.
خطبة الوداع: خطب النبي في الحج ثلاثة خطب الأولى كانت في يوم عرفة على جبل الرحمة وهي ما عرفت بخطبة الوداع، والثانية في يوم النحر وكانت في منىً، والثالثة في أوسط أيام التشريق في منىً أيضا. ركب صلى الله عليه وسلم ناقته واستقبل وجه الناس وقال: (الحمد لله نحمدهُ ونستعينُه، ونستغفرهُ ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير، أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدا، أيها الناس أتدرون في أي يوم أنتم؟)، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يظنون أنه سيسميه بغير أسمه، ثم قال: (أليس يوم الحج الأكبر؟)، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (أيها الناس أي شهر هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (أليس ذو الحجة؟)، قلنا: بلى، فقال: (أي بلد هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (أليست البلدة؟)، قلنا: بلى، فقال: (إنَّ دماءكم، وأموالكم حرام عليكم الى تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت؟)، قالوا: بلى، فرفع أصبعه الى السماء وهو يقول: (اللهم أشهد)، ثم ينكثها على رؤوسهم ثلاث مرات، ثم قال: (ألا ليبلغ منكم الشاهد الغائب، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وقضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، قال: (اللهم فاشهد). (العمد قود) أي هو حكم للقاتل العمد، فالمجرم القاتل هو وحده المسؤول عن جريمته فقط وعن العقوبة.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسىء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، فرفع اصبعه مشيرا للسماء وقال: (اللهم أشهد)، ثم نكثها على رؤوس الناس. ثم قال: (أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق، لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ايها الناس واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، فرفع اصبعه الشاهد للسماء وقال: (اللهم أشهد)، ثم نكثها على رؤوس الناس.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟)، (اللهم فاشهد، فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنة نبيه ألا هل بلغت؟، اللهم فاشهد)، (أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى، قال: (اللهم فاشهد، ألا ليبلغ منكم الشاهد الغائب فرب مبلغٍ أوعى من سامع)، (أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وانتم ستسألون عني يوم القيامة فما انتم قائلون؟)، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بيده السبابة يرفعها الى السماء ويقلبها على رؤوس الناس وهو يقول: (اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله). ونزل عن ناقته، فأمر بلال أن يأذن للصلاة فقام بلال ليأذن وإذا بجبريل ينزل وعرف الصحابة أن الوحي قد أنزل عليه، فلما سري عنه، تلى على أصحابه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بها وفرح الناس، فقام عمر بن الخطاب يبكي حتى سُمع صوته فقالوا: وما يبكيك يا عمر؟ وقد أتم الله علينا ديننا؟ قال: إذا تم الأمر فأنتظر زواله فإنها تنعى لنا رسول الله، وكان آخر ما نزل قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أيام وهو قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ} فلما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعيت إلي نفسي) فلم يعش بعدها إلا سبعة أيام.
الافاضة من عرفة: أذن بلال لصلاة الظهر وأقيمت فصلى بهم النبي ركعتين سراً، ثم أمر بلال أن يقيم الصلاة فصلى بهم ركعتين صلاة العصر قصراً وجمعاً، ثم أمر الناس أن يأخذوا راحتهم حتى تذهب حدة الشمس، ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته وأتجه الى وسط عرفة حتى أتى الصخرات العظام الكبار فأسند صدر ناقته الى الصخرات ويمم وجهه الى الكعبة؛ وأخذ يدعو ربه ويستغفر ويبكي ويدعو لأمته، قال الصحابة: رفع يديه يدعو وبان بياض أبطيه، فما زال يدعو حتى سقط قرص الشمس، وهو قائمٌ لم يجلس يدعو ويتضرع الى الله، ويبكي لم تجف له دمعة، فأنزل الله جبريل عليه وقال: لقد قبل الله دعائك وغفر لأمتك إلا حقوق بعضهم على بعض، فما زال يدعو فلم تغفر وهو على عرفة، ولم يأذن بصلاة المغرب حتى بدت العتمة ثم اخذ طريقه وهو يقول:(افيضوا عباد الله مغفوراً لكم لقد غفر لكم ما مضى فأحرصوا على ما بقي)، فلما افاض صلى الله عليه وسلم، قالوا: فشنق صلى الله عليه وسلم للقصواء، واخذ يرفع كلتا يديه للناس وهو يقول: (السكينة، السكينة ياعباد الله ليس البر بالإيضاع)، وما زال يقول حتى أتى مزدلفة، فأمر أن ينزل الناس، فنزل وصلى بهم المغرب والعشاء جمع وقصر، ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم قليلاً لم ينم ولم يأمر الناس بالنوم ولم ينهاهم، وأذن صلى الله عليه وسلم للضعاف وللنساء ولمن له واجب في مكة كبني عبدالمطلب رخص لهم أن يفارقوا مزدلفة بعد منتصف الليل قبل الفجر رفعاً للمشقة عنهم، وبقي صلى الله عليه وسلم فيها الى ان طلع الفجر فصلى بالناس الصبح، ثم وقف عند المشعر الحرام يدعو الله ويستغفر، وألح بدعائه، حتى نزل جبريل وقال: إن الله يقول لك قد قبل دعائك وغفر لهم وتحمل حقوق بعضهم عن بعض والله عزوجل يغفر لكل من وقف عرفة، ويتحمل هو حقوق الناس، حتى اسرف النهار ثم قال: (لقد كانت قريش تخالف هدي ابراهيم عليه السلام لا يقفون على عرفة، ثم لا يفيضون من هنا حتى تشرق الشمس كأنها العمائم على رؤوس الرجال، ألا افيضوا قبل أن تشرق الشمس)، فأفاض من مزدلفة الى منىً قبل شروق الشمس، فلما وصل صلى الله عليه وسلم وادي محسر ارخى خضام ناقته وضرب بطنها حتى تسرع، وقال: (اسرعوا فإنها ارض قد غضب الله بها على قوم من عباده).
الجمرة الكبرى والنحر: كان أسامة ابن زيد يقود خضام الناقته، فقال له النبي: (ألتقط لنا سبع حصيات ولا تغالي فيهن مثل الخزف) ثم اخذها بكفه صلى الله عليه وسلم وهو يقلبها ويقول: (مثل هذه، لا تغالوا فيهن، إنما أهلكَّ من قبلكم الغلو في الدين)، ثم توجه النبي إلى الجمرة الكبرى، ورماها بسبع حصيات يقول مع كل حصاة: (الله أكبر)، ثم استقبل البيت ودعى الله ما شاء الله له ان يدعو، ثم توجه الى المنحر ومنى كلها منحر، فقال النبي لسهيل بن عمر: (يا سهيل قدمها واحدة واحدة، لا تجعل واحدة ترى منحر أختها)، ثم قال: (من كان له بدنة ينحرها فليسقها الماء قبل أن ينحرها وليحد خنجره بعيداً عن عينها ثم اضجعها برفق)، واخذ سهيل يقدمها واحدة واحدة معقولة من قائمها الايسر، ثم يضرب النبي بالحربة في منحرها وهو يقول: (بسم الله، الله اكبر)، حتى نحر ثلاثة وستين بدنا ثم قال: (يا علي خذ فأتمم المئة)، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من كل ناقة بضعة بضعة، فطبخت في قدرٍ كبير فشرب من مرقها وأكل من لحمها. قالوا: فجاء ابو بكر وعد ما نحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده فوجدها ثلاثة وستين، فبكى حتى ارتفع نجيشه فقالوا: ما يبكيك يا ابا بكر؟ قال: لقد نحر النبي على عدد سنين عمره، فلن يعيش صلى الله عليه وسلم بعد موسم هذا الحج إلا أياماّ.
*إذن القضية هي طاعة الله فيما أمر، فهو الذي أمرنا ان نرمي الجمرات كل جمرة سبع حصيات، إذن طاعة الله اختبار، ورمز معنوي أسوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
*وعندما بكى ابو بكر وقال: لقد نحر صلى الله عليه وسلم على عدد سنين عمره، فلن يعيش بعد موسم هذا الحج إلا أياماّ، فهي فقه وفراسة المؤمن وليس علم للغيب.
التحلل من الاحرام: وبعد أن نحر صلى الله عليه وسلم دعى الحلاق معمر بن عبدالله رضي الله عنه وكان من عامة الناس، أسلم يوم فتح مكة، وكان حلاقٌ ماهر، فأخذ الموسي وجلس صلى الله عليه وسلم بين يديه وكان شعره يضرب منكبيه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابي طلحة الأنصاري ان يجلس بين يديه ثم فرق صلى الله عليه وسلم شعره نصفين فألقى نصفه على يمينه، و نصفه الآخر على شماله ثم قال: (يا معمر لقد امكنك رسول الله من شحمة أذنه وعنقه بين يديك والموسي في يدك)، فذرفت عينا معمر وقال: المنة لله ورسوله، الحمد لله الذي جعلني موضع ثقة رسول الله، فأخذ بالموسي بالشق الأيمن، وتقدم سهيل بن عمرو فما جعل شعرة تسقط على الأرض إلا اخذها وقبَّلها ووضعها على عينه وهو يقول: شعر رسول الله فداه ابي وامي، فقال النبي: (يا ابا طلحة أقسم شعري بين أصحابنا)، فأخذ يقسمه لمن حضر من الصحابة فكان نصيب الصحابي الشعرة والشعرتين، وتقدم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقال: بأبي وامي انت يا رسول الله أعطني بيدك من شعرك فأعطاه ثلاث شعرات من ناصيته، فأخذها ووضعها في قلنسوته، قال خالد: كنت لا أرى النصر والظفر على الاعداء إلا ببركتها على راسي، ويوم القادسية سقطت فقفز خالد عن صهوة جواده، واخذ يبحث عنها بين أرجل الخيل حتى وجدها واخذها ووضعها على راسه ثم ركب جواده وقاتل حتى تم النصر، فتقدم إليه كبار الصحابة وأخذوا يعنفوه ويلوموه: يا خالد انت رمز الجند انت صاحب اللواء كيف تلقي بنفسك بين ارجل الخيل بحثاً عن قلنسوة؟ لقد هممنا ان نلقي لك بضعة عشرة قلنسوة، ولا ان تلقي نفسك على الارض، فبكى خالد حتى بلَ لحيته وقال: ألا تدرون ماذا في هذه القلنسوة؟ إن فيها ثلاث شعرات من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطانيها بيده يوم حجة الوداع، فوالله الذي بعثه بالحق لا أرى النصر يحفني من كل جانب إلا ببركتها.
طواف الافاضة ورمي الجمار: بعد ان حلق صلى الله عليه وسلم وتحلل من احرامه، وقف الناس يسألونه ما يحتاجون وكان يُيسر عليهم، ويخفف عنهم فجاء إليه رجل وقال: يا رسول الله لم أشعر إلا وقد حلقت قبل ان أنحر، فقال النبي: (أنحر ولا حرج عليك)، وقال آخر: يارسول الله لم اشعر إلا نحرت قبل ان ارمي، فقال النبي: (أرمي ولا حرج عليك)، قال جابر: فما سئل يومها عن شيء قدمه أحدهم أو أخره إلا قال: (افعل ولا حرج)، ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ثمّ انطلق النبي إلى بيت الله الحرام، فطاف طواف الإفاضة راكباً بعيره، وبعدها اتجه إلى مِنى، فصلى فيها الظهر والعصر، وبات هناك ليلة الحادي عشر، وانتظر حتى إذا غابت الشمس بدأ بالجمرة الصغرى فرمى بسبع حصيات، ثم اتجه إلى جهة الوادي ودعا ثم رمى الجمرة الوسطى بسبع حصيات، واتجه مرةً أخرى جهة الوادي ودعا، ثمّ رمى الجمرة الكبرى من بطن الوادي، وبات ليلة الثاني عشر في منى ولم يتعجل، وبعدها أمر الناس بطواف الوداع، ثم عاد إلى المدينة المنورة.
حجة الوداع:
صام صلى الله عليه وسلم رمضان للمرة العشرة في دار الهجرة واعتكف عشرين يوماً، وقرأ له جبريل ما نزل من القرآن مرتين، ولاحظ اصحابه شيئاً لم يشهدوه من قبل وهو تواجد النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في اغلب الساعات، وتكثيفه وعظه وأرشاده، فأستشعروا إنما يودعهم وكأنها اخر سنة من سنين عمره صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابه: (كان اخي جبريل يراجعني القرآن في كل عام مرة أما هذه السنة فقد راجعنيه مرتين)، فلما انصرم رمضان أعلن صلى الله عليه وسلم لأصحابه وارسل الى جميع المسلمين في كافة البلاد أنه خارجاً للحج في هذا العام، فمن أراد أن يشهد الحج مع الرسول صلى الله عليه وسلم فليأتي الى المدينة المنورة، وقد حج مرة واحدة في السنة العاشرة للهجرة، واعتمر اربع مرات، وبعد أن طهرها صلى الله عليه وسلم عام الفتح من الأصنام، أصبحت الكعبة رمزاً لعبادة الله تعالى وحده، وعادت كما طهّرها إبراهيم عليه السلام للطائفين والعاكفين والركع السجود. بدأت الوفود تصل الى المدينة المنورة من كل أنحاء الجزيرة، وضربت لهم الخيام وبلغ عددهم اكثر من مئة وعشرين ألف، لقد امتلأت المدينة وكلهم يريد أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينال شرف الصحبة، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة رقى صلى الله عليه وسلم منبره، وخطب بهم الجمعة ولم يتسع المسجد لهذه الأعداد الهائلة، وأمر النبي رجال خارج المسجد أن يبلغوا الناس عنه، فحثهم على تقوى الله، وأن يعقدوا النية للحج فقال لهم: (من حج فلم يرفث، ولم يسخط، رجع من حجه كيوم ولدته أمه)، وأمر النبي ازواجه ان يتجهزن للحج جميعاً؟ وصلى بالحجيج الظهر من يوم السبت اربع ركعات لا قصر فيها ولا جمع، ودخل الى حجرة امنا عائشة، فأغتسل وتجهز تقول امنا عائشة: فأتيته بالغالية فتطيب وأكثر من الطيب حتى وكأني أنظر الى وبيص المسك في مفرقه قبل عقد نية الأحرام ثم فرق شعره نصفين وألقى نصفه على يمينه ونصفه على شماله صلى الله عليه وسلم، ولبس ثياب الإحرام ثوبين ابيضين، وخرج وأطل على اصحابه واكثر الوفود التي أتت لم تكن رأته من قبل، وكثير من اصحابه لم يراه قبل اليوم محرماً فلما أطل عليهم ضجت المدينة كلها بالصلاة عليه، فحياهم وسلم عليهم ثم ركب ناقته، قال الصحابة: كان الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وبين يديه مد البصر. وكان قد قال صلى الله عليه وسلم: (كنت نبياً وآدم منجدل في طينته بين الروح والجسد)، كان نبياً في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات يتنقل نوره من الأصلاب الطيبة الى الأرحام الطاهرة حتى أستقر في صدفة أمه، فولد نبيا ونشأ صبياً يتيماً وبلغ الحلم نبيا ولكن لم يوحى إليه، فنقول: قبل الوحي وبعد الوحي.
خرج بهم يوم السبت قبل أذان العصر بقليل، فصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين قصراً، وأمر ان تنصب الخيام ويبيت الناس في ذلك المكان يبعد عن المدينة ستة أميال، ليعلم ما لا يعلمه غيره وذلك بفضل ما علمه الله { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}، فصلى بهم المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين، وجاء المخاض أسماء بنت عميس زوجة ابي بكر، ومع ذلك لم تمتنع من الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة، وما هي إلا لحظات حتى جاء الخبر الى ابي بكر لقد ولدت لك ذكراً فسماه محمد، قال ابو بكر: يا رسول الله لقد جاء المخاض لاسماء وولدت، ماذا تصنع اسماء الآن يا رسول الله؟ فقال النبي: (تغتسل ثم تستذفر بثوبٍ سميك وتحرم معنا وتفعل كل ما يفعله الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر)، وحدث مع السيدة عائشة في الطريق بعد ذلك، دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم خيمتها فوجدها تبكي قال: (ما بكِ أنفستي؟)، قالت: أجل يا رسول الله، قال: (وما عليكِ؟ أصنعي كل ما يصنع الحاج، غير أنك لا تطوفين بالبيت)، فبات بهم تلك الليلة ثم صلى بهم الفجر ركعتين، ثم أذنَّ لمن لم يغتسل من الناس، أن يغتسل ويستعد فأغتسلوا واسقطوا شعورهم ولبسوا احرامهم، فكانت هي السنة وبقي الاستعداد والاغتسال في آبار علي عذراً لمن لم يتمكن من ان يغتسل في بيته او المكان الذي هو فيه، فأستعد الناس فأمرهم بصلاة ركعتين منفرده سنة الدخول في الإحرام، وكان عمه العباس رضي الله عنه جهوري الصوت ورجل اخر من الانصار يقفون ويبلغون الناس عنه ما يسمعون، فصلى ركعتين في مكانه وشرع بنيته وهو جالس فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، قالها صلى الله عليه وسلم في مصلاه وهذه هي النية.
وكان صلى الله عليه وسلم قد ساق هديه معه من المدينة، فأشعر وقلد، قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق مئة بدنة وقيل ثلاثة وستين على عدد سنين عمره ساقها بين يديه فجاء علي بن ابي طالب رضي الله عنه من اليمن ببقيتها فأصبح العدد مئة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم هدياً بالغ الكعبة طعمة للفقراء والمساكين، ساق هديه وأعلن نيته في مصلاه، قال جابر رضي الله عنه: أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في مصلاه، قالها صلى الله عليه وسلم في مصلاه، ثم خرج من قبته وركب ناقته واستوت به قائمة، فأعاد تلبيته على سمع الناس مرة أخرى ليسمعوا فتنادى أصحابه قائلون: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحرموا فقال الناس: لبيك اللهم لبيك فلما انطلقت به ناقته وخرج من ذو الحليفة وأصبح في البيداء واجتمع الناس حوله وإني لأنظر مد البصر بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله من الناس وكل واحد يريد أن يأخذ نسكه عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال بأعلى صوته: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، فقال جابر: فالذين سمعوه وهم حوله في مصلاه قالوا احرم وأوجب في مصلاه والذين سمعوه حين استوت به ناقته قائمة على باب خيمته قالوا: احرم حين ركب ناقته والذين سمعوه في الطريق قالوا: احرم حين انطلقت به ناقته بالبيداء ثم قال جابر رضي الله عنه: فوالله إنها لأحرامة واحدة، وانطلق بين مئة ألف ونيف من الألوف المؤلفة الذي ألف بينها الاسلام والايمان قال تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} فكانت هذا الألوف المؤلفة قلوبهم على محبة الله ورسوله انطلقت تلبي وشهدت الأرض، وما فوقها وما تحتها والكون كله والفضاء المحيط بها شهد عرساً إيمانياً لم يشهده من قبل، ولن يشهده من بعد رسول الله وحبيبه صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره و الوحي بين يديه من فوقه وامامه والصحابة من حوله يحفون به من كل جانب أصواتهم ملئت الافق بالتلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة، لك والملك، لا شريك لك ليسوا بحاجة للسلاح، ولا الدروع ، ولا لفئة تحرس، ولا بين يدينا حرس، ولا من يشق لنا الطريق، الجزيرة العربية كلها تدين بالتوحيد تدين بدين الله عزوجل، ففي كل متر مشاه النبي صلى الله عليه وسلم على الارض درس في حجة الوداع، لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون من جميع اقطار الجزيرة العربية أن يجتمعوا معه في المدينة للحج؟ليشهدوا هذه المسيرة وما فيها من دروس.
مضى الركب المبارك، وبعد أن مضى في الطريق قيل للنبي: يا رسول لقد برك جمل أم المؤمنين صفية، فعالجوه لها، فلم يقم ولم يعالج حتى هلك الجمل، فنظر النبي لأزواجه فكان اكثرهن أبل أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي تكون ابنت عمته التي زوجه الله أياها في القران الكريم، من فوق سبع سماوات دون ولي أمر، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}، وكانت تفخر على امهات المؤمنين جميعاً تقول: ما منكن امرأة إلا زوجها أبوها او اخوها، إلا انا زوجني الله من فوق سبع سماوات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزينب: (يا زينب أرى أنك اكثر أخواتكِ ظهراً، أفقري أختك جملاً حتى نعود، فقالت وقد غلبتها نفسها رضي الله عنها: تعجلت بالرد، وغاب عنها جلال الموقف، أنهم محرمون والذي يخاطبها رسول الله فهي في تلك اللحظة غلبتها نفسها، لانها نظرت الى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف أنه محمد الزوج فقالت: أنا أعطي يهوديتك هذه؟ فغضب النبي غضبا شديدا وصاح بزينب وقال: (مه بئس ما قلتِ يا زينب)، قال الصحابة: وصمت صلى الله عليه وسلم طويلاً لم يتكلم، ودار الدم في وجهه، وكان يُعرف إذا غضب تربد وجهه كأنه فقء به حب الرمان، فعلموا أنه غضب غضباً شديداً، قالوا: تربد وجهه وزاد على ذلك أن أحمر بياضُ عينيه حتى اصبح كأنه الدم، وترك السيدة زينب لا يتحدث إليها ولا يكلمها طوال حجة الوداع وحتى عاد الى المدينة، الى ان مرض، وثقل عليه المرض وعلم انه مقبوض، ذهب لحجرتها، وكانت زينب عندما علمت انه قد هجرها طوت فراش النبي ونامت على الارض، فقام وجاء وهو متعب صلى الله عليه وسلم وقد اثقله المرض وكان يتكئ على علي وعلى العباس، فقامت زينب لما رأته فرحت فرحا لم تسعها الارض من فرحتها، قامت تستقبله فجاء بنفسه، للفراش وفرشه ونام تلك الليلة عندها، ولولا انه لم يفعل ذلك ما كان كلمها احد بعد موت النبي لان النبي هجرها من أجل موقفها مع صفية بنت حيي المؤمنة الصادقة آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاسلام يجب ما قبله، فالنبي صلى الله عليه وسلم أول من حارب العصبية القبلية وقال: (دعوها إنها منتنة ليس منا من دعى الى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)، فرسول الله صلى الله عليه وسلم المشرع عن ربه المتمثل بحقيقة هذا الدين، هو قرآن يدب على الارض يسير بين اصحابه يهجر، ويقاطع زوجته، بنت عمته وهي من السابقين للإسلام ومن المهاجرات، ونحن نقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم نحب ما كان يحب ومهمتنا من بعده ان ندعوا الناس الى الله ولا ننفرهم فكلنا من آدم، وابليس هو عدونا نحن لا ننظر الى جنسية احد فالنبي صلى الله عليه وسلم زرع لنا هذه المعاني في قصة زينب وصفية وهو درس مهم لكل مسلم.
قال جابر رضي الله عنه: خرجنا لا نعرف إلا الحج والصحابة جميعاً أحرموا للحج، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه جبريل وقال: يا رسول الله إن الله يأمرك أن تُدخل عمرة في حجة، ثم تلى عليه قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، فأصبح صلى الله عليه وسلم قارناً، وعقد النية على ذلك ولم يعلن لأصحابه حتى لا يلبكهم، بل تركهم يلبون تلبيتهم يكبرون ويهللون ولزم صلى الله عليه وسلم تلبيته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، حتى إذا وصلوا الى موقع يقال له سرف قبل مكة بقليل، دخل على خيمة عائشة فوجدها تبكي قال: (ما بكِ، أنفستي؟) قالت: أجل يا رسول الله، قال: (ما عليكِ، أصنعي كل ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفين بالبيت)، ولما وصلوا قريب من التنعيم، أمر صلى الله عليه وسلم ان تضرب الخيام في مكان اسمه ذي طوى، لأنه وصل مع مغيب الشمس فكان من سنته صلى الله عليه وسلم ان يدخل مكة نهارا، وبات تلك الليلة حتى إذا اصبح اخذ ماء واغتسل وهو محرم، حتى يدخل مكة بما يليق بها فهي بيت الله، واقتدى به اصحابه من استطاع منهم أن يغتسل، فيجوز للمحرم ان يغير ملابس الاحرام ويغتسل ويحك جسمك، ولا يتعطر ويجوز للمرأة المحرمة ان تغتسل وتغير ملابسها، قال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله لو لم أجد إلا رجلي لحككت بها ظهري.
وفي الصباح ركب صلى الله عليه وسلم ناقته ودخل مكة نهارا في اربعه ذي الحجة ملبياً مكبراً ومعه هذا الجمع الذي بلغ مئة واربعين الفا كلهم يكبرون ويهللون، واستقبله أهل مكة بفرح، فما زال يسير صلى الله عليه وسلم حتى إذا وقع نظره على البيت قال بأعلى صوته معلماً اصحابه: (اللهم إن هذا البلد بلدك، والأمن أمنك، والحرم حرمك، اللهم كما جعلته حرماً آمناً، فحرم جسدي على النار)، ثم مضى وقال: (أضربوا خيامنا في الحجون عند قبر خديجة، فأستراح الناس، وبعد أن استراحوا ركب صلى الله عليه وسلم ناقته ثم يمم وجهه نحو البيت العتيق ودخل من جهة المسعى فلما وقع نظره صلى الله عليه وسلم على الكعبة قال: (اللهم زد بيتك هذا مهابةً وتشريفاً وتعظيماً، وزد اللهم كل من حجه وأعتمره مهابةً وتكريماً وتشريفاً)، ثم نزل من على راحلته وأتى الى الحجر الاسود فأستلمه بيديه ثم وضع شفتيه عليه وقبَّلهُ ثم سكب دموعاً ثم بدأ طوافه ماشياً على قدميه في الشوط الأول وعندما وصل الى الركن اليماني استلمه بيده ولم يقبله ولم يقبل يده، ومضى وقال: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربي اغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم)، فلما وصل صلى الله عليه وسلم للحجر الاسود مرة أخرى لم يصنع كما صنع اولا، لكنه أشار للحجر بيده وقبل يده ومضى حتى أتم ثلاثة اشواط، ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته وطاف واتم أربعة اشواط بعيداً عن جدار الكعبة ليفتح الطريق للناس ويراه الجميع، وكان كلما وصل للحجر الاسود وهو على ناقته أشار إليه بمحجنه ثم قبل راس العصا ومضى، ثم قال لعمر رضي الله عنه:(يا عمر أنت رجل قوي فلا تزحم الناس، إن رأيت فرجة فأستلم، وإلا فأشر بيدك وأمضي)، هذا حتى يعلمنا، وأتم طوافه صلى الله عليه وسلم.
لما أتم النبي صلى الله عليه وسلم طوافه، أتى مقام أبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ قول الله: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فوقف وراء المقام وصلى ركعتين قرأ فيهما بعد الفاتحة سورة الكافرون
وفي الثانية الاخلاص، ثم دعى ما شاء الله له أن يدعو ثم توجه صلى الله عليه وسلم الى زمزم، وقال لاصحابه: (أشربوا منها وتضلعوا فوالله ما أحبها إلا مؤمن، وما أبغضها إلا منافق)، ثم حمل إناء فيه ماء زمزم بين يديه ورفعه وهو يقول: (ماء زمزم لما شرب له، خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم، وشفاء سقم، سقيا جدكم أسماعيل)، شرب صلى الله عليه وسلم من زمزم ودعى، قالت امنا عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل ماء زمزم في الإداري والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم، ثم اتجه إلى الصفا وقرأ وهو يرتقي على الصفا قوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}، ثم قال: (أبدأُ بِما بدأ الله به)، ثم وقف على صخرات الصفا وأستقبل البيت، حتى إذا وقع نظره عليه، رفع يديه كهيئة الداعي قائلاً: (بسم الله، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر)، ثم (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده واعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد الا أياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ثم دعى ما شاء الله له ان يدعو، ثم كرر التكبير ثم دعى ما شاء الله له ان يدعو، ثم كرر التكبير وهو مستقبلاً البيت مشيراً بيده إليه حتى إذا أتم ذلك، واصحابه يأخذون عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (خذو عني مناسككم)، ثم اتجه نحو المروة وبدأ سعيه صلى الله عليه وسلم ماشياً، فما زال ينحدر نزولاً من الصفا حتى أستقر في بطن الوادي هرول، وكان يدعو: (ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربي اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا)، حتى إذا رقى المروة صلى الله عليه وسلم قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} وكلما رقى المروة والصفا تلاها، حتى انتهى الشوط السابع عند المروة، وقف واستقبل البيت ودعى الله ماشاء له ان يدعو، وكان اصحابه بين يديه صلى الله عليه وسلم قد ملؤوا المسعى، فقال بأعلى صوته: (من كان قد ساق معه الهدي فليبقى على أحرامه، ومن لم يكن قد ساق هديه فليحل وليجعلها عمرة)، وتباطئ الصحابة، ليس عصيان لأمره ولكن عز على الصحابة أن يحلو ورسول الله لم يحل وهم يريدون أن يفعلوا كفعله، فكررها وقال: (لقد دخلت العمرة على الحج فمن لم يكن قد ساق هديه فليحل وليجعلها عمرة)، فقال سراقة بن مالك رضي الله عنه: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال اصحابه: فشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابع يديه وقال: (بل دخلت العمرة على الحج الى الأبد)، ثم قال لهم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماسقت هدياً ولجعلتها عمرة ولكن سقت الهدي والله تعالى يقول: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وإن محله يوم النحر وفي ارض منى).
بقي صلى الله عليه وسلم على إحرامه، ورجع الى مكان اقامته عند الحجون، فأخذ يصلي قصرا بأصحابه عند خيامه، وليس عند الكعبة خوف الإزدحام الناس كلهم عند صلاته، فأعطى الناس راحتهم ، فمن شاء فليصلي في الكعبة ومن شاء فليصلي في رحاله، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة اربعة أيام وفي يوم التروية أمر الناس أن يستعدوا لأحرام الحج، فأغتسل صلى الله عليه وسلم وهو محرم وتوجه بمن معه من المسلمين إلى منىً ونزل بها، وصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وفجر عرفة في منىً، ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، ثم سار صلى الله عليه وسلم ملبياً مكبراً حتى أتى القبة فنزل بها، واغتسل صلى الله عليه وسلم وهو محرم، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فركبها وأتى بطن الوادي، وأمر ان يجتمع الناس حوله في نمره فوقف على ناقته فخطب فيهم، وكانت خطبته جليلة عظيمة، في يوم الجمعة يوم عرفه.
خطب النبي في الحج ثلاثة خطب الأولى كانت في يوم عرفة على جبل الرحمة وهي ما عرفت بخطبة الوداع، والثانية في يوم النحر وكانت في منىً، والثالثة في أوسط أيام التشريق في منىً أيضا. ركب صلى الله عليه وسلم ناقته واستقبل وجه الناس وقال: (الحمد لله نحمدهُ ونستعينُه، ونستغفرهُ ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير، أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدا، أيها الناس أتدرون في أي يوم أنتم؟)، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يظنون أنه سيسميه بغير أسمه، ثم قال: (أليس يوم الحج الأكبر؟)، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (أيها الناس أي شهر هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (أليس ذو الحجة؟)، قلنا: بلى، فقال: (أي بلد هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (أليست البلدة؟)، قلنا: بلى، فقال: (إنَّ دماءكم، وأموالكم حرام عليكم الى تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت؟)، قالوا: بلى، فرفع أصبعه الى السماء وهو يقول: (اللهم أشهد)، ثم ينكثها على رؤوسهم ثلاث مرات، ثم قال: (ألا ليبلغ منكم الشاهد الغائب، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وقضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، قال: (اللهم فاشهد).
(العمد قود) أي هو حكم للقاتل العمد، فالمجرم القاتل هو وحده المسؤول عن جريمته فقط وعن العقوبة.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسىء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، فرفع اصبعه مشيرا للسماء وقال: (اللهم أشهد)، ثم نكثها على رؤوس الناس. ثم قال: (أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق، لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ايها الناس واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت؟)، قلنا: بلى، فرفع اصبعه الشاهد للسماء وقال: (اللهم أشهد)، ثم نكثها على رؤوس الناس.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟)، (اللهم فاشهد، فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنة نبيه ألا هل بلغت؟، اللهم فاشهد)، (أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى، قال: (اللهم فاشهد، ألا ليبلغ منكم الشاهد الغائب فرب مبلغٍ أوعى من سامع)، (أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وانتم ستسألون عني يوم القيامة فما انتم قائلون؟)، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بيده السبابة يرفعها الى السماء ويقلبها على رؤوس الناس وهو يقول: (اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله). ونزل عن ناقته، فأمر بلال أن يأذن للصلاة فقام بلال ليأذن وإذا بجبريل ينزل وعرف الصحابة أن الوحي قد أنزل عليه، فلما سري عنه، تلى على أصحابه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بها وفرح الناس، فقام عمر بن الخطاب يبكي حتى سُمع صوته فقالوا: وما يبكيك يا عمر؟ وقد أتم الله علينا ديننا؟ قال: إذا تم الأمر فأنتظر زواله فإنها تنعى لنا رسول الله، وكان آخر ما نزل قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أيام وهو قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ} فلما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعيت إلي نفسي) فلم يعش بعدها إلا سبعة أيام.
أذن بلال لصلاة الظهر وأقيمت فصلى بهم النبي ركعتين سراً، ثم أمر بلال أن يقيم الصلاة فصلى بهم ركعتين صلاة العصر قصراً وجمعاً، ثم أمر الناس أن يأخذوا راحتهم حتى تذهب حدة الشمس، ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته وأتجه الى وسط عرفة حتى أتى الصخرات العظام الكبار فأسند صدر ناقته الى الصخرات ويمم وجهه الى الكعبة؛ وأخذ يدعو ربه ويستغفر ويبكي ويدعو لأمته، قال الصحابة: رفع يديه يدعو وبان بياض أبطيه، فما زال يدعو حتى سقط قرص الشمس، وهو قائمٌ لم يجلس يدعو ويتضرع الى الله، ويبكي لم تجف له دمعة، فأنزل الله جبريل عليه وقال: لقد قبل الله دعائك وغفر لأمتك إلا حقوق بعضهم على بعض، فما زال يدعو فلم تغفر وهو على عرفة، ولم يأذن بصلاة المغرب حتى بدت العتمة ثم اخذ طريقه وهو يقول:(افيضوا عباد الله مغفوراً لكم لقد غفر لكم ما مضى فأحرصوا على ما بقي)، فلما افاض صلى الله عليه وسلم، قالوا: فشنق صلى الله عليه وسلم للقصواء، واخذ يرفع كلتا يديه للناس وهو يقول: (السكينة، السكينة ياعباد الله ليس البر بالإيضاع)، وما زال يقول حتى أتى مزدلفة، فأمر أن ينزل الناس، فنزل وصلى بهم المغرب والعشاء جمع وقصر، ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم قليلاً لم ينم ولم يأمر الناس بالنوم ولم ينهاهم، وأذن صلى الله عليه وسلم للضعاف وللنساء ولمن له واجب في مكة كبني عبدالمطلب رخص لهم أن يفارقوا مزدلفة بعد منتصف الليل قبل الفجر رفعاً للمشقة عنهم، وبقي صلى الله عليه وسلم فيها الى ان طلع الفجر فصلى بالناس الصبح، ثم وقف عند المشعر الحرام يدعو الله ويستغفر، وألح بدعائه، حتى نزل جبريل وقال: إن الله يقول لك قد قبل دعائك وغفر لهم وتحمل حقوق بعضهم عن بعض والله عزوجل يغفر لكل من وقف عرفة، ويتحمل هو حقوق الناس، حتى اسرف النهار ثم قال: (لقد كانت قريش تخالف هدي ابراهيم عليه السلام لا يقفون على عرفة، ثم لا يفيضون من هنا حتى تشرق الشمس كأنها العمائم على رؤوس الرجال، ألا افيضوا قبل أن تشرق الشمس)، فأفاض من مزدلفة الى منىً قبل شروق الشمس، فلما وصل صلى الله عليه وسلم وادي محسر ارخى خضام ناقته وضرب بطنها حتى تسرع، وقال: (اسرعوا فإنها ارض قد غضب الله بها على قوم من عباده).
كان أسامة ابن زيد يقود خضام الناقته، فقال له النبي: (ألتقط لنا سبع حصيات ولا تغالي فيهن مثل الخزف) ثم اخذها بكفه صلى الله عليه وسلم وهو يقلبها ويقول: (مثل هذه، لا تغالوا فيهن، إنما أهلكَّ من قبلكم الغلو في الدين)، ثم توجه النبي إلى الجمرة الكبرى، ورماها بسبع حصيات يقول مع كل حصاة: (الله أكبر)، ثم استقبل البيت ودعى الله ما شاء الله له ان يدعو، ثم توجه الى المنحر ومنى كلها منحر، فقال النبي لسهيل بن عمر: (يا سهيل قدمها واحدة واحدة، لا تجعل واحدة ترى منحر أختها)، ثم قال: (من كان له بدنة ينحرها فليسقها الماء قبل أن ينحرها وليحد خنجره بعيداً عن عينها ثم اضجعها برفق)، واخذ سهيل يقدمها واحدة واحدة معقولة من قائمها الايسر، ثم يضرب النبي بالحربة في منحرها وهو يقول: (بسم الله، الله اكبر)، حتى نحر ثلاثة وستين بدنا ثم قال: (يا علي خذ فأتمم المئة)، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من كل ناقة بضعة بضعة، فطبخت في قدرٍ كبير فشرب من مرقها وأكل من لحمها. قالوا: فجاء ابو بكر وعد ما نحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده فوجدها ثلاثة وستين، فبكى حتى ارتفع نجيشه فقالوا: ما يبكيك يا ابا بكر؟ قال: لقد نحر النبي على عدد سنين عمره، فلن يعيش صلى الله عليه وسلم بعد موسم هذا الحج إلا أياماّ.
***
إذن القضية هي طاعة الله فيما أمر، فهو الذي أمرنا ان نرمي الجمرات كل جمرة سبع حصيات، إذن طاعة الله اختبار، ورمز معنوي أسوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
*وعندما بكى ابو بكر وقال: لقد نحر صلى الله عليه وسلم على عدد سنين عمره، فلن يعيش بعد موسم هذا الحج إلا أياماّ، فهي فقه وفراسة المؤمن وليس علم للغيب.
وبعد أن نحر صلى الله عليه وسلم دعى الحلاق معمر بن عبدالله رضي الله عنه وكان من عامة الناس، أسلم يوم فتح مكة، وكان حلاقٌ ماهر، فأخذ الموسي وجلس صلى الله عليه وسلم بين يديه وكان شعره يضرب منكبيه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابي طلحة الأنصاري ان يجلس بين يديه ثم فرق صلى الله عليه وسلم شعره نصفين فألقى نصفه على يمينه، و نصفه الآخر على شماله ثم قال: (يا معمر لقد امكنك رسول الله من شحمة أذنه وعنقه بين يديك والموسي في يدك)، فذرفت عينا معمر وقال: المنة لله ورسوله، الحمد لله الذي جعلني موضع ثقة رسول الله، فأخذ بالموسي بالشق الأيمن، وتقدم سهيل بن عمرو فما جعل شعرة تسقط على الأرض إلا اخذها وقبَّلها ووضعها على عينه وهو يقول: شعر رسول الله فداه ابي وامي، فقال النبي: (يا ابا طلحة أقسم شعري بين أصحابنا)، فأخذ يقسمه لمن حضر من الصحابة فكان نصيب الصحابي الشعرة والشعرتين، وتقدم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقال: بأبي وامي انت يا رسول الله أعطني بيدك من شعرك فأعطاه ثلاث شعرات من ناصيته، فأخذها ووضعها في قلنسوته، قال خالد: كنت لا أرى النصر والظفر على الاعداء إلا ببركتها على راسي، ويوم القادسية سقطت فقفز خالد عن صهوة جواده، واخذ يبحث عنها بين أرجل الخيل حتى وجدها واخذها ووضعها على راسه ثم ركب جواده وقاتل حتى تم النصر، فتقدم إليه كبار الصحابة وأخذوا يعنفوه ويلوموه: يا خالد انت رمز الجند انت صاحب اللواء
كيف تلقي بنفسك بين ارجل الخيل بحثاً عن قلنسوة؟ لقد هممنا ان نلقي لك بضعة عشرة قلنسوة، ولا ان تلقي نفسك على الارض، فبكى خالد حتى بلَ لحيته وقال: ألا تدرون ماذا في هذه القلنسوة؟ إن فيها ثلاث شعرات من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطانيها بيده يوم حجة الوداع، فوالله الذي بعثه بالحق لا أرى النصر يحفني من كل جانب إلا ببركتها.
فتحللوا فمنهم من حلق ومنهم من قصر، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم، فرفع يديه وهو ينظر إليهم وقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، فقال صحابي: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، فقال: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال: (اللهم اغفر للمحلقين)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والمقصرين)، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}، فتحلل اصحابه صلى الله عليه وسلم وتحولت حجتهم الى عمرة فسأله احد الصحابة: يا رسول الله أي الحل، فقال: (الحل كله)، فتحللوا من أحرامهم واغتسلوا وتطيبوا وتسرحوا، ولبسوا ثيابهم
وامتشطت النساء وتزينة لرجالها، وكان صلى الله عليه وسلم في صحبته ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، وكان علي بن ابي طالب رضي الله عنه قادم من اليمن ليحج ومعه أبل الصدقة وفيها الخمس للنبي، فتحللت فاطمة رضي الله عنها واغتسلت وامتشطت وهي في خيمتها، فوصل علي رضي الله عنه والناس في خيامهم فدخل على السيدة فاطمة رضي الله عنها، فوجدها قد تحللت، فقال متعجباً: ماهذا الذي صنعتِ؟قالت: أمرني به أبي صلى الله عليه وسلم، فأنطلق علي مستغرباً الى النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً وقال: يا رسول الله لقد رأيت فاطمة قد صنعت كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجل يا علي انا أمرتها)، ياعلي بما أهللت وانت قادم؟)، قال: وقفت متحيراً يارسول الله، فقلت: اللهم إني أُهلُ بما أهلَّ به رسول الله، قال: (فإني قد أهللت بالحج والعمرة وإني قد سقت الهدي فأبقى على أحرامك يا علي)، اي حج المقرن، وحكمة الله بالغة لأن النبي خاتم الأنبياء والمرسلين وشريعته هي الماضية الى قيام الساعة والناسخة لما سبقها من الشرائع، فجمع الله له الخير كله في هذه الحجة، فاصبح إما أن يحج الإنسان مفرداً كما حدث مع السيدة عائشة إذن لم تطف بالبيت فلم تكتب لها عمرة لعمرها الشرعي، فلما انتهى الحج وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع الى المدينة
قالت: يارسول الله أيرجع الناس كلهم بحجة وعمرة وأرجع بحجة فأنا لم اعتمر؟
فأمر صلى الله عليه وسلم أن تقف الرحال في اطراف مكة وارسلها مع اخيها عبدالرحمن بن ابي بكر وأمره ان يخرج بها الى الحل فأهلت من هناك بعمرة وذهبت وطافت وسعت وتحللت مع اخيها والنبي صلى الله عليه وسلم وجميع المسلمين ينتظرونها، فكان هذا وجه الافرادت تأتي بالعمرة بعد الحج، وأما المقرن ينوي عمرة وحجة في نسك واحد، وأما المتمتع يقدم العمرة على الحج، ويتحلل من العمرة ويلبس الثياب ويغتسل ويتطيب الحل كله، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة
يُحرم الحاج في الفندق في مكان سكنه وينوي الحج.
بعد ان حلق صلى الله عليه وسلم وتحلل من احرامه، وقف الناس يسألونه ما يحتاجون وكان يُيسر عليهم، ويخفف عنهم فجاء إليه رجل وقال: يا رسول الله لم أشعر إلا وقد حلقت قبل ان أنحر، فقال النبي: (أنحر ولا حرج عليك)، وقال آخر: يارسول الله لم اشعر إلا نحرت قبل ان ارمي، فقال النبي: (أرمي ولا حرج عليك)، قال جابر: فما سئل يومها عن شيء قدمه أحدهم أو أخره إلا قال: (افعل ولا حرج)، ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ثمّ انطلق النبي إلى بيت الله الحرام، فطاف طواف الإفاضة راكباً بعيره، وبعدها اتجه إلى مِنى، فصلى فيها الظهر والعصر، وبات هناك ليلة الحادي عشر، وانتظر حتى إذا غابت الشمس بدأ بالجمرة الصغرى فرمى بسبع حصيات، ثم اتجه إلى جهة الوادي ودعا ثم رمى الجمرة الوسطى بسبع حصيات، واتجه مرةً أخرى جهة الوادي ودعا، ثمّ رمى الجمرة الكبرى من بطن الوادي، وبات ليلة الثاني عشر في منى ولم يتعجل، وبعدها أمر الناس بطواف الوداع، ثم عاد إلى المدينة المنورة.
الفصل الثالث:
من احداث الايام الاخيرة للنبي:
عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحجة الوداع، ارسل لعلي أن يلحق به الى مكة ومعه اموال الخمس والغنائم الصدقات والزكاة والخراج، خرج علي رضي الله عنه مع اهل اليمن وفي الطريق قال علي لمن معه: اسبقوني وألحق بكم وأوصاهم أن لا يقربوا أموال الغنائم، وأن لا يركبوا على أبل الصدقة، ثم وضع لهم اميرا عليهم وانطلقوا، فلما لحق بهم وجدهم قد ركبوا الأبل ولبسوا من ثياب اموال الصدقة، فغضب وعنفهم، فأنزعجوا وتضايقوا وظنوا ان علي قد بخل عليهم، فلما وصلوا مكة جاءوا يشتكون علي للنبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: كان علي شديد علينا، وقابض يده فرضاهم النبي عن علي وانتهى الأمر واقر النبي فعل علي، فقال لهم: (قد علمت أنه قد احسن)، فهنا دافع النبي عن علي، الآن كثر بين الناس القال والقيل في الموضوع وانتشر الخبر بين الناس، فلما انتهى الحج، إستحضر الصحابة احوال النبي بأنها تختلف عن باقي أيامه، فقد كثف عبادته، قالت امنا عائشة: قام ليلةً لم يبرح الصلاة فيها، يطيل السجود حتى كان الفجر ثم قام الليلة التي بعدها حتى كان الفجر، ثم قام الليلة التي بعدها حتى كان الفجر فتورمت ركبتاه وهو يطيل السجود، كان سجوده بمقدار ما يقرأ احدكم خمسين آية، فقلت له: يا رسول الله تطيل بهذا القيام وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: (يا عائشة أفلا اكون عبداً شكورا)، وصام وصالاً فلقد اصبح صائماً فلما أذن المغرب لم يفطر، ومضى ليله صائماً واستقبل يومه الثاني صائما، ودخل المغرب ولم يفطر، ومضى ليله صائما، ودخل اليوم الثالث صائما وشاع الخبر من بيوت ازواجه ان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمضى صائماً ثلاثة أيام بلياليها لم يفطر، فواصلوا في صيامهم، فلما علم بحالهم، قال: (بلغني بأنكم تواصلون الصيام، لا تفعلوا)، قالوا: قد بلغنا ان رسول الله يفعل، قال: (وأيكم مثلي أبيت يطعمني ربي ويسقين)، وأخذ صلى الله عليه وسلم يكثف في جلوسه مع اصحابه كالمودع لهم ويبشرهم ويقول: (لقد عرضت لي الجنة في حائط بني فلان، وأخذت أنظر فيها، حتى دنت ثمارها مني، وهممت أن اقطف قطفاً من ثمارها، وأضعه لكم في المسجد، فما زلتم تأكلون منه حتى ينفخ في الصور، ولكني أبيت لأن ذلك طعام أهل الجنة، وبينا أنا انظر في الجنة إذ سمعت قرع نعلٍ فقلت: من هذا؟ فإذا هو بلال)، ثم ألتفت الى بلال وقال: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟)، فبكى بلال وقال: يا رسول الله لا أعلم لي مزيد عمل أو فضل غير أني يا رسول الله ما أحدثت إلا توضأت ولا توضأت إلا صليت، فقال النبي: (هو بذا يا بلال)، فأخذ الصحابة يقلدون بلالا، وقال النبي: (رأيت قصراً عظيماً يلفت الأنظار فقلت: لمن هذا؟ فقيل لي: هو لعمر، ورايت جاريةً تتوضأ في صحنه، فهممت ان أنظر فيه، فتذكرت غيرة عمر بن الخطاب فصرفت نظري)، فجهش عمر بالبكاء وقال: أمنك وعليك أغار يا رسول الله؟ وهكذا ..، فعلم الصحابة أنه يودعهم صلى الله عليه وسلم.
بعد الانتهاء من الحج، أهل مكة بقوا في مكة وأهل الطائف ذهبوا للطائف، وأهل اليمن ذهبوا لليمن، وبعدما ودعهم عاد للمدينة، كان من سنته صلى الله عليه وسلم السير بهم ليلا، ويرتاح بهم نهارا، ثم انطلقوا، فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة من بعيد ونظر لبساتينها ورأى تلالها قال: (هذه طابة وهذه طيبة)، وقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دخل صلى الله عليه وسلم مدينته واستقبله من كان فيها، وفي صفر من السنة الحادية عشر من الهجرة،
أَمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية لغزو الشام، قيل كان عمره سبعة عشر وقيل عشرين عاما، ولكن تكلم الناس في هذا قالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، مثل ابو بكر وعمر وغيرهما الى محاربة الروم؟ وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما يتكلمون، فقام بعد صلاة من الصلوات فاستدار واستقبلهم على الفور قائلاً: (لقد بلغني ما تقولون في اسامة، ولئن طعنتم في إمارة أسامة، فلقد طعنتم في إمارة أباه من قبله، وأيم الله إنه كان للإمارة لخليقاً، وإن كان لأحب الناس إلي، وإن ولده هذا من أحب الناس إلي بعده، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم)، وبدأ المسلمون يستعدون للخروج، وأمره أن يسير حتى يصل الى مؤتة، وقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك، وأمره أن يعسكر على باب المدينة حتى يتجمع الجيش، وقبل أن ينطلق شاع الخبر بالمدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم وجعٌ لا يفك العصابة عن رأسه فتوقف الجيش ولم يتحرك، وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأيام ينزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعيت إلي نفسي)
مرض النبي :
خرج صلى الله عليه وسلم، لزيارة شهداء احد، فوقف ومعه جمع من اصحابه وقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ثم دعا لهم واستغفر، ثم ألتفت الى أصحابه وقال: (وَددت أن لو رأيت إخواني)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواني الذين يأتون من بعدي يود أحدهم أن لو رآني بأهله وماله)، ثم قال: (وانا فرطهم على الحوض)، فقالوا: يا رسول الله, كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: (أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دُهم بُهم ألا يعرف خيله؟)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم, ألا هلم, ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقا سحقا)، وبعد أن رجع صلى الله عليه وسلم اصبح يشعر بأعراض الحمى وارتفاع الحرارة،
صلى يوما العشاء، وقال لأبي مويهبة رضي الله عنه: انطلق بنا الى البقيع، فأمسك بيد ابي مويهبة لأن الحمى كانت تهزه صلى الله عليه وسلم، ودخل البقيع فوقف على اوله ثم قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن بكم لاحقون، اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة، أنزل عليهم روح منك وسلامٌ منا)، ثم دعا لهم واستغفر، ثم قال: (هنيئاً لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، لقد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها وآخرها أشر من أولها)، ثم التفت الى أبي مويهبة وقال له: (لقد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)،
فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة)، ثم استغفر صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، وعاد وهو يشعر بصداع شديد في رأسه حتى اوصله ابا مويهبة الى باب حجرة عائشة وهو ممسك بيده، ودخل فوجدها تقول: وا رأساه، فأمسك برأسه الشريف وقال: (بل أنا والله يا عائشة وا رأساه)، ثم أخذ يداعبها لينسيها ألم راسها رغم مافيه هو من ألم فقال: (يا عائشة وما عليك لو متِّ قبلي، فقمت عليك فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك بيدي)، قالت من شدة غيرتها عليه: لو كنت فعلت لكنت نفضت يديك من دفني، وعدت لحجرتي وأعرست بزوجة جديدة،
فضحك صلى الله عليه وسلم من قولها وردة فعلها رضي الله عنها وارضاها،
اشتد الألم بالنبي صلى الله عليه وسلم فألتفت الى عائشة وقال: (يا عائشة ما أزال اجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان، وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)، وكان مع شدة ألمه صلى الله عليه وسلم يخرج للصلاة بالناس في المسجد، ويبيت كل يوم في بيت زوجة من زوجاته وعندما رأى صلى الله عليه وسلم اشتداد المرض به والحمى وكان يقسم بين ازواجه حتى في مرضه، يطوف عليهن جميعاً فلكل واحدة يوم وليلة، حتى امنا زينب لما ثقل به المرض وأشتد وعلم أنه إن خرج من هذه الدنيا فلن يكلمها أحد من بعده ابداً ويعتبرونها مغضوبٌ عليها، فمشى صلى الله عليه وسلم وهو عاصبٌ رأسه، يجر خطاه على الأرض من شدة الحمى، حتى أتى حجرة زينب فطرق الباب ففتحت وذهلت فلم تعرف ماذا تصنع؟ وغمرتها الفرحة، وغاب عنها القيام بواجب رسول الله فلقد كانت قد طوت فراشه حين هجرها إجلالاً له، فلا يجلس عليه احد، ولا تنام هي عليه بل كانت تنام على الارض، فطوت سريره وكان السرير من قصب يجدل عليه الحبال ويطوى ويفرد طوت سريره ، وطوت فراشه، وأصبحت تنام على قطيفة في الارض احتراماً لفراش رسول الله، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وقفت مكانها لا تدري ماذا تصنع؟ رسول الله يسعى إليها بنفسه من غير أن ترجوه، من غير واسطة بينهم، من غير أن ينزل وحي؟ فلما رأها، عذرها لذهولها فمشى بنفسه الى السرير ووضعه على الأرض، ثم أخذ الفراش ووضعه عليه وأمرها ان تغلق باب الحجرة، ثم أتاها صلى الله عليه وسلم مع ما به من ألم ومرض وأغتسل في حجرتها، ومضى بقية اليوم وتلك الليلة كقسمتها كسائر ازواجه صلى الله عليه وسلم، ثم انتقل صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني الى بيت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وقد وثقل عليه المرض في بيت ميمونة واشتد الألم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع زوجاته وقال لهن: (لقد ثقل المرض بي وأصبحت عاجزاً عن التنقال الى حجراتكن أفتأذن لي أن أمرض في بيت عائشه؟)، فهي اقرب حجرة الى المصلى فقلن: أذنا لك يا رسول الله.
تمريضه في حجرة عائشة:
فلما أراد أن يقوم فما أستطاع صلى الله عليه وسلم أن يقف على قدميه فجاء علي والعباس فاتكأ عليهما، وخرجا به من حجرة امنا ميمونه الى حجرة امنا عائشة، ورجلاه تخطان الأرض، وأصبح يخرج للصلاة متكأً على الفضل بن عباس وعلي، وعندما أصبح لا يقوى على الخروج الى المسجد من شدة الحرارة التي يوعك بها، قال لأزواجه: (أفيضوا عليَّ من سبع قرب من ماء بئر، لعلي أستطيع أن أخرج إلى الناس)، ففعلن فلما خفت الحرارة قام ليلبس ثيابه ويخرج فما أستطاع فأغمي عليه، وتلقته أيدي أمهات المؤمنين حتى لا يسقط الى الارض فلما افاق قال: (أصلى الناس؟)، قلن: لا هم في انتظارك يا رسول الله، فقال: (أعيدوا علي الماء)، فأجلس في المخضب وسكب الماء حتى خفت الحرارة، فقام ليلبس ثيابه فلما أخذ في لبسها أغمي عليه ثانية من شدة الحرارة، فلما أفاق قال: (أصلى الناس؟)، قلن: لا هم في انتظارك يا رسول الله، فقال: (مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِ في الناس فإني لا أقوى على الخروج)، فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فقال: (مُرُوا أبا بكر فليصلِ بالناس)، ولكن امنا عائشة قالت لحفصة: قولي لرجل فليصلي عمر في الناس، فقالت حفصة لرجل في المسجد: قل لعمر فليصلي في الناس، فنظر الرجل في عمر وقال: قم يا عمر فصلي في الناس، فلما وقف عمر في المحراب وكبر وكان جهوري الصوت سمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال وهو في فراشه: (لا ، لا ، لا يرضى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، لا يرضى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، فلما أتم عمر نظر للرجل وقال: يغفر الله لك لِمَ أمرتني بذلك؟ قال: هكذا أمرتني حفصة، فلما روجعت ازواج النبي بذلك قالت عائشة: خشيت أن يتشائم الناس لمن يصلي في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر في وجه عائشة، وقال: (يا صويحبات يوسف يأبى الله ورسوله إلا ابا بكر)، فأصبح ابو بكر يصلي بالناس، ويثقل المرض ويشتد على النبي حتى كان يوم الخميس الثامن من ربيع الأول، ورأى الصحابة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليهم، وأصبحوا في قلقل وخافوا عليه خوفاً شديداً، وأخذ الانصار يبكون فلما علم بذلك صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة الظهر تقدم أبو بكر ليصلي بالناس، فقال النبي لعلي والفضل بن عباس وكانا يصليان أمام باب الحجرة قال لهما: (خذا بي الى المحراب)، فاتكأ عليهما ولم تلامس قدماه الأرض وهو معصوب الرأس من شدة الحرارة فلما رأه ابو بكر همَّ أن يرجع من الصف ليدع الإمامة للنبي صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن مكانك وجلس على يمين ابي بكر وصلى الظهر بصلاة ابي بكر.
خطبة النبي ووداعه للمسلمين
كانت بعد آخر صلاة صلاها مع اصحابه بإمامة أبي بكر، أشار إليهم أن يحملوه الى المنبر، ثم جلس على أول درجة من المنبر لأن رجليه صلى الله عليه وسلم لم تحملاه للصعود على المنبر والتف الصحابة شوقاً حوله وخطب فيهم: فحمد الله وأثتنى عليه، وصلى على نفسه، واستغفر لشهداء أحد ثم قال: (أيها الناس، إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، أيها الناس إني لا أخشى أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها كما تنافس فيها من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم، أيها الناس إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا، وبين ما عند الله فاختار ما عند الله)، فبكى أبو بكر وارتفع صوته بالبكاء، ورفع يديه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فديناك بآبائنا، فديناك بأمهاتنا، فديناك بأموالنا، فديناك بأنفسنا يا رسول الله، فضج الصحابة وتعجبوا من أبي بكر، لماذا يبكي، وضج المسجد بالكلام لماذا يبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك يا أبا بكر)، ثم أخذ يدافع عنه ويبين فضله فقال: (أيها الناس، إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كُنت مُتَّخذًا خليلًا من أُمَّتي لاتَّخذتُ أبا بكر ،ولكن أُخُوَّةُ الإِسـلام ومودته، وما منكم من أحد كان له عندنا يد إلا كافأناه بها، إلا الصديق فإنا قد تركنا مكافأته لله عز وجل، ألا كل خوخة في المسجد تسد إلا خوخة ابي بكر)، ثم قال: (يا أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بُعث إليه؟ فأخلد فيكم، ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي، ألا إنه يوشك لي خفقان من بين أظهركم، ألا وإني أحب أن ألقى الله وانا راضياً مرضياً، من كنت جلدت له ظهراً، هذا ظهر محمدٍ فليقم إليه ويستقد، ألا من كنت شتمت له عرضاً، هذا دونكم عرض محمد فليقم ويستقد، ألا وإن الشحناء ليس من طبعي، ومن لم يفعل فليحللني بينه وبين ربه، حتى ألقى الله وليس لأحد في ذمة محمد حق)، وسكت واخذ ينظر في وجهه أصحابه كالمودع، فدمعت عيناه وبكى، فأخذ أصحابه يبكون وتسيل الدموع على لحاهم، فقال لهم مودعاً: (حياكم الله، آواكم الله، نصركم الله، رزقكم الله، أيدكم الله، رحمكم الله، حفظكم الله، رزقكم الله، نفعكم الله، وقاكم الله)، ثم نظر لأصحابه وقال: (بلغوا كل من جاء بعدي من أمتي السلام فإني أسلم عليكم واسلم على كل مسلم جاء ودخل في ديني الى يوم القيامة)، ثم اشار بيده للصحابة أن يحملوه وعاد وهو يتكئ على العباس وعلى علي رضي الله عنهما فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، والصحابة يبكون في المسجد. وها نحن نرد وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا سيدي يارسول الله جزاك الله عنا خير ما جزا نبيا عن امته، ونسأل الله أن يجمعنا بك في الجنة وأن يحشرنا تحت لواءك وعلى حوضك وأن يسقينا من يدك الكريمة شربةّ لا نظمأ بعدها، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
اللحظات الاخيرة في حياته:
كان اذا مرض نفث على نفسه بالمعوذات، فمسح بها على جسده، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى عليه ويفيق، فلم يستطع أن يفعل هذا فأخذت امنا عائشة تنفث في يد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تمسح بيده الشريفة على جسده، رجاء بركة يده، ثم افاق فيقة من اغمائه وقال: (يا عائشة إن عندي في تلك الخانة دنانير من ذهب ماذا صنعتم بها؟)، قالت: هي عندي، فقال صلى الله عليه وسلم: (وماذا يقول محمد لربه إذا لقيه وفي حجرته سبعة دنانير ذهبية؟ احضريها يا عائشة)، فأحضرتها فوضعها في كفه ونظر إليها ثم قال: (يا علي خذ هذه الدنانير فأنفقها في سبيل الله، فلن يلقى محمد ربه وفي بيته دنانير من ذهب)، قالت عائشة: فلما خرج علي، والنبي يغمى عليه ويفيق كلما أفاق يسأل: (أرجعَ علي؟)، نقول: ليس بعد فلما رجع علي، قال له: (أنفقتها؟)، قال علي: أجل يا رسول الله كما تحب وترضى فقال النبي: (الحمد لله يلقى محمد ربه وهو بريء الذمة)، قالت عائشة: والذي بعثه بالحق كانت تمر علينا أيام، لا نملك شيء في حجرتنا من طعام أو شراب إلا قرص من شعير، فقمت في الليل يوماً لأسرج السراج فلم اجد فيه زيتاً وليس عندنا زيت وليس عندنا ما نشتري، فأرسلت به الى اسماء زوجة ابي بكر فقلت لها: يا اسماء اعصري لنا زيتا نضيء به حجرة النبي فو الله لا نملك زيتاً، فوضعت لنا فيه ما يضيء السراج، فلما كان يوم السبت وهو يفيق ويغيب من شدة الحمى اقبلت إليه ابنته فاطمة رضي الله عنها فلما رآها قال: (مرحباً بأبنتي)، وكانت أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً وهيئتاً ومشيتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأشبه لهجةً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت إذا دخل عليها في بيتها قامت إليه وقبَّلت يده ثم قبَّلها بين عينيها، وإذا دخلت عليه في أي حجرة قام إليها فأستقبلها من عند الباب، وأخذها من يدها وقبَّلَ بين عينيها، وقبلت يده واجلسها على فراشه جنباً الى جنب، ولكن اليوم حاول حين رآها فلم يستطع، فبكت وقالت: وااا كرب أباه، فقال: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم، أدني مني يا بنيتي)، فدنت وأجلسها على يمينه، ثم اقترب من أذنها وتحدث إليها حديثاً لم يسمعه أحد، فبكت بكاءاً شديداً، فلما رأى حزنها تحدث اليها مرة أخرى، فتوقفت عن البكاء وابتسمت وضحكت، وبعد وفاة النبي سألتها امنا عائشة عن ذلك فقالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها أن جبريل قد قرأ عليه القرآن مرتين هذا العام ثم قال: (لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري)، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حزنها أسر لها أنها ستكون أول أهل بيته موتا بعده، وانها سيدة نساء اهل الجنة فضحكت.
عيادته واخر وصاياه:
كان الصحابة يدخلون الى النبي صلى الله عليه وسلم يعودونه، قال أبو سعيد الخدري: جئنا النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عليه صالب من الحمى، فوضعت يدي على صدره فلسعتني شدة حرارته صلى الله عليه وسلم وما تكاد تقر يد أحدنا عليه من شدة الحمى فجعلنا نسبح، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد ما يلبسه، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء)، وكانت آخر وصاياه لأصحابه؛ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم، وأنفذوا بعث أسامة، يأمر أن يتحرك جيش أسامة بن زيد الى الشام، وكان الجيش قد عسكر في منطقة اسمها الجُرف على بعد حوالي ٧ كم من المسجد النبوي، وتوقف عن السير عندما اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يوم الأحد أي قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم واحد دخل أسامة بن زيد على النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتد بالنبي الألم فطأطأ أسامة فقبله والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلم، وجعل صلى الله عليه وسلم يرفع يده الى السماء ويضعها على أسامة يقول أسامة فعرفت أنه يدعو لي.
نظرة وداعه للمسلمين:
في فجر يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وقف أبو بكر يصلي بالناس صلاة الفجر، والرسول صلى الله عليه وسلم في حجرته لا يخرج الى صلاته بسبب ثقل مرضه، وكانت تقوم على وضوءه أمنا عائشة رضي الله عنها، وكان يصلي على فراشه صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أن يجلس، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت قرأته من حجرته، فوجد من نفسه صلى الله عليه وسلم خفةً ونشاطاً فقام ووقف على قدميه دون أن يتكئ على أحد، ثم كشف ستارة الحجرة، والمسجد يضاء بالسراج لا يكاد الرجل يبصر أمامه، نظر إليهم ثم تبسم يضحك كأن وجه القمر إذا اكتمل بدره قال الصحابه: فوالذي بعثه بالحق، أضاء المسجد كأنه في رابعة النهار، حتى إننا للنظر للخيط والمخيط، فرفعنا رؤوسنا ننظر إليه فهممنا أن نفتن من الفرح برؤيته صلى الله عليه وسلم، فأشار إلينا قائلاً: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، اللهم قد بلغت)، رفع اصبعه للسماء وهو يقول: (اللهم قد بلغت)،: ثم ارخى الستارة، وصلى الفجر في حجرته صلى الله عليه وسلم، فكانت آخرة مرة رأينا بها وجه النبي صلى الله عليه وسلم، تفائل الصحابة وأطمأنت نفوسهم، وسكنت قلوبهم، فقد ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد عاد الى صحته وتشافى من مرضه، فكانت هي النظرة الأخير نظرة الوداع، وانطلق بعض الصحابة بعد صلاة الفجر، يتدبرون شوؤنهم.
وفاته :
حتى إذا طلعت الشمس، بعد صلاة الفحر، اشتدت حرارته وجعل يدخل يده في اناء من جلد به ماء، ويمسح بها وجهه وهو يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم أعني على سكرات الموت). قالت امنا عائشة: جلس صلى الله عليه وسلم على فراشه ورفع رأسه، فأتيت وأسندت ظهره الى صدري، فوضع رأسه بين سحري ونحري، وأشرق وجهه كأنه البدر، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر ليرى النبي وفي يده سواك لين أخضر، فظل النبي صلى الله عليه وسلم ينظر الى السواك ولا يستطيع ان يطلبه من شدة مرضه، فقلت: يا رسول الله بأبي وامي أنت، آخذ لك السواك، فأشار برأسه أن نعم، فأخذته وقرضت الجزء المستعمل منه، ثم لينته بالماء حتى طاب ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاك به جيداً كأشد ما يستاك قبل، ذلك حتى إذا قضى رغبته منه ألقى به بيده على صدره، فأخذته فتسوكت به فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم في حياته صلى الله عليه وسلم، ألا والذي بعثه بالحق لقد مضت أيام بعد وفاته، ما أكلت طعاماً، ولا شربت شراباً، مهما كان طعمه أو ريحه، إلا وبقي طعم ريق رسول الله في فمي، يغلب كل طعمٍ وكل ريحٍ، ثم رفع بصره الى سقف الحجرة، وكأنه يرى مقعده من الجنة، ويعرض عليه التخيير بين الموت وبين البقاء في الدنيا، لأن عموم المؤمنين يرون مقاعدهم من الجنة في قبورهم بعد موتهم، ولكن الأنبياء يبشرون بذلك في دنياهم قبل موتهم، قل النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر)، قالت امنا عائشة: ورفع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته وسمعته يتمتم بكلامات، لم افهمها فقربت أذني إليه وأصغيت له فإذا هو يقول:(مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفرلي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى)، ويكررها فعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به، إذن لا يختارنا، وعلمت أنه يكلم جبريل وانه يخير، فقلت: بأبي وامي انت يارسول الله، لقد اخترت الله علينا فما زال يرفع اصبعه وهو يقول: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، واشتدت عليه سكرات الموت، و بدء النزع، وحشرج صدره صلى الله عليه وسلم، ثم أرتخت يده الى جانبه وأخذ يثقل جسده في حجري، فظننت أنه قد أغمي عليه كما في السابق، فوضعت رأسه على الوسادة وخرجت اخبر الناس أن رسول الله قد عاوده المرض، فكان أقرب الناس إليه علي بن ابي طالب فدخل ونظر في وجهه ثم جهش علي بالبكاء وقال بأعلى صوته: بأبي وامي لقد قبض النبي لقد قبض النبي، فارتفع اصوات ازواجه بالبكاء، وتسرب هذا الخبر الفادح الى المدينة بسرعة مذهلة فكان الصحابة في حالٍ لا يعلمه إلا الله، في دهشة عظيمة لا يعلمها إلا الحي القيوم وقفوا في دهشة وحيرة وهم بين مصدقٍ ومكذب وضجت المدينة كلها بالاصوات والبكاء كأنه ضجيج الحجيج في منىً، ورفع عمر بن الخطاب سيفه وهو يقول: والله ما مات رسول الله، لقد ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى إلى لقاء الله، وغاب عن قومه أربعين يوماً وعاد مرة ثانية، ورسول الله ما مات وسيعود، وأذهل جميع الصحابة فأنطلق رجل في طلب ابي بكر فوجده على راحلته قريب من مزرعته، فقال له: يا ابا بكر، ارجع فقد قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم
موقف ابو بكر واعلان وفاة النبي:
فرجع ابو بكر مسرعاً، ودخل المسجد فوجد الناس تبكي وعمر يهدد ويتوعد والسيف في يده، فلم يلتفت إليه ولم يكلمه، ودخل الى بيت ابنته عائشة، فوجد ازواج النبي صلى الله عليه وسلم حوله يبكون، وام سلمة تنادي بأعلى صوتها: وااا نبياه لقد انقطع عنا خبر السماء، فلا ربط بين السماء والأرض، فعلى من ينزل جبريل؟وفاطمة تنادي وتقول: وااا أبتاه من ربه ما أدناه ، وااا أبتاه الى جبريل ننعاه، وااا أبتاه جنة الفردوس مأواه، فلما دخل الصديق افسحوا له المكان، فأتى جسد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مسجاً ببرد يماني فأماط البرد عن وجهه، وجثا على ركبته أمام الحبيب، ثم نظر إليه، ووضع يده على صدغيه، وقبَّلهُ بين عينيه وخديه وهو يبكي وقال: بأبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً يا حبيبي، أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فها انت قد متها، ولا أنت أكرم على الله من أن يميتك مرتين، ثم أجهش بالبكاء وهو يقول: واااصفياه، واااخليلاه، وااانبياه، ثم غطى وجهه ببرده، ثم خرج مطأطأ الرأس فوجد عمر بن الخطاب لا يزال في ثورته وغضبه وهو يصرخ ويقول: من قال بأن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، اجلس يا عمر، فتركه ومشى الى المنبر ورقى منه درجة واحدة ثم قال بأعلى صوته: الحمد لله فلما سمع الناس ابا بكر، تركوا عمر وأقبلوا على ابي بكر وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، قال الصحابة: والذي بعثه بالحق وكأننا أول مرة نسمع هذه الآية، وغابت عنا أنها من القرآن فأخذنا نتلوها والبكاء يغلبنا ونحن نقول ونرددها، ثم نظرنا الى عمر بعد أن سمعها فإذا بالسيف يسقط من يده الى الارض، ثم وقف وكأن الارض تدور به لا يدري أين يوجه وجه؟وما راعنا إلا وعمر يسقط على الارض وقد أغمي عليه، فأخذنا نرش عليه الماء حتى افاق، قال عمر: والله الذي لا إله إلا هو، ما ظننت أن رسول يموت وغابت عني هذه الآية، فقام رجل من الانصار وهو في الروضة وقد بسط ذراعيه الى السماء يدعو وقال: اللهم إن كان نبيك قد مات حقاً، فخذ بصري فإني لا أحب أن أرى وجهاً بعد وجه، فعميَ فوراً وصاح آخر وقال: اللهم إن كان نبيك قد مات حقاً، فألحقني به الآن فإني لا أحب الحياة بعده ابداً فوقع ميتاً فوراً.
تجهيزه من غسل وكفن:
جلس الناس بالمسجد وعلا بكائهم، وكانت المدينة قد امتلأت بالناس عندما علموا بمرض النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابو بكر: ارسلوا لإخوانكم خارج المدينة أن قد قبض رسول الله، فليحضروا الى دفنه والصلاة عليه، وأرسل الى جيش اسامة وكان بالجرف فرجع الجيش كله، وغرس اسامة لواء الجيش على باب المسجد وكان تعداد الجيش ثلاثة آلاف، رجعوا ليحضروا الصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم، وجلس الناس وقد ذهلوا وغاب وعيهم، فأما علي رضي الله عنه فقد كسح، وكان عثمان رضي الله عنه قد خرس فلم يتكلم ولا كلمة إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، واخذت الوفود تفد حتى غصت المدينة، وقد وأرتفعت اصوات اهل المدينة بالبكاء في كل أنحاء المدينة، ثم اخذوا يتدبرون أمر تجهيزه صلى الله عليه وسلم ودفنه وعندما شرعوا في هذا التشاور، كان قد مضى النهار، وكان إذا دخل وقت الصلاة يصلي بهم ابو بكر الصديق، والنبي مسجاً في حجرته صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يتشاورون أين ندفن رسول الله؟ فمن قائلٍ: ندفنه الى جوار منبره، ومن قائلٍ: ندفنه في وسط الروضة، ومن قائلٍ: ندفنه في البقيع، فقال لهم ابو بكر: على رسلكم فو الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أذناي هاتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً ما نسيته وما غاب عني، قال صلى الله عليه وسلم: (ما قبض الله نبياً إلا حيث أراد ان يدفن)، ثم قال: نرفع فراش النبي صلى الله عليه وسلم ويحفر تحت فراشه فهذا موضع قبره، فلما كان الغد وأرادوا تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، ايضاً تشاوروا، فقالوا: أنغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه أم نجرده كما نجرد موتانا؟ فلم يجرء احدٌ أن يعطي فيه قولاً قال الصحابة: فألقى الله علينا النعاس فنمنا جميعاً،
وإن لحانا لتدق صدورنا، ولم يبقى يعي إلا ازواج النبي وآل بيته في الداخل، ثم سكتوا وساد الهدوء في المكان، ولم يظهر صوت ابداً حتى سمعوا صوت رنينٍ جميلٍ يخرج من حجرته صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا نشك أنه صوت جبريل، فقال: لا تجردوا رسول الله واغسلوه في ثيابه، ثم قال معزياً: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، المحروم من حُرم الفضل والأجر، إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا آخر عهدنا بالأرض، قال الصحابة: فعلمنا أنه صوت جبريل عليه السلام، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة يغسلونه، علي والعباس والفضل بن العباس وأسامة بن زيد، فجهزوا له الماء ووضعوا به نبات السدر، وشرعوا في غسله في ثوبه، فكان العباس والفضل يمسكون جسد النبي، وأسامة يكب الماء وعلي يغسله، دون أن يكشف جسده، إلا ان علي وضع على يده قطعة من قماش وأدخلها من داخل الثوب يتمم سنة الغسل أولاً، ثم دلكوه في ثوبه وريح المسك يفوح منه صلى الله عليه وسلم، وأخذ علي يغسله وهو يبكي ويقول: طبت حياً وطبت ميتاً يا رسول الله، ثم أضافوا إليه ثوبين ثم لفوه صلى الله عليه وسلم بالدرج، فتذكر علي حديثا سمعه والصحابة في اول مرضه، قال لهم النبي: (إذا أنا متُ، ولحقتُ بالرفيق الأعلى، فضعوني على سريري، واخرجوا عني جميعاً، فأول ما يصلي عليَّ جبريل والملائكة ثم تنزل ملائكة السماوات السبع يصلون علي، فإذا غبتم عني ساعة، فليدخل وليبدء علي الصلاة أهل بيتي أولاً رجالاً، ثم نساء أهل بيتي ثم يدخل من بعدهم المسلمون افواجاً افواجاً.
الصلاة على النبي ثم دفنه:
صنعوا كما أمر صلى الله عليه وسلم، فوضع على سريره في حجرته وأخلو الحجرة تماماً حتى مضى شيءٌ من الوقت، فصلوا الظهر والنبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، ثم شهد الجميع أن ريح المسك يخرج من حجرته صلى الله عليه وسلم فعلموا أن صلاة الملائكة قد انتهت. فدخل آل بيته يصلون عليه، وصلوا لا يؤمهم أحد، ودخل ازواجه ونساء اهل بيته فصلوا عليه، حتى إذا فرغ أهل بيته، قام شيوخ المهاجرين ابو بكر وعمر وعثمان وابو عبيدة وعدد منهم فدخلوا وهم يظنون أن أبا بكر سيأومهم بالصلاة عليه فوقف ابو بكر وقال: بأبي وامي انت يا رسول الله، أنت إمامنا حياً وميتاً لا والذي بعثك بالحق لا يؤم أحد بالصلاة عليك فأخذوا يصلون فرادا، كلٌ يصلي ويدعو ويخرج، ويدخل عليه غيرهم حتى صلى عليه المسلمون جميعاً، فأستغرق هذا حتى صلاة العشاء، فلما هموا بحفر القبر، وقفوا وقالوا: أنلحد لرسول الله أم نشق له شقاً؟ فقال العباس: نرسل الى من يشق والى من يلحد فأيهما حضر يكون له الأمر ثم بسط كفيه للسماء وقال: اللهم أختر لنبيك، وكان الذي يحفر ويشقه شقاً أبو ايوب الانصاري والذي يلحد لحداً ابو طلحة الأنصاري، فحضر ابو طلحة قبل ابي ايوب فقالوا: إذن ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقة أهل المدينة فنلحد له لحداً، ثم قفز بالقبر علي بن ابي طالب والفضل بن عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسامة بن زيد، ولما أنزل صلى الله عليه وسلم في قبره تذكر شقران قطيفة فهب من القبر مسرعاً واخذها من الحجرة وقال بأعلى صوته: لا والذي بعثك وقبضك إليه، لا يصلي عليها أحدٌ بعدك أبداً، ولا يرتديها أحدٌ بعدك ابداً، ثم وضعها على أرض القبر ووضع النبي صلى الله عليه وسلم في قبره عليها، ثم قال أنس: انتظروا لقد وقع مني خاتمي
فقالوا له: أهذا وقت مثل هذا؟ ونزل أنس وقد رمى خاتمه قاصداً حتى ينزل الى قبر النبي مرة أخرى، ثم أخذوا يهيلون التراب، فسمعت ابنته فاطمة أصوات المساحين، فطلعت عليهم فاطمة واخذت التراب ولامسته وجهها تشمه ورفعت صوتها: وا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه أجاب رباً دعاه، وا أبتاه إلى جبريل ننعاه! وا أبتاه في جنة الفردوس مأواه، ثم قالت وقد علا صوتها وبكائها:
يااا أصحاب النبي، أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على وجه رسول الله بأيدكم؟
فتوقفوا عن الدفن وجهشوا وضجوا بالبكاء فقال لها العباس: يا بضعة رسول الله نشدتك الله والرحم، نشدتك الله والرحم، إلا ما تركتنا حتى نفرغ من دفن رسول الله، فقام علي وأمسكها حتى أدخلها حجرتها رضي الله عنها وارضاها، قال انس: ما إن نفضنا أيدينا من تراب دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت منا القلوب، والذي بعثه بالحق حين دخل المدينة يوم هجرته أضاء منها كل شيء، ولما وارينه قبره أظلم منها كل شيء فسنموا القبر ورشوه بالماء. أي جعلوه كسنام الجمل، وحان وقت أول صلاة فأذن بلال رضي الله عنه، فلما جاء عند قوله: أشهد أن محمداً رسول الله بكى بلال رضي الله عنه ولم يستطع أن يكمل الأذان فبكى الناس، وضجت المدينة بالبكاء.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الفصل الثاني:
الاحداث الاخيرة للنبي:
عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحجة الوداع، ارسل لعلي أن يلحق به الى مكة ومعه اموال الخمس والغنائم الصدقات والزكاة والخراج، خرج علي رضي الله عنه مع اهل اليمن وفي الطريق قال علي لمن معه: اسبقوني وألحق بكم وأوصاهم أن لا يقربوا أموال الغنائم، وأن لا يركبوا على أبل الصدقة، ثم وضع لهم اميرا عليهم وانطلقوا، فلما لحق بهم وجدهم قد ركبوا الأبل ولبسوا من ثياب اموال الصدقة، فغضب وعنفهم، فأنزعجوا وتضايقوا وظنوا ان علي قد بخل عليهم، فلما وصلوا مكة جاءوا يشتكون علي للنبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: كان علي شديد علينا، وقابض يده فرضاهم النبي عن علي وانتهى الأمر واقر النبي فعل علي، فقال لهم: (قد علمت أنه قد احسن)، فهنا دافع النبي عن علي، الآن كثر بين الناس القال والقيل في الموضوع وانتشر الخبر بين الناس، فلما انتهى الحج، إستحضر الصحابة احوال النبي بأنها تختلف عن باقي أيامه، فقد كثف عبادته، قالت امنا عائشة: قام ليلةً لم يبرح الصلاة فيها، يطيل السجود حتى كان الفجر ثم قام الليلة التي بعدها حتى كان الفجر، ثم قام الليلة التي بعدها حتى كان الفجر فتورمت ركبتاه وهو يطيل السجود، كان سجوده بمقدار ما يقرأ احدكم خمسين آية، فقلت له: يا رسول الله تطيل بهذا القيام وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: (يا عائشة أفلا اكون عبداً شكورا)، وصام وصالاً فلقد اصبح صائماً فلما أذن المغرب لم يفطر، ومضى ليله صائماً واستقبل يومه الثاني صائما، ودخل المغرب ولم يفطر، ومضى ليله صائما، ودخل اليوم الثالث صائما وشاع الخبر من بيوت ازواجه ان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمضى صائماً ثلاثة أيام بلياليها لم يفطر، فواصلوا في صيامهم، فلما علم بحالهم، قال: (بلغني بأنكم تواصلون الصيام، لا تفعلوا)، قالوا: قد بلغنا ان رسول الله يفعل، قال: (وأيكم مثلي أبيت يطعمني ربي ويسقين)، وأخذ صلى الله عليه وسلم يكثف في جلوسه مع اصحابه كالمودع لهم ويبشرهم ويقول: (لقد عرضت لي الجنة في حائط بني فلان، وأخذت أنظر فيها، حتى دنت ثمارها مني، وهممت أن اقطف قطفاً من ثمارها، وأضعه لكم في المسجد، فما زلتم تأكلون منه حتى ينفخ في الصور، ولكني أبيت لأن ذلك طعام أهل الجنة، وبينا أنا انظر في الجنة إذ سمعت قرع نعلٍ فقلت: من هذا؟ فإذا هو بلال)، ثم ألتفت الى بلال وقال: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟)، فبكى بلال وقال: يا رسول الله لا أعلم لي مزيد عمل أو فضل غير أني يا رسول الله ما أحدثت إلا توضأت ولا توضأت إلا صليت، فقال النبي: (هو بذا يا بلال)، فأخذ الصحابة يقلدون بلالا، وقال النبي: (رأيت قصراً عظيماً يلفت الأنظار فقلت: لمن هذا؟ فقيل لي: هو لعمر، ورايت جاريةً تتوضأ في صحنه، فهممت ان أنظر فيه، فتذكرت غيرة عمر بن الخطاب فصرفت نظري)، فجهش عمر بالبكاء وقال: أمنك وعليك أغار يا رسول الله؟ وهكذا ..، فعلم الصحابة أنه يودعهم صلى الله عليه وسلم.
بعد الانتهاء من الحج، أهل مكة بقوا في مكة وأهل الطائف ذهبوا للطائف، وأهل اليمن ذهبوا لليمن، وبعدما ودعهم عاد للمدينة، كان من سنته صلى الله عليه وسلم السير بهم ليلا، ويرتاح بهم نهارا، ثم انطلقوا، فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة من بعيد ونظر لبساتينها ورأى تلالها قال: (هذه طابة وهذه طيبة)، وقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دخل صلى الله عليه وسلم مدينته واستقبله من كان فيها، وفي صفر من السنة الحادية عشر من الهجرة،
أَمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية لغزو الشام:
قيل كان عمره سبعة عشر وقيل عشرين عاما، ولكن تكلم الناس في هذا قالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، مثل ابو بكر وعمر وغيرهما الى محاربة الروم؟ وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما يتكلمون، فقام بعد صلاة من الصلوات فاستدار واستقبلهم على الفور قائلاً: (لقد بلغني ما تقولون في اسامة، ولئن طعنتم في إمارة أسامة، فلقد طعنتم في إمارة أباه من قبله، وأيم الله إنه كان للإمارة لخليقاً، وإن كان لأحب الناس إلي، وإن ولده هذا من أحب الناس إلي بعده، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم)، وبدأ المسلمون يستعدون للخروج، وأمره أن يسير حتى يصل الى مؤتة، وقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك، وأمره أن يعسكر على باب المدينة حتى يتجمع الجيش، وقبل أن ينطلق شاع الخبر بالمدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم وجعٌ لا يفك العصابة عن رأسه فتوقف الجيش ولم يتحرك، وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأيام ينزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعيت إلي نفسي)
خرج صلى الله عليه وسلم، لزيارة شهداء احد،
فوقف ومعه جمع من اصحابه وقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ثم دعا لهم واستغفر، ثم ألتفت الى أصحابه وقال: (وَددت أن لو رأيت إخواني)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواني الذين يأتون من بعدي يود أحدهم أن لو رآني بأهله وماله)، ثم قال: (وانا فرطهم على الحوض)، فقالوا: يا رسول الله, كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: (أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دُهم بُهم ألا يعرف خيله؟)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم, ألا هلم, ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقا سحقا)، وبعد أن رجع صلى الله عليه وسلم اصبح يشعر بأعراض الحمى وارتفاع الحرارة،
صلى يوما العشاء، وقال لأبي مويهبة رضي الله عنه:
انطلق بنا الى البقيع، فأمسك بيد ابي مويهبة لأن الحمى كانت تهزه صلى الله عليه وسلم، ودخل البقيع فوقف على اوله ثم قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن بكم لاحقون، اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة، أنزل عليهم روح منك وسلامٌ منا)، ثم دعا لهم واستغفر، ثم قال: (هنيئاً لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، لقد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها وآخرها أشر من أولها)، ثم التفت الى أبي مويهبة وقال له: (لقد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)، فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة)، ثم استغفر صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، وعاد وهو يشعر بصداع شديد في رأسه حتى اوصله ابا مويهبة الى باب حجرة عائشة وهو ممسك بيده، ودخل فوجدها تقول: وا رأساه، فأمسك برأسه الشريف وقال: (بل أنا والله يا عائشة وا رأساه)، ثم أخذ يداعبها لينسيها ألم راسها رغم مافيه هو من ألم فقال: (يا عائشة وما عليك لو متِّ قبلي، فقمت عليك فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك بيدي)، قالت من شدة غيرتها عليه: لو كنت فعلت لكنت نفضت يديك من دفني، وعدت لحجرتي وأعرست بزوجة جديدة، فضحك صلى الله عليه وسلم من قولها وردة فعلها رضي الله عنها وارضاها
اشتد الألم بالنبي صلى الله عليه وسلم فألتفت الى عائشة وقال:
(يا عائشة ما أزال اجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان، وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)، وكان مع شدة ألمه صلى الله عليه وسلم يخرج للصلاة بالناس في المسجد، ويبيت كل يوم في بيت زوجة من زوجاته وعندما رأى صلى الله عليه وسلم اشتداد المرض به والحمى وكان يقسم بين ازواجه حتى في مرضه، يطوف عليهن جميعاً فلكل واحدة يوم وليلة، حتى امنا زينب لما ثقل به المرض وأشتد وعلم أنه إن خرج من هذه الدنيا فلن يكلمها أحد من بعده ابداً ويعتبرونها مغضوبٌ عليها، فمشى صلى الله عليه وسلم وهو عاصبٌ رأسه، يجر خطاه على الأرض من شدة الحمى، حتى أتى حجرة زينب فطرق الباب ففتحت وذهلت فلم تعرف ماذا تصنع؟ وغمرتها الفرحة، وغاب عنها القيام بواجب رسول الله فلقد كانت قد طوت فراشه حين هجرها إجلالاً له، فلا يجلس عليه احد، ولا تنام هي عليه بل كانت تنام على الارض، فطوت سريره وكان السرير من قصب يجدل عليه الحبال ويطوى ويفرد طوت سريره ، وطوت فراشه، وأصبحت تنام على قطيفة في الارض احتراماً لفراش رسول الله، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وقفت مكانها لا تدري ماذا تصنع؟ رسول الله يسعى إليها بنفسه من غير أن ترجوه، من غير واسطة بينهم، من غير أن ينزل وحي؟ فلما رأها، عذرها لذهولها فمشى بنفسه الى السرير ووضعه على الأرض، ثم أخذ الفراش ووضعه عليه وأمرها ان تغلق باب الحجرة، ثم أتاها صلى الله عليه وسلم مع ما به من ألم ومرض وأغتسل في حجرتها، ومضى بقية اليوم وتلك الليلة كقسمتها كسائر ازواجه صلى الله عليه وسلم، ثم انتقل صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني الى بيت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وقد وثقل عليه المرض في بيت ميمونة واشتد الألم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع زوجاته وقال لهن: (لقد ثقل المرض بي وأصبحت عاجزاً عن التنقال الى حجراتكن أفتأذن لي أن أمرض في بيت عائشه؟)، فهي اقرب حجرة الى المصلى فقلن: أذنا لك يا رسول الله.
تمريضه في حجرة عائشة:
فلما أراد أن يقوم فما أستطاع صلى الله عليه وسلم أن يقف على قدميه فجاء علي والعباس فاتكأ عليهما، وخرجا به من حجرة امنا ميمونه الى حجرة امنا عائشة، ورجلاه تخطان الأرض، وأصبح يخرج للصلاة متكأً على الفضل بن عباس وعلي، وعندما أصبح لا يقوى على الخروج الى المسجد من شدة الحرارة التي يوعك بها، قال لأزواجه: (أفيضوا عليَّ من سبع قرب من ماء بئر، لعلي أستطيع أن أخرج إلى الناس)، ففعلن فلما خفت الحرارة قام ليلبس ثيابه ويخرج فما أستطاع فأغمي عليه، وتلقته أيدي أمهات المؤمنين حتى لا يسقط الى الارض فلما افاق قال: (أصلى الناس؟)، قلن: لا هم في انتظارك يا رسول الله، فقال: (أعيدوا علي الماء)، فأجلس في المخضب وسكب الماء حتى خفت الحرارة، فقام ليلبس ثيابه فلما أخذ في لبسها أغمي عليه ثانية من شدة الحرارة، فلما أفاق قال: (أصلى الناس؟)، قلن: لا هم في انتظارك يا رسول الله، فقال: (مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِ في الناس فإني لا أقوى على الخروج)، فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فقال: (مُرُوا أبا بكر فليصلِ بالناس)، ولكن امنا عائشة قالت لحفصة: قولي لرجل فليصلي عمر في الناس، فقالت حفصة لرجل في المسجد: قل لعمر فليصلي في الناس، فنظر الرجل في عمر وقال: قم يا عمر فصلي في الناس، فلما وقف عمر في المحراب وكبر وكان جهوري الصوت سمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال وهو في فراشه: (لا ، لا ، لا يرضى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، لا يرضى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، فلما أتم عمر نظر للرجل وقال: يغفر الله لك لِمَ أمرتني بذلك؟ قال: هكذا أمرتني حفصة، فلما روجعت ازواج النبي بذلك قالت عائشة: خشيت أن يتشائم الناس لمن يصلي في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر في وجه عائشة، وقال: (يا صويحبات يوسف يأبى الله ورسوله إلا ابا بكر)، فأصبح ابو بكر يصلي بالناس، ويثقل المرض ويشتد على النبي حتى كان يوم الخميس الثامن من ربيع الأول، ورأى الصحابة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليهم، وأصبحوا في قلقل وخافوا عليه خوفاً شديداً، وأخذ الانصار يبكون فلما علم بذلك صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة الظهر تقدم أبو بكر ليصلي بالناس، فقال النبي لعلي والفضل بن عباس وكانا يصليان أمام باب الحجرة قال لهما: (خذا بي الى المحراب)، فاتكأ عليهما ولم تلامس قدماه الأرض وهو معصوب الرأس من شدة الحرارة فلما رأه ابو بكر همَّ أن يرجع من الصف ليدع الإمامة للنبي صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن مكانك وجلس على يمين ابي بكر وصلى الظهر بصلاة ابي بكر.
خطبة وداع المسلمين:
كانت بعد آخر صلاة صلاها مع اصحابه بإمامة أبي بكر، أشار إليهم أن يحملوه الى المنبر، ثم جلس على أول درجة من المنبر لأن رجليه صلى الله عليه وسلم لم تحملاه للصعود على المنبر والتف الصحابة شوقاً حوله وخطب فيهم: فحمد الله وأثتنى عليه، وصلى على نفسه، واستغفر لشهداء أحد ثم قال: (أيها الناس، إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، أيها الناس إني لا أخشى أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها كما تنافس فيها من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم، أيها الناس إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا، وبين ما عند الله فاختار ما عند الله)، فبكى أبو بكر وارتفع صوته بالبكاء، ورفع يديه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فديناك بآبائنا، فديناك بأمهاتنا، فديناك بأموالنا، فديناك بأنفسنا يا رسول الله، فضج الصحابة وتعجبوا من أبي بكر، لماذا يبكي، وضج المسجد بالكلام لماذا يبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك يا أبا بكر)، ثم أخذ يدافع عنه ويبين فضله فقال: (أيها الناس، إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كُنت مُتَّخذًا خليلًا من أُمَّتي لاتَّخذتُ أبا بكر ،ولكن أُخُوَّةُ الإِسـلام ومودته، وما منكم من أحد كان له عندنا يد إلا كافأناه بها، إلا الصديق فإنا قد تركنا مكافأته لله عز وجل، ألا كل خوخة في المسجد تسد إلا خوخة ابي بكر)، ثم قال: (يا أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بُعث إليه؟ فأخلد فيكم، ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي، ألا إنه يوشك لي خفقان من بين أظهركم، ألا وإني أحب أن ألقى الله وانا راضياً مرضياً، من كنت جلدت له ظهراً، هذا ظهر محمدٍ فليقم إليه ويستقد، ألا من كنت شتمت له عرضاً، هذا دونكم عرض محمد فليقم ويستقد، ألا وإن الشحناء ليس من طبعي، ومن لم يفعل فليحللني بينه وبين ربه، حتى ألقى الله وليس لأحد في ذمة محمد حق)، وسكت واخذ ينظر في وجهه أصحابه كالمودع، فدمعت عيناه وبكى، فأخذ أصحابه يبكون وتسيل الدموع على لحاهم، فقال لهم مودعاً: (حياكم الله، آواكم الله، نصركم الله، رزقكم الله، أيدكم الله، رحمكم الله، حفظكم الله، رزقكم الله، نفعكم الله، وقاكم الله)، ثم نظر لأصحابه وقال: (بلغوا كل من جاء بعدي من أمتي السلام فإني أسلم عليكم واسلم على كل مسلم جاء ودخل في ديني الى يوم القيامة)، ثم اشار بيده للصحابة أن يحملوه وعاد وهو يتكئ على العباس وعلى علي رضي الله عنهما فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، والصحابة يبكون في المسجد. وها نحن نرد وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا سيدي يارسول الله جزاك الله عنا خير ما جزا نبيا عن امته، ونسأل الله أن يجمعنا بك في الجنة وأن يحشرنا تحت لواءك وعلى حوضك وأن يسقينا من يدك الكريمة شربةّ لا نظمأ بعدها، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
اللحظات الاخيرة من حياة النبي:
كان اذا مرض نفث على نفسه بالمعوذات، فمسح بها على جسده، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى عليه ويفيق، فلم يستطع أن يفعل هذا فأخذت امنا عائشة تنفث في يد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تمسح بيده الشريفة على جسده، رجاء بركة يده، ثم افاق فيقة من اغمائه وقال: (يا عائشة إن عندي في تلك الخانة دنانير من ذهب ماذا صنعتم بها؟)، قالت: هي عندي، فقال صلى الله عليه وسلم: (وماذا يقول محمد لربه إذا لقيه وفي حجرته سبعة دنانير ذهبية؟ احضريها يا عائشة)، فأحضرتها فوضعها في كفه ونظر إليها ثم قال: (يا علي خذ هذه الدنانير فأنفقها في سبيل الله، فلن يلقى محمد ربه وفي بيته دنانير من ذهب)، قالت عائشة: فلما خرج علي، والنبي يغمى عليه ويفيق كلما أفاق يسأل: (أرجعَ علي؟)، نقول: ليس بعد فلما رجع علي، قال له: (أنفقتها؟)، قال علي: أجل يا رسول الله كما تحب وترضى فقال النبي: (الحمد لله يلقى محمد ربه وهو بريء الذمة)، قالت عائشة: والذي بعثه بالحق كانت تمر علينا أيام، لا نملك شيء في حجرتنا من طعام أو شراب إلا قرص من شعير، فقمت في الليل يوماً لأسرج السراج فلم اجد فيه زيتاً وليس عندنا زيت وليس عندنا ما نشتري، فأرسلت به الى اسماء زوجة ابي بكر فقلت لها: يا اسماء اعصري لنا زيتا نضيء به حجرة النبي فو الله لا نملك زيتاً، فوضعت لنا فيه ما يضيء السراج، فلما كان يوم السبت وهو يفيق ويغيب من شدة الحمى اقبلت إليه ابنته فاطمة رضي الله عنها فلما رآها قال: (مرحباً بأبنتي)، وكانت أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً وهيئتاً ومشيتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأشبه لهجةً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت إذا دخل عليها في بيتها قامت إليه وقبَّلت يده ثم قبَّلها بين عينيها، وإذا دخلت عليه في أي حجرة قام إليها فأستقبلها من عند الباب، وأخذها من يدها وقبَّلَ بين عينيها، وقبلت يده واجلسها على فراشه جنباً الى جنب، ولكن اليوم حاول حين رآها فلم يستطع، فبكت وقالت: وااا كرب أباه، فقال: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم، أدني مني يا بنيتي)، فدنت وأجلسها على يمينه، ثم اقترب من أذنها وتحدث إليها حديثاً لم يسمعه أحد، فبكت بكاءاً شديداً، فلما رأى حزنها تحدث اليها مرة أخرى، فتوقفت عن البكاء وابتسمت وضحكت، وبعد وفاة النبي سألتها امنا عائشة عن ذلك فقالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها أن جبريل قد قرأ عليه القرآن مرتين هذا العام ثم قال: (لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري)، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حزنها أسر لها أنها ستكون أول أهل بيته موتا بعده، وانها سيدة نساء اهل الجنة فضحكت.
عيادته وآخر وصايا:
كان الصحابة يدخلون الى النبي صلى الله عليه وسلم يعودونه، قال أبو سعيد الخدري: جئنا النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عليه صالب من الحمى، فوضعت يدي على صدره فلسعتني شدة حرارته صلى الله عليه وسلم وما تكاد تقر يد أحدنا عليه من شدة الحمى فجعلنا نسبح، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد ما يلبسه، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء)، وكانت آخر وصاياه لأصحابه؛ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم، وأنفذوا بعث أسامة، يأمر أن يتحرك جيش أسامة بن زيد الى الشام، وكان الجيش قد عسكر في منطقة اسمها الجُرف على بعد حوالي ٧ كم من المسجد النبوي، وتوقف عن السير عندما اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يوم الأحد أي قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم واحد دخل أسامة بن زيد على النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتد بالنبي الألم فطأطأ أسامة فقبله والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلم، وجعل صلى الله عليه وسلم يرفع يده الى السماء ويضعها على أسامة يقول أسامة فعرفت أنه يدعو لي.
نظرة وداعه للمسلمين:
في فجر يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وقف أبو بكر يصلي بالناس صلاة الفجر، والرسول صلى الله عليه وسلم في حجرته لا يخرج الى صلاته بسبب ثقل مرضه، وكانت تقوم على وضوءه أمنا عائشة رضي الله عنها، وكان يصلي على فراشه صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أن يجلس، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت قرأته من حجرته، فوجد من نفسه صلى الله عليه وسلم خفةً ونشاطاً فقام ووقف على قدميه دون أن يتكئ على أحد، ثم كشف ستارة الحجرة، والمسجد يضاء بالسراج لا يكاد الرجل يبصر أمامه، نظر إليهم ثم تبسم يضحك كأن وجه القمر إذا اكتمل بدره قال الصحابه: فوالذي بعثه بالحق، أضاء المسجد كأنه في رابعة النهار، حتى إننا للنظر للخيط والمخيط، فرفعنا رؤوسنا ننظر إليه فهممنا أن نفتن من الفرح برؤيته صلى الله عليه وسلم، فأشار إلينا قائلاً: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، اللهم قد بلغت)، رفع اصبعه للسماء وهو يقول: (اللهم قد بلغت)،: ثم ارخى الستارة، وصلى الفجر في حجرته صلى الله عليه وسلم، فكانت آخرة مرة رأينا بها وجه النبي صلى الله عليه وسلم، تفائل الصحابة وأطمأنت نفوسهم، وسكنت قلوبهم، فقد ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد عاد الى صحته وتشافى من مرضه، فكانت هي النظرة الأخير نظرة الوداع، وانطلق بعض الصحابة بعد صلاة الفجر، يتدبرون شوؤنهم.
وفاة النبي:
حتى إذا طلعت الشمس، بعد صلاة الفحر، اشتدت حرارته وجعل يدخل يده في اناء من جلد به ماء، ويمسح بها وجهه وهو يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم أعني على سكرات الموت). قالت امنا عائشة: جلس صلى الله عليه وسلم على فراشه ورفع رأسه، فأتيت وأسندت ظهره الى صدري، فوضع رأسه بين سحري ونحري، وأشرق وجهه كأنه البدر، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر ليرى النبي وفي يده سواك لين أخضر، فظل النبي صلى الله عليه وسلم ينظر الى السواك ولا يستطيع ان يطلبه من شدة مرضه، فقلت: يا رسول الله بأبي وامي أنت، آخذ لك السواك، فأشار برأسه أن نعم، فأخذته وقرضت الجزء المستعمل منه، ثم لينته بالماء حتى طاب ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاك به جيداً كأشد ما يستاك قبل، ذلك حتى إذا قضى رغبته منه ألقى به بيده على صدره، فأخذته فتسوكت به فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم في حياته صلى الله عليه وسلم، ألا والذي بعثه بالحق لقد مضت أيام بعد وفاته، ما أكلت طعاماً، ولا شربت شراباً، مهما كان طعمه أو ريحه، إلا وبقي طعم ريق رسول الله في فمي، يغلب كل طعمٍ وكل ريحٍ، ثم رفع بصره الى سقف الحجرة، وكأنه يرى مقعده من الجنة، ويعرض عليه التخيير بين الموت وبين البقاء في الدنيا، لأن عموم المؤمنين يرون مقاعدهم من الجنة في قبورهم بعد موتهم، ولكن الأنبياء يبشرون بذلك في دنياهم قبل موتهم، قل النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر)، قالت امنا عائشة: ورفع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته وسمعته يتمتم بكلامات، لم افهمها فقربت أذني إليه وأصغيت له فإذا هو يقول:(مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفرلي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى)، ويكررها فعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به، إذن لا يختارنا، وعلمت أنه يكلم جبريل وانه يخير، فقلت: بأبي وامي انت يارسول الله، لقد اخترت الله علينا فما زال يرفع اصبعه وهو يقول: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، واشتدت عليه سكرات الموت، و بدء النزع، وحشرج صدره صلى الله عليه وسلم، ثم أرتخت يده الى جانبه وأخذ يثقل جسده في حجري، فظننت أنه قد أغمي عليه كما في السابق، فوضعت رأسه على الوسادة وخرجت اخبر الناس أن رسول الله قد عاوده المرض، فكان أقرب الناس إليه علي بن ابي طالب فدخل ونظر في وجهه ثم جهش علي بالبكاء وقال بأعلى صوته: بأبي وامي لقد قبض النبي لقد قبض النبي، فارتفع اصوات ازواجه بالبكاء، وتسرب هذا الخبر الفادح الى المدينة بسرعة مذهلة فكان الصحابة في حالٍ لا يعلمه إلا الله، في دهشة عظيمة لا يعلمها إلا الحي القيوم وقفوا في دهشة وحيرة وهم بين مصدقٍ ومكذب وضجت المدينة كلها بالاصوات والبكاء كأنه ضجيج الحجيج في منىً، ورفع عمر بن الخطاب سيفه وهو يقول: والله ما مات رسول الله، لقد ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى إلى لقاء الله، وغاب عن قومه أربعين يوماً وعاد مرة ثانية، ورسول الله ما مات وسيعود، وأذهل جميع الصحابة فأنطلق رجل في طلب ابي بكر فوجده على راحلته قريب من مزرعته، فقال له: يا ابا بكر، ارجع فقد قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
موقف ابو بكر واعلان وفاة النبي:
فرجع ابو بكر مسرعاً، ودخل المسجد فوجد الناس تبكي وعمر يهدد ويتوعد والسيف في يده، فلم يلتفت إليه ولم يكلمه، ودخل الى بيت ابنته عائشة، فوجد ازواج النبي صلى الله عليه وسلم حوله يبكون، وام سلمة تنادي بأعلى صوتها: وااا نبياه لقد انقطع عنا خبر السماء، فلا ربط بين السماء والأرض، فعلى من ينزل جبريل؟وفاطمة تنادي وتقول: وااا أبتاه من ربه ما أدناه ، وااا أبتاه الى جبريل ننعاه، وااا أبتاه جنة الفردوس مأواه، فلما دخل الصديق افسحوا له المكان، فأتى جسد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مسجاً ببرد يماني فأماط البرد عن وجهه، وجثا على ركبته أمام الحبيب، ثم نظر إليه، ووضع يده على صدغيه، وقبَّلهُ بين عينيه وخديه وهو يبكي وقال: بأبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً يا حبيبي، أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فها انت قد متها، ولا أنت أكرم على الله من أن يميتك مرتين، ثم أجهش بالبكاء وهو يقول: واااصفياه، واااخليلاه، وااانبياه، ثم غطى وجهه ببرده، ثم خرج مطأطأ الرأس فوجد عمر بن الخطاب لا يزال في ثورته وغضبه وهو يصرخ ويقول: من قال بأن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، اجلس يا عمر، فتركه ومشى الى المنبر ورقى منه درجة واحدة ثم قال بأعلى صوته: الحمد لله فلما سمع الناس ابا بكر، تركوا عمر وأقبلوا على ابي بكر وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، قال الصحابة: والذي بعثه بالحق وكأننا أول مرة نسمع هذه الآية، وغابت عنا أنها من القرآن فأخذنا نتلوها والبكاء يغلبنا ونحن نقول ونرددها، ثم نظرنا الى عمر بعد أن سمعها فإذا بالسيف يسقط من يده الى الارض، ثم وقف وكأن الارض تدور به لا يدري أين يوجه وجه؟وما راعنا إلا وعمر يسقط على الارض وقد أغمي عليه، فأخذنا نرش عليه الماء حتى افاق، قال عمر: والله الذي لا إله إلا هو، ما ظننت أن رسول يموت وغابت عني هذه الآية، فقام رجل من الانصار وهو في الروضة وقد بسط ذراعيه الى السماء يدعو وقال: اللهم إن كان نبيك قد مات حقاً، فخذ بصري فإني لا أحب أن أرى وجهاً بعد وجه، فعميَ فوراً وصاح آخر وقال: اللهم إن كان نبيك قد مات حقاً، فألحقني به الآن فإني لا أحب الحياة بعده ابداً فوقع ميتاً فوراً.
تجهيز النبي من غسل وكفن:
جلس الناس بالمسجد وعلا بكائهم، وكانت المدينة قد امتلأت بالناس عندما علموا بمرض النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابو بكر: ارسلوا لإخوانكم خارج المدينة أن قد قبض رسول الله، فليحضروا الى دفنه والصلاة عليه، وأرسل الى جيش اسامة وكان بالجرف فرجع الجيش كله، وغرس اسامة لواء الجيش على باب المسجد وكان تعداد الجيش ثلاثة آلاف، رجعوا ليحضروا الصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم، وجلس الناس وقد ذهلوا وغاب وعيهم، فأما علي رضي الله عنه فقد كسح، وكان عثمان رضي الله عنه قد خرس فلم يتكلم ولا كلمة إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، واخذت الوفود تفد حتى غصت المدينة، وقد وأرتفعت اصوات اهل المدينة بالبكاء في كل أنحاء المدينة، ثم اخذوا يتدبرون أمر تجهيزه صلى الله عليه وسلم ودفنه وعندما شرعوا في هذا التشاور، كان قد مضى النهار، وكان إذا دخل وقت الصلاة يصلي بهم ابو بكر الصديق، والنبي مسجاً في حجرته صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يتشاورون أين ندفن رسول الله؟ فمن قائلٍ: ندفنه الى جوار منبره، ومن قائلٍ: ندفنه في وسط الروضة، ومن قائلٍ: ندفنه في البقيع، فقال لهم ابو بكر: على رسلكم فو الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أذناي هاتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً ما نسيته وما غاب عني، قال صلى الله عليه وسلم: (ما قبض الله نبياً إلا حيث أراد ان يدفن)، ثم قال: نرفع فراش النبي صلى الله عليه وسلم ويحفر تحت فراشه فهذا موضع قبره، فلما كان الغد وأرادوا تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، ايضاً تشاوروا، فقالوا: أنغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه أم نجرده كما نجرد موتانا؟ فلم يجرء احدٌ أن يعطي فيه قولاً قال الصحابة: فألقى الله علينا النعاس فنمنا جميعاً، الصلاة على النبي وإن لحانا لتدق صدورنا، ولم يبقى يعي إلا ازواج النبي وآل بيته في الداخل، ثم سكتوا وساد الهدوء في المكان، ولم يظهر صوت ابداً حتى سمعوا صوت رنينٍ جميلٍ يخرج من حجرته صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا نشك أنه صوت جبريل، فقال: لا تجردوا رسول الله واغسلوه في ثيابه، ثم قال معزياً: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، المحروم من حُرم الفضل والأجر، إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا آخر عهدنا بالأرض، قال الصحابة: فعلمنا أنه صوت جبريل عليه السلام، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة يغسلونه، علي والعباس والفضل بن العباس وأسامة بن زيد، فجهزوا له الماء ووضعوا به نبات السدر، وشرعوا في غسله في ثوبه، فكان العباس والفضل يمسكون جسد النبي، وأسامة يكب الماء وعلي يغسله، دون أن يكشف جسده، إلا ان علي وضع على يده قطعة من قماش وأدخلها من داخل الثوب يتمم سنة الغسل أولاً، ثم دلكوه في ثوبه وريح المسك يفوح منه صلى الله عليه وسلم، وأخذ علي يغسله وهو يبكي ويقول: طبت حياً وطبت ميتاً يا رسول الله، ثم أضافوا إليه ثوبين ثم لفوه صلى الله عليه وسلم بالدرج، فتذكر علي حديثا سمعه والصحابة في اول مرضه، قال لهم النبي: (إذا أنا متُ، ولحقتُ بالرفيق الأعلى، فضعوني على سريري، واخرجوا عني جميعاً، فأول ما يصلي عليَّ جبريل والملائكة ثم تنزل ملائكة السماوات السبع يصلون علي، فإذا غبتم عني ساعة، فليدخل وليبدء علي الصلاة أهل بيتي أولاً رجالاً، ثم نساء أهل بيتي ثم يدخل من بعدهم المسلمون افواجاً افواجاً.
الصلاة على النبي ثم دفنه:
صنعوا كما أمر صلى الله عليه وسلم، فوضع على سريره في حجرته وأخلو الحجرة تماماً حتى مضى شيءٌ من الوقت، فصلوا الظهر والنبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، ثم شهد الجميع أن ريح المسك يخرج من حجرته صلى الله عليه وسلم فعلموا أن صلاة الملائكة قد انتهت. فدخل آل بيته يصلون عليه، وصلوا لا يؤمهم أحد، ودخل ازواجه ونساء اهل بيته فصلوا عليه، حتى إذا فرغ أهل بيته، قام شيوخ المهاجرين ابو بكر وعمر وعثمان وابو عبيدة وعدد منهم فدخلوا وهم يظنون أن أبا بكر سيأومهم بالصلاة عليه فوقف ابو بكر وقال: بأبي وامي انت يا رسول الله، أنت إمامنا حياً وميتاً لا والذي بعثك بالحق لا يؤم أحد بالصلاة عليك فأخذوا يصلون فرادا، كلٌ يصلي ويدعو ويخرج، ويدخل عليه غيرهم حتى صلى عليه المسلمون جميعاً، فأستغرق هذا حتى صلاة العشاء، فلما هموا بحفر القبر، وقفوا وقالوا: أنلحد لرسول الله أم نشق له شقاً؟ فقال العباس: نرسل الى من يشق والى من يلحد فأيهما حضر يكون له الأمر ثم بسط كفيه للسماء وقال: اللهم أختر لنبيك، وكان الذي يحفر ويشقه شقاً أبو ايوب الانصاري والذي يلحد لحداً ابو طلحة الأنصاري، فحضر ابو طلحة قبل ابي ايوب فقالوا: إذن ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقة أهل المدينة فنلحد له لحداً، ثم قفز بالقبر علي بن ابي طالب والفضل بن عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسامة بن زيد، ولما أنزل صلى الله عليه وسلم في قبره تذكر شقران قطيفة فهب من القبر مسرعاً واخذها من الحجرة وقال بأعلى صوته: لا والذي بعثك وقبضك إليه، لا يصلي عليها أحدٌ بعدك أبداً، ولا يرتديها أحدٌ بعدك ابداً، ثم وضعها على أرض القبر ووضع النبي صلى الله عليه وسلم في قبره عليها، ثم قال أنس: انتظروا لقد وقع مني خاتمي فقالوا له: أهذا وقت مثل هذا؟ ونزل أنس وقد رمى خاتمه قاصداً حتى ينزل الى قبر النبي مرة أخرى، ثم أخذوا يهيلون التراب، فسمعت ابنته فاطمة أصوات المساحين، فطلعت عليهم فاطمة واخذت التراب ولامسته وجهها تشمه ورفعت صوتها: وا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه أجاب رباً دعاه، وا أبتاه إلى جبريل ننعاه! وا أبتاه في جنة الفردوس مأواه، ثم قالت وقد علا صوتها وبكائها: يااا أصحاب النبي، أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على وجه رسول الله بأيدكم؟ فتوقفوا عن الدفن وجهشوا وضجوا بالبكاء فقال لها العباس: يا بضعة رسول الله نشدتك الله والرحم، نشدتك الله والرحم، إلا ما تركتنا حتى نفرغ من دفن رسول الله، فقام علي وأمسكها حتى أدخلها حجرتها رضي الله عنها وارضاها، قال انس: ما إن نفضنا أيدينا من تراب دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت منا القلوب، والذي بعثه بالحق حين دخل المدينة يوم هجرته أضاء منها كل شيء، ولما وارينه قبره أظلم منها كل شيء فسنموا القبر ورشوه بالماء. أي جعلوه كسنام الجمل، وحان وقت أول صلاة فأذن بلال رضي الله عنه، فلما جاء عند قوله: أشهد أن محمداً رسول الله بكى بلال رضي الله عنه ولم يستطع أن يكمل الأذان فبكى الناس، وضجت المدينة بالبكاء.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.